الجمعة، 13 فبراير 2026

سيدنا إدريس عليه السلام / طبعة معهدنا

 

سَيِّدُنا  إِدْريسُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦ [سورة مريم]، يَجِبُ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ إدريسَ u وَرِسَالَتِه عَلَىٰ سَبِيلِ القَطعِ والجَزم. بَعدَ وَفاةِ سيدِنا شِيثٍ أَنزَلَ اللهُ الوَحيَ علىٰ سيدِنا إِدرِيسَ، وهو ثالثُ الأنبياءِ عَلَيهِمُ السَّلَام، وقَد عَاشَ تَتِمَّةَ الأَلفِ سَنَةٍ بَعدَ سَيّدِنا آدمَ u عَلَى الإسلَامِ هُوَ وجَمِيعُ الناسِ آنذَاك.

وُلِدَ سيدُنا إدريسُ u في مَدِينَةِ بَابِلَ في العِراق، فَعَلَّمَ الناسَ أُمورَ دِينِهِم وأَرشَدَهُم إلىٰ ما فِيهِ خَيرهم في الدُّنيا والآخِرَة، وسُمِّيَ إدريسُ بِهٰذا الاسمِ لِكَثرَةِ دَرْسِهِ الصُّحُفَ السَّماوِيَّةَ الَّتِي أَنزَلَها اللهُ تعالىٰ علىٰ سيدِنا شيثٍ مِن قَبلُ والصُّحُفَ التي أُنزِلَت علَيهِ. وقَد وَصَفَ اللهُ تعالىٰ إدريسَ u بالنُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ وَهِيَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ ورَفِيعَةٌ عِندَ اللهِ U.

كانَ سيدُنا إدريسُ u جَمِيلَ الشَّكلِ والصُّورَةِ، حَسَنَ الصَّوتِ كَجَمِيعِ الأنبياءِ عَلَيهِمُ السلام. وكانَ قد أَخَذَ في أَوَّلِ عُمُرِهِ بعِلمِ شَرِيعَةِ نَبِيِّ اللهِ شيثِ بنِ آدمَ عليهِما السلام، ولَـمّا كَبُرَ آتاهُ اللهُ تعالَى النُّبوَّةَ والرِّسَالَةَ وأَنزَلَ عَلَيهِ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً فِيهَا أَحكَامُ الشَّرِيعَةِ وأُمورُ الدِّين.

وكانَ الناسُ في زَمَانِهِ u يَتكَلَّمُونَ اثنَتَينِ وسَبعِينَ لُغَةً فعَلَّمَهُ اللهُ تعالىٰ جَمِيعَ لُغَاتِهِم لِيُعَلِّمَ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنهُم بِاللُّغَةِ التي يَفهَمونَهَا أَحكَامَ دِينِ الإسلامِ على الشَّرِيعَةِ الّتي أُنزِلَت عَلَيه. وكانَ نَبِيُّ اللهِ إدريسُ نَبِيًّا عَابِدًا شَاكِرًا كَثِيرَ الذِّكرِ للهِ تعالىٰ، وكانَ يَعمَلُ بالخِيَاطَة، يَقطَعُ الثِّيَابَ ويَخِيطَهَا، ويَقُولُ في كُلِّ دَخلَةٍ لِلإِبرَةِ وخَرجَةٍ: «سُبحَانَ اللهِ والحَمدُ لله». وكانَ يَأكُلُ مِن كَسْبِ يَدِه، وكانَ u يَرعَى الأَغنَامَ كَسَائِرِ النَّبِيّين، وذٰلِكَ أَنَّ رَعْيَ الغَنَمِ يُعَلِّمُ الصَّبرَ وحُسْنَ التَّدبِيرِ وسِيَاسَةَ النَّاس.

الإسلامُ دينُ جَمِيعِ الأنبياء

وكان الناسُ في زَمَانِ إدريسَ u كَمَن سَبَقَهُم مِن أَولَادِ آدَمَ علىٰ تَوحِيدِ اللهِ U، وكانَ إدريسُ يَدعُوهُم إلىٰ التِزَامِ أَحكامِ شَريعَةِ الإسلامِ الَّذِي هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِياء، قال تعالى ﴿ قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤ وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥[سورة آل عمران].

قَال سَيدُنا مُحمَّدٌ ﷺ «أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ في الدُّنيَا والآخِرَة، والأَنبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُم شَتَّىٰ ودِينُهُم وَاحِدٌ» رواه البُخَارِيُّ(١)، أُمَّهاتُهُم أَي شَرائِعُهُم مُختَلِفَة، ودِينُهُم في التَّوحِيدِ وَاحِدٌ، قالَ تعالَىٰ ﴿ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨[سورة المائدة] .

فكانَ إدريسُ يَأمُرُهُم بِأَداءِ الوَاجِبَاتِ ويُحَذِّرُهُم مِنَ ارتِكابِ المَعَاصِي، ويُبَيِّنُ لَهُم أَنَّ مَن أَطَاعَ اللهَ نَالَ في الجنَّةِ ثَوَابًا عَظِيمًا ودرجاتٍ عَالِيَةً، ومَن عَصَى اللهَ استَحَقَّ العَذَابَ الأَلِيمَ في الآخِرَة، فأَطاعَهُ بَعضُ قَومِهِ  وخَالَفَهُ البَعضُ وَلَم يَلتَزِمُوا أَوَامِرَه، فَشَقَّ ذٰلِكَ عليهِ وَنَوَىٰ أَن يَرحَلَ ويُهَاجِرَ عَن وَطَنِهِ بَابِل، فأَمَرَ المُطِيعِينَ أَن يَرحَلُوا مَعَهُ عَن مَوطِنِهِم العِراق، فثَقُلَ ذٰلِكَ عَلَيهِم وقالُوا لَه: وَأَينَ نَجِدُ مِثلَ بَابِل إذَا رَحَلنا؟ فأَجَابَهُم u «إِذَا هَاجَرنَا للهِ تَعَالَىٰ رَزَقَنَا بَلَدًا غَيرَه».

خَرَجَ سيدُنا إدريسُ u بِمَن مَعَهُ مِن قَومِهِ مُهَاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ مِنَ

العِرَاق، فَسَارُوا مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ تبارَكَ وتعَالىٰ حَتَّىٰ وَصَلُوا بَعدَ جُهدٍ وتَعَبٍ إِلَىٰ إِقلِيمٍ يُسَمَّىٰ بِلُغَتِهِم السُّريَانِيّةِ «بَابِلْيُون» وهُنَاكَ رَأَوا نَهرَ النِّيلِ العَظِيم. فأَقَامَ u ومَن مَعَهُ في مِصرَ يَدعُو النَّاسَ بِهِمَّةٍ عَالِيَةٍ لِتَطبِيقِ شَرِيعَةِ اللهِ تعالىٰ. وكانَ u أَوَّلَ مَن خَطَّ بالقَلَمِ وأَوَّلَ مَن نَظَرَ في عِلمِ النُّجُوم، فإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَىٰ عَلَّمَهُ وأَفهَمَهُ أَسرَارَ الفَلَكِ وعَدَدَ السِّنِينَ والحِسَاب. وَقَدِ اشتُهِرَ بِالحِكمَةِ فَمِن حِكَمِهِ قَولُهُ u «الصَّبرُ مَعَ الإِيمَانِ يُورِثُ الظَّفَرَ» أَي النَّجَاةَ والفَلَاحَ. ويُروَىٰ عَنهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَن نَظَرَ في عِلمِ الطِّبِّ، وأَوَّلُ مَن رَسَمَ لِقَومِهِ قَوَاعِدَ تَمدِينِ المُدُن، وأُنشِئَتْ في زَمَانِهِ ثَمَانٌ وثَمَانُون مَدِينَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَن أَنذَرَ بِالطُّوفَانِ الَّذِي سَيَحصُلُ في زَمَنِ نَبِيِّ اللهِ نُوحٍ u. قالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَربَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ وَشِيثُ وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ، وَنُوحٌ» رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ(2). وفي وَقتٍ مِنَ الأوقَاتِ عَصَىٰ بَعضُ قَومِهِ اللهَ تعالىٰ ولَم يَلتَزِمْ أَوَامِرَه، ولَمـَّا كَثُرَ الظُّلمُ والاعتِدَاءُ وكَثُرَتِ المَعاصِي في قَومِه، رَفَعَهُ اللهُ تعالىٰ بِقُدرَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَن، ثُمَّ أَعَادَهُ بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى الأرضِ الَّتِي تَوَفَّاهُ عَلَيهَا كَغَيرِهِ مِنَ البَشَر.



(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦﴾ [سورة مريم/١٦] عن أبي هريرةَ رضي الله عنه.

(2) صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبىٰ بشيء منها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم