سَيِّدُنا نُوحٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام
قالَ اللهُ
تعالَىٰ ﴿ وَلَقَدۡ
أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ
١٤ ﴾
[
العنكبوت]،
هو نُوحُ بنُ لَامَكَ بنِ مَتُوشَلَخَ بنِ أَخَنُوخٍ بنِ يَرْدَ ويُقَالُ يَارَد بنِ
مَهْلَائِيْلَ بنِ قَيْنَانَ بنِ أَنْوَشَ بنِ شِيثِ بنِ آدَمَ أبي البَشَرِ u.
حُصُولُ الكُفرِ
فيما بَين النَّاس
كانَ مِن قَومِ إِدرِيسَ u خَمسُ رِجَالٍ صَالِحينَ مُخلِصِينَ في عِبَادَتِهِم لله، وأَسمَاؤُهُم «وَدٌّ» وهُوَ أَبَرُّ هٰؤُلَاءِ الخَمسَةِ بِأَبِيهِم، و«سُوَاعٌ» و«يَغُوثُ» و«يَعُوقُ» و«نَسْرٌ». بَعدَ مَوتِ سَيِّدِنا إِدرِيسُ u بمُدَّةٍ ماتَ «وَدٌّ» فحَزِنُوا عَلَيهِ كَثِيرًا واعتكَفُوا حَولَ قَبرِه، وَلَـمَّا رَأَىٰ إِبلِيسُ جَزَعَهُم عَلَيهِ تَشَبَّهَ في صُورَةِ إِنسَانٍ ثُمَّ أَتَاهُم قَائِلًا: إِنّي أَرَىٰ حُزنَكُم عَلَىٰ هٰذا الرَّجُل، فَهَل لي أَن أَعمَلَ تِمثَالًا لَه؟ فَقالُوا: افعَلْ. فعَمِلَ لَهُ تِمثَالًا ووَضَعُوهُ في نَادِيهِم وصَارُوا يَذكُرُونَهُ وكَأَنهُ حَاضِرٌ بَينَهُم، فلَمّا رَأَىٰ إبليسُ تَعَوُّدَهُم عَلَىٰ هٰذَا الأَمرِ قَالَ لَـهُم: هَل أَجعَلُ لَكُم في مَنزِلِ كُلِّ رَجُلٍ مِنكُم تِمثَالًا مِثلَه، فيكونَ لَهُ في بَيتِهِ فَيَذكُرَه؟ فقالوا: افعَلْ. فصَنَعَ لِكُلِّ أَهلِ بَيتٍ مِنهُم تِمثَالًا مِثلَهُ يَتَّخِذُونَهُ ذِكرَىٰ مُستَمِرَّة، ثُمَّ عَمِلَ النَّاسُ تَمَاثِيلَ مُجَسَّمَةً لِلإِخوَةِ الخَمسَةِ بَعدَ وَفَاتِهم ووَضَعُوها في أَندِيَتِهِم وبُيُوتِهِم.
ومَضَىٰ جِيلٌ
وأَتَىٰ آخَرُ وقَد تَنَاقَصَ عِلمُهُم بِشَرِيعَةِ اللهِ وانقَرَضَتْ فِيهِم
عِبَادَةُ اللهِ تَعالىٰ، وغَابَ سَبَبُ صُنعِ التِّمثَالِ فِيمَا بَينَهُم، ولَم
يَكُنِ الشِّركُ حَصَلَ بَعدُ بَينَ البَشَر، فجَاءَهُم إبلِيسُ اللَّعِينُ وقَالَ
لَهُم كَاذِبًا: مَا
لَكُم لَا تَعبُدُونَ شَيئًا؟ فَجَهِلُوا الإِجَابَةَ وقَالُوا: وَمَا نَعبُد؟
قالَ: آلِهَتَكُم وآلِهَةَ أَجدَادِكُم،
كانَ آبَاؤُكُم يَعبُدُونَها. فأَشَارَ لَهُم بِعِبَادَتِهَا
فعَبَدُوهَا والعِيَاذُ بِاللهِ تعالىٰ، وكانَ أولَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ
الصَّنَمُ الَّذِي سَمَّوهُ وَدًّا، ثُمَّ عَبَدُوا بَقِيَّةَ الأَصنَامِ
وانتَشَرَ الكُفرُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِيمَا بَينَ البَشَر، وكانَ ذٰلِكَ بَعدَ
نَحوِ أَلفِ سَنَةٍ مِن وَفَاةِ آدمَ u واللهُ
أعلَم.
بِعثَةُ
سَيِّدِنا نُوحٍ u
بَعَثَ اللهُ
سيدَنا نُوحًا u وكانَ
أَوَّلَ نَبِيٍّ يُرسَلُ إلىٰ قَومٍ كَافِرِين، وعُمُرُهُ أَربَعُمِائَةٍ
وثَمانُونَ عَامًا، وقَد تَفَشَّىٰ في قَومِهِ الشِّركُ وكَثُرَتِ المَعَاصِي. كان
سيدُنا نوحٌ u يَدعُو قَومَهُ لَيلًا ونَهَارًا أَن
يَعبُدُوا اللهَ رَبَّ العَالَـمِينَ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ له، وأَن يَترُكُوا
عِبَادَةَ الأَصنَام، فآمَنَ بِهِ بَعضُ العُمَّالِ الضُّعَفَاء، وحَارَبَهُ
الأَغنِيَاءُ مِن قَومِه.
وكانُوا
حِينَما يَأتِيهِم دَاعِيًا لِلخَيرِ والرَّشَاد، يَجعَلُونَ أَصَابِعَهُم في
آذَانِهِم لِئَلَّا يَسمَعُوه، ويُغَطُّونَ وُجُوهَهُم بِثِيَابِهِم لِكَي لَا
يَرَوه، بُغضًا وكَرَاهِيَةً له. وكانَ الوَاحِدُ مِنهُم يَقُولُ لِابنِهِ عِندَ
مُرُورِهِمَا بنُوحٍ: اِحذَرْ هٰذَا فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، قَد حَذَّرَني أَبي مِنه.
فيَمُوتُ الكَبِيرُ ويَنشَأُ الصَّغِيرُ عَلَىٰ ذٰلِكَ، وهٰكَذَا كُلَّمَا مَضَىٰ
جِيلٌ مُكَذِّبٌ بِهِ تَبِعَهُ جِيلٌ مُكَذِّبٌ آخَرُ.
ومَكَثَ
سَيِّدُنا نوحٌ u
يَدعُوهُم لِلإِسلَامِ أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسِينَ عَامًا، صَابِرًا عَلَىٰ
إِيذَائِهِم لَهُ رَاجِيًا أَن يُخرِجَ اللهُ مِنهُم مَن يُؤمِنُ بِهِ تَعالَىٰ. ومَرَّتِ
الأَعوَامُ الكَثِيرَةُ ولَم يُؤمِنْ بِسَيدِنا نُوحٍ u إِلَّا
عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَزِيدُونَ عَلىٰ ثَمانِينَ شَخصًا، بِمَا
فِيهِم بَعضُ أَولَادِهِ وأَزوَاجِهِم، ولَم يَكُنْ إِيذَاءُ الكُفَّارِ لِنُوحٍ
بِالكَلَامِ الشَّنِيعِ فَقَط، بَل تَعَدَّاهُ إِلىٰ الإِيذَاءِ البَدَنِيّ. فكَانَ
المُشرِكُونَ يَدخُلُونَ عَلَيهِ فيَخنِقُونَهُ بِثِيَابِهِ، ويَضرِبُونَهُ
بِالأَخشَابِ فَيَتَلَوَّىٰ u بَينَ
أَيدِيهِم حَتَّىٰ يُغشَىٰ عَلَيهِ مِن شِدَّةِ الضَّربِ والأَلَم،
فيَظُنُّونَهُ قَد مَاتَ فيَحمِلُونَهُ فيُلقُونَهُ عِندَ بَابِ دَارِه، فَإِذا
أَصبَحَ خَرَجَ بعَونِ اللهِ وعَادَ لِنَشرِ الدَّعوَةِ الشَّرِيفَةِ
المُبَارَكَةِ فِيهِم.
وكانَ u لا يُبادِلُهُم إِسَاءَاتِهِمُ
الكَثِيرَةَ إِلَّا بِالدُّعَاءِ لَهم بِالهِدَايَة، حَتَّىٰ جَاءَ اليَومُ
الَّذِي يَئِسَ فِيهِ نُوحٌ u مِن
إِيمَانِهِم، فالتَجَأَ إِلى اللهِ تعالىٰ وشَكَا إِلَيهِ أَفعَالَ المُشرِكِينَ،
فَأَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِنهُم إِلّا مَن قَد آمَن،
وأَعلَمَهُ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُ الكَافِرِينَ بِالغَرَق، وأَمَرَهُ بِصُنعِ
الفُلْكِ أي السَّفِينَة، ولَم تَكُنِ السُّفُنُ مَعرُوفَةً في ذٰلِكَ الوَقت،
قالَ تعالىٰ ﴿ وَقَالَ
نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا
٢٦ إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا
فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧﴾ [سورة نوح] .
بِنَاءُ
السَّفِينَة
أَمَرَ اللهُ
نُوحًا u بزَرعِ شَجَرِ السَّاجِ وَهُوَ شَجَرٌ
يَعظُمُ جِدًا ويَذهَبُ طُولًا وعَرضًا، فغَرَسَهَا كَمَا قِيلَ أَربَعِينَ
عَامًا، فلَمَّا نَمَا الشَّجَرُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ نُوحًا فَقَطَّعَهُ
وجَفَّفَهُ ونَجَرَه، وبَعَثَ إِلَيهِ جَبرَائِيلَ u
فعَلَّمَهُ كَيفَ يَصنَعُ السَّفِينَة، فتَوَارَثَ النَّاسُ صُنعَهَا عَنه u.
وقَد صَنَعَ
نوحٌ u
السَّفِينَةَ قُربَ بيتِه، في مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِ المَاء، فصَارَ الكُفّارُ
كُلَّمَا مَرُّوا بِهِ يَقُولُونَ لَهُ مُستَهزِئِين: نَرَاكَ قَد تَرَكتَ مَا
كُنتَ عَلَيهِ مِن دَعوَةٍ وصِرتَ نَجَّارًا! لَماذَا تُرهِقُ نَفسَكَ بِهٰذَا
العَمَلِ الشَّاقّ؟ ومَا حَاجَتُكَ لِهٰذِهِ السَّفِينَةِ ولَا بَحرَ
هُنَا؟! كُلُّ ذٰلِكَ لَم يَكُنْ حُبًّا في العِلمِ والمَعرِفَةِ وإنما مِن بابِ
الاستِهزَاءِ بِهِ والسُّخرِيَة.
كانَتِ
السَّفِينَةُ كَبِيرَةً جِدًّا، كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ
وعَرضُهَا خَمسِينَ ذِرَاعًا، وارتِفَاعُهَا ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وقَد جَعَلَ
نُوحٌ لَهَا مُقدِّمَةً
مُرَوَّسَةً لِتَشُقَّ عَبَابَ المَاءِ شَقًّا، والعَبَابُ صَوتُ أَموَاجِ البَحرِ
واصطِخَابُه. ثُمَّ فَجَّرَ اللهُ لَهُ الزِّفتَ الأَسوَدَ يَغلي غَلَيَانًا،
فَطَلَاهَا بِهِ لِـمَنعِ تَسَرُّبِ الماءِ إِلىٰ دَاخِلِهَا، وقَد بَقِيَ نُوحٌ
في صِنَاعَتِهَا أَربَعِينَ سَنَة.
وكانَتِ
السَّفِينَةُ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَحَمَلَ نُوحٌ u مِن كُلِّ
نَوعٍ مِنَ الحَيَوَانَاتِ والطُّيُورِ زَوجَينِ اثنَينِ ذَكرًا وأُنثَىٰ، ثُمَّ جَعَلَ
الطَّيرَ في الطَّبَقِةِ العُليَا، وجَعَلَ السُّفلَىٰ للدَّوَابِّ والوُحوش،
ورَكِبَ هُو ومَن آمَنَ مَعَهُ في
الطَّبَقِةِ الوُسطَىٰ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ نَبِيِّ اللهِ آدَمَ u.
بِدَايَةُ
الطّوفَان
كانَ مِن عَلَامَاتِ بِدَايَةِ
الطُّوفَانِ فَوَرَانُ التَّنُّورِ وَهُوَ مُعجِزَةٌ لِسَيِّدِنَا نُوحٍ u، والتَّنُّورُ
مَجمُوعَةُ حِجَارَةٍ مَرصُوصَةٍ يُخبَزُ عَلَيهَا الخُبزُ، وقَد كانَ لِآدَمَ وحَوَّاءَ
وصَارَ لِنُوحٍ، وأَلهَمَهُ اللهُ إِذَا رَأَيتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ
فاركَبْ أَنتَ وأَصحَابُكَ السفينةَ. وجَاءَ أَمرُ اللهِ تَعَالَىٰ وفَارَ الماءُ
مِنَ التَّنُّورِ ونَبَعَ بِشِدَّةٍ وقُوَّةٍ كَأَنَّهُ يَغلي. فَرَأَتْهُ امرَأَةُ
نُوحٍ، وَاسمُهَا وَاعِلَةُ، فَأَعلَمَتْهُ فقَالَ: «جَاءَ وَعْدُ رَبّي حَقًا»،
وَمَعَ أَنَّهَا رَأَتْ وشَاهَدَتْ هٰذِهِ المُعجِزَةَ إِلَّا أَنَّهَا لَم تَكُن
مُؤمِنَةً بَل كانَتْ كَافِرَةً. وذٰلِكَ بَعدَ أَن رَأَتْ أَنَّ الأَمرَ طَالَ
قالَتْ لِنُوحٍ: أَمَا يَنصُرُكَ رَبُّكَ؟ فقَالَ لَها: «بَلَىٰ»، قالت: مَتَىٰ؟
فأَجَابَهَا: «إِذَا فَارَ التَّنُّور»، فخَرَجَتْ تُوَلْوِلُ قَائِلَةً لِقَومِهَا:
يَا قَومي، إِنَّهُ لَمجنُون، يَزعُمُ أَنَّ رَبَّهُ لَا يَنصُرُهُ إِلَّا أَن يَفُورَ
التَّنُّور. فكَانَ هٰذَا خِيَانَةً مِنهَا لِزَوجِها نُوحٍ u.
وبَدَأَ ظُهُورُ
الماءِ وابتَدَأَ بِجَنَبَاتِ الأَرضِ فدَارَ حَولَهَا كَالإِكلِيلِ،
وتَفَجَّرَتِ الأَرضُ عُيُونًا، وتَفَتَّحَتْ أَبوَابُ السَّمَاءِ بِالمَاءِ فصَارَ
المَطَرُ يَنزِلُ كَأَفوَاهِ القِرَبِ، وصَارَتِ الوُحُوشُ يَطلُبْنَ وَسَطَ الأَرضِ
هَرَبًا مِنَ المَاءِ حَتَّى اجتَمَعْنَ عِندَ السَّفِينَةِ. وجَاَءتِ الرِّيحُ تَدفَعُهُنَّ
وجِبرِيلُ u يَحشُرُهُنَّ، وكَانَ نُوحٌ u وَاقِفًا عَلَىٰ
بَابِ السَّفِينَةِ يُدخِلُهُنَّ إِلَيهَا فيَضرِبُ بِيَدَيهِ عَلَى الزَّوجَينِ
فتَقَعُ يَدُهُ اليُمنَىٰ عَلَى الذَّكَرِ واليُسرَىٰ عَلَى الأُنثَىٰ فيُدخِلُهَا
السَّفِينَةَ هٰكَذَا.
وقِيلَ إِنَّ
الإِوَزَّةَ كَانَت أَوَّلَ مَن دَخَلَهَا، وءَاخِرَهَا دُخُولًا كَانَ الحِمَارُ، وَلَم يَدخُلْ إِلى السَّفِينَةِ
إِلّا مَا يَلِدُ ومَا يَبِيضُ. أَمَّا البَقُّ والذُّبَابُ والدُّودُ فَلَم
يَحمِلْ شَيئًا مِنهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ بِقُدرَةِ اللهِ مِنَ الطِّينِ. ورُوِيَ
أَنَّهُ جَاءَتْهُ الحَيَّةُ والعَقرَبُ لِدُخُولِ السَّفِينَةِ فقَالَ لَهُما u: «لَا
أَحمِلُكُمَا لِأنَّكُما سَبَبُ الضَّرَرِ والبَلَاءِ»، فقَالَتَا: احمِلنَا
فنَحنُ نَضْمَنُ لَكَ أَن لَا نَضُرَّ أَحَدًا ذَكَرَك. فَمَن قَرَأَ حِينَ يَخَافُ
مَضَرَّتَهَا «سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ في العَالَمِين»، لَم تَضُرَّهُ بإِذنِ الله
تعالىٰ. ولَمـَّا أُمِرَ نُوحٌ بإِدخَالِ الحَيَوانِ السَّفِينَةَ قَالَ «أَيْ
رَبِّ، كَيْفَ أَصنَعُ بِالأَسَدِ والبَقَرَةِ؟ وكَيفَ أَصنَعُ بِالعَنَاقِ
والذِّئْبِ وَالطَّيرِ والهِرِّ؟» قالَ {الَّذِي أَلْقَىٰ بَينَهُمَا
العَدَاوَةَ هُوَ يُؤَلِّفُ بَينَهَا} فَأَلْقَى الحُمَّىٰ عَلَى الأسَدِ
وشَغَلَهُ بِنَفسِه. ثُمَّ شَكَا أَصحَابُ نُوحٍ مِنَ الفَأْرَةِ تُفسِدُ عَلَيهِم
طَعَامَهُم ومَتَاعَهُم، فأَوحَى اللهُ إلى الأسدِ فَعَطَسَ فَخَرَجَتِ الهِرَّةُ
مِنهُ فَاختَبَأَتِ الفَأرَةُ مِنهَا. والعَنَاقُ الإِنَاثُ مِن صِغَارِ المَعزِ
والغَنَمِ قَبلَ تَمَامِ سَنَةٍ.
وكانَ بَينَ
المُؤمِنِينَ الثَّمَانِينَ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ أَولَادُ نُوحٍ الثَّلَاثَةُ
«سامٌ وحامٌ ويافِثُ»، وكانَ لَهُ وَلَدٌ رَابعٌ اسمُهُ كَنعَانُ وتُسَمِّيهِ العَرَبُ
«يام»، لَم يَكُن مُؤمِنًا باللهِ تعالىٰ، فَنَادَاهُ أَبُوهُ نُوحٌ u طَالِبًا مِنهُ
أن يُؤمِنَ باللهِ رَبًّا لِيَكُونَ مِنَ النَّاجِين، فلَم يَقبَلْ وأَبَىٰ واستَكبَرَ
وظَنَّ أَنَّهُ إِن صَعِدَ عَلَىٰ رَأسِ جَبَلٍ لَنَجَّاهُ ذٰلِكَ مِنَ الغَرَقِ،
فرَكِبَ فَرَسَهُ وقَد بَطَرَ بِنَفسِهِ وأُعجِبَ بِهَا، وصَعِدَ عَلَىٰ قِمَّةِ
جَبَلِ طُورِ سَينَاءَ ومَا كَادَ يَصِلُ إِلَيهَا حَتَّىٰ جَاءَتْ مَوجَةٌ عَظِيمَةٌ
فابتَلَعَتْهُ هُوَ وفَرَسَهُ وحِيلَ بينَه وبينَ نُوحٍ u.
ووَرَدَ أنَّهُ
مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ قَطُّ إِلّا بِحِفظِ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِهِ، إِلّا
مَا كانَ مِن مَاءِ الطُّوفَانِ، فإِنَّهُ انهَمَرَ بإذنِ اللهِ بِدُونِ سَحَابٍ
إذ لَم تُمطِرِ السَّمَاءُ قَبلَ ذٰلِكَ
اليَومِ ولَا بَعدَهُ إِلّا مِنَ السَّحَاب، ولَم تُغْلَقْ أَبوَابُ
السَّمَاءِ أَربَعِينَ يَومًا،
وكَانَتِ السَّفِينَةُ تَجري بِهِم في مَوجٍ عَالٍ كالجِبالِ مِن شِدَّةِ الرِّيَاحِ
وقُوَّةِ العَوَاصِفِ وَسَطَ جَوٍّ مُفزِع، إِلّا أَنَّ نُوحًا u وَمَن مَعَهُ كَانُوا
مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ وَاثِقِينَ بِحِفْظِ اللهِ لَهُم.
فاضَتْ مِيَاهُ
الأرضِ إلىٰ عُلُوِ سَبعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وتَلَقَّتِ الأَمطَارَ الغزيرةَ الَّتِي
هَطَلَتْ كالجِبَالِ وخَفَّفَت مِن شِدَّتِهَا، وَلَولَا ذٰلِكَ لَتَشَقَّقَتِ الأَرضُ
وتَدَمَّرَتْ مِن قُوَّتِهَا. وتَلَاقَى الماءَانِ، مَاءُ السَّماءِ الَّذِي كَانَ
بَارِدًا مِثلَ الثَّلْجِ، وماءُ الأرضِ حَارًّا مِثلَ الحَمِيم، ووَصَلَ ارتِفاعُ
الماءِ المُجتَمِعِ أَربَعِينَ ذِرَاعًا فَوقَ أَعلَىٰ قِمَّةِ جَبَلٍ، وكانَتِ
الأَموَاجُ كَأَنَّهَا تَفتَحُ بَينَ طَيَّاتِهَا لِلكَافِرِينَ قُبُورًا
والزَّبَدُ يَخِيطُ لَهُم أَكفَانًا، يُحَاوِلُونَ مُغالَبَةَ المَوتِ والمَوتُ
يَغلِبُهُم، ويُصَارِعُونَ المَوجَ والمَوجُ يَصْرَعُهُم.
كانَتِ السَّفِينَةُ قَد تَوَجَّهَتْ
بتَسْيِيرِ وتَيسِيرِ اللهِ لَهَا وانطَلَقَتْ بِمَنْ فِيهَا إِلَىٰ مَكَّةَ
المُكَرَّمَةِ، وطَافَت بِمَكانِ الكَعبَةِ سَبعًا، إِذِ البَيتُ كانَ قَد تَهَدَّمَ،
وأَمَّا الحَجَرُ الأَسوَدُ فقَد جُعِلَ في جَبَلِ أَبي قُبَيسٍ قُرْبَ مَكَّةَ،
وأَثنَاءَ الرِّحلَةِ حَصَلَت لِسَيِّدِنا نُوحٍ مُعجِزَاتٌ عَظِيمَةٌ، مِنهَا أَنهُ
كانَ إِذَا قَالَ «بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا» جَرَتِ
السفينةُ وإِذَا قَالَ « بِسۡمِ ٱللَّهِ مُرۡسَىٰهَا » رَسَت أَي تَوَقَّفَت.
ومِنهَا أَنهُ كانَ مَعَهُ
خَرزَتَانِ إِحدَاهُمَا بَيضَاءُ كبَيَاضِ النَّهَارِ، والأُخرَىٰ سَودَاءُ كَسَوَادِ
اللَّيلِ، فَكَانَ يَعْرِفُ بِهِما مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيلُ
غَلَبَ سَوَادُ هٰذِهِ بَيَاضَ تِلْك، وإِذَا طَلَعَ الصُّبحُ غَلَبَ بَيَاضُ تِلْكَ
سَوَادَ هٰذِهِ، عَلَىٰ قَدْرِ السَّاعَاتِ، لِأَنَّ المَطَرَ بَقِيَ مُنهَمِرًا وَقتًا
طَوِيلاً، وَقَدِ احتَجَبَتِ الشَّمسُ خَلفَه.
ومَضَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ
نَحوَ اليَمَنِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى العِراقِ ﴿ وَقِيلَ
يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ
ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ
ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤﴾ [سورة هود] استَوَتْ أَيِ
استَقَرَّتْ يَومَ العَاشِرِ مِن شَهرِ مُحرَّمٍ، عَلَىٰ جَبَلٍ مُنخَفِضٍ اسمُهُ
الجُودِيُّ في العِرَاق، وكانَ انطِلاقُهَا في العَاشِرِ مِن شَهرِ رَجَب، فَذٰلِكَ
سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَهُوَ يَومُ عَاشُورَاءَ، وَوَافَقَ وُقُوعُهُ يَومَ الجُمُعَةِ،
فَصَامَهُ نُوحٌ u وأَمَرَ جَمِيعَ
مَن مَعَهُ فَصَامُوا شُكرًا للهِ عَلَىٰ سَلَامَتِهِم. أَقَامَ نُوحٌ u وَمَن مَعَه في
الفُلكِ إلى أن نَشَّفَتِ الأرضُ الماءَ فنَزَلَوا، وَمَا إِنْ وَطِئُوا الأَرضَ حَتَّىٰ
هَلَّلُوا وَكَبَّرُوا، وبَنَوا قَريَةً سَمَّوهَا «قَريَةَ الثَّمَانِينَ» عَلَىٰ
عَدَدِهِم، وذٰلِكَ بِنَاحِيَةِ المَوصِلِ في العِرَاق، وكانَت أَوَّلَ قَريَةٍ
عُمِرَتْ عَلَىٰ وَجهِ الأَرضِ بعدَ الطُّوفَانِ. وَمَا هِيَ إِلَّا مُدَّةً حَتَّىٰ
مَاتَ مَن مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِلَّا أَولَادَهُ ونِسَاءَهُم،
فتكَاثَرُوا وتَنَاسَلُوا وبَارَكَ اللهُ لَهُم في ذُرِّيَتِهِم، حَتَّىٰ كَثُرَ
النَّاسُ وفَشَوا. فكانَ العَرَبُ والفُرسُ والرُّومُ الأُوَلُ وأَهلُ الشَّامِ
واليَمَنِ مِن وَلَدِ سَامِ بنِ نُوحٍ، وفِيهِمُ البَيَاضُ والسُّمْرَةُ. والسِندُ
والهِندُ والزَّنْجُ والحَبَشَةُ والزُّطُّ والنُّوبَةُ وكُلُّ جِلدٍ أَسوَدَ مِن
وَلَدِ حَامِ بنِ نُوحٍ، وفِيهِم بَيَاضٌ قَلِيلُ. والتُّركُ والبَربَرُ ووراءَ
الصِّينِ ويَأجُوجُ ومَأجُوجُ والصَّقَالِبَةُ كُلُّهُم مِن وَلَدِ يافِثَ بنِ نُوحٍ،
وَفِيهِمُ الصُّفرَةُ والحُمرَةُ، والبَشَرُ كُلُّهُم الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ u.
عَاشَ نَبِيُّ
اللهِ نُوحٌ u أَلفًا وسَبعَمِائَةٍ وثَمَانِينَ سَنَةً،
فقَد بَعَثَهُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَىٰ نَبِيًّا وَلَهُ مِنَ العُمُرِ
أَربَعُمِائَةٍ وثَمَانُونَ سَنَةً، وَلَبِثَ في قَومِهِ يَدعُوهُم إِلَىٰ دِينِ
الإِسلَامِ وعِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وتَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ، تِسعَمِائَةٍ
وخَمسِينَ عَامًا، ثُمَّ عَاشَ بَعدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِائَةٍ وخَمسِينَ سَنَةً،
وأَمَا مَكَانُ قَبرِهِ u فَهُوَ في
مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ ضِمنَ المَسجِدِ الحَرَام. ولَمـَّا حَضَرَتْ نُوحًا u الوَفَاةُ
قِيلَ لَه: كَيفَ رَأَيتَ الدُّنيَا؟ قالَ «كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ دَخَلتُ مِن
أَحَدِهِما وخَرَجتُ مِنَ الآخَرِ» وأَوصَىٰ إلى ابنِهِ سَامٍ، وكانَ أكبَرَ
وَلَدِه.
قالَ رَسُولُ
الله ﷺ « إِنَّ
نَبِيَّ اللهِ نُوحًا ﷺ لَـمَّا
حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الوَصِيَّةَ:
آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ وَأَنهَاكَ عَنِ اثنَتَينِ، آمُرُكَ بِلَا إِلٰهَ إِلَّا
اللهُ، فَإِنَّ السَّمٰوَاتِ السَّبعَ وَالأَرضِينَ السَّبعَ لَو وُضِعَتْ فِي
كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلٰهَ
إِلَّا اللهُ، وَلَو أَنَّ السَّمٰوَاتِ السَّبعَ وَالأَرضِينَ السَّبعَ كُنَّ
حَلْقَةً مُبهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ. وَسُبحَانَ اللهِ
وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهَا يُرزَقُ الخَلْقُ.
وَأَنهَاكَ عَنِ الشِّركِ وَالكِبرِ» رَوَاهُ أحمد(١) بإسنَادٍ
صَحِيح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم