سَيِّدُنا هُودٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام
قالَ اللهُ
تعالَىٰ ﴿ وَإِلَىٰ
عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللهَ مَا لَكُم مِّنۡ
إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ ٥٠﴾ [سورة هود]، هو هُودُ بنُ
عَبدِ اللهِ بنِ رَبَاحِ بنِ الجُلُودِ وقِيلَ الجَارُودِ بنِ عَادِ بنِ عُوضِ وقِيلَ
عَوْصَ بنِ إِرَمَ بنِ سامِ بنِ نُوحٍ، قالَ ﷺ في
حديثِ أبي ذَرٍّ الطويلِ عنِ الأنبياءِ « وَأَربَعَةٌ
مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ وَشُعَيْبٌ وَصَالِحٌ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ » رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ -مَرَّ تَخرِيجُه-.
وقَد سَمَّاهُ
اللهُ أَخًا لَهُم لِكَونِهِ مِن
قَبِيلَتِهِم لا مِن جِهَةِ أُخُوَّةِ الدِّين، لِأَنَّ
أُخوَّةَ الدِّينِ
لا تَكُونُ إلَّا بَينَ المُؤمِنِين. بَعدَ أَنْ نَجَّى اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَىٰ
نَبِيَّهُ نُوحًا وَمَنْ مَعَهُ في السَّفِينَةِ وأَغرَقَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ بِالطُّوفَانِ
العَظِيمِ، كَثُرَتْ ذُرِّيَّةُ أَولَادِ نُوحٍ الثَّلَاثَةِ، واستَمَرَّ النَّاسُ
عَلَىٰ دِينِ الإِسلَامِ والعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ مِن عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَعَدَمِ
الإِشرَاكِ بِهِ شَيئًا.
لٰكِنْ بَعدَ أَنْ طَالَ الزَّمَنُ عَادَ الفَسَادُ والجَهلُ وانتَشَرَ في الأَرضِ، ورَجَعَ بَعضُ النَّاسِ إِلَى الإِشرَاكِ بِاللهِ وعِبَادَةِ الأَصنَامِ والأَوثَانِ، فبَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ هُودًا u إِلَىٰ قَومِ عَاد، الَّذِينَ أَعطَاهُمُ اللهُ تَعَالَىٰ نِعَمًا كَثِيرَةً وَافِرَةً وخَيرَاتٍ وزَرعًا كثيرًا، فأَنشَأُوا البَسَاتِينَ وأَشَادُوا القُصُورَ الشَّامِخةَ لٰكِنَّهُم كَانُوا غَيرَ شَاكِرِينَ للهِ عَلَىٰ نِعَمِهِ، فاتَّخَذُوا أوثانًا وعبدوها مِن دُونِ الله والعِيَاذُ بِالله تعالىٰ فكَانُوا أَوَّلَ الأُمَمِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصنامَ بعدَ الطُّوفَان.
إِرَمُ
ذَاتُ العِمَادِ
قالَ اللهُ تَعالَىٰ
﴿ أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي
ٱلۡبِلَٰدِ ٨﴾ [سورة الفجر] رُوِيَ في تَفسِيرِ هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ
مَدِينَةَ (إِرَمَ ذَاتَ العِمَادِ) كانَت في اليَمَنِ بَينَ حَضْرَمَوْتَ
وصَنْعَاءَ مِن بِنَاءِ شدَّادِ بنِ عَادٍ.
وعَادٌ قَبِيلَةٌ
عَرَبِيّةٌ كَانَت مَنَازِلُهُم ومَسَاكِنُهُم وجَماعَتُهُم أَرضَ الأَحقَاف، قالَ
تَعَالَى ﴿ وَٱذۡكُرۡ
أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ ٢١ ﴾ [سورة الأحقاف] والأحقَافُ هِيَ
الرَّملُ فِيمَا بَينَ عُمَانَ وحَضرَمَوتَ بِأَرضٍ يُقَالُ لَها الشِّحْر.
وقِيلَ كَانُوا
ثلاثَ عَشرَةَ قَبِيلَةً ظَلَمُوا وقَهَرُوا العِبَادَ بِسَبَبِ قُوَّتِهِمُ الَّتِي
آتاهُمُ اللهُ إِيّاها، فقَد زَادَهُمُ اللهُ في الخِلقَةِ والقُوَّة، وبَسَطَ لَهُم في أجسَادِهِم
وعِظَامِهِم، وَكَانُوا قَومًا جَبَّارِينَ طِوَالَ القَامَةِ لَم يَكُنْ
مِثلُهُم، قَالَ تَعَالَىٰ إِخبَارًا عَنهُم ﴿ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ
خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ
٦٩ ﴾
[سورة
الأعراف]
كانَ طُولُ الوَاحِدِ مِنهُم يَصِلُ إلى اثنَي عَشَرَ ذِرَاعًا في الهَوَاءِ أَي حَوَالي
سِتَّةِ أَمتَارٍ.
وكانَ لِعَادٍ
هٰذا ابنَانِ هُمَا: شَدَّادٌ وشَدِيدٌ، فمَلَكا بَعدَ وَالِدِهِمَا وتَجبَّرَا وظَلَمَا
في البِلَادِ وأَخَذَاهَا عُنْوَةً وقَهْرًا، وإِنَّهُما لَـمَّا صَفَا لَهُمَا ذٰلِكَ واستَقَرَّ
قَرَارُهُمَا مَاتَ شَدِيدٌ وبَقِيَ شَدَّادٌ، فأَكمَلَ غَزَوَاتِهِ حَتَّىٰ
مَلَكَ الدُّنيَا ودَانَتْ لَهُ مُلُوكُهَا وَكَانَ عَدَدُهُم مِائَتَين وسِتِّينَ
مَلِكًا.
وكانَ شَدَّادٌ
جَبَّارًا عَنِيدًا عَابِدًا لِلأَصنَامِ وَلٰكِنْ كَانَ مَعَ ذٰلِكَ مُولَعًا بِقِرَاءَةِ
الصُحُفِ القَدِيمَةِ، كُلَّمَا مَرَّ فِيهَا عَلَىٰ ذِكْرِ الجنَّةِ وَمَا أَعَدَّ
اللهُ فِيهَا لِأَولِيَائِهِ مِن قُصُورِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والمَسَاكِنِ الَّتِي
تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ، كانَتْ نَفسُهُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ تَدعُوهُ
إِلَىٰ أَنْ يَجعَلَ مِثلَ هٰذِهِ الجنَّةِ لَهُ في الدُّنيَا عُتُوًا عَلَى اللهِ
تَعَالَىٰ وكُفرًا بِهِ.
فَقَالَ لِأُمَرَائِهِ:
إِنّي مُتَّخِذٌ في الأَرضِ مَدِينَةً عَلَىٰ صِفَةِ الجنَّةِ، فَوَكَّلَ بَادِئَ
الأَمرِ مِائَةَ رَجُلٍ مِن وُكَلَائِهِ، تَحتَ يَدِ كُلِّ رَجُلٍ مِنهُم أَلفٌ مِنَ
الأَعوَانِ، وأَمَرَهُم أَن يُفَتِّشُوا في أَرَاضِي اليَمَنِ ويَختَارُوا أَطيَبَهَا
تُربَةً وأَزكَاهَا هَوَاءً، وَمَكَّنَهُم مِنَ الأَموَالِ، وكَتَبَ إِلَىٰ مُلُوكِهِ
يَأمُرَهُم أَن يَكتُبُوا إِلَىٰ وُلَاتِهِم في ءَافَاقِ بُلدَانِهِم أَن يَجمَعُوا
كُلَّ مَا في أَرضِهِم مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والدُّرِّ واليَاقُوتِ والمِسْكِ
والعَنبَرِ والزَّعفَرَانِ وَيُوَجِّهُوهَا إِلَيهِ.
وأَمَرَ الغَوَّاصِينَ
أَن يَغُوصُوا في البِحَارِ ويَستَخرِجُوا الجَوَاهِرَ واللَّآلِئَ، فَجَمَعُوا لَهُ
الشَّيءَ الكَثِيرَ، وحُمِلَ جَمِيعُ ذٰلِكَ إِلَيهِ، ثُمَّ وَجَّهَ الحَفَّارِينَ
إِلَىٰ مَنَاجِمِ اليَاقُوتِ والزَّبَرْجَدِ وسَائِرِ الجَوَاهِرِ فَاستَخرَجُوا مِنهَا
شَيئًا عَظِيمًا. اِختَارَ الوُكَلَاءُ أَرضًا طَيِّبَةَ التُّربَةِ سَهْلَةَ الهَوَاءِ
في عَدَنٍ، وَهِيَ إِحدَىٰ مُدُنِ اليَمَنِ تَقَعُ عَلَىٰ سَاحِلِ خَلِيجِ بَحرِ
العَرَبِ جَنُوبِ البِلَادِ، اختَارَهَا لِأَنَّهَا كانَت في ذٰلِكَ الزَّمَنِ مِن
أَكثَرِ بِلَادِ اللهِ نِعمَةً، مَاءً وهَوَاءً ورَخَاءً، شَجَرًا وثِمَارًا وأَنهَارًا،
كانَ العُنقُودُ الوَاحِدُ فِيهَا حِمْلَ بَغْلٍ، وكَانَتِ المَرأَةُ إِذَا مَرَّتْ
تَحتَ أَشجَارِهَا وَالمِكْتَلُ عَلَىٰ رَأسِها يَمتَلِئُ بِالفَوَاكِهِ مِن غَيرِ
أَن تَمَسَّ شَجَرَةً أو غُصنًا.
فأَذِنَ لَهُم شَدَّادٌ بِأَن
يَبدَأُوا العَمَلَ فِيهَا لِبِنَاءِ جَنَّتِهِ المَزعُومَةِ، فَأَمَرَ بِالذَّهَبِ
والفِضَّةِ وأُقِيمَتِ الجُدرَانُ مِنهُمَا، ثُمَّ غُلِّفَت تِلكَ الحِجَارَةُ الذَّهَبِيَّةُ
والفِضِّيَةُ بِالدُّرِّ واليَاقُوتِ والعَقِيقِ، وجَعَلَ الأَبنِيَةَ غُرَفًا مِن
فَوقِهَا تَشَبُّهًا بِمَا سَمِعَ عَن وَصْفِ الجنَّةِ، جَاعِلًا جَمِيعَ ذٰلِكَ عَلَىٰ
أَعمِدَةٍ رُخَامِيَّةٍ عَرِيضَةٍ.
ثُمَّ أَجرَىٰ
تَحتَ المَدِينَةِ قَنَاةً عَظِيمَةً سَاقَهَا مِنَ الأَودِيَةِ تَحتَ الأَرضِ بِأَربَعِينَ
فَرسَخًا، ثُمَّ أَمَرَ فَأُجْرِيَ مِن تِلكَ القَنَاةِ سَوَاقٍ صَارَتْ تَمشِي في
سِكَكٍ بَينَ الشَّوَارِعِ والأَزِقَّةِ تَجرِي بِالـماءِ الصَّافي، وأَمَرَ بِحَافَّتَي
ذٰلِكَ النَّهرِ وجَمِيعِ السِّكَكِ فطُلِيَتْ بِالذَّهَبِ الأَحمَرِ، وجَعَلَ الحَصَى
المَنثُورَةَ في قِيعَانِهَا أَنوَاعًا مِنَ الجَوَاهِرِ الفَرِيدَةِ المُلَوَّنَةِ
الصَّفرَاءِ والحَمرَاءِ والخَضرَاءِ، ونَصَبَ عَلَى الضِّفَافِ أَشجَارًا مِنَ
الذَّهَبِ وعَلَيهَا ثِـمَارٌ مِنَ اليَوَاقِيتِ المُشِعَّةِ.
وجَعَلَ طُولَ
المَدِينَةِ اثنَا عَشَرَ فَرسَخًا، وعَرضَهَا مِثلَ ذٰلِكَ وأَعلَىٰ سُورَهَا كَثِيرًا
حَتَّىٰ وَصَلَ إِلَىٰ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ مِن أَحجَارٍ عَرِيضَةٍ، وَطَلَاهُ
بِالذَّهَبِ وَزَيَّنَهُ بِمَا نَدَرَ وُجُودُهُ مِنَ المَعَادِنِ وَالحِجَارَةِ
المُلَوَّنَةِ الغَالِيَةِ الثَّمَنِ، وبَنَىٰ فِيهَا الأُلُوفَ مِنَ القُصُورِ مُزخْرِفًا
بَوَاطِنَهَا وظَوَاهِرَهَا بِأَصنَافِ الجَوَاهِرِ، ثُمَّ بَنَىٰ لِنَفسِهِ في
وَسَطِ المَدِينَةِ عَلَىٰ شَاطِئِ ذٰلِكَ النَّهرِ قَصرًا مُنِيفًا يُشرِفُ عَلَىٰ
تِلكَ القُصُورِ كُلِّهَا.
وجَعَلَ مَدخَلَ
المَدِينَةِ مُتَّجِهًا إِلَى الوَادِي ونَصَبَ عَلَيهِ بَابَينِ مِن ذَهَبٍ مَنقُوشَيْنِ
بِأَنوَاعِ الدُّرَرِ، وأَمَرَ بِاتِّخَاذِ كُرَاتٍ صَغِيرَةٍ عَلَىٰ شَكلِ
البُنْدُقِ مِن مِسكٍ وزَعفَرَانٍ، وأُلْقِيَتْ في تِلكَ الشَّوَارعِ، ثُمَّ بَنَىٰ
خَارِجَ سُورِ المَدِينَةِ تِلَالًا كَهَيئَةِ الجِبَالِ تَضُمُّ الأُلُوفَ مِنَ
الأَبرَاجِ المُرتَفِعَةِ في الهَوَاءِ المَبنِيَّةِ بِقِطَعِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ
لِيَسكُنَهَا جُنُودُهُ، ومَكَثَ في بِنَائِهَا خَمسَمِائَةِ عَامٍ.
وإِنَّ اللهَ تَعَالَىٰ
لَـمَّا أَذِنَ أَن يُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَىٰ شَدَّادٍ وقَومِهِ، اختَارَ لِرِسَالَتِهِ
إِلَيهِ سَيِّدَنَا هُودًا u، وَكَانَ
مِن صَمِيمِ قَومِهِ وأَشْرَافِهِم، وَكان أَحسَنَهُم خُلُقًا وأَفضَلَهُم مَوضِعًا
وأَوسَطَهُم نَسَبًا، ثُمَّ إِنَّ هُودًا أَتَىٰ شَدَّادَ بنَ عَادٍ فدَعَاهُ إِلَى
الإِسلَامِ والإِقرَارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ U وَوَحدَانِيَّتِهِ،
وأَنَّ اللهَ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ.
فتَمَادَىٰ شَدَّادٌ
في كُفرِهِ، وزَيَّنَ لَهُ إِبلِيسُ مَا فَعَلَ مِن بِنَاءِ المَدِينَةِ الَّتِي لَم
يُخلَقْ مِثلُهَا في البِلَادِ، فَلَم يَنْصَعْ لِمـَا أَمَرَهُ بِهِ هُودٌ u، وذٰلِكَ
حِينَ تَمَّ لِـمُلكِهِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ، فَأُنذِرَ بِالعَذَابِ وَخُوِّفَ بِزَوَالِ
المُلْكِ، فَلَم يَرتَدِعْ عَمَّا كَانَ عَلَيهِ، ولَم يُجِبْ هُودًا إِلَىٰ مَا دَعَاهُ
إِلَيهِ.
وَعَادَ
الوُكَلَاءُ إِلَىٰ شَدَّادٍ وقَد أَنهَوا بِنَاءَ المَدِينَةِ، وأَخبَرُوهُ بِالفَرَاغِ
مِنهَا، فَعَزَمَ عَلَى الخُرُوجِ إِلَيهَا، فَخَرَجَ في مَوكِبٍ عَظِيمٍ بَينَ
حُرَّاسِهِ وَمُوَالِيهِ وخَدَمِهِ وحَشَمِهِ وَوُزَرَائِهِ وَأُمَرَائِهِ.
وسَارَ نَحوَهَا
وخَلَّفَ عَلَىٰ مُلْكِهِ بِحَضْرَمَوْتَ وسَائِرِ أَرضِ العَرَبِ ابنَه مَرْثَدَ
بنَ شَدَّادٍ، وكانَ مَرْثَدُ هٰذَا عَلَىٰ مَا يُقَالُ مُسلِمًا مُؤمِنًا بِنَبِيِّ
اللهِ هُودٍ u، فَلَمَّا قَرُبَ شَدَّادٌ مِنَ المَدِينَةِ
وبَاتَ عَلَىٰ مَسِيرَةِ يَومٍ وَلَيلَةٍ، وَكَانَ صَارَ لَهُ مِنَ العُمُرِ تِسعُمِائَةِ
عَامٍ.
أَمَرَ اللهُ
جَبرَائِيلَ أَن يَصِيحَ عَلَيهِم صَيحَةً، فجَاءَتْ صَيحَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ
فَاجَأَتِ الجَمِيعَ، فَمَاتَ هُوَ وَأَصحَابُهُ أَجمَعُونَ، حَتَّىٰ لَم يَبْقَ مِنهُم
نَاقِلُ خَبَرٍ، وَمَاتَ جَمِيعُ مَنْ كَانَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الفَعَلَةِ
والصُنَّاعِ والوُكَلَاءِ، وبَقِيَتْ خَلَاءً لَا أَنِيسَ لَها وَحُجِبَتْ عَن أَعيُنِ
النَّاسِ.
ولَـمَّا
هَلَكَ شَدَّادُ بنُ عَادٍ ومَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّيحَةِ، مَلَكَ بَعدَهُ ابنُهُ
مَرْثَدُ بنُ شَدَّادٍ، فأَمَرَ بِحَملِ أَبِيهِ مِن تِلكَ الصَّحرَاءِ إِلَىٰ
حَضْرَمَوْتَ لِيَدفِنَهُ، فحُفِرَتْ لَهُ حُفرَةٌ بَينَ الصُّخُورِ وَجُعِلَ عَلَىٰ
سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ وأُلْقِيَتْ عَلَيهِ سَبعُونَ حُلَّةً مَنسُوجَةً بِقُضْبَانِ
الذَّهَبِ الَّتِي لَن يَنتَفِعَ بشَيءٍ مِنهَا لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا.
الرِّيحُ
الصَّرصَرُ العَاتِيَة
اِستَمَرَّ
هُودٌ u يَدعُو قَومَه إِلَى الإسلامِ فَآمَنَ بِهِ
بَعضُهُم وكَذَّبَهُ آخَرُون، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَى الكَافِرِينَ مِنهُم رِيحًا
قَوِيَّةً استَمَرَّتْ سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أيَّامٍ، فصَارَتِ الرِّيحُ
تُطَيِّرُهُم في الهَوَاءِ ثُمَّ تَرُدُّهُم إِلَى الأرضِ وقَدِ انفَصَلَتْ رُؤُوسُهُم
عَن أَجسَادِهِم.
وجَاءَ في
تَفصِيلِ خَبَرِهِم أنَّهُ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ تَتَابَعَ
عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا، فَجَهَّزوا وَفْدًا فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِمْ
إِلَى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ لَهُمْ، عَلَيهِم قَيْلُ بنُ عِيرٍ، وَمَعَهُم
لُقَيمُ بنُ
هُزَالٍ ومَرْثَدُ بنُ سَعْدٍ، وَكَانَ مُسْلِمًا يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ.
فَلَمَّا
قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلَىٰ مُعَاوِيَةَ بنِ بَكْرٍ بِظَاهِرِ مَكَّةَ
خَارِجًا
عَنِ الْحَرَمِ، فَأَكْرَمَهُمْ وَكَانُوا أَخوَالَهُ وَصِهْرَهُ لِأَنَّ لُقَيْمَ
بنَ هَزَّالٍ كَانَ
تَزَوَّجَ هُزَيلَةَ بِنْتَ بَكْرٍ أُختَ مُعَاوِيَةَ، فَأَولَدَهَا أَولَادًا كَانُوا
عِنْدَ خَالِهِم مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، وَهُم عُبَيدٌ وَعَمْرٌو وَعَامِرٌ
وَعُمَيْرٌ بَنُو
لُقَيْمٍ، وَهُم عَادٌ الْآخِرَةُ الَّتِي بَقِيَتْ بَعدَ عَادٍ الأُولَىٰ.
فَلَمَّا
نَزَلُوا عَلَىٰ مُعَاوِيَةَ أَقَامُوا عِندَهُ شَهرًا يَشرَبُونَ الخَمْرَ
وَتُغَنِّيهِمُ الجَرَادَتَانِ -قَيْنَتَانِ لِمُعَاوِيَةَ- فَلَمَّا رَأَىٰ مُعَاوِيَةُ
طُولَ
مُقَامِهِم وَتَرْكَهُم مَا أُرسِلُوا لَهُ شَقَّ عَلَيْهِ ذٰلِكَ، وَقَالَ:
هَلَكَ أَخوَالي، وَاسْتَحيَا أَنْ يَأمُرَ الوَفدَ بِالخُرُوجِ إِلَىٰ مَا
بُعِثُوا لَهُ، فَذَكَرَ ذٰلِكَ لِلجَرَادَتَيْنِ فَقَالَتَا: قُلْ شِعرًا
نُغَنِّيهِم بِهِ لَا يَدرُونَ مَن قَائِلُهُ لَعَلَّهُم يَتَحَرَّكُونَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ:
أَلَا
يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ لَعَلَّ اللهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا
فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا قَدَ أَمْسَوْا لَا
يُبِينُونَ الْكَلَامَا
وَالهَيْنَمَةُ:
الكَلَامُ الخَفِيُّ .فَلَمَّا غَنَّتْهُمُ الجَرَادَتَانِ
ذٰلِكَ الشِّعرَ وَسَمِعَهُ القَوْمُ، قَالَ بَعضُهُمْ لِبَعضٍ: يَا قَوْمُ،
بَعَثَكُم قَوْمُكُم يَتَغَوَّثُونَ بِكُم مِنَ البَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِم
فَأَبْطَأْتُم عَلَيْهِم فَادخُلُوا الحَرَمَ وَاسْتَسْقُوا لِقَومِكُم. فَقَالَ مَرثَدُ بنُ سَعدٍ: «إِنَّهُم وَاللهِ لَا يُسْقَوْنَ بِدُعَائِكُم، وَلٰكِنْ
أَطِيعُوا نَبِيَّكُم، فَأَنْتُم تُسْقَوْنَ» وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ عِنْدَ ذٰلِكَ.
فَقَالَ جَلْهَمَةُ بنُ الخَيْبَرِيِّ خَالُ مُعَاوِيَةَ، لِمُعَاوِيَةَ بنِ بَكْرٍ: اِحْبِسْ عَنَّا مَرثَدَ
ابنَ سَعدٍ. وَخَرَجُوا
إِلَىٰ مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ بِهَا لِعَادٍ، فَدَعَوُا اللهَ تَعَالَىٰ
لِقَوْمِهِم وَاسْتَسْقَوا، فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَائِبَ ثَلَاثًا بَيضَاءَ
وَحَمْرَاءَ وَسَودَاءَ، وَنَادَىٰ مُنَادٍ مِنهَا: «يَا قَيْلُ، اخْتَرْ
لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ». فَقَالَ: قَدِ اخْتَرْتُ السَّحَابَةَ السَّودَاءَ
فَإِنَّهَا أَكْثَرُ مَاءً. فَنَادَاهُ مُنَادٍ: «اِخْتَرْ رَمَادًا رِمْدَدًا،
لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا، لَا وَلَدًا تَتْرُكُ وَلَا وَالِدًا،
إِلَّا جَعَلَتْهُ هَمَدًا».
وَسَاقَ اللهُ السَّحَابَةَ السَّودَاءَ بِمَا فِيهَا مِنَ العَذَابِ إِلَى عَادٍ، فَخَرَجَتْ
عَلَيْهِم مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ المُغِيثُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا
بِهَا، يَقُولُ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ فَلَمَّا
رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ
مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ
٢٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ
إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥﴾ [سورة الأحقاف] أَيْ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ أُمِرَتْ بِهِ.
وَكَانَ
أَوَّلُ مَنْ رَأَىٰ مَا فِيهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا رِيحٌ مُهْلِكَةٌ، امْرَأَةً
مِنْ عَادٍ يُقَالُ لَهَا فَهْدَدُ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا فِيهَا صَاحَتْ
وَصُعِقَتْ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ قَالُوا: مَاذَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ
رِيحًا فِيهَا كَشُهُبِ النَّارِ أَمَامَهَا رِجَالٌ يَقُودُونَهَا، قالَ هُودٌ لَهُم: «هٰؤُلَاءِ
المَلَائِكَةُ، جُنْدُ رَبِّي». فَلَمَّا خَرَجَتِ الرِّيحُ مِنَ الْوَادِي
جَعَلَتْ تَدْخُلُ تَحْتَ الْوَاحِدِ مِنْهُم فَتَحمِلُهُ فَتَدُقُّ عُنُقَهُ،
قَالَ تَعَالَى ﴿ وَأَمَّا
عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦ سَخَّرَهَا
عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ
فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧ فَهَلۡ تَرَىٰ
لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨ ﴾ [سورة الحاقة] وَالحُسُومُ: الدَّائِمَةُ. فَلَم تَدَعِ الرِّيحُ مِن عَادٍ أَحَدًا
إِلَّا هَلَكَ، وَاعتَزَلَ هُودٌ وَالمُؤْمِنُونَ فِي حَظِيرَةٍ فلَم يُصِبْهُ وَمَنْ
مَعَهُ مِنْهَا شَيءٌ، وَإِنَّهَا لَتَحمِلُ الوَاحِدَ مِنهُم وتَرفَعُهُ مَا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَتَدمَغُهُم بِالحِجَارَةِ. فَلَمَّا هَلَكُوا أَرسَلَ اللهُ
طَيْرًا سُودًا فَنَقَلَتْهُم إِلَى البَحرِ، فَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى ﴿ فَأَصۡبَحُواْ
لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ ﴾ وَلَم تَخرُجْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا
بِمِكْيَالٍ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، فَإِنَّهَا عَتَتْ عَلَى الخَزَنَةِ، فَذٰلِكَ قَولُهُ ﴿ فَأُهۡلِكُواْ
بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ﴾ وَكَانَتِ الرِّيحُ تَقْلَعُ الشَّجَرَةَ العَظِيمَةَ
بِعُرُوقِهَا وَتَهْدِمُ البَيْتَ عَلَىٰ مَن فِيهِ. وَكَانَ عُمُرُ هُودٍ مِائَةً
وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَبْرُهُ بِحَضْرَمَوْتَ، وَقِيلَ بِالحِجْرِ مِنْ مَكَّةَ.
قالَ
رَسُولُ الله ﷺ «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» رَوَاهُ
البُخَارِيّ(١) ورِيحُ الصَّبَا هِيَ الرِّيحُ الشَّرقِيّةُ تُسَاعِدُ
في إِضعَافِ الكُفّارِ عِندَ القِتَال، وأَمّا قَومُ عَادٍ الكُفّارُ فقَد سَلَّطَ
اللهُ عَلَيهِمُ الدَّبُورَ وهي الرِّيحُ الغَربِيّة، وَمِنَ الرِّيَاحِ أَيضًا
الجَنُوبُ والشَّمَالُ، فَهَذِهِ تَهُبُّ مِنَ الجِهَاتِ الأَربَعِ، وأَيُّ رِيحٍ
هَبَّتْ مِن بَينِ جِهَتَينِ يُقَالُ لَهَا
النَّكبَاءُ.
(١) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب قول
النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم