الأربعاء، 11 فبراير 2026

قصة هابيل وقابيل / طبعة معهدنا

 

قِصَّةُ هَابِيلَ وقَابِيلَ ابنَي آدَم عَلَيه السلام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧[سورة المائدة] بَعدَ أَنْ هَبَطَتِ السَّيِّدَةُ حَوَّاءُ مَعَ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيهِما السَّلَامُ مِنَ الجنةِ، وَلَدَتْ أَربَعِينَ بَطنًا، وكَانَت تَلِدُ في كُلِّ بَطنٍ ذَكَرًا وأُنثَىٰ، وكَانَ سيدُنا ءادمُ u النَّبَيُّ الرَّسُولُ الَّذِي كَانَ عَلَىٰ دِينِ الإِسلَامِ يُزَوِّجُ الذَّكَرَ مِنْ كُلِّ بَطنٍ بِأُنثَىٰ مِنَ البَطنِ الآخَرِ لِيِتكَاثَرَ البَشَرُ. وكَانَ لَا يَحِلُّ لِلذَّكَرِ أَن يَتَزَوَّجَ أُختَهُ مِن نَفسِ البَطنِ، فوُلِدَ مَعَ قَابِيلَ أُختٌ جَمِيلَةٌ اسمُهَا إِقْلِيمْيَاء، ووُلِدَ مَعَ هَابِيلَ أُختٌ أَقَلُّ جَمَالًا اسمُهَا لِيُوذَا، فأَرَادَ قَابِيلُ أَن يُخَالِفَ الشَّرِيعَةَ وأَن يَتَزَوَّجَ أُختَهُ التَّوأَمَ إِقلِيمْيَاءَ رَغبَةً بِجَمَالِهَا بَدَلًا مِن تَوأَمَةِ أَخِيهِ الطَّيِّبِ هَابِيل.

وجَادَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ، فَأَمَرَهُمَا سَيِّدُنَا ءَادَمُ u بتَقدِيمِ قُرْبَانٍ وَهُوَ مَا يُتقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ U مِن ذَبِيحَةٍ أَو صَدَقَة، ثُمَّ تَوَجَّهَ سيدُنا ءَادَمُ إِلَىٰ مَكَّةَ لِيَحُجَّ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ، وكَانَ هَابِيلُ الطَّيِّبُ صَاحِبَ غَنَمٍ وقَابِيلُ صَاحِبَ زَرعٍ.

فَقَرَّبَ هَابِيلُ كَبشًا سَمِينًا أَخَذَهُ مِن أَجوَدِ غَنَمِهِ قُربَانًا قَاصِدًا مَرضَاةَ اللهِ سُبحَانَهُ وتَعَالىٰ، فَتَقَبَّلَهُ اللهُ U، وكانَتْ عَلَامَةَ القَبُولِ نَارٌ تَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأخُذُ القُربانَ، فرُفِعَ هٰذَا الكَبشُ إلَى الجنةِ كَما قِيلَ وَبَقِيَ يَرعَىٰ فِيهَا إِلَىٰ أَن فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ إِسمَاعِيلُ u.

وأَمَّا قَابِيلُ فَلَم يَكُن مِن أَهلِ الطَّاعَةِ والتَّقوَىٰ، فَقَدَّمَ حُزمَةً مِن سُنبُلٍ واختَارَهَا مِن أَردَإِ زَرعِه، ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِيهَا سُنبُلَةً طَيِّبَةً فَفَرَكَهَا وأَكَلَهَا إِمعَانًا في بُخلِهِ في تَقدِيمِ الطَّيِّب، فَلَم يَتَقَبَّلِ اللهُ مِنه، وعِندَمَا رَأَىٰ قَابِيلُ ذٰلِكَ حَسَدَ أَخاهُ هَابِيلَ الطَّيِّب، وصَارَ الشَّيطَانُ يُوَسوِسُ لِقَابِيلَ بِأَن يَقتُلَ أَخاهُ ويَرتَكِبَ بِذٰلِكَ أَكبَرَ المَعَاصِي بَعدَ الكُفرِ بالله، وَهُوَ قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ قَتلَهَا إِلَّا بِالحَقّ.

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ إِخبَارًا عَن هَابِيل﴿ لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨[سورة المائدة] هَدَّدَ قابيلُ أَخاهُ هابيلَ الطَّيبَ الَّذِي كانَ أَشَدَّ قُوَّةً مِنهُ بِأَنَّهُ سَيَقتُلُه، فَرَدَّ عَلَيهِ بِأَنَّهُ يَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ وأَنَّهُ لَن يَرُدَّ عَلَيهِ بِالمِثل، وَسَهَّلَت نَفسُ قَابيلَ لَهُ المَعصِيَةَ وَشَجَّعَتْهُ وصَوَّرَتْ لَهُ أَنَّ قَتلَ أَخِيهِ هَيِّنٌ.

ورُوِيَ أَنهُ لَم يَكُن يَعرِفُ كَيفَ يَقتُلُهُ فَجَاءِ إِبلِيسُ اللَّعِينُ إِلَيهِ مُتَشَكِّلًا، يَحمِلُ طَيرًا فَجَعَلَ يَضرِبُهُ عَلَىٰ رَأسِهِ بِحَجَرٍ لِيُعَلِّمَ قابيلَ مَاذَا يَفعَلُ بِأَخِيه. ثُمَّ ذَهَبَ قابيلُ إلىٰ أَخِيهِ ومَعَهُ حَجَرٌ كَبِيرٌ فوَجَدَهُ نَائِمًا، فاقتَرَبَ مِنهُ خِلسَةً كَي لَا يُوقِظَهُ، وفي لَحظَةِ الغَفلَةِ ضَرَبَهُ بالحَجَرِ عَلَىٰ رَأسِهِ فَشَجَّهُ وجَرَتِ الدِّمَاءُ حَتَّىٰ مَاتَ رَحِمَهُ الله، فكَانَ بِذٰلِكَ أَوَّلَ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ حَقّ، ولَـمَّا قَتَلَ قابيلُ أَخاهُ صَارَ يُفَكِّرُ مَاذَا يَفعَلُ الآنَ؟ فوَضَعَ أَخاهُ المَقتُولَ في كِيسٍ جِلدِيٍّ وحَمَلَهُ عَلَىٰ عُنُقِهِ وسَارَ بِهِ في البَرَارِي حَتَّىٰ تَغَيَّرَ جَسَدُ هَابِيل، فَأَحَسَّ قابيلُ بِالسِّبَاعِ والطُّيورِ تَحومُ فَوقَهُ وحَولَه، تَنتَظِرُ حتّىٰ يَرمِيَ الجُثَّةَ فتَأكُلَهَا، قال تعالىٰ ﴿ فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠ [سورة المائدة].

وبَينَما هُوَ في حَيْرَتِهِ إِذ جَاءَ غُرَابَانِ فاقتَتَلَا أَمامَ قابيلَ، فقَتَلَ أَحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ نَزَلَ إلى الأرضِ يَحفِرُ لَهُ بِمِنقَارِهِ حُفرَةً أَلقَاهُ فِيهَا، وقِيلَ إِنَّ قَابيلَ كانَ يَعلَمُ الدَّفنَ ولٰكِنَّهُ تَرَكَ أَخاهُ بالعَرَاءِ استِخفافًا بِه، فبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَنبُشُ التُّرَابَ ويُثِيرُهُ بِمِنقَارِهِ عَلَىٰ جُثَّةِ هابيلَ لِيَدفِنَه، فقالَ عِندَ ذٰلِكَ: «يَا وَيلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَن أَكونَ مِثلَ هٰذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي»، فأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِين، حَيثُ رَأَىٰ إِكرَامَ اللهِ تَعالىٰ لِهَابِيلَ الطّيّبِ بِأَن سَخَّرَ لَهُ الغُرَابَ حَتَّىٰ وَارَاه.

ثُمَّ إنَّ سيِّدَنا ءَادَمَ u وحواءَ وأولادَهُما سَخِطوا علىٰ قابيلَ بسببِ قَتلِهِ لِأَخِيه، ولَـمَّا عَرَفَا أَينَ دُفِنَ أَتَيَا قَبرَهُ وبَكَيَا أَيّامًا عَلَيه، ثُمَّ إِنَّ قابيلَ كانَ علىٰ قِمَّةِ جَبَلٍ فنَطَحَهُ ثَورٌ فوَقَعَ إلىٰ السَّفحِ ومَات.

ونُذَكِّرُ أنَّ قابيلَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ هابيلَ كانَ مُسلِمًا كَكُلِّ أَبنَاءِ سيدِنا ءَادَمَ

الَّذِينَ كانوا في زَمَانِه، ولَم يَكُن كافِرًا وَلٰكِنَّهُ كانَ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ ارتَكَبَ مَعصِيَةً كَبِيرَةً بقَتلِهِ أخاهُ ظُلمًا وعُدوانًا. وأَصلُ هٰذِهِ القِصَّةِ ومُوجَزُها مَذكورٌ في القُرءَانِ الكَرِيمِ لِلتَّحذِيرِ مِنَ الحَسَدِ، ولبَيَانِ أنَّ الحَسَدَ قَد يُوقِعُ في سُوءِ العَاقِبَةِ كَما جَرَىٰ بَينَ قابيلَ وهابيلَ.

قالَ رَسُولُ الله «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا وَذٰلِكَ لِأَ نَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» رَوَاهُ البُخَارِيّ(١)، فعُلِمَ مِن ذٰلِكَ أَنَّ قَابِيلَ مَا تَابَ مِن قَتلِهِ لِهابِيل.



(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي يُعذَّب الميتُ ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النَّوح من سنته، عن السيدةِ عائشةَ رضي الله عنها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم