﷽
مُقَدِّمَةٌ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ
العَالَمِينَ وأَفضَلُ الصَّلَاةِ وأَتَمُّ التَّسلِيمِ عَلَىٰ سَيِّدِنَا
مُحَمَّدٍ وعَلَىٰ جَمِيعِ إِخوَانِهِ النَّبِيِّينَ والمُرسَلِينَ، قالَ اللهُ
تَعَالَىٰ في مُحكَمِ كِتَابِهِ العَزِيزِ ﴿إِنَّ هَٰذَا
لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللهُۚ وَإِنَّ ٱللهَ
لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢﴾ [سورةُ آل عِمران] وقالَ عَزَّ
مِنْ قَائِل ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ
بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ
لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣﴾ [سورة يوسف].
لَقَد أَوحَى اللهُ
تَعَالَىٰ إِلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الكَثِيرَ مِن قَصَصِ الأَنبِيَاءِ
عَلَيهِمُ السَّلَامُ في القُرآنِ الكَرِيمِ مُوَاسَاةً لَهُ وَإِعلَامًا بِأَحوَالِهِم وأَخبَارِهِم
لِتكُونَ لَنَا عِبرَةً نَافِعَةً وذُخرًا لِـمَنِ اقتَدَىٰ واقتَفَىٰ آثارَهُم
الشَّرِيفَةَ المُنِيرَة عَلَىٰ مَدَىٰ الأَيامِ والعُصُورِ والأَزمَان.
ولَقَد سَعَيتُ
مِن خِلَالِ هٰذِهِ السِّلسِلَةِ المُوجَزَة، أَن أُقَدِّمَ لِأَبنائِنَا في
زَمانِنا هٰذَا الَّذِي عَسُرَ فِيهِ عَلَيهِم فَهمُ اللُّغَةِ العَرَبِيّةِ
بفَصاحَتِها وبَلَاغَتِها، قَصَصَ الأنبياءِ وبَعضَ أَخبَارِ أُمَمِهِم بِأُسلُوبٍ
لُغَوِيٍّ مُبَسَّطٍ لِحُصولِ الفَهمِ لَدَيهِم وبِالتَّالي عُمُومِ النَّفعِ
بإِذنِ الله تعالىٰ، فإنْ فَهِمُوا عَرَفوا، وإِنْ عَرَفُوا اقتَدَوا، وإِنِ
اقتَدَوا وعَمِلَوا بِمَا عَرَفوا مُخلِصِينَ انتَفَعُوا في الدُّنيا والآخِرَة.
وقَدِ
استَعَنتُ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللهِ سبحانَه، بِجَمعِ تِلكَ الأخبارِ والقَصَصِ
مِنَ القرآنِ الكَرِيمِ أَوَّلًا، وبِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ثَانِيًا، وبِبَعضِ
التَوَارِيخِ والتَّفاسِيرِ المُعتَمَدَةِ عِندَ أَهلِ الحَقِّ لِعُلمَاءَ
فُضَلَاءَ كالطَّبَرِيِّ وابنِ الجَوزِيِّ والقُرطُبِيِّ وابنِ الأثِيرِ
والمَاوَردِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالىٰ.
واللهُ وَلِيُّ التَّوفِيق، عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإِلَيهِ أُنِيب.
كَتَبَ بَشَّار
بن يوسُف حُسَين
غَفَرَ اللهُ
لَهُ ولِوَالِدَيهِ وأَهلِه
آمين
المُعْجِزَاتُ
دَلِيلُ صِدْقِ الأَنبِيَاء عليهم السلام
يَقُولُ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ في القُرآن ِالكَريم ﴿ لَقَدۡ
أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ
وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ
بَأۡسٌ شَدِيدٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللهُ مَن يَنصُرُهُۥ
وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ٢٥
﴾ [سورة
الحديد] بِالبَيِّناتِ
أي بِالمُعجِزَات.
لَقَد أَيَّدَ
اللهُ تَعالىٰ صَفوَةَ خَلْقِهِ، الأَنبِيَاءَ والمُرسَلِينَ، بِالمُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ
الظَّاهِرَات، فَلِكُلِّ نَبِيٍّ مُعجِزَةٌ فأَكثَرَ، وقَد سُمِّيَتْ بِذٰلِكَ لِعَجزِ
الخَلْقِ عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِهَا، فَالمُعجِزَةُ أَمرٌ خَارِقٌ لِلعَادَةِ، يَظهَرُ
عَلَىٰ يَدِ النَّبِيِّ، مُوَافِقٌ لِدَعوَاهُ، صَالِحٌ لِلتَّحَدِّي، سَالِمٌ مِنَ المُعَارَضَةِ
بِالمِثلِ.
والمُعجِزَةُ
دَلِيلٌ عَلَىٰ صِدقِ النَّبِيِّينَ، فَهِيَ تَنزِلُ مَنزِلَةَ قَولِ اللهِ
تَعالَىٰ «صَدَقَ عَبدِي فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِّي» أي لَولَا أَنَّهُ مِنَ
الصَّادِقِينَ بِدَعوَى النُّبُوَّةِ لَـمَّا أَيَّدتُهُ بِهٰذِه المُعجِزَة.
وَأَكثَرُ الأَنبِيَاءِ مُعجِزَاتٍ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، فلَقَد أفرَدَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ لِذِكرِها وتَعدَادِها، العَدِيدَ مِنَ المُؤَلَّفَاتِ كدَلَائلِ النُّبُوَّةِ وأَعلَامِها لِأَبي نُعَيمٍ الأصبهَانِيّ والبَيهَقِيّ وغَيرِهِما، فَمَن شاءَ فَلْيَطْلُبهَا مِنَ المُطَوَّلَات.
m
الحَمدُ للَّهِ حَقَّ
حَمدِهِ، وأَفضَلُ الصَّلَاةِ وأَتَمُّ التَّسلِيمِ عَلَىٰ سَيِّدِنَا
مُحَمَّدٍ وعَلَىٰ جَمِيعِ إِخوَانِه النَّبِيِّينَ والمُرسَلِينَ، قالَ اللهُ
تَعَالَىٰ في مُحكَمِ التّنزِيلِ ﴿ وَرُسُلًا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ
عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلًا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللهُ
مُوسَىٰ تَكۡلِيمًا ١٦٤ ﴾ [سورة
النساء].
لَقَد كَانَ في
إرسَالِ الرُّسُلِ رَحمَةٌ للعِبَادِ، إِذِ الأنبِيَاءُ يُرشِدُونَ النَّاسَ إِلَىٰ
مَا فِيهِ مَصلَحَتِهِم في الدُّنيَا والآخِرَةِ، وقد سَبَقَ في الجزءِ الأوَّلِ
الكلامُ عن بعضِ ساداتِنا الأنبياءِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِم بَدءًا
مِن سَيِّدِنا آدمَ إلىٰ سيدِنا الخَضِرِ مُرُورًا بشِيثٍ وإدريسَ ونُوحٍ وهُودٍ
وصَالِحٍ .
وأَمَّا مَا
جَاءَ في بَيانِ عَدَدِ الأنبياءِ فعَنِ الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ أبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ قَالَ «قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الأَنبِيَاءُ؟ قَالَ مِائَةُ أَلفٍ وَعِشرُونَ
أَلفًا، قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِن ذٰلِكَ؟ قَالَ ثَلَاثُمِائَةٍ
وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا، قَالَ قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَن كَانَ أَوَّلُهُم؟ قَالَ آدَمُ، قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَبِيٌّ مُرسَلٌ؟ قَالَ نَعَم، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ (أي بعِنايَتِه) وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ (أي نَفَخَ المَلَكُ بأمرِ اللهِ رُوحَ آدمَ المُشَرَّفَةَ، فمعنىٰ "مِن رُوحِه" الروحُ المُشرَّفةُ عِندَ اللهِ، فهٰذِهِ إضافةُ تشريفٍ)، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا (أي أَوحَىٰ إليهِ بدُونِ واسِطَةِ المَلَكِ).
ثُمَّ قَالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ
أَربَعَةٌ سُريَانِيُّونَ، آدَمُ وَشِيثُ وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وَنُوحٌ. وَأَربَعَةٌ مِنَ العَرَبِ، هُودٌ وَشُعَيبٌ وَصَالِحٌ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، ﷺ، قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، كَم كِتَابًا أَنزَلَهُ اللهُ؟
قَالَ مِائَةُ كِتَابٍ
وَأَربَعَةُ كُتُبٍ، أُنزِلَ عَلَىٰ شِيثٍ خَمسُونَ صَحِيفَةً، وَأُنزِلَ عَلَىٰ أَخْنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَأُنزِلَ عَلَىٰ إِبرَاهِيمَ عَشَرُ صَحَائِفَ، وَأُنزِلَ عَلَىٰ مُوسَىٰ قَبلَ التَّورَاةِ عَشَرُ
صَحَائِفَ، وَأُنزِلَ التَّورَاةُ
وَالإِنجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالقُرآنُ» رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ(١). وقد اخَتَلَفَ العُلَماءُ في بيانِ عَدَدِ
الأنبياءِ ، فمِنهُم مَن
احتَجَّ بحَدِيثِ ابنِ حبّانَ المُتقَدِّمِ ذِكرُه، ومِنهُم مَن لم يُعَيِّن عَددًا
مَعلُومًا مُحتَجًّا بأنّه لَم يَرِد في ذٰلكَ حَديثٌ قَطعِيُّ الثُّبوتِ.
(١) صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب ما
جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خيرٍ حظُّ رجاءِ
التخلّصِ في العُقبىٰ بشيء منها.
m
الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِين
وأَفضَلُ
الصَّلَاةِ وأَتَمُّ التَّسلِيمِ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعَلَىٰ جَمِيعِ
إِخوَانِه النَّبِيِّينَ والمُرسَلِين، قالَ اللهُ تَعَالَىٰ في مُحكَمِ التّنزِيل
﴿ لَقَدۡ
كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٌ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٍ وَهُدًى وَرَحۡمَةً لِّقَوۡمٍ يُؤۡمِنُونَ ١١١﴾ [سورة يوسف] لَقَد أَوحَى
اللهُ تَعَالَىٰ إِلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الكَثِيرَ مِن قَصَصِ
الأَنبِيَاءِ في القُرآنِ
الكَرِيمِ مُوَاسَاةً لَهُ وَإِعلَامًا بِأَحوَالِهم وأَخبَارِهِم لِتكُونَ
لَنَا عِبرَةً نَافِعَةً وذُخرًا لِمَن اقتَدَىٰ واقتَفَىٰ آثارَهُم الشَّرِيفَةَ
المُنِيرَة.
النُّبُوَّةُ مُشتَقّةٌ
مِنَ النَّبوَةِ وهِيَ الرِّفعَة، أو مِنَ النَّبأِ وهو الخَبَر، والنُّبوَّةُ خاصَّةٌ
بالبَشَرِ فلَيسَ في الملائِكَةِ ولا في الجِنِّ نَبيٌّ، وأما الرِّسالَةُ فلَيسَت
خاصّةً بالبشرِ قالَ تعالىٰ ﴿ ٱللهُ يَصۡطَفِي مِنَ
ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ٧٥﴾
[سورة الحج] ولا يجوزُ أن
يكونَ الرّسولُ عَبدًا مَملُوكًا، ولا أن يكونَ ناقِصَ الحِسِّ
لأجلِ الحاجَةِ إلىٰ كَمالِ الحَوَاسِّ في أَداءِ الرّسالَةِ وما يَتعلَّقُ بها،
قال رسولُ اللهِ ﷺ «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الوَجهِ حَسَنَ الصَّوتِ، وَإِنَّ نَبِيَّكُم أَحسَنُهُم وَجهًا وأَحسَنُهُم صَوتًا» رَوَاهُ
التِّرمِذِيّ(١).
وأَجمَعَ أَهلُ
الحقِّ أنّ الرسالةَ لا تكونُ في النِّساء، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ وَمَآ
أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ
ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧﴾ [سورة الأنبياء] وقال سبحانَهُ
﴿ وَمَآ
أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ
٤٣﴾
[سورة النحل].
واختَلَفوا في
النُّبوةِ فقال بعضُ العُلماءِ بنُبوَّةِ السَّيِدَةِ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ،
وزَادَ بَعضُهم خَمسَةً غَيرَها، ولٰكِنَّ الصَّوابَ أنَّ النُّبُوَّةَ كذٰلِكَ
خاصَّةٌ بالرِّجَالِ، وقد ذَكرَ النَّوَوِيُّ في (الأَذكَارِ) عَن إمامِ الحَرَمَينِ
أنَّهُ نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلىٰ أنَّ مَريَمَ لَيسَت نَبِيَّةً. وجَاءَ عَنِ الحَسَنِ
البَصرِيِّ »لَيسَ في النِّسَاءِ نَبِيّةٌ ولا في الجِنِّ«(٢).
(١) رواه الحافظ ابن حجر في الفتح مُعزيًا له
إلى الترمذي عن أنسٍ. وعن البراء بن عازبٍ قال «كانَ رسولُ الله ﷺ أحسنَ
الناسِ وَجهًا وأحسَنَهُ خَلْقًا لَيسَ بالطّوِيلِ البَائِنِ ولا بالقَصير»
صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب صفة
النبي وأنه كان أحسن الناس وجهًا.
(٢) يُنظر (فتح الباري) ج٦/٤٧١، وقال الحافظ
«وقد نُقل عَنِ الأَشعَرِيِّ أنَّ مِنَ النِّساءِ مَن نُبِّئَ وهُنَّ سِتٌّ حوّاءُ
وسارةُ وأمُّ موسَى وهاجرُ وآسيةُ ومريمُ». [الفتح ٦/٤٤٧،
دار المعرفة].
طبعة معهدنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم