الأربعاء، 25 فبراير 2026

شهر العمل للآخرة

*أوراقٌ شَعبانيّة 65*

*شهرُ الفُرَصِ الأخرويّةِ*


*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*

1- تسألُني: ماهيّته؟ شهرُ الصّيانة للنَّفْس، والتّرقيق للقلوب، والجَودة والانضباط والاستقامة كما أُمِر العبدُ، وشهرُ فرصة الفُرَص باجتماع الغنيمتين: الغنيمة الرّمضانيّة تصادف في بلادنا الغنيمة الباردة، طال ليلُ القيام، وقصُر نهارُ الصّيام؛ إنّه موعد صوم الخواصّ الصّومَ الكامل عن الحرام.


2- ما سرّه؟ إذا كان سرّ رجب في ليلة الإسراء والمعراج، وسرّ شعبان في ليلة النّصف منه، فسرّ رمضان في ليلة القدْر؛ ففيه الطّبّ والشّفاء، والهناء والصّفاء، والبهاء والضّياء، جبْر للضّعفاء، عطاء للفقراء، سلوة للغرباء، وفرحة للأمّهات والآباء والأبناء.


3- ما أثَره؟ مَغْبوط مَن أدرك رمضان بالتّقوى، وعظّمَ شأنَه، وأظهر شعائره، مَن صام الثّلاثين، وعاش رَجْعَ الحنين، صلّى خمسه، ووصل رحمه، واسترضى خصومه، وأطلق فرحه، وزاد إحسانه، وراعى حُرُم الله، ونال الجائزة الكبرى آخر الشّهر الكريم بالعتق والفوز والرّضا.


 4- ما ثمرته؟ لو كنتَ فانيًا فعملُك باقٍ، أَرْسِ قواعدَ البذل، أعطِ أكثر من الأخذ، وردّدْ مع الملَك: يا باغي الخير أقبِلْ، ويا باغي الشّرّ أقصِرْ، وكُنْ من العتقاء، تسابقْ مع الزّمان لنشر الهدى والرّشاد، وافتح أبواب التّقى والسّداد، وتنافسْ مع المؤمنين في فعل ألوان الخير، وأصناف البِرّ، متأمّلًا راحة البال في القصور والبساتين والعيش الرّغيد الباقي، مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء في الدّار الآخرة. 


5- كيف تقترفُ ذنبًا في زمن تصفيد كبار الشّياطين؟ أليس هـٰذا شؤمًا كبيرًا أن يتصيّدك صغارُ الخُنَّس الموسوِسين، بعد أن صادفوا نفْسًا أمّارة، وشهوةً جامحةً، ومرَضًا متأصِّلًا متغلغلًا في أعماقك؛ فأيّ مصيبة هـٰذه في شهر الجنان المفتوحة، والنّيران المغلَقة؟!  


6- *"اللّهمَّ إنّي لكَ صمْتُ، وعلى رزقِكَ أفطرْتُ"*، حديث ضعيف رواه أبو داود في سننه، ولو كان ضعيفًا يُعمَل به لأنّه في فضائل الأعمال وباب الذّكر والدّعاء. وهـٰذه الزّيادةُ: "وبك آمنتُ، وعليك توكّلتُ"، ليست من الحديث، ولا بأس بها. وفي حديث حسَن آخر في سنن أبي داود: *"ذهبَ الظّمأُ، وابتلّتِ العروقُ، وثبتَ الأجرُ، إن ْ شاءَ اللهُ"*. دعاء رمضانيّ مشهور جميل مؤثِّر، فيه تحريض على العبادة والمعاودة فيها والاستبشار بوعد الله، إذ ذهب التّعب والنّصب، وبقي الأجر بمشيئة الله. 


7- هو شهرُ القرآن، الكتاب المعصوم المتواتر، شهر التّلاوات والختمات، شهر التّراويح والقيام، شهر المساجد والاعتكاف، تعاظم فيه الإقبال رجاء القبول، شهر التّسامح والتّزاور والتّلاقي والتّآخي على حبّ الله في الله لله.


8- تَرائي الهلال عبادةٌ وعادةٌ وحالةٌ من الفرَح الممزوج بالبشرى والتّرقّب لاستقبال ضيف، بل أهلٍ، أو حبيبٍ، وهي مناسَبةٌ للاجتماع والمراقبة ولقاء الهلال المبتسم بوجوه متنوّرة بألَق مُحيّاه؛ وذٰلك جريًا على ما استحسنه أجدادُنا العلماء الحريصون على إقامة شعائر الدّين، وإظهار مشاعر المؤمنين. 


9- فرحة رمضان مغلَّفة بالخوف من الله، بالدّمعة من خشية الله، بالدّعاء والرّغباء بحصول عفوه ونيل رضاه، قال الله تعالى: *{لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}*. فلا حزن على ما فات وضاع من مصيبة في مال وصحّة في الدّنيا، ولا فرح بما أتى من نعيم زائل في الدّنيا، وإنّما هو الصّبر والشّكر بالتّوازن في القناعة، منعًا من الإفراط والتّفريط، فالله لا يحبّ المتكبّر المتفاخر.


10- مبارك علينا الشّهر الفضيل، بكلّ ما فيه من الجميل الجميل، الله يعيننا على الصّيام والقيام، ورفع راية الإسلام، ويرزقنا لذّة الصّوم والفطر، وروحانيّات الشّهر، وبلوغ ليلة القدْر، والعتق من العذاب في الجَمْر. 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم