الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
لو أُتيح لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله أن يجلس بيننا اليوم، ويُصغي بأذنيه إلى ما يُفرزه بعض "الوهابية" من مناهج في أبواب التوحيد والصفات، لربما وجد أن مثل الذبابة الذي ضربه في "الإحياء" لم يكن مجرد تمثيل نظري، بل كان نبوءة دقيقة لواقع سيأتي بعده بقرون، واقعٌ تحاول فيه عقولٌ مسطّحة أن تحصر الخالق المطلق في قوالب يتعارف عليها المخلوق المحدود.
يقول رحمه الله في إحياء علوم الدين: "لو كان للذباب عقل وقيل له ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولا له طيران؛ لأنكر ذلك وقال: كيف يكون خالقي أنقص مني؟! أفيكون مقصوص الجناح؟ أو يكون زَمِناً لا يقدر على الطيران؟ أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوري؟ وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل!" 📚 إحياء علوم الدين [5/17] .
أتدري ما الذي يكشفه هذا المثل بجلاء لا يقبل المراء؟
الذبابةُ في المثل لم تُخطئ لأنها تفكر، بل أخطأت لأنها تقيس. إنها تتوهم أن الأجنحة والطيران قمةُ الكمال الممكن، فلا تستطيع أن تتصور كمالًا يتخطى إطارها الذبابي الضيق. وهذا بالضبط، لا زيادة ولا نقصان، ما يفعله من يقرأ النصوص الشرعية بعقل مادي حرفي جامد: لا يستطيع أن يتخيل وجودًا بلا حيّز، ولا استواءً بلا مكان، ولا يدًا ولا عينًا إلا بالمعنى الجارحي الحسّي الذي يعرفه من نفسه.
ثم يظن بجهل مُوغِل أن من ينزّه الله عن هذه المعاني الجسمانية إنما يسعى إلى نفي الله أو التنقيص منه، وهو في الحقيقة لا يصف الله، بل يصف سقف إدراكه هو. والأشد إثارةً للعجب أن هؤلاء يُصنّفون أنفسهم حُماةً للنص، وهم في الغالب أجهل الناس بمقاصده، يأخذون اللفظ ويدعون الحقيقة، يتمسّكون بالقشر ويرمون باللّب، ثم يجترئون على أئمة كالغزالي والرازي وابن حجر وينعتونهم بالتجهّم والتعطيل، في جسارة لا تعكس غير ثقة العاجز بجهله. الحقيقة التي لا حيلة في ردّها هي أن الكمال البشري ليس مقياسًا للكمال الإلهي، لا من قريب ولا من بعيد.
والقاعدة القرآنية الخالدة قاطعة لا تحتمل التأويل الرخيص: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فالله سبحانه متصف بصفات الكمال المطلق اللائقة بجلاله وعظمته، لا اللائقة بمدارك خلقه. وعقولنا خُلقت لتتفكر في آلائه ومصنوعاته، لا لتُحيط بذاته وتُفصّل صفاته على مقاسها المحدود.
من أراد التوحيد الخالص فعليه بالتنزيه، ونفي الكيفية عن الله تعالى، بعيدًا عن وهم التجسيم الذي لم يحتجب عن بصيرة الغزالي، حين رآه ذات يوم في عيون ذبابة متخيَّلة. رحم الله الإمام، فقد كتب لأجيال لم تُولد بعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم