أعظمَ حقوقِ اللهِ على عبادِهِ وهوَ
توحيدُهُ عزَّ وجلَّ
وقد جاءَ في الحديثِ عنْ مُعاذٍ قالَ: “كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حمارٍ يقالُ
لهُ عُفَير، فقالَ ﷺ «يَا
مُعَاذُ هَلْ تَدْرِيْ حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حقُّ العِبَادِ عَلَى
اللهِ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: فَإِنَّ
حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوْهُ وَلَا يُشْرِكُوْا بِهِ شَيْئًا،
وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ [أي وعدهم سبحانه إن هم اتقوا أن يثيبهم الجنة
ويبعدهم عن النار] أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ أفلا أُبشِّرُ بهِ النَّاسَ؟ قالَ لا تُبشِّرْهُم
فيتَّكِلُوا» [صحيح مسلم كتاب
الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا]، قال ابن علان:
رجَّح ﷺ مصلحة ترك التبليغ لما فيه من الحثّ على الإكثار من صالح العمل على
التبليغ لما قد يؤدي إليه من التعطيل.اهـ [دليل الفالحين ج4 ص331].
وعلمنَا مِنْ ذلكَ أَنَّ اللهَ تعالى لا يغفرُ كفرَ الكافرِ إذا ماتَ عليهِ، أما معنى قولِ نوحٍ عليهِ السلامُ لقومِهِ كمَا أخبرَ اللهُ تعالى {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا} [سورة نوح / 10] أيِ اطلبوا مِنَ اللهِ أنْ يغفرَ لكمْ كفرَكُم بالإيمانِ بأنْ تؤمنوا.
نَصِيْحَةٌ وَتَذْكِيْرٌ:
الْتَجِىءْ إلى اللهِ تعالى فهوَ غافرُ الزللِ وقابلُ التوبِ سبحانهُ، فإنْ كنتَ
تعلمُ أنَّ الموتَ لا بُدَّ ءاتٍ فالاستعدادُ لهُ أولى مِنَ الاستعدادِ للحياةِ،
فإذا فعلتَ ذلكَ سُرِرْتَ عندَ الموتِ سرورًا لا نهايةَ لهُ، كلُّ نَفَسٍ مِنْ
أنفاسِكَ جوهرةٌ قيمتُها كبيرةٌ لأَنَّهُ إذا مضى نَفَسٌ فلا عودَ لهُ، فلا تفرحْ
إلا بعلمٍ أو عملٍ صالحٍ هما رفيقاكَ ويَصْحَبَانِكَ في القبرِ حيثُ يتخلفُ عنكَ
أهلُكَ وأصحابُكَ وولدُكَ، واصبِرْ على طاعةِ اللهِ ولو كصبرِ المريضِ على مرارةِ
الدواءِ انتظارًا للشفاءِ، وقُلْ لنفسِك أصبرُ اليومَ فلعلي أموتُ الليلةَ، وأصبرُ
الليلةَ فلعلي أموتُ غدًا، وأنتَ تعلمُ أَنَّ الموتَ لا يأتي في وقتٍ مخصوصٍ، ولا
حالٍ مخصوصٍ، ولا تَكُنْ مِنَ الذينَ يفرحونَ بكثرةِ أموالِهم معَ نقْصِ
أعمالِهِم، اجعَلْ لكُلِّ وقتٍ عَمَلًا تَعْمَلُهُ، وقتُكَ عُمُرُكَ وهو رأسُ
مالِكَ وعليهِ تجارتُكَ للوصولِ لنعيمِ دارِ الأبدِ. وقدْ روى الترمذيُّ مِنْ
حديثِ أَنَسٍ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ
يقولُ «قالَ اللهُ تعالى: يَا
ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ
فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ
ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ
لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي
شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»
[سنن الترمذي كتاب الدعوات عن رسول الله باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من
رحمة الله لعباده]، فالذي يسمعُ هذا الحديثَ وأمثالَه لا ينبغي أنْ يقنطَ مِنْ
رحمةِ اللهِ تعالى، وقدْ عدَّ الشافعيةُ القنوطَ مِنْ رحمةِ اللهِ تعالى مِنْ
معاصي القلبِ الكبيرةِ التي يجبُ على مَنْ وقعَ فيها أنْ يتوبَ منها فورًا،
فالقُنوطُ مِنْ رَحمةِ الله: هوَ أنْ يُسِيءَ العبدُ الظنَّ بالله فيعتَقِدَ أنَّ
الله لا يغفِرُ لهُ ألبتّةَ وأنَّه لا مَحالةَ يُعذّبهُ وذلك نَظرًا لكَثْرةِ
ذنُوبه مثلًا، فهوَ بهذا المعنى كبيرةٌ منَ الكَبائرِ لا يَنقُل عنِ الإسلامِ.
وطريقُ النجاةِ الذي ينبغي أنْ يكونَ عليهِ المؤمنُ أنْ يكونَ خائفًا راجيًا يخافُ
عقابَ اللهِ على ذنوبِه ويرجُو رحمةَ اللهِ، أمّا عندَ الموتِ فيُغلِّبُ الرجاءَ
على الخوفِ يجعلُ في قلبِهِ الرجاءَ رجاءَ عفوِ اللهِ، أما قبلَ ذلكَ يكونُ بينَ
الخوفِ والرجاءِ لماذا؟ حتى يستقيمَ في العملِ، أما عندَما يحضُرُهُ الموتُ ماذا
بقيَ لهُ إلا أنْ يرجوَ رحمةَ اللهِ تعالى فيُغلِّبُ الرجاءَ على الخوفِ عندَ
الموتِ يرجوْ رحمةَ اللهِ تعالى.
فائدةٌ: وردَ في الحديثِ عَنْ سَعْدِ
بنِ أبي وقاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
ﷺ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَكْسِبَ فِي الْيَوْمِ أَلْفَ حَسَنَةٍ، قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ:
يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ وَيُحَطُّ عَنْهُ
أَلْفُ سَيِّئَةٍ» [صحيح مسلم كتاب الذكر
والدعاء والتوبة ، مسند أحمد ج 1 ص 283].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم