قال نزار حمّادي
بعضُ سفهاء الأحلام يظنّ أنه قادرٌ على تحريف عقيدة الإمام مالك أو عقيدة أئمة المالكية، وبعضهم يظنّ أنه يمكنهُ التلاعب بكلام الإمام القرطبيّ المفسر الجليل صاحب الجامع لأحكام القرآن، فيأتي بكلامهِ مبتورًا ويتركُ محكمَ كلامهِ الكثير الصريح، فيصور الإمامَ القرطبيّ على أنه على عقيدة أدعياء السلفية، وأنه يخالف أهل السنة الأشاعرة، وهذا نهاية الخذلان.
هؤلاء لا يستحقون أيّ ردّ لتناهيهم في الغباوة والجهل، ولكن بالمناسبة سنذكر لأهل السنة كلاما للإمام القرطبيّ مغمورًا لا يعرفهُ أكثر الناس لأنه من كتابه الجليل الأسنى في شرح الأسماء الحسنى الذي لا توجد له إلى الآن طبعة كاملة معتبرة.
وفي هذا الكلام الجليل يبين الإمام القرطبيّ أن عقيدة الإمام ابن عبد البرّ والإمام الطلمنكي هي نفس عقيدة الإمام القاضي الباقلاني شيخ أهل السنة الأشاعرة، عقيدة التنزيه لله تعالى عن الجسمية ولوازمها، وأن الذي يتهم الإمام ابن عبد البرّ بالتجسيم هو مجرّد جاهل أو شيطان ملبّس والله حسيبهُ على إفكهِ وبهتانه.
السجزي يقطعُ دابر التجسيم ويبين بالقطع واليقين أن الكيفية التي يثبتها أدعياء السلفية ينفيها السجزي مطلقا ويعتبرها من لوازم الأجسام المخلوقة.

نستمر في إفادة طلبة العلم وأهل الاختصاص ببيان مناقضة عقيدة أبي نصر السجزي (ت444هـ) لأدعياء السلفية.
فانظروا كيف جعل الغضب والرضا والضحك من الصفات الذاتية، خلافًا لأدعياء السلفية الذين يعتقدون أنها أفعال حادثةٌ يُحْدِثُها اللهُ في ذاته متى شاء، واستحضروا أن السجزي نص في كتبه أن الله تعالى لا يوصف بالأفعال الحادثة مطلقًا وأنه منزه عن حلول الحواث بذاته.
ثم انظروا كيف يرفضُ السجزيُّ تفسيرَ ما لم يفسره النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من الصفات، وهذا يوقع أدعياء السلفية في ورطة كبرى، فإن كان المقصود بالتفسير شرحُ الكيفية التي يثبتونها ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كيّفوا بعض الصفات ولم يكيّفوا البعض الآخر، وكفى بذلك فضيحة لأن التكييف ضلال عند البعض وكفر عند البعض، وإن كان المقصود بالتفسير تفسير معنى الصفة فهذا أيضا ينقض عقيدتهم المبنية على أن جميع معاني الصفات معلومة المعنى فسرها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكيف يقول السجزي إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يفسروا كل إلا بعض الصفات.
وبه يظهر جليا أن نفي التفسير يدل على نفي تفسير المعنى لا نفي تبيين الكيفية، وأن الكيفية التي ترجعُ للجسمية منفية مطلقا عند السجزي، كيف وقد صرح هو بنفسه بنفي التجسيم رأساً وصرح بتنزيه الله تعالى عن الأداة وعن الاتصاف بالحوادث أفعالا كانت أو صفاتٍ، خلافا لأدعياء السلفية فنصوصهم صريحة في أن لله تعالى أبعاضا وأجزاءً كما في كلام العثيمين صريحا وغيره، وبالتالي هم يعتقدون أن لله تعالى كيفية (شكل مقدار طول عرض عمق) ولكنها مجهولة فقط في الدنيا لأنها لا تعلم إلا بالبصر، وأين كلام السجزي من هذا الباطل.

تنويرًا للبصائر ورفعا لشبهات أهل الزيغ والباطل:
هذا كلامُ أبي نصر السجزي الذي يتمسك به أدعياء السلفية في تضليل أهل السنة الأشاعرة، كلامُهُ ناقضٌ لعقائدهم الفاسدة نقضا مبرمًا، وهو أقرب إلى أهل السنة الأشاعرة حيث يعتقدُ مثلهم استحالةَ حلول الحوادث بذات الله تعالى، حتى الكلام الذي يثبتُهُ لله تعالى ويتمسك بأنه حروف وأصواتٌ يعتقدُ أنه قديمٌ صفةٌ من صفات ذات الله تعالى وأنه لا يدخله التعاقبُ والحدوثُ لأن الله عنده ليس بجسم ولا يتكلَّمُ بأداةٍ.
الآن أهل الاختصاص وطلبة العلم يعرفون حق المعرفة أن عقيدة ابن تيمية وسائر مقلدته من أدعياء السلفية رأسُ مالهم إثباتُ اتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة المتعاقبة، من ذلك أنه يتكلم بمشيئته بأن يُحْدث في ذاته صوتا بعد صوتٍ ويقوم بذاته حرف بعد حرْف، ويربطون ذلك بعقيدة الفلاسفة التي هي حوادث لا أول لها، فكل من له ذرة عقل يعلم أن السجزي مناقض لهم كل المناقضة، وأنه أقرب إلى أهل السنة الأشاعرة، بدليل أن الأشعري لا يضلل من قال بأن كلام الله تعالى حرف وصوت ولكنه قديمٌ بلا تعاقب، والدليل على ذلك أن الإيجي الأشعري اختار هذا القول ووافقه عليه بعض الأشاعرة، وذلك لأنه ليس قولا يستلزمُ حلول الحوادث بذات الله تعالى ولا القول بحوادث لا أول لها.

لن يفهم كلامَ السجزي في إثبات فوقية الله تعالى بذاته على العرش من غير تحديد ولا جسمية ولا مكان إلا من قرأ مقدمتنا لكتاب الإبانة لشيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري وعلم مقصود أهل السنة بأن الله تعالى فوق عرشه بذاته وأنه ردّ على الجهمية القائلين بأن الله ممتزج ومختلط بذاته في كل مكان، وهذا مقصود الإمام ابن أبي زيد القيرواني في عقيدة الرسالة وعقيدة جامع اختصاره على المدونة، وهو عقيدة أجمع عليها أهل السنة والجماعة كما في رسالة أهل الثغر للإمام ابن مجاهد البصري المالكي المتكلم تلميذ الأشعري.
كل تلبيسات أدعياء السلفية ومحاولتهم ترويج التجسيم تبوء بالفشل عند ظهور مثل هذه النصوص القطعية الدلالة للسجزي الذي لا يخالف الأشاعرة في قواعد العقائد، ولو عُرِضَ على السجزي عقائد أدعياء السلفية في الجسمية والجلوس على العرش والتحديد والحركة وقيام الحوادث بذات الله تعالى لتبرأ منهم كل البراءة.
والسجزي أعيى كلامُهُ المُحْكَم مرقعة المجسمة الصغار الذين حفظوا كلمات تلبيسية يرددونها كقولهم إن السجزي يقول بقدم نوع الصفات وحدوث أفرادها، وغير ذلك من الكلمات التي حفظوها من كتب ابن تيمية وأصلها الفلسفي معروف، كأن السجزي كان فيلسوفا قائلا بحوادث لا أول لها وقائلا بأزلية المخلوقات.. وهذا كلامٌ لا يقبله إلا العميان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم