الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن كان المريض مرجو الشفاء فلا يجزئه الإطعام، وإنما عليه أن ينتظر حتى يبرأ بإذن الله ثم يقضي تلك الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. { البقرة:184}. وأما إن كان مرضه مما لا يرجى برؤه فعليه فدية إطعام مسكين عن كل يوم أفطره، وأما مقدار الفدية فمد من طعام عند الشافعية، ومد من بر أي قمح أو نصف صاع من غيره عند الحنابلة، والمد 750 جراما تقريبا، ونصف الصاع كيلو ونصف تقريبا.
مقدار الفدية
وقد بيّن النووي مذاهب العلماء في مقدار الفدية فقال ما عبارته: مذهبنا أنه لا صوم عليه -أي العاجز عن الصوم- ويلزمه الفدية على الأصح وهي مد من طعام عن كل يوم سواء في الطعام البر والتمر والشعير وغيرهما من أقوات البلد. هذا إذا كان يناله بالصوم مشقة لا تحتمل ولا يشترط خوف الهلاك، وممن قال بوجوب الفدية وأنها مد طاووس وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي، قال أبو حنيفة: يجب لكل يوم صاع تمر أو نصف صاع حنطة، وقال أحمد: مد حنطة أو مدان من تمر أو شعير، وقال مكحول وربيعة ومالك وأبو ثور: لا فدية واختاره ابن المنذر. انتهى.
فمن عجز عن صيام رمضان لكبر أو مرض مزمن فإن عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لقول الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].
قال ابن عباس: هي باقية في الرجل الكبير والمرأة الكبيرة.
وقد اختلف العلماء في مقدار الفدية عن كل يوم، فذهب المالكية والشافعية إلى أن مقدار الفدية مدٌّ عن كل يوم، وبه قال طاووس وابن جبير والنووي والأوزاعي وغيرهم.. وهو الأقرب إلى الصواب.
وذهب الحنفية إلى أن مقدار الفدية صاع؛ إلا من الحنطة فنصف صاع.
وذهب الحنابلة إلى أن مقدار الفدية نصف صاع؛ إلا من الحنطة فمد.
فعلى مذهب الجمهور فإن المقدار الواجب عن الثلاثين يومًا هو سبعة آصع ونصف، وفيها أن الأحوط اعتبار الصاع بثلاثة كيلو غرام.
فالوجب في الثلاثين يومًا هو اثنان وعشرون كيلو ونصف. هذا مع التنبيه إلى أن الزيت ليس مرادًا في الاطعام، وإنما المراد ما يقتاته الناس كالبر والشعير والتمر.
والله أعلم.
مقدار الصاع
الصاع النبوي يساوي أربعة أمداد، والمد يساوي ملء اليدين المعتدلتين، وأما بالنسبة لتقديره بالوزن فهو يختلف باختلاف نوع الطعام المكيل، ومن هنا اختلفوا في حسابه بالكيلو جرام، فمنهم من قدره بـ 2040 غرامًا، ومنهم من قدره بـ 2176 غرامًا، ومنهم من قدره بـ 2751 غرامًا.
وأما بالنسبة لتقديره بالرطل فذهبت المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يساوي خمسة أرطال وثلثًا بالعراقي، وذهب الأحناف إلى أنه يساوي ثمانية أرطال بالعراقي، وبناء عليه تكون الأمداد الأربعة عند الحنفية تعادل ستة أمداد عند الجمهور.
علمًا بأن ضبط الصاع بالأرطال في زماننا متعسر جدًا، حيث إن كل شيء تقريبًا أصبح يقدر بالوزن، وقد قال الإمام النووي رحمه الله في روضة الطالبين: قد يستشكل ضبط الصاع بالأرطال، فإن الصاع المخرج به في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيال معروف، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج، كالذرة والحمص وغيرهما. انتهى.
والله أعلم.
وأما وقت إخراج الفدية وهل يجوز تعجيلها أو لا؟ فمحل خلاف بين العلماء.
فقد اختلف الفقهاء في مسألة ما إذا كان يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية ، فأجاز الحنفية دفع الفدية في أول الشهر كما يجوز دفعها في آخره . وقال النووي : اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، ويجوز بعد طلوع فجر كل يوم ، وهل يجوز قبل الفجر في رمضان ؟ قطع الدارمي بالجواز وهو الصواب. انتهى.
وعلى هذا فالأحوط هو أن تخرج فدية الفطر كل يوم بيومه إن استطاع وإلا فآخر الشهر عن الشهر كله على قول الشافعية، وإن كان ذلك يجزئه عن الشهر كله من أوّله عند الحنفية، والخروج من الخلاف وإبراء الذمة بيقين أولى.
المذهب الحنفي، يجيزون إخراج فدية الشهر كامل مرة واحدة في بداية رمضان، ولا مانع من تقسيمها أسبوعيًا أو يوميًا بحسب القدرة، والفدية يمكن أيضًا دفعها على أقساط إذا كان مبلغها كبيرًا أو الدخل محدودًا.
الخلاصة
تعجيل فدية الصوم (إطعام مسكين عن كل يوم) للعاجز الدائم عن الصيام (كبر أو مرض مزمن) لا يجوز قبل دخول رمضان. ولا يجوز بعد دخوله عند الجمهور إلا يومًا بيوم، ويجوز عند الحنفية من أوّله عنه كاملًا. الأفضل إخراجها يومًا بيوم فإن عجز فيخرجها في آخر الشهر، وقدرها مد (نحو 600-750 جرام) من غالب قوت البلد عن كل يوم.
تفاصيل أحكام تعجيل الفدية:
قبل رمضان: لا يجوز تعجيل الفدية قبل رمضان لأن سبب الوجوب (العجز عن صيام أيام رمضان) لم يتحقق بعد.
أثناء رمضان: يجوز إخراج فدية كل يوم بعد طلوع فجره، أو تأخيرها وجمعها في آخر الشهر.
حكم تعجيلها عند المالكية والشافعية: لا يجوز تقديم فدية يومين أو أكثر، ويجوز تعجيل فدية يوم واحد فقط عند الشافعية.
مذهب الحنفية: يجوز تعجيل الفدية كاملاً في أول رمضان.
في حال العجز عن الإطعام: إذا كان العاجز فقيرًا لا يملك ما يزيد عن قوت يومه، سقطت عنه الفدية ولا شيء عليه.
مقدار الفدية وزكاة الفطر
مقدار الفدية مد من طعام (حوالي 600-750 غرام من أرز أو قمح) أو وجبتان متوسطتان عن كل يوم، أو قيمتها عند الحنفية، أي ما يعادل ٥ يورو في اليوم.
بخلاف زكاة الفطر فهي صاع من غالب قوت البلد، أو وجبتان مشبعتان أو قيمتها عند الحنفية، تقريبًا ١٠ يورو.
والله أعلم.
مما لا شك فيه أن صيام شهر رمضان فرض على جميع المسلمين المكلفين إلا مَنْ كان مسنًّا، أو كان مريضًا مرضًا لا يرجى شفاؤه، ومن كان في معناهما، فهؤلاء حيث لم يتمكنوا من الصيام للعذر، فعليهما دفع الفدية بدله؛ وذلك لبقاء الرخصة لهم في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: “لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا”([1]).
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: “وأجمعوا على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا”.
وقد حُدِّدت الفدية بطعام مسكين لكل يوم، واختلف في تفسير الطعام، فذهب المالكية والشافعية إلى أن مقدار الفدية هو مُدّ من غالب قوت البلد عن كل يوم، والـمُدّ هو ربع صاع، والصاع كيل يختلف مقداره بالوزن حسب نوعية الطعام، ولكن تقديره بكيلوين وربع أو نصف هو الأقرب. وذهب الحنفية إلى أن مقدار الفدية هو صاع إلّا من القمح، فنصف صاع.
والذي نرجحه أن التقدير بالـمُدّ والصاع اجتهاد ليس عليه نص صريح يمنع غيره، ولذلك ذهب بعض السلف إلى تفسير الطعام بمعناه الشامل للخبز واللحم، فقد ثبت عن أنس بن مالك أنه كان في العام الذي مات فيه لم يستطع أن يصوم رمضان، فأطعم ثلاثين مسكينًا خبزًا ولحمًا، وزيادة حَفنة أو حَفْنتين. وفي رواية عنه: أنه ضَعُفَ عن صوم شهر رمضان وكبر عنه، فأمر بمساكين فأطعموا خبزًا ولحمًا حتى أُشْبِعُوا([2]).
وبناءً عليه، فإن الأولى أن تُقوَّم الفدية بطعام مسكين وجبتين كل يوم أو قيمتهما، وذلك بحسب أوسط طعام المفطر (صاحب العذر)؛ لأن الله تعالى قال: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، وطعام مسكين في عصرنا لا يتحقق بأن يُعْطى ربع صاع، أي حوالي نصف كيلو من القمح، أو حتى كيلو منه، بل إطعامه بأن تشبعه ليومه، وهذا إنما يتحقق بوجبتين لمن قدر على ذلك، أما من لم يكن قادرًا فله أن يدفع ما أمكنه: ربع صاع، أو نصف صاع، أو صاعًا (بحسب ما تقدم) أو قيمة ذلك.
كما يراعى في قدر الطعام وصفته وقيمته عرف البلد الذي يقيم فيه دافع الفدية.
ولا مانع شرعًا من دفع الفدية ونحوها إلى المؤسسات الخيرية التي توصلها إلى مستحقيها.
([1]) أخرجه البخاري (رقم: 4505).
([2]) ذكر تخريج ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في “تغليق التعليق” (4/177 – 178)، بأسانيد صحيحة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم