الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
نيل الرجاء
بشرح سفينة النجاء
للشيخ
الشاطري رحمه الله
المتن للشيخ
سالم بن عبد الله ابن سُمَير الحضرمي الشافعي، توفي سنة 1270 ه
الشارح
الشيخ أحمد بن عمر الشاطري الشافعي، توفي سنة 1370 ه
أتم شرح
الرسالة وهو ابن 24 سنة، شرحها بطلب من بعض أهل الشأن لما رأوا من نباغته العلمية
رحمه الله.
ص91
قوله في
مقدمة الشرح "نحمدُك اللهم" هي جُملة فعلية، كأنه أراد أن الحمدَ
يتجدّدُ مرةً بعد مرة، ومِثلُه قولُك "أحمَدُ الله". وأما الجمُلةُ
الاسميةُ تُفيدُ الثبات والاستقرار، وهي قولُك "الحمدُ لله" معناه
الحمدُ ثابتٌ لله عز وجلّ.
ص93
قوله الباء
للمصاحبة للتبرك، أي بمصاحبة اسم الله أؤلّف.
الكلام عند
النحاة اسم وفعل وحرف، وأعلاها الاسم، لأن يستقلّ بنفسه دون فعلٍ وحرف، لكنّ
الفعلَ لا يستطيع الاستقلال بنفسه، فلا يستطيع أن يكوّن كلامًا مُفهشمًا إلا مع
الاسم، تقول بكرٌ كبير. لذلك استغناؤك عن الناس علامة على علّوك وعزّتك وحاجتُك
إليهم يُنقص من قيمتك. دخل رجلٌ البصرة فسأل من سيد القوم هنا؟ فقالوا الحسن
البصري، فقال بما ساد الناس؟ قالوا حاجة الناس إلى علمه واستغناؤه عمّا في أيديهم.
أؤلّف: قدّر
فعلًا خاصًا مؤخرًّا، التقدير بالفعل وليس بالاسم (بسم الله الرحمٰن الرحيم مبدوء به، مبدوء اسم) لأن أصل العمل يكون للأفعال لا
للأسماء. لماذا قدّره خاصًا، لم يقدّره عامًا كـ أبتدِئ، أبتدئ بماذا؟ بالأكل
بالكلام بالتأليف، التقدير يُحوِج للسؤال عن ماذا كما أنه يحصِر البركة بأول
الكتاب، فتقديره أولّف تقدير خاص بالتأليف لكل الكتاب ويعيّن التقدير. لماذا قدّره
مؤخرًا ولم يقدّره مقدّمًا، أؤلف بسم الله الرحمن الرحيم؟ لتقديم البسملة عليه
للبركة لأن فيها ذكر الله فأُخِّرَ العامِلُ.
ص95
الحمد لغة هو
الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم.
قوله باللسان أخرج به الثناء بغيره، كالقيام للعالم احترامًا له، هذا نوع ثناء لكن
لا يُسمّى حمدًا لكونه بالفعل لا باللسان.
قوله الجميل
الاختياري أخرج به الجميل غير الاختياري كالحُسن والجمال كقول القائل مدحتُ
اللؤلؤة لحُسنِها، ولا يُقال حمِدتُها. فالجميل الاختياري هو الذي يفعلُه الإنسانُ
اختيارًا منه، كالتعليم والكرم ودفاعه عن مظلوم، هذا يفعله الإنسان باختياره.
أما الشيء
الذاتي الذي وُجد مع الإنسانِ خُلِق معه، فإن الثناء عليه به لا يُسمّى حمدًا
وإنما يُسمّى مدحًا، كمن يثني على وسامة شخصِ وجمال خِلقتِه، هذا مدحٌ ولا يُسمّى
حمدًا، لأن جمالَه ليس اختيارًا منه وإنما وُجِدَ معه.
قولُه على
جهة التعظيم أخرج به التحقير، قال تعالى في سورة الدخان الآية 49 عمّن يُعذّب
في النار {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} الوصف بالعزّة
والكرم ثناء، لكنَّ اللهَ قالَه على جهة التحقير لا التعظيم فلا يسمّى حمدًا ولا
مدحًا.
والحمد
عُرفًا أي اصطلاحًا، هو فعلٌ ينبِئُ عن تعظيم المُنعِمِ لإنعامِه عليك أو على
غيرك.
قوله فعل يشمل فعل القلب واللسان والجوارح، وهذا هو الشكر اللغوي. وهو أن
تستحضر بقلبك تعظيم الله تعالى على ما تفضّل به عليك من النعم، وقول ذلك بلسانك
وصرف جوارحك وصحتك بالعمل بمرضاة الله، كل ذلك يدخل في شكر الله سبحانه، قال تعالى
{اِعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ، 13].
الفرق بين
الحمد لغة وعرفًا أن آلته في العرف أعمّ لأنها تشمل عمل القلب والجوارح، لا اللسان فقط،
لذلك قال: الحمدُ العرفي هو الشكر اللغوي.
وأما الشكر
عُرفًا هو صَرفُ جميعِ ما أنعمَ اللهُ به عليك في طاعته سبحانه.
والنِعمة
هي اللذةُ التي تُحمَدُ عاقِبتُها. الإسلامُ نعمة وعاقبته دخول الجنة. العلم نعمة
وعاقبته الثواب في الآخرة. والملذات التي لا تُحمدُ عاقبتُها هي التي أعطِيَت
للكفار فلا تُسمى نِعمة وإنما استدراج، والاستدراج أن اللهَ يُملي للعاصي على
عِصيانِه، وتَسمِيَتُها نِعَم فمِن باب المجازِ لا الحقيقة. وتُسمى ملذات الكفار
هذه نَعمة بفتح النون، كما جاء في موضعَين في كتاب الله عز وجل، قال تعالى {وَذَرْنِي
وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} [المزمل، 11]،
وقال سبحانه {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان، 27].