الأربعاء، 25 فبراير 2026

تأويل بعض الأحاديث المتشابهة

 

ثانيًا: مِنَ الأَحَادِيْثِ الْمَرْفُوْعَةِ

قولُهُ ﷺ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي ءَادَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». [صحيح مسلم كتاب القدر باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء]

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ: ” أَيْ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيْئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَا يَفُوْتُهُ مَا أَرَادَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالإِصْبِعِ هَهُنَا النِّعْمَةُ. [إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 8 ص 142. المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 16 ص 174]

وقَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ: ” هَذَا يَسْتَحِيْلُ - أي الاتصاف بالجارحة- عَلَى اللهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ إِلَى قَانُوْنِ التَّأْوِيْل. [المسالك في شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي ج 7 ص 228]

وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: أَيْ بَيْنَ نِعْمَتَيْنِ مِنْ نِعَمِهِ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أُصْبُعٌ، أَيْ أَثَرٌ حَسَنٌ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ نِعْمَةً حَسَنَةَ. [التوضيح بشرح الجامع الصحيح لابن الملقن ج 30 ص 176. ابن الملقن الإمام الفقيه الحافظ ذو التصانيف الكثيرة سراج الدين أبو حفص عمر بن الإمام النحوي نور الدين الأنصاري الشافعي أحد شيوخ الشافعية، ولد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وبرع في الفقه والحديث وصنف فيهما مات في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة.اهـ  طبقات الحفاظ للسيوطي ج1 ص 541].

وحديثُ رسولِ اللهِ ﷺ الذي فيه: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ». [صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن باب تفسير قوله تعالى {ولا تقربوا الفواحش} [سورة الأنعام/151]، ورواه مسلم كتاب التوبة باب غيرة الله تعالى] قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: ” وَمَعْنَاهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَمْنَعَ مِنَ الْمَعَاصِي مِنَ اللهِ وَلَا أَشَدَّ لَهُ كَرَاهِيَةً لَهَا مِنْهُ تَعَالَى. [التوضيح بشرح الجامع الصحيح لابن الملقن ج 22 ص 339]

وَقَالَ القَاضِي عياضٌ: “الغَيْرَةُ مُشْتَقٌّ مِنْ تَغَيُّرِ حَالِ الغَيْرَانِ لِمَا رَءَاهُ مِنْ قَبِيْحِ فِعْلِ مَنْ غَارَ عَلَيْهِ، وَتَغَيُّرِّ قَلْبِهِ وَهَيَجَانِ حَفِيْظَتِهِ بِسَبَبِ هَتْكِ حَرِيْمِهِ لَدَيْهِ عَنْهُم وَمَنْعِهِم مِنْ ذَاكَ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَقَدَّس عَنْ تَغَيُّرِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَغَيْرَتُهُ مَا غَيَّرَهُ مِنْ حَالِ العَاصِي كَانَ بِانْتِقَامِهِ مِنْهُ وَأَخْذِهِ لَهُ وَمُعَاقَبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. [إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 8 ص 236]

وأمَّا ما وردَ في الحديثِ القدسيِّ: «يَا ابْن ءَادَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِيْ». [صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب فضل عيادة المريض وابن حبان باب ما جاء في الصفات، ذكر الخبرِ الدالِّ على أنَّ هذه الألفاظَ من هذا النوع أُطلقت بألفاظِ التمثيل والتشبيه على حسب ما يتعارَفُه الناسُ فيما بينهم دون الحكمِ على ظواهرِها]

قَالَ القَاضِي عياضٌ: “قَدْ فَسَّرَ فِي هَذَا الحَدِيْثِ مَعْنَى الْمَرَضِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَرَضُ العَبْدِ الْمَخْلُوْقِ. [إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 8 ص 39]

وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَمُلَّا عَلِيٌّ القَارِي  وَالْمُنَاوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا أَضَافَ الْمَرَضَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْمُرَادُ الْعَبْدُ تَشْرِيفًا لِلْعَبْدِ. [المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 16 ص 106. مرقاة المفاتيح بشرح مشكاة المصابيح للملَّا علي القاري ج 4 ص 8. التيسير في شرح الجامع الصغير للمناوي ج 2 ص 377. فيض القدير للمناوي ج 2 ص 313]

حديث: «يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيْدٍ فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُوْلُ: قَطْ قَطْ». [صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيْدٍ﴾ سورة ق / 30. صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء]

قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ: “قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَعْنَى “قَدَمَهُ” خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ يُسَمَّى قَدَمًا، أضَافَهُ إِضَافَةَ الْمِلْكِ إِلَى نَفْسِهِ. [المسالك في شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي ج 3 ص 466]

قَالَ ابْنُ فُوْرَكَ: “وَحَمْلُ مَعْنَى الْقَدَمِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُوْلُ لِلشَّىْء الْمُتَقَدِّمِ قَدَمًا”، ثُمَّ قَالَ: “وَقَالَ بَعْضُهُم: الْقَدَمُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَخْلُقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُسَمِّيْهِ قَدَمًا وَيُضِيْفُهُ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيْقِ الْفِعْلِ وَالْمِلْكِ، يَضَعُهُ فِي النَّارِ فَتَمْتَلِئُ مِنْهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ. [مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص 125. المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 17 ص 153]

قَالَ الحَافِظُ ابنُ حجرٍ وَبَدْرُ الدِّيْنِ العَيْنِيُّ: “الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْفَرَطُ السَّابِقُ أَيْ يَضَعُ اللهُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ. [فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج 9 ص 572. عمدة القاري في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ج 19 ص 186]

وأمَّا حديثُ رسولِ اللهِ ﷺ والذي فيهِ: «يَطْوِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ»  [صحيح مسلم كتاب صفة القيامة والجنة باب ج 17 ص 110 والبيهقي في الأسماء والصفات باب ما ذكر في اليمين والكف]

قَالَ القَاضِي عياضٌ: “أَرَادَ أَنَّهُ يَطْوِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقُدْرَتِهِ. [إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 8 ص 317-318] وَقَالَ النَّوَوِيُّ: “وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْيَدَيْنِ للهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ. [المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 17 ص 108]

وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: “قَالَ أَصْحَابُ التَّأْوِيلِ: الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالشِّمَالِ الْقُدْرَةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الطَّيِّ التَّسْخِيرُ التَّامُّ وَالْقَهْرُ الْكَامِلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ الْآنَ أَيْضًا، وَلَكِنْ فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَظْهَرَ، وَنَسَبَ طَيَّ السَّمَاوَاتِ إِلَى الْيَمِينِ وَطَيَّ الْأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ تَنْبِيهًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَقْبُوضَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ بَعْدَ أَنْ نَزَّهَ ذَاتَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ نِسْبَةِ الشِّمَالِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: “وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ” لِأَنَّ الشِّمَالَ نَاقِصٌ فِي الْقُوَّةِ عَادَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النُّقْصَانِ، وَعَنْ سَائِرِ صِفَاتِ الْحَدَثَانِ. [مرقاة المفاتيح بشرح مشكاة المصابيح للملَّا علي القاري ج 9 ص 457]

وحديثُ رسولِ اللهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَ». [ صحيح مسلم كتاب التوبة باب في الحض على التوبة والفرح بها ومسند أحمد ج 2 ص 608 والسنن الكبرى للبيهقي جماع أبواب من تجوز  شهادته]

قَالَ القَاضِي عياضٌ: “فَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَرْضَى بِتَوْبَةِ العَبْدِ أَشَدَّ مِمَّا يَرْضَى الوَاجِدُ لِنَاقَتِهِ بِالفَلَاةِ، فَعَبَّر عَنِ الرِّضَا بِالفَرَحِ تَأْكِيْدًا لِمَعْنَى الرِّضَا فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَمُبَالَغَةً فِي مَعْنَاهُ. [إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 8 ص 242]

وَقَالَ الطِّيْبِيُّ وَالحَافِظُ ابنُ حجرٍ فِيْمَا نَقَلَهُ عَنِ الخَّطَّابِيِّ: ” مَعْنَاهُ أَرْضَىْ بِالتَّوْبَةِ وَأَقْبَلُ لَهَا وَالفَرَحُ الْمُتَعَارَفُ فِي نُعُوْتِ بَنِي ءَادَمَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللهِ تَعَالَى إِنَّما مَعْنَاهُ الرِّضَا. [الكاشف عن حقائق السنن للطيبي ج 6 ص 83. فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج 12 ص 381. الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي الإمام المشهور صاحب شرح المشكاة وغيره، وكان ذا ثروة من الإرث والتجارة فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرا، وكان كريما متواضعا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة مظهرا فضائحهم شديد الحب لله ورسوله كثير الحياء ملازما للجماعة ليلا ونهارا شتاء وصيفا مع ضعف بصره بآخره، ملازما لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية فكان يشتغل في التفسير من بكرة إلى الظهر ومن ثم إلى العصر لإسماع البخاري إلى أن كان يوم مات فإنه فرغ من وظيفة التفسير وتوجه إلى مجلس الحديث فدخل مسجدا عند بيته فصلى النافلة قاعدا وجلس ينتظر الإقامة للفريضة فقضى نحبه متوجها إلى القبلة يوم الثلاثاء في الثالث والعشرين من شعبان سنة 743هـ اهـ الدرر الكامنة لابن حجر ج2 ص185-186]

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ” قَالَ الْعُلَمَاءُ فَرَحُ اللهِ تَعَالَى هُوَ رِضَاهُ .[ المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 17 ص 53]

وما وردَ في الحديثِ القدسيِّ: «يَسُبُّ بَنُو ءَادَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ». [صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن باب قول الله تعالى {وما يهلكنا إلا الدهر}  [سورة الجاثية / 24]، صحيح مسلم كتاب الألفاظ من الأدب باب النهي عن سب الدهر]

قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: ” أَيْ أَنَا مَالِكُ الدَّهْرِ وَمُصَرِّفُهُ، فَحُذِفَ اخْتِصَارًا لِلَّفْظِ وَاتِّسَاعًا فِي الْمَعْنَى. [التوضيح في شرح الجامع الصحيح لابن الملقن ج 23 ص 228]

وَقَالَ القَاضِي عياضٌ: ” وَهَذَا هُوَ مَعْنَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُفَسِّرُوْنَ مِنْ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ فِي الدَّهْرِ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. [ إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 7 ص 182-183]

وَقَالَ الطِّيْبِيُّ: ” وَالتَّقْدِيْرُ: أَنَا مُقَلِّبُ الدَّهْرِ وَالْمُتَصَرِّفُ فِيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّمَانَ يُذْعِنُ لِأَمْرِي لَا اخْتِيَارَ لَهُ. [الكاشف عن حقائق السنن للطيبي ج 2 ص 104]

وأمَّا حديثُ رسولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ» [صحيح البخاري كتاب الصلاة باب حَكِّ البُزاقِ باليدِ منَ المسجدِ]

قَالَ الحَافِظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ: ” قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ. [فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج 2 ص 67]

وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَلَّانَوَقِيْلَ: هُوَ عَلَى تَقْدِيْرِ مُضَافٍ: أَيْ عَظَمَةُ اللهِ أَوْ ثَوَابُهُ. [دليل الفاحين بشرح رياض الصالحين لابن علَّان ج5 ص 113. محمد علي بن محمد علان البكري الصديقي الشافعي: عالم بالحديث، من أهل مكة، له مصنفات ورسائل، منها ” دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ولد سنة 996هـ وتوفي سنة 1057هـ. الأعلام للزركلي ج 6 ص 293]

وأمَّا حديثُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» [صحيح البخاري كتاب العلم باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، صحيح مسلم كتاب السلام باب من أتى مجلسا فوجد فرجة فجلس فيها]

قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَالقَاضِي عياضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَالسُّيُوْطِيُّ: وَمَعْنَى: «فَآوَى إِلَى اللهِ» لَجَأَ إِلَيْهِ. «فَآوَاهُ اللهُ» أَيْ قَبِلَهُ وَقَرَّبَهُ، أَوْ ءَاوَاهُ إِلَى جَنَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: «فَاسْتَحْيَا» أَيْ تَرَكَ الْمُزَاحَمَةَ وَالتَّخَطِّيَ حَيَاءً مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَالحَاضِرِيْنَ، أَوِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُم أَنْ يُعْرِضَ ذَاهِبًا. «فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ» أَيْ رَحِمَهُ وَلَم يُعَاقِبْهُ. وَقَوْلُهُ: «فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» أَيْ لَم يَرْحَمْهُ وَسَخِطَ عَلَيْهِ “. [التوضيح في شرح الجامع الصحيح لابن الملقن ج 3 ص 310. إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 7 ص 66-67. المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 14 ص 130. تنوير الحوالك للسيوطي ج 2 ص 239، الديباج على صحيح مسلم للسيوطي ج 5 ص 195]

وَقَالَ الكِرْمَانِيُّ مَا حَاصِلُهُ: “وَاعْلَمْ أَنَّ الإِيْوَاءَ وَهُوَ الإِنْزَالُ عِنْدَكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الاسْتِحْيَاءُ لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُغَمُّ بِهِ، وَكَذَا الإِعْرَاضُ لِأَنَّهُ الْتِفَاتٌ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، فَهِيَ مُجَازَاةٌ: كَإِرَادَةِ إِيْصَالِ الخَيْرِ فِي الإِيْوَاءِ وَتَرْكِ العِقَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. [الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرماني ج 2 ص 26]

أمَّا معنى مَا وردَ في الحديثِ: «فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ» [صحيح البخاري كتاب الأذان باب فضل السجود]

قَالَ ابْنُ فُوْرَكَ: “أَصْلُ مَعْنَى الضَّحِكِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الظُّهُوْرُ وَالبُرُوْزُ وَالإِيْضَاحُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مِنْهُ يقَالُ: ضَحِكَتِ الأَرْضُ بِالنَّبَاتِ إِذَا ظَهَرَ نَبَاتُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِل: وَالْأَرْضُ تَضْحَكُ مِنْ بُكَاءِ السَّمَاءِ وَسَقْيِهَا أَيْ بِظُهُورِ زَهْرَتِهَا وَنُوْرِهَا مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ وَسَقْيِهَا، وَأَنَّ مَعْنَى وَصْفِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِهِ مِنَ الضَّحِكِ فَهُوَ عَلَى مَعْنَى إِظْهَارِ أَلْطَافِهِ وَفَوَائِدِهِ وَمِنَنِهِ وَنِعَمِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْخَبَر أَنْ يُظْهِرَ نِعَمَهُ وَمِنَنَهُ لهَذَا الدَّاخِلِ أَخِيْرًا الْجنَّةَ. [مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص 419]

وَقَالَ بَدْرُ الدِّيْنِ العَيْنِيُّ: ” وَهُوَ الرِّضَا مِنْهُ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ حَقِيقَةِ الضَّحِكِ عَلَى اللهِ تَعَالَى لَا يُتَصَوَّرُ. [عُمْدَةِ القَارِي بشرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ج 6 ص 82]

وَقَالَ ابْنُ الدَّمَامِيْنِيِّ: مَعْنَاهُ عِنْدَ العُلَمَاءِ: الرِّضَا، لا ضحكٌ بِلَهَوَاتٍ وَتَعَجُّبٍ كَمَا هُوَ مِنَّا. [مصابيح الجامع لبدر الدين الدماميني ج 2 ص 382. محمد بن أبي بكر المخزومي المالكي ابن الدماميني بدر الدين الإسكندراني، ولد سنة 763هـ، وتفقه بالإسكندرية فاق في النظم والنثر والخط، مات سنة 828هـ. اهـ إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر العسقلاني ج3 ص 361]

وَقَالَ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيُّ: وَهُوَ رِضَاهُ وَإِرَادَتُهُ الخَيْرَ. [منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى تحفة الباري لزكريا الأنصاري ج 2 ص 522. شيخ الإسلام زكريا بن محمد السُّنَيْكِيُّ الشافعي، محيي الدين أبو يحيى وأخذ أنواع العلوم عن شيوخ عصره كالقاياتي وابن حجر والجلال المحلي والشرف المناوي وغيرهم، وبرع وتفنن وسلك طريق التصوف ولزم الجد والاجتهاد في القلم والعلم والعمل وولي مشيخة الصلاحية وغيرها، وقضاء القضاة. ومن تصانيفه: ” شرح الروض” و” شرح البهجة “، و مختصره.اهـ نظم العيقان في أعيان الأعيان، (حرف الزاي) للسيوطي، وفي الأعلام أنه ولد سنة 823 هـ وتوفي سنة 926هـ. الأعلام للزركلي ج 3 ص 46]

ومعنى ما جاءَ في الحديثِ: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» [صحيح البخاري كتاب التهجد باب ما يُكرَهُ منَ التشديد في العبادة]

قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ: ” مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ وَيَتْرُكُ حَتَّى تَتْرُكُوا وَتَقْطَعُوا كَمَا تَقَدَّمَ، يُرِيْدُ: لَا يَتْرُكُ ثَوَابَكُم حَتَّى تَتْرُكُوا طَاعَتَهُ. [القبس بشرح موطأ مالك بن أنس لابن العربي ص 292]

وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: “يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْمُجَازَاةَ عَلَى العِبَادَةِ حَتَّى تَقْطَعُوا العَمَلَ، فَأَخْرَجَ لَفْظَ الْمُجَازَاةِ بِلَفْظِ الفِعْلِ لِأَنَّ الْمَلَلَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ. [التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن ج 9 ص 60]

وَقَالَ القَاضِي عياضٌ: “إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ: أَيْ لَا يَدَعُ الجَزَاءَ حَتَّى تَدَعُوا العَمَلَ، وَقِيْلَ: “حَتَّى” هَهُنَا بِمَعْنَى الوَاوِ، فَيَكُوْنُ قَدْ نَفَى عَنْهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ الْمَلَلَ فَيَكُونُ التَّقْدِيْرُ: لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّوْنَ. [إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض ج 3 ص 147]

تنبيهٌ مهمٌّ: مَنْ قالَ يجوزُ تسميةُ اللهِ ناسيًا وماكرًا ومستهزئًا ومخادِعًا ومستدرجًا ومُزَيِّفا كفرَ لأنَّه استخَفَّ باللهِ، وكذا يكفرُ مَنْ يُسَمِّي اللهَ المضلَّ لأنَّه جعلَه اسمًا للهِ كالرحمـنِ، فيكونُ معنى كلامِهِ يجوزُ أن نقولَ يا مضلُّ أعنِّي، أو أن يسميَ الشخصُ ولدَه والعياذُ باللهِ عبدَ المضلِّ، هذا لا اختلافَ بينَ العقلاءِ في بطلانِه، فلا يجوز تسميةُ اللهِ بغيرِ ما وردَ في القرءانِ أو السنةِ الصحيحةِ أو الإجماعِ.

فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن النقائصِ وهذا معنى القُدُّوسِ، وهذا ما يُعطيهِ معنى التسبيحِ بقولِنا سبحانَ اللهِ سبحانَ اللهِ. قالَ المناويُّ: “سبحانَ اللهِ: أي أُنزِّهُه عن كلِّ سوءٍ، فسبحانَ: عَلَمٌ للتسبيحِ أي التنزيهِ البليغِ. [فيض القدير للمناوي ج1 ص173]

عجيبةٌ: أبو مسلمٍ الخَوْلانِىُّ مرةً كان يُسبِّحُ بالسبحةِ ثم نام فصارتْ السبحةُ تدور فى يدِه وهو نائمٌ وتقولُ: سبحانكَ يا منبتَ النباتِ ويا دائمَ الثباتِ، ثم استيقظَ فنادى زوجتَه قال يا أمَّ مسلمٍ تعالَيْ انظري إلى أعجبِ الأعاجيبِ فلما جاءت سكتتِ السبحةُ. اهـ يا دائمَ الثباتِ معناهُ الذى وجودُه لا نهايةَ له. [ذكرها السيوطي في الحاوي كتاب الأدب والرقائق في رسالته المسماه المنحة في السبحة في الحاوي للفتاوي ج2 ص5 وابن عساكر في تاريخه ج 29 ص 120].

قال أبو نعيم: الخولاني أبو مسلم عبد الله بن ثوب، حكيم الأمة وممثلها، ومديم الخدمة ومحررها، عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحدًا قط، ولا يُتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه، وحصل من مدعي النبوة الكذاب الأسود العنسي في اليمن أن أرسل إلى أبي مسلم، فقال له: أتشهد أن محمدًا ﷺ رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: فأمر بنار عظيمة فأججت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره، فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلدك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فعقل على باب المسجد وقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي إليها، فبصره عمر بن الخطاب t فأتاه فقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره، قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فَقَبَّلَ ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني من الدنيا حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.اهـ حلية الأولياء ج 2 ص 138-145.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم