الأحد، 22 فبراير 2026

سيدنا يوسف عليه السلام ج1 / طبعة معهدنا

 سَيِّدُنا   يُوسُفُ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولًاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٌ مُّرۡتَابٌ ٣٤ [سورة غافر] .

هُوَ يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ ، قال ﷺ « الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يُوسُفُ بنُ يَعقُوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ » رواه البخاري وغيره(١).



(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ لَقَد كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ[سورة يوسف] عن ابن عمر رضي الله عنهما. ورواه أحمد في مسنده والنسائي في السنن الكبرى والترمذي في جامعه عن أبي هريرة رضي الله عنه.


قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ ٧ [سورة يوسف] وقَد أَعطَى اللهُ سُبحانَهُ نَبِيَّهُ يوسُفَ u شَطرَ الحُسنِ، وقَد أَثنَىٰ عَلَيهِ ووَصَفَهُ بالعِفَّةِ والنَّزَاهَةِ والصَّبرِ والاستِقَامَة، قالَ تعالىٰ ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤ [سورة يوسف].

عَدَدُ المَرّاتِ الّتِي ذُكِرَ فِيهَا u فِي القُرءَان

ذُكِرَ اسمُ يوسُفَ u في القُرءَانِ الكَرِيمِ سَبعًا وعِشرِينَ مَرّةً في سِتٍ وعِشرِينَ ءَايةً، مِنهَا أَربَعٌ وعِشرُونَ آيةً في سُورَةِ يوسفَ، وآيةٌ في سُورَةِ الأَنعامِ وآيةٌ في سُورَةِ غَافِر وقَد مَرَّ ذِكرُهُما، والآيَةُ الّتِي ذُكِرَ فِيهَا مَرَّتَينِ هِيَ ﴿ قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ ٩٠ [سورة يوسف].

ويُوسُفُ u مِن أَشهَرِ أَنبِيَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ، وقد ذُكِرَت قِصَّتُهُ في القُرآنِ الكريمِ في سُورَةِ يوسُفَ مُفصَّلَةً، وفِيهَا بَيَانٌ لِحَيَاتِهِ ومِحنَتِهِ معَ إِخوَتِه ومِحنَتِهِ معَ امرَأَةِ العَزِيز، ودُخولِهِ السِّجنَ ودَعوَتِه فِيهِ إلى اللهِ تعالىٰ، ثُمَّ خُروجُهُ مِنَ السِّجنِ وتَفسِيرُهُ الرُّؤيَا للمَلِكِ واستِلَامُهُ لخَزائِنِ الأَرضِ أي أَرضِ مِصرَ، ثُمّ مَجِيءُ إِخوَتُه إلىٰ مِصرَ بسَبَبِ القَحطِ، وإِبقَاؤُه لِأَخِيهِ بِنيَامِينَ عِندَهُ، ثُمَّ اجتِماعُهُ بِأَبِيهِ وإِخوَتِهِ ودُخولُهم عَليهِ وسُجودُهُم لَهُ عَلَىٰ وَجهِ التَّحِيَّةِ والتَّعظِيمِ، وكانَ ذٰلِكَ جَائِزًا في شَرِيعَتِهِم، إلىٰ غَيرِ ذٰلِكَ مِن إِشاراتٍ دَقِيقَةٍ وعِظَاتٍ بالِغَةٍ يُستَفادُ بِهَا مِن حَياةِ هٰذا النَّبِيِّ الكَرِيم.

إِخوَتُهُ u وأَسبَاطُ بَنِي إِسرَائِيلَ

تَقَدَّمَ أنَّ يعقوبَ u تَزَوَّجَ ابنَتَي خَالِهِ لِيَا ورَاحِيل واتَّخَذَ سُرِّيَّتَينِ فوَلَدنَ لَهُ اثنَي عَشَرَ غُلَامًا وبِنتًا. وليُعلَم أنَّ الأسباطَ هُم ذُرِّيَّةُ إِخوَةِ يوسُفَ u وهُم شُعوبُ بَنِي إِسرَائِيلَ، وكانَ يُوجَدُ فِيهِم أَنبياءُ نَزَلَ عَلَيهِمُ الوَحيُ، ولَم يَكُن مِن أَولَادِ يَعقوبَ نَبِيٌّ غَيرُ يوسُفَ u إِلّا أنَّ هُناكَ احتِمالًا أَن يَكونَ بِنيَامِينُ نَبِيًّا، وأَمّا مَا ذَهَبَ البَعضُ إِلَيهِ مِنَ القَولِ بنُبُوَّةِ إِخوَةِ يوسُفَ العَشَرَةِ فمَردُودٌ، لِأَنَّ النُّبوَّةَ لَا تَصِحُ لَهم لِمَا فَعَلوا مِن تِلكَ الأَفاعِيلِ الخَسِيسَةِ، وهُم مَن سِوَىٰ بِنيَامِينَ، فالأَسباطُ الّذِينَ أُنزِلَ عَلَيهِمُ الوَحيُ هُم مَن نُبِّئَ مِن ذُرِّيَّتِهِم.

رُؤيَا يُوسُفَ u فِي المَنَامِ

رَأَىٰ يُوسُفُ u في المَنامِ وهُوَ صَغِيرٌ لَم يَحتَلِمْ أنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا والشَّمسَ والقَمَرَ تَسجُدُ لَه، قالَ المُفَسِّرونَ كانَتِ الكَواكِبُ في التّأوِيلِ إِخوَتَه، والشَّمسُ أُمَّه، والقَمَرُ أَباه، فقَصَّ يوسُفُ u هٰذِه الرُّؤيَا علىٰ أَبِيهِ، وكانَ عُمُرُهُ وَقتَئِذٍ اثنَتَي عَشرَةَ سَنةً، فأَشفَقَ عَلَيهِ أَبوهُ يَعقوبُ مِن حَسَدِ إِخوَتِه، قالَ تعالىٰ ﴿ إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبًا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤ قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ٥ [سورة يوسف] أَي يُدَبِّروا حِيلَةً لِإهلَاكِكَ، لِأَنَّ الشّيطانَ للإِنسانِ عَدُوٌ مُبِين.

ولَقدَ عَلِمَ يَعقوبُ u أنّهُ سَيَكونُ لابنِهِ يوسُفَ شَأنٌ عَظِيمٌ وسَيَنالُ رُتبَةً عالِيَةً ورِفعَةً سامِيَةً في الدُّنيا والآخِرَة، لذٰلِكَ أَمَرَهُ بِكِتمانِ ما رَأَىٰ في المنامِ وأَلَّا يَقُصَّها علىٰ إِخوَتِهِ خَوفًا عَلَيهِ مِن كَيدِهِم وحَسَدِهِم.

حَسَدُ إِخوَتِهِ وحِقدُهُم عَلَيهِ وعَزمُهُم علَى التَّخَلُّصِ مِنه

كانَ سَيدُنا يَعقُوبُ u يُحِبُّ ابنَيهِ يُوسُفَ وبِنيامينَ كَثِيرًا لِمَا فيهِمَا منَ المَزايَا كَحُسنِ الخُلُقِ، وكانَت هٰذِهِ المحبَّةُ سَبَبًا في حِقدِ إِخوَتِهِما الأَكبَرِ سِنًّا عَلَيهِما، وسَببًا في مِحنَةِ يوسُفَ التي ابتُلِيَ بِهَا ونالَ بِها الدَّرَجاتِ العُليا عِندَ الله.

كانَ بَقِيَّةُ أَبناءِ يعقوبَ u يَحسُدُونَ يوسُفَ وشَقِيقَهُ بِنيامِينَ علىٰ هٰذِهِ المَحبَّةِ والخُصوصِيَّةِ لَهما وهُم يَعتَبِرونَ أَنفُسَهُم جَماعَةً أَقوِياءَ نَافِعِينَ لِأَبِيهِم أَحَقَّ بِمَحَبَّتِهِ، قالَ تعالىٰ ﴿ إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ٨ [سورة يوسف] وليسَ المرادُ مِنهُ ضَلالَ الدِّينِ ولَو أرادُوه لَكَفروا بِه، بَل المُرادُ مِنه  الخطَأُ في تَدبِيرِ أَمرِ الدُّنيا، يقولونَ نَحنُ أَنفَعُ لَه في أَمرِ الدّنيا وإِصلَاحِ أَمرِ مَعاشِهِ ورَعْيِ مَوَاشِيه، فنحنُ أَولَى بالمحبةِ مِن يوسُف، فهُوَ مُخطِئٌ في صَرفِ محبتِه إِلَيه، لا الخطأَ في الدِّينِ والاعتِقاد، والتّخطِئَةُ في أَحوالِ الدُّنيا لا تُنافي الاعترافَ للمُخطِئ بالنُّبوَّة(١).



(١) يُنظر (تأويلات أهل السنة) للإمام الماتريدي. و(معالم التنزيل) للبغوي. و(الهداية إلى بلوغ النهاية) لمكي بن أبي طالب. و(مفاتيح الغيب) للفخر الرازي. و(التحرير والتنوير) لابن عاشور.


وازدَادَ كُرهُ إِخوَتِهِ وحَسَدُهُم لِيُوسُفَ خَاصَّةً لَمَّا عَلِمُوا بِأَمرِ رُؤيَاهُ، ولِذٰلِكَ تَآمَرُوا فِيمَا بَينَهُم علىٰ أَن يُفَرِّقُوا بَينَهُ وبَينَ أَبِيه، وتَشَاوَرُوا فِيما بَينَهُم علىٰ قَتلِ يُوسفَ أَو إِبعَادِهِ إلىٰ أَرضٍ لَا يَرجِعُ مِنهَا، لِيَخلُوَ لَهم وَجهُ أَبِيهِم أَي لَتَتَمَحَّضَ مَحبَّتُهُ لَهم عَن شُغلِهِ بيوسُف، وقالُوا سَنَتوبُ بَعدَ ذٰلِكَ لِنَكُونَ مِنَ الصَّالِحين، قالَ اللهُ تعالىٰ حِكَايَةً عَنهُم ﴿ ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضًا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمًا صَٰلِحِينَ ٩ [سورة يوسف] ولٰكِنَّ قَائِلًا مِنهُم قِيلَ هُوَ أَخُوهُ الثالِثُ يَهوذَا وقِيلَ أَكبَرُهُم رِأُوبِن، قالَ لَهم: لا تَقتُلوا يُوسُفَ، وأَمَرَهُم أَن يُلقُوهُ في قَعرِ البِئرِ فيَلتَقِطُهُ بَعضُ المَارَّةِ مِنَ المُسَافِرِينَ فَيَأخُذُونَهُ، وبِذٰلِكَ يَتَخَلَّصُونَ مِنه.

﴿ قَالَ قَآئِلٌ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠ [سورة يوسف] وأَخَذَ عَلَيهِم أَخوهُم يَهُوذَا العُهودَ أَنَّهُم لَا يَقتُلُونَه، فأَجمَعُوا عِندَ ذٰلِكَ علىٰ أَن يَدخُلُوا علىٰ أَبِيهِم يَعقُوبَ ويُكَلِّمُوهُ في إِرسَالِ يُوسُفَ مَعَهُم إِلَى البَرِّيَّةِ لِيَلعَبَ مَعَهُم ويَأكُل، لِذٰلِكَ دَخَلُوا علىٰ أَبِيهِم وطَلَبُوا مِنهُ أَن يَسمَحَ لَهم باصطِحَابِ يوسُفَ إلى الصَّحرَاءِ وتَعَهَّدُوا لَهُ أَن يُحافِظُوا عَلَيهِ.

﴿ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١ أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدًا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢ [سورة يوسف] وكانَ يَعقوبُ u قَد خَطَرَ لَهُ مَا يُضمِرُهُ بَنُوهُ لِأَخِيهِم يوسُف، وكانَ يَعِزُّ عَلَيهِ أَن يَذهَبُوا بِهِ لِأَنهُ كانَ يَخشَىٰ عَلَيهِ مِنهُم، لِذَا أَرادَ أَن يُثنِيَهُم عَن هٰذا الأَمرِ بِقَولِهِ ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣ [سورة يوسف] .

وهُوَ كانَ يَتَخَوَّفُ علىٰ يوسُفَ مِن عُدوَانِهِم أَكثَرَ مِمَّا يِتَخَوَّفُ عَلَيهِ عُدوَانَ الذِّئبِ، ولٰكِنَّهُم كانوا بَارِعِينَ في الدَّهَاءِ فَـ﴿ قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤ [سورة يوسف] أَي ونَحنُ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ نَكُونُ إذًا عَاجِزِينَ هَالِكِين.

تَنفِيذُ مُؤَامَرَتِهِم بِإلقَائِهِ u في البِئرِ لإِهلَاكِه

أَرسَلَ يَعقوبُ يوسفَ معَ إِخوَتِهِ لِئَلّا يَشعُروا أَنّ أَباهُم يَخشَىٰ عَلَيهِ مِنهُم فيُدَبِّروا لَهُ مَكِيدَةً في غِيابِه، فأَرسَلَهُ مَعَهُم علىٰ كَرهٍ ومَضَض، ومَا إِن غَابُوا بِهِ عَن عَينَيهِ انطَلَقوا بِهِ إلى البِئرِ لِيَطرَحُوهُ فِيهِ فخَلَعُوا عَنهُ قَمِيصَهُ فقالَ «يَا إِخوَتَاهُ، لِمَ نَزَعتُم قَمِيصي؟ رُدُّوهُ عَلَيَّ أَستُرُ بِهِ عَورَتِي ويَكُن كَفَنًا لي في مَمَاتِي»، فقالوا لَه: اُدْعُ الشَّمسَ والقَمَرَ والأَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا تُؤنِسُك! ثُمَّ أَدلَوهُ في البِئرِ حَتّىٰ إِذَا بَلَغَ نِصفَها أَلقَوهُ إِرادَةَ أَن يَمُوتَ، فكَانَ في البئرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ أَوَىٰ إلىٰ صَخرَةٍ فِيهَا فقَامَ عَلَيهَا وجَعَلَ يَبكِي، فنَادَوهُ فظَنَّ أَنّها رَحمَةٌ أَدرَكَتهُم فأَجابَهُم، فأَرادُوا أَن يَرجُمُوهُ بالحِجارَةِ فمَنَعَهُم يَهوذا، ولَمّا أَلقَوهُ في قَعرِ البِئرِ أَوحَىٰ اللهُ إِلَيهِ أَنّهُ لَا بُدَّ مِن فَرَجٍ ومَخرَجٍ مِن هٰذِهِ الشِّدَّةِ والضِّيقِ، ولَتُخبِرَنَّ إِخوَتَكَ بِصَنِيعِهِم هٰذَا في وَقتٍ يَكُونُ لَكَ فِيهِ العِزَّةُ والسِّيَادَةُ عَلَيهِم وهُم لَا يَعلَمُونَ أَمرَك، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥ [سورة يوسف].

تَلطِيخُ قَمِيصِهِ u بِدَمٍ مَكذُوبٍ لإِخفَاءِ الجَرِيمَة

بَعدَ أَن أَلقَىٰ إِخوَةُ يوسُفَ أَخاهُم في البئرِ أَرادُوا أَن يُخفُوا جَرِيمَتَهُم، لِذٰلِكَ عَمَدُوا إلىٰ جَدْيٍ مِنَ الغَنَمِ فذَبَحُوهُ ثم غَمَسُوا قَمِيصَ يُوسُفَ في دَمِهِ ورَجَعُوا إِلىٰ أَبِيهِم يعقوبَ في وَقتِ العِشاءِ يَبكُونَ، وإِنّما جَاءُوا وَقتَ العَتَمَةِ لِيكونُوا أَجرَأَ في وَقتِ الظَلَامِ على الاعتِذَارِ بالكَذِب، فلَمّا دَنَوا مِنهُ صَرَخُوا صُرَاخَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ورَفَعوا أَصوَاتَهُم بالبُكاءِ والعَوِيل، فلَمّا سَمِعَ يَعقوبُ u صَوتَهُم فَزِعَ وقالَ «مَا لَكُم يَا بَنِيَّ، هَل أَصَابَكُم في غَنَمِكُم شَيء؟» قالوا: لا، قال «فَمَا أَصابَكُم وأَينَ يوسُفَ؟» فقالُوا لَهُ كَاذِبِينَ: يَا أَبانَا إِنَّا ذَهَبنَا لِلسِّبَاقِ والرَّميِ بالسِّهَامِ وتَرَكنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنا فأَكَلَهُ الذِّئبُ وأَنتَ لَستَ بِمُصَدِّقِنا ولَو كُنّا صادِقِين. قالَ تعالىٰ ﴿ وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءً يَبۡكُونَ ١٦ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٍ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧ [سورة يوسف] وعِندَمَا سَمِعَ يَعقوبُ u كَلامَ أَبنائِهِ ومَا ادَّعَوهُ بَكَىٰ وقالَ «أَينَ القَمِيص؟» فجَاءُوا بالقَمِيصِ عَلَيهِ دَمٌ كَذِبٌ ولَيسَ فِيهِ خَرقٌ.

ويُروَىٰ أَنّ يعقوبَ u أَخَذَ القَمِيصَ وأَخَذَ يُقَلِّبُهُ وهُوَ يَقولُ مُتَهَكِّمًا «مَا أَحلَمَ هٰذا الذِّئبَ الّذِي أَكَلَ ابنِي دُونَ أَن يُمَزِّقَ ثَوبَه»!! قالَ ذٰلِكَ تَعرِيضًا بِكَذِبِهِم وإِيذانًا بِأَنّ صَنِيعَهُم ومَكرَهُم هٰذا لَم يَمُرَّ عَلَيه، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرًاۖ فَصَبۡرٌ جَمِيلٌ وَٱللهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨ [سورة يوسف] أَي لَقَد زَيَّنَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرًا غَيرَ مَا تَزعُمُونَ فصَبرٌ جَميلٌ ورَبّي المُعِينُ علىٰ مَا تَكذِبون.

إِنقَاذُ يوسُفَ u مِنَ البِئر

أَقامَ يوسفُ u في البِئرِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ، وكانَ البِئرُ قَلِيلَ الماءِ، ثُمَّ مَرَّت قَافِلَةٌ مِنَ القَومِ المُسافِرِينَ فبَعَثُوا مَن يَستَقِي لَهمُ الماءَ مِنَ البِئر، فلَمّا أَدلَىٰ دَلوَهُ في البِئرِ تَعَلَّقَ يوسُفُ u بِه.

ولَمّا نَزَعَ الدَّلوَ يَحسَبُهُ قَد امتَلَأَ مَاءً، إِذَا بِهِ غُلَامٌ جَمِيلٌ حَسَنُ الوَجهِ مُشرِقُ المُحَيَّا فاستَبشَرَ الرَّجُلُ بِهِ وقَالَ لِأَصحَابِهِ: يا بُشرَىٰ هٰذَا غُلَام، فأَقبَلَ أَصحَابُه يَسأَلُونَهُ الشَّرِكَةَ فِيهِ واستَخرَجُوهُ مِنَ البِئر، فقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: اُكتُمُوهُ عَن أَصحَابِكُم لِئَلّا يَسأَلُوكُمُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، فإِن قالُوا مَا هٰذا؟ فقولُوا استَبضَعنَاهُ أَهلَ الماءِ -أَي وَضَعُوهُ مَعَنا بِضَاعَةً- لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصرَ.

ولَمَّا استَشعَرَ إِخوَةُ يوسُفَ u بِأَخذِ القَافِلَةِ له لَحِقُوهُم قائِلِينَ: هٰذا غُلَامُنَا [أَي عَبدٌ لَنا] أَبَقَ وهَرَبَ مِنّا، فصَدَّقَهُم أَهلُ القافِلَةِ فاشتَرَوهُ مِنهُم بِثَمَنٍ بَخسٍ وقَلِيلٍ مِنَ الدَّراهِمِ المَعدُودَة، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٌ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩ وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٍ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠ [سورة يوسف].

بَيعُ يوسُفَ u لِعَزِيزِ مِصرَ ووَزِيرِهَا

لَمّا وَصَلَت القَافِلَةُ ومَعَها يوسُفُ u إلىٰ مِصرَ، وقَفُوا في سُوقِهَا يَعرِضُونَهُ لِلبَيعِ، فأَخَذَ النّاسُ في مِصرَ يَتَزايَدُونَ في ثَمَنِهِ حَتّى اشتَراهُ مِنهُم عَزِيزُهَا وهُوَ الوَزِيرُ الأَوَّلُ والمُؤتَمَنُ علىٰ خَزائِنِهَا يُقَالُ لَهُ »قُطْفِير« وقِيلَ »بُوتيفار بنُ رُوحِيب«، وكانَ مَلِكَ مِصرَ يَومَئِذٍ »الرَّيَّانُ بنُ الوَلِيدِ« وهُوَ رَجُلٌ مِنَ العَمالِقَة.

ذَهَبَ الوَزِيرُ الّذِي اشتَرَىٰ يوسُفَ u إلىٰ مَنزِلِهِ فَرِحًا مَسرُورًا وقالَ لامرَأَتِهِ واسمُها »زَلِيخَا أو زُلَيخَةُ« وقِيلَ »رَاعِيلُ بنتُ هِيمُوسَ« مَلِكِ المَغرِب، وقِيلَ بِنتُ »رَمَائِيلَ أو رَعَائِيل«، ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَاهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَاهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًاۚ ٢١ [سورة يوسف]. وكان هٰذا الوَزِيرُ عِنِّينًا يَعجَزُ عَن إِتيَانِ النِّسَاءِ ولَا يَمِيلُ لَهُنَّ وكانَتِ امرَأَتُهُ »زُلَيخَة« امرأَةً جَمِيلَةً حَسنَاءَ نَاعِمَةً في مُلْكٍ ودُنيا. نَشَأَ يوسُفُ u وتَرَعرَعَ في بيتِ العَزِيزِ بِأَدَبٍ جَمٍّ وحُسنِ تَصَرُّفٍ، فرَأَىٰ العَزِيزُ فيهِ u الذَّكَاءَ والأَمانَةَ والعِلمَ والفَهمَ فجَعَلَهُ صَاحِبَ أَمرِهِ والرَّئِيسَ علىٰ خَدَمِهِ، وهٰذا إِكرَامٌ مِنَ اللهِ حَيثُ قَيَّضَ اللهُ تبارَكَ وتعالىٰ لِيُوسُفَ الصِّدِّيقِ u العَزِيزَ يُحسِنُ إِلَيهِ ويَعتَني بِه، كمَا أَنقَذَهُ اللهُ مِن إِخوَتِهِ الَّذِينَ أَلقَوهُ في البِئرِ، ثُمَّ أَنقَذَهُ مِنهُ وصَيَّرَهُ إلىٰ هٰذِه الكَرامَةِ والمَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِندَ عَزِيزِ مِصرَ، ومَكَّنَ لَهُ في الأَرضِ، وتَوَلّاهُ اللهُ بِعِنَايَتِهِ وعَلَّمَهُ مِن لَدُنهُ عِلمًا عَظِيمًا وأَعطَاهُ عِلمَ تَعبِيرِ الرُّؤَى المَنَامِيَّةِ، وسيجعَلُهُ في المُستَقبَلِ سَبَبًا لِخَيرٍ عَظِيم، واللهُ نَافِذُ المَشِيئَةِ في مَخلُوقَاتِه، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، يقُولُ تعالىٰ ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١ [يوسف].  ولَمَّا بَلَغَ يوسُفُ u أَشُدَّهُ وقُوَّتَهُ في شَبابِهِ، ءَاتَاهُ اللهُ الحُكمَ والعِلمَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وكذٰلِكَ يَجزِي اللهُ المُحسِنِينَ مِن عِبَادِهِ القَائِمِينَ بِأَمرِهِ المُهتَدِينَ إلىٰ طَاعَتِه، قالَ سُبحانَه ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمًا وَعِلۡمًاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢ [سورة يوسف].

مِحنَةُ يوسُفَ u مَعَ امرَأَةِ العَزِيز

عَصَمَ اللهُ تبارَكَ وتعالىٰ الأَنبِياءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِم أَجمَعِينَ مِنَ الوُقوعِ في المعاصِي كَبِيرِهَا وصَغِيرِهَا قَبلَ النُّبُوَّةِ وبَعدَها وقِيلَ إلَّا الصَّغِيرَةَ الَّتِي تَخلُو مِنَ الخِسَّةِ والدَّنَاءَة فجَائِزٌ عَقلًا أن يَقَعَ فِيهَا بَعضُ الأنبيَاءِ لٰكِن يُنَبَّهُونَ للتَّوبَةِ فَورًا قَبلَ أن يَقتَدِيَ بِهِم فِيهَا غَيرُهُم. ومِن هٰؤُلَاءِ الأَنِبياءِ العُظَماءِ المَعصُومِينَ سَيِّدُنا يُوسُفُ u الّذِي كانَ شَدِيدَ الجَمالِ والحَيَاء، فوَسوَسَ الشَّيطانُ لزُلَيخَةَ امرأَةِ العَزِيزِ، فأَرادَت فِعلَ الفاحِشَةِ مَعَه، ولٰكِن يوسُفُ نَبِيٌّ لَا يَقرَبُ الزِّنا ولَا يَهُمُّ بِه، فَخَوَّفَها مِن عَذَابِ اللهِ ولم يُلَبِّها فِيمَا طَلَبَت. أَقامَ يوسُفُ u في بَيتِ عَزِيزِ مِصرَ ووَزِيرِها الأوَّلِ مُنَعَّمًا مُكَرَّمًا، ولَمّا شَبَّ وكَبُرَ وبَلَغَ مِنَ العُمُرِ سَبعَةَ عَشَرَ عَامًا، أَحَبَّتهُ الَّتِي في بَيتِها حُبًّا جَمًّا وعَشِقَتهُ وشَغَفَهَا حُبُّه لِمَا رَأَت مِن حُسنِهِ وجَمالِهِ الفَائِق، قالَ تعالىٰ ﴿ وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ ٢٣ [سورة يوسف]. وذَاتَ يَومٍ أَرادَت امرَأَةُ العَزيزِ أَن تَحمِلَهُ علىٰ مُوَاقَعَتِهَا عُنوَةً، فقَامَت بإِغلَاقِ الأَبوَابِ عَلَيهَا وعَلَيه، وكانَت قَد تَهَيَّأَت لَهُ وتَصَنَّعَت ولَبِسَت أَحسَنَ ثِيَابِها وأَفخَرَها ودَعَتهُ صَراحَةً إلىٰ نَفسِهَا وهَتَكَت سَترَ الحَيَاءِ، وطَلَبَت مِنهُ مَا لَا يَلِيقُ، وحَرِصَت علىٰ ذٰلِكَ أَشَدَّ الحِرصِ، ولٰكن هُوَ النَّبِيُّ العَفِيفُ الطَّاهِرُ المَعصُومُ عَن الرَّذائِلِ والسَّفاهَاتِ والفَوَاحِشِ والقَبَائِحِ كسَائِرِ الأَنبياءِ. فأَبَىٰ u وامتَنَعَ أشَدَّ الامتِناعِ وأَصَرَّ علىٰ عِصيَانِ أَمرِها و﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ ﴾ أَي أَعوذُ بِاللَّهِ أَن أَفعَلَ هٰذا، ثُمَّ قالَ ﴿ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣﴾ يُرِيدُ أَن زَوجَهَا صَاحِبَ المَنزِلِ سَيِّدِي -أَي صُورَةً بحَسَبِ الظَّاهِرِ للنَّاسِ وإلَّا فالأنبياءُ لَيسُوا عَبِيدًا لِأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ- أَحسَنَ إِلَيَّ وأَكرَمَ مَقامِي عِندَهُ وائتَمَنَنِي فَلَا أَخُونُهُ في أَهلِه، وأنَّ الّذِي تَدعِينَنِي إِلَيهِ لَظُلمٌ فَاحِشٌ، ولَا يُفلِحُ الظّالِمون.

تَنبيهٌ تَفسِيرُ كَلِمَةِ «رَبّي» بالعَزِيزِ في قَولِه ﴿إِنَّه رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ بِمَعنَى السَّيِّدِ جَائِزٌ، لِأَنَّ يُوسُفَ u كانَ في صُورَةِ عَبدٍ مَملُوكٍ لِلعَزِيزِ، وذٰلِكَ جَائِزٌ لُغَةً أَن يَقُولَ العَبدُ المَملُوكُ -ولَو صُورَةً- لِسَيِّدِهِ «رَبّي» لَا بِمَعنَى خَالِقِي، وإِنَّمَا بِمَعنَى الّذِي يُصَرِّفُني في أُمُورِهِ، أو بِمَعنَى المُصلِح لِشُؤوني، أو بِمَعنَى المُرَبِّي وغَيرِ ذٰلِك.

وقد ذَكَرَ المُفَسِّرونَ في تَفسِيرِ قَولِ اللهِ تعالىٰ حِكَايَةً عَن قَولِ يُوسُفَ u ﴿ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ ٢٣[سورة يوسف] أَنَّهُ عَنَى اللهَ سُبحَانَهُ وتَعَالَىٰ، وهٰذا أَحسَنُ مِنَ التَفسِيرِ الآخَرِ، لِأَنَّه أَكمَلُ في حَالِ النَّبِيِّ وأَصوَنُ في اعتِرَافِه بالفَضلِ الكَامِلِ للَّه، فهُوَ المُتَفَضِّلُ حَقِيقَةً علىٰ يُوسُفَ u بتَسخِيرِ العَزيزِ في ضَمِّهِ إِلَيه ورِعَايَتِه. وليُعلَم أنَّ الأَنبياءَ لَا يَجوزُ أَن يَكونَ أَحَدٌ مِنهُم عَبدًا مَملُوكًا لِبعَضِ البَشَرِ، فلَا تَطرَأُ عَلَيهِمُ العُبُودِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لِخَلقٍ مِن خَلقِ الله، بَل هُم عِبادٌ للَّهِ وَحدَه، وإِن كانَ يوسُفُ في تِلكَ الفَترَةِ في صُورَةِ مُشتَرًى عَلىٰ أنَّهُ عَبدٌ مَملُوكٌ لَيسَ حُرًّا. وأَمَامَ إِبَاءِ يُوسُفَ u عَن مُطَاوَعَةِ امرَأَةِ العَزِيز، لِعِفَّتِه وطَهَارَتِه، وأَمامَ إِصرَارِهِ علىٰ عَدَمِ الوُقوعِ في الحَرَام، ازدَادَت هِيَ رَغبَةً وشَهوَةً فأَمسَكَت بِهِ تُرِيدُ أَن تُجبِرَهُ علىٰ مُوَاقَعَتِها، وصَارَ هُو u يَسعَىٰ للتَّخَلُّصِ مِنها، فأَفلَتَ مِن يَدِها فأَمسَكَت قَمِيصَهُ مِن خَلفٍ فتَمَزَّقَ، فسَبَقَ إلى البابِ يُرِيدُ الخَلَاصَ مِنهَا، وهي تَتبَعُهُ، ففَتَحَ يُوسُفُ البابَ معَ وُصولِ زَوجِها فوَجَدَها في تِلكَ الحالِ، فبَادَرَت بالكَلَامِ وحَرَّضَتهُ عَلَى يوسُفَ مُحاوِلَةً أَن تَنسُبَ إِلَيهِ العَيبَ وأنّهُ أرادَ إِغوَاءَها، فرَدَّ نَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ u التُّهمَةَ عَن نَفسِه قائِلًا «هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَفسِي».

يَقولُ اللهُ تعالىٰ ﴿ وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٥ قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ ٢٦[سورة يوسف].

فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ فِي بَيانِ مَعنَى الهَمِّ الوَارِدِ في الآيَة

لِيُعلَمَ أنَّ الهَمَّ الوَارِدَ في قَولِهِ تعالىٰ ﴿ وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤[يوسف] أنَّ امرأَةَ العَزيزِ هَمَّت بِدَفعِهِ للأَرضِ لِتَتَمَكَّنَ مِن قَضاءِ شَهوَتِها، وَهَمَّ هُوَ بِدَفعِهَا عَن نَفسِهِ لِيَتمَكَّنَ مِنَ الخُروجِ مِنَ الغُرفَة، فأَلهَمَهُ اللهُ أنَّك لَو دَفَعتَها لقَالَت لِقَوِمهَا دَفَعَنِي ليَجبُرَنِي على الفَاحِشَة، وهٰذا مَعنَىٰ قَولِه تعالىٰ ﴿ لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ ﴾ أي لَولَا أَن رَأَىٰ بُرهَانًا مِنَ اللهِ لَدَفَعَها، فلَم يحصُل الدَّفعُ بَل أَدارَ لَها ظَهرَهُ ذَاهِبًا إلى البابِ، فلَحِقَتهُ فشَقَّت قَمِيصَهُ مِنَ الخَلفِ، فكانَ حُجَّةً عَلَيها، قالَ تعالىٰ في يُوسُفَ u ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤[سورة يوسف].

ولأهلِ الحقِّ تفسيرٌ ثانٍ لآيةِ ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ﴾ قالوا هي من بابِ التقدِيمِ والتأخِير، أي «فلَولَا أنْ رَأَىٰ بُرهانَ رَبِّه، لهَمَّ بها» فلَم يَحصُل مِنهُ u هَمٌّ لِأَنّ اللهَ عَصَمَهُ بالبُرهانِ وهي عِصمَةُ النُّبوّة.

قال أبو حاتم »كنتُ أَقرأُ غَريبَ القُرءَانِ علَى أَبي عُبَيدَةَ فلَمّا أَتَيتُ على قَولِه ﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا﴾ الآيةَ، قالَ أبو عُبيدةَ: هٰذا على التّقدِيم والتأخِير كأنَه أرادَ ولقَد همَّت به ولَولَا أن رَأىٰ بُرهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها«(١) اﻫ.



(١) يُنظر (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبيّ، ٩/١٦٥-١٦٦. وكذا (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي، ١٨/٤٤٠-٤٤٤ وقال »والتقدير ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها وهذا القول الأقوى، فجواب لولا ليس حاصلًا« اﻫ.


فلا يجوزُ ولَا يَصِحُ ما يُروَىٰ عَن بَعضِ المُفَسِّرِينَ مِن أنّ يوسُفَ حَلَّ إِزَارَهُ وقَعَدَ مِنهَا كَمَا يَقعُدُ الرَّجُلُ مِنَ امرَأَتِه، هٰذا باطِلٌ لا يَفعَلُه نَبيٌّ أَبدًا.

تَبرِئَةُ يوسُفَ u مِمَّا اتَّهَمَتهُ بِهِ امرَأَةُ العَزِيز

اِتَّهَمَت امرأَةُ العَزيزِ يوسُفَ بمُحاولةِ الاعتِداءِ عَليها ونَفَت التُّهمَةَ عَن نَفسِهَا، رَدَّ يوسُفُ u ذٰلِكَ عَن نَفسِهِ بقَولِه «هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَفسِي»، في هٰذا المَوقِفِ أَنطَقَ اللهُ القَادِرُ عَلىٰ كُلِّ شَيءٍ شَاهِدًا مِن أَهلِهَا، وهُوَ طِفلٌ صَغِيرٌ في المَهدِ، لِتَندَفِعَ التُّهمَةُ عَن يوسُفَ الصِّدِّيقِ u وتَكونَ الحُجَّةُ وَاضِحَةً جَلِيَّةً على امرأَةِ عَزيزِ مِصرَ. وقِيَل الشَّاهِدُ رَجُلٌ مِن قَرَابَتِها، قالَ تعالىٰ ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦﴾ أَي لَو كَانُ الأَمرُ كَما ادَّعَت أنّهُ هو الَّذِي رَاوَدَها لَكانَت دَفَعَتهُ عَن نَفسِها فشَقَّت لَه قَمِيصَهُ مِنَ الأَمامِ جِهَةِ صَدرِه، وأَكمَلَ الشَّاهِدُ قائِلًا ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧﴾ أَي استَعصَمَ وامتَنَعَ وأَدبَرَ عَنها فتَبِعَتهُ مُتَعَلِّقَةً بِه فشَقَّت قَمِيصَهُ مِن خَلفٍ، ﴿ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ﴾ زَوجُهَا العَزِيزُ ﴿ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٌ ٢٨﴾ أَي هٰذا الّذِي جَرَىٰ هُوَ مِن مَكرِكُنَّ مَعشَرَ النِّسَاء، ثُمَّ قالَ لِيُوسُفَ بَعدَ أَن ظَهَرَت بَراءَتُه ﴿ يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ ٢٩﴾ أَي لَا تَذكُر مَا جَرَىٰ لِأَحَدٍ، كأَنّهُ يَرجُوهُ أَن يَستُرَ عَلَيهَا، ثُمَّ أَمَرَ زَوجَتَهُ بالتَّوبَةِ مِن ذَنبِهَا قائِلًا ﴿ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩ ﴾ أي مِنَ المُذنِبِينَ الآثِمِين. وكذا قولُه سُبحانَه ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ ٣٥ [سورة يوسف] قولُه ﴿مِن بَعدِ ما رأوُا الآياتِ﴾ تأكِيدًا لِبَراءَتِه ودَفعًا لِتوَهُّمِ أنّهُ يَستحِقُّ السَّجنَ، لو قِيلَ في غَيرِ القُرآنِ ثُمَّ بَدَا لَهُم لَيَسجُنُنَّه يُتَوَهَّمُ أنه سُجِنَ بحَقٍّ، لَكِن ﴿مِن بَعدِ ما رَأَوُا الآياتِ﴾ هَذا يَدُلُّ على البَراءَة.

وبذٰلِكَ ظَهَرَت عِفَّةُ يوسُفَ u للعَزِيز جَلِيَّةً وأنّهُ نَزِيهُ العِرضِ، سَلِيمُ النّاحِيَةِ، مُنَزَّهٌ عَنِ الرّذالَةِ والسَّفاهَة. لٰكنَّ هٰذا لَم يَرْدَع امرأَةَ العَزيزِ بَل بَقِيَت علىٰ ما تَبغِيهِ مِن يُوسُفَ وخَيَّرَتهُ بَينَ أَن يَنصَاعَ لِأَمرِها وبَينَ أَن يُسجَنَ، فاختارَ السِّجنَ فسُجِنَ ظُلمًا وعُدوَانًا مِن غَيرِ ذَنبٍ ولا جَرِيمَة.

فائدةٌ. قالَ اللهُ تعالىٰ في القرآنِ الكريمِ حِكَايَةً عَن إبليسَ أنه ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣[سورة ص] و ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠ قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١ إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢[سورة الحجر]، فاستُثنِيَ مِنَ الوُقوعِ في الغَوَايَةِ العِبادُ المُخلَصون أي الصالِحون، فلا سُلطانَ لإبليسَ عَلَيهِم بَل هُم سَالِمونَ مِن ذَلِكَ بعِصمَةِ اللهِ وحِفظِه، وقد وَصَفَ U سيِّدَنا يوسُفَ u بأنه من عِبادِ اللهِ المُخلَصِين بقَولِه ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤[سورة يوسف].

شُيُوعُ الخَبَرِ في المَدِينَةِ وتَحَدُّثُ النِّسوَةِ بِه

تكرَّرَت محاولاتُ زَلِيخَا عِدَّةَ مَرّاتٍ، كانَ ءَاخِرُها عِندَما جَمَعَت نِساءَ المدِينَةِ لِيَرَيْنَ جَمالَهُ الّذِي فُتِنَت بِه، فعَاوَدَت طَلَبَها مِنهُ أَمامَهُنَّ جَمِيعًا، وهَتَكَت حِجَابَ الحَياءِ وتَوَعَّدَتهُ بالسِّجنِ إِن لَم يَفعَل ما تَطلُبُهُ مِنهُ، فقالَ «رَبِّ السِّجنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدعُونَنِي إِلَيهِ»، أَي مِنَ الوُقوعِ في المَعصِيَة، لَا أَنّ دُخولَ السِّجنِ مِمَّا يُحَبُّ ويُرغَبُ بِه.

شَاعَ خَبَرُ امرَأَةِ العَزِيزِ في أَرجَاءِ المَدينَةِ وأَخَذَت أَلسِنَةُ نِسَاءِ الأُمَراءِ وبَناتِ الكُبَرَاءِ في الطَّعنِ علَيهَا وعَيبِها والتَّشنِيعِ عَلَيها علىٰ فِعلَتِها، كَيفَ تَعشَقُ سَيِّدَةٌ ذَاتُ جَاهٍ ومَنصِبٍ فَتَاهَا وتُراوِدُهُ عَن نَفسِهِ فتَطلُبَ مِنهُ مُواقَعَتَها. وبَلَغَ ذٰلِكَ امرأةَ العَزيزِ فأَرسَلَت إلىٰ هٰؤُلَاءِ اللّائِمَاتِ مِن ذَوَاتِ الثّراءِ والجَاهِ ودَبَّرَت لَهُنَّ مَكِيدَةً حَتّى يَعذِرْنَها في حُبِّها وغَرامِها لِيُوسُفَ u فجَمَعَتهُنَّ في مَنزِلِها وأَعَدَّت لَهُنَّ ضِيافَةً تَلِيقُ بِحالِهِنَّ، وهَيَّأَت مَكانًا أَنِيقًا فِيهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسَائِدِ مَا يَتَّكِئنَ عَلَيه، وقَدَّمَت إِلَيهِنَّ طَعامًا يَحتاجُ إلى القَطعِ بالسِّكِّين، وقِيلَ ناوَلَت كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أُترُجَّةً -نَوعٌ مِنَ الفَاكِهَةِ- وسِكِّينًا.

ثُمَّ دَبَّرَت طَرِيقَةً لِيَدخُلَ يُوسُفُ u عَلَيهِنّ، فلَمّا رَأَينَهُ بَهَرَهُنَّ جَمالُهُ وأَلهاهُنَّ حُسنُهُ الفَائِقُ وتَشَاغَلنَ عَمّا في أَيدِيهِنَّ فصِرنَ يَحزُزنَ أَيدِيَهُنَّ ويَقطَعنَها وهُنَّ يَحسَبنَ أَنَّهُنَّ يَقطَعنَ الفَاكِهَة، وأَعلَنَّ إِكبارَهُنَّ وإِعظَامَهُنَّ لِذٰلِكَ الجَمالِ البَاهِرِ الّذِي كانَ عَلَيهِ سَيِّدُنا يوسُفُ ﷺ، حَيثُ مَا ظَنَنَّ أَن يَكونَ مِثلُ هٰذا الجَمالِ في بَنِي ءَادَم.

ثُم قُلنَ «حَاشَ للَّهِ مَا هٰذا بَشَرًا إِن هٰذا إِلَا مَلَكٌ كَرِيم»، عِندَ ذٰلِكَ بَاحَت امرأَةُ العَزِيزِ بِحُبِّها وشَغَفِها بيُوسُفَ u  الّذِي بَهَرَها جَمالُه ومَلَكَ عَلَيها قَلبَها، وقالَت لِلنِّسوَةِ مُعتَذِرَةً في عِشقِها وَحُبِّها إِيَّاهُ: فذٰلِكُنَّ الّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه، ثُمَّ مَدَحَت يوسُفَ بِالعِفَّةِ التّامَّةِ والصِّيانَة، واعتَرَفَت وأَقَرَّت لَهُنَّ بأنَّها هِيَ الَّتِي رَاوَدَتهُ عَن نَفسِهِ وطَلَبَت مِنهُ ما تُريدُ ولٰكِنَّهُ استَعصَمَ وامتَنَع، وأَخبَرَتْهُنَّ أَنّهُ إِن لَم يُطَاوِعْهَا إلىٰ ما تُرِيدُ مِن قَضَاءِ شَهوَتِها لَيُحبَسَنَّ في السِّجنِ ويَكُونَ فِيهِ ذَلِيلًا صَاغِرًا.

قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالىٰ ﴿ وَقَالَ نِسۡوَةٌ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ٣٠ فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنۡهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ٣١ قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢[سورة يوسف].

وقَامَت النِّسَاءُ يُحَرِّضنَ يوسُفَ u علَى السَّمعِ والطّاعَةِ لِسَيِّدَتِهِ ولٰكِنَّهُ  أَبَىٰ أَشَدَّ الإِباءِ ودَعَا رَبَّهُ سُبحانَهُ مُستَغِيثًا بِهِ ﴿ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣[سورة يوسف] أَي إِن وَكَلتَنِي إِلىٰ نَفسِي فَلَيسَ لِي مِن نَفسِي إِلَّا العَجزُ والضَّعفُ، لِأَنّنِي لَا أَملِكُ لِنَفسي نَفعًا ولَا ضَرًّا إِلّا مَا شَاءَ اللهُ فأَنا ضَعِيفٌ إِلَّا مَا قَوَّيتَنِي وعَصَمتَنِي وحَفِظتَنِي وأَحَطْتَني بِحَولِكَ وقُوَّتِك.

فاستَجابَ اللهُ تعالىٰ دَعوَةَ نَبِيِّهِ يوسُفَ u وصَرَفَ عَنهُ كَيدَهُنَّ ونَجَّاهُ مِنَ ارتِكَابِ المَعصِيَةِ مَعَهُنَّ، قالَ تعالىٰ ﴿ فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤[يوسف].

دُخولُهُ u السِّجنَ ودَعوَتُهُ فِيهِ وَخَبَرُ الفَتَيَان

وأَمَّا زَوجُ زَلِيخَا فإِنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ بَراءَةُ يُوسُفَ لَم يَتَعَرَّض لَه، بَل حَبَسَ زَوجَتَهُ في بَيتِها لَا تَخرُجُ إِلَّا بِإذنِهِ، فاحتَالَت بَعدَ ذٰلِكَ بِجَمِيعِ الحِيَلِ حَتَّىٰ تَحمِلَ يوسُفَ عَلىٰ مُوَافَقَتِها علَى الفاحِشَة، فلَم يَلتَفِت يوسُفُ إِلَيها، فلَمّا أَيِسَت مِنهُ احتَالَت في طَرِيقٍ آخَرَ، وقالَت لِزَوجِهَا: إِنَّ هٰذا العَبدَ العِبرَانِيَّ فَضَحَني بينَ الناسِ، وقالَ لَهُم إِنّي رَاوَدتُهُ عَن نَفسِه، وأَنا لَا أَقدِرُ عَلىٰ إِظهَارِ عُذرِي، فإِمّا أَن تَأذَنَ لي فأَخرُجَ وأَعتَذِرَ وإِمّا أَن تَحبِسَهُ كَما حَبَستَني. قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ ٣٥[سورة يوسف] أي بَدَا للعَزِيزِ وامرَأَتِهِ ومَن وَافَقَهُما مِن أَهلِ مَشُورَتِهِ مَعَ مَا رَأَوا مِن عَلَامَاتِ بَرَاءَةِ يوسُفَ وَظَهَرَ لَهُم مِنَ الرَّأيِ سَجْنُهُ u معَ عِلمِهِم بِبَراءَتِهِ، لِيَكونَ ذٰلِكَ تَخفِيفًا مِن كَلَامِ النّاسِ في زُلَيخَة وكِتمَانًا للقصةِ كي لا تَشِيعَ بينَ الناسِ، ولِلحَيلُولَةِ بَينَها وبَينَهُ إلىٰ مُدَّةِ انقِطَاعِ الخَبَرِ، وَلِيَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ يوسُفَ هُوَ الَّذِي رَاوَدَها عَن نَفسِهَا ودَعَاهَا إلىٰ ذٰلِك، فسَجَنُوهُ u ظُلمًا وعُدوَانًا مِن غَيرِ ذَنبٍ اقتَرَفَهُ أَو ارتَكَبَه.

أُدخِلَ يوسُفُ السِّجنَ فكانَ يُعَلِّمُ المَسجُونِينَ الإسلَامَ ويَدعُوهُم إِلَيهِ ويُرَغِّبُهُم فِيه، وكانَ ذَا أَخلَاقٍ عَالِيَةٍ، فإِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ مِن أَهلِ السِّجنِ قَامَ لِيَزُورَهُ ويُعِينَه، ومَن احتَاجَ جَمَعَ وسَأَلَ لَه، وكَانَ يُصَلّي اللَّيلَ كُلَّه، وطَهُرَ بهِ السِّجنُ واستَأنَسَ بِهِ أَهلُه، فأَحَبَّهُ صَاحِبُ السِّجنِ ووَسَّعَ عَلَيهِ. في تِلكَ الأثنَاءِ غَضِبَ الملِكُ علىٰ خَبَّازِهِ وسَاقِيهِ، وذٰلِكَ أنَّ المَلِكَ طَالَ عُمرُهُ في الحُكْمِ فمَلَّهُ المُعَارِضُونَ المُتَخَفُّونَ مِن أَشرَافِ مِصرَ فأَرادُوا المَكْرَ  بهِ واغتِيَالِه وقَتلِه، فأَغْرَوا خَبَّازَهُ واسمُهُ "مِجْلَثُ" وسَاقِيَهُ واسمُهُ "نَبْوَا" أَن يَسُمَّاهُ في طَعَامِهِ وشَرَابِهِ، فقَبِلَ الخبَّازُ وأَبَى السَّاقِي بَعدَ أَن وَافَقَ أَوَّلَ الأَمرِ، فوَضَعَ الخبَّازُ السُّمَّ في الطَّعامِ.

فلَمَّا حَضَرَ الطَّعامُ قَالَ السَّاقِي لِلمَلِكِ: أَيُّها الملِكُ لَا تَأكُلْ فَإِنَّ الطَّعامَ مَسمُومٌ، وقَالَ الخَبّازُ: أَيُّها الملِكُ لا تَشرَب فَإِنَّ الشَّرَابَ مَسمُومٌ. فقالَ المَلِكُ لِلسَّاقِي: اشرَبْ، فَشَرِبَ فَلَم يَضُرَّهُ، وقالَ للخَبَّازِ: كُلْ، فأَبَىٰ فَجُرِّبَ الطَّعَامُ عَلىٰ بَهِيمَةٍ فَماتَت مَكانَها، فحَبَسَهُما لِيَعرِفَ مَن دَفَعَهُما لِهٰذا الفِعلِ، وصُودِفَ دُخُولُهما دُخولَ يُوسُفَ u.

دَخَلَ السِجنَ مَعَ يوسُفَ u فَتَيانِ أَحَدُهُما رَئِيسُ سُقَاةِ المَلِك، والثّانِي رَئِيسُ الخَبَّازِينَ عِندَه، وكانَ يوسُفُ قَد قَالَ لِأَهلِ السِّجنِ «إِنِّي أُعَبِّرُ الأَحلَامَ وأُؤَوِّلُهَا»، فرَأَىٰ هٰذَانِ الفَتَيَانِ حُلُمَينِ أَثنَاءَ نَومِهِما في لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَا مَكرُوبَينِ، فقالَ لَهُمَا سَيِّدُنَا يوسُفُ «مَا لِي أَرَاكُمَا مَكرُوبَينِ»؟ فقالَ الخَبّازُ: رَأَيتُ في مَنامِي كَأَنّي خَبَزتُ خُبزًا في ثَلَاثَةِ أَفرَانٍ وجَعَلتُهُ بَعدَ الخَبْزِ في ثَلَاثِ سِلَالٍ، فَوَضَعتُها عَلىٰ رَأسِي فَجَاءَتِ الطُّيورُ الكَاسِرَةُ فَأَكَلَت مِنهُ ونَهَشَت مِنَ السَّلَّةِ العُليَا. وأما السَّاقِي فقالَ: أَمّا أَنا فَقَد رَأَيتُ وكَأَنّي في بُستَانٍ وإِذا فِيهِ أَصلُ نَبتَةٍ قَد أَورَقَت وأَينَعَت وعَلَيها ثَلَاثةُ عَنَاقِيدَ مِن عِنَبٍ أَبيضَ، فعَصَرتُهُنَّ خَمرًا في ثَلَاثِ أَوَانٍ، ثُمَّ صَفَّيتُهُ في كَأسِ المَلِكِ فسَقَيتُه مِنهُ كعَادَتي فِيمَا مَضَىٰ، ثُمَّ قَالَا {نَبِّئْنَا بِتَأوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحسِنِينَ} وذٰلِكَ لِمَا رَأَيَا مِن يوسُفَ الصِّدِّيقِ مِن حُسنِ السِّيرَةِ في السِّجنِ وعَظِيمِ الأَخلَاقِ وكَثرَةِ عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ مَا أَعجَبَهُما أَشَدَّ الإِعجَابِ، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَانِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرًاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَانِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزًا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦ قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٌ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ ٣٧ [سورة يوسف].

قبلَ أن يُؤَوِّلَ سَيِّدُنَا يوسُفُ هٰذَينِ المَنَامَينِ أَلهَمَهُ اللهُ أنَّ أَحَدَ السَّائِلَينِ سيُصلَبُ ويَموتُ، ولَا شَكَّ أنّهُ مَتَىٰ سَمِعَ ذٰلِكَ عَظُمَ حُزنُهُ واشتَدَّت نَفْرَتُهُ عَن سَمَاعِ التَّعبِيرِ، فرَأَىٰ أنَّ الصَّلَاحَ أَن يُقَدِّمَ قَبلَ ذٰلِكَ مَا يُؤَثِّرَ مَعَهُ بِعِلمِهِ وكَلَامِه، فابتَدَأَ بتَرغِيبِهِما بأَن يُشَاهِدَا مُعجِزَةً دَالَّةً عَلىٰ صِدقِهِ ونُبُوَّتِهِ كَي يَتَّبِعَا دِينَهُ الإسلامَ فقالَ «لَا يَجِيئُكُما غَدًا طَعَامٌ إِلَّا نَبَّأتُكُمَا بِهِ قَبلَ أَن يَأتِيَ، لِتَعلَما أَنّي عَلَىٰ عِلمٍ»، ثُمَّ قالَ يَجِيئُكُما كَذَا وكَذا، فلَمّا أَتَى اليَومُ التّالي كانَ كَما قال.

وكانَ هٰذا مِن عِلمِ الغَيبِ الّذِي كَشَفَهُ اللهُ لِيوسُفَ u، فدَعَاهُما إِلَى الإسلَامِ لِيَسعَدا بِهِ وخَاطَبَهُما فقال «يَا صَاحِبَيِ السِّجنِ أَأَربَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ»، بَيَّنَ يوسُفُ أنَّ هٰذِهِ الأَصنامَ الّتِي يَعبُدُونَها ذَلِيلَةٌ مَقهُورَةٌ إِذا أَرادَ الإِنسَانُ كَسرَها وإِهانَتَها قَدَرَ عَلَيها، واللهُ هُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ الّذِي لَا يَغلِبُهُ شَيءٌ مِن خَلقِه. فصَغَّرَ لَهما أَمرَ الأَصنامِ وأنَّها لا تَضُرُّ ولَا تَنفَع، وبَيَّنَ لهما أنَّ مَا هُم عَلَيهِ وآباؤُهُم مِن عِبادَةِ أَحجَارٍ هِيَ عِبَادَةٌ بَاطِلَةٌ، وأنَّ اللهَ وَحدَهُ يَستَحِقُّ العِبادَةَ.

لَقَد أَرادَ يوسُفُ u بِحِكمَتِهِ أَن يَتَحَدَّثَ مَعَهُما في الأَهَمِّ والأَولَىٰ، وكانَت دَعوَتُهُ لهما إِلىٰ عِبادَةِ اللهِ وَحدَهُ وإِلَىٰ دِينِ الإِسلَامِ في هٰذِهِ الحالِ في غَايَةِ الكَمالِ، لِأَنَّ نَفسَيهِما كانَتَا مُعَظِّمَةً لِيوسُفَ سَهلَةَ الانقِيَادِ عَلىٰ تَلَقِّي مَا يَقولُ بالقَبُولِ، فنَاسَبَ مِن نَبِيِّ اللهِ يوسُفَ u أَن يَدعُوَهُما إِلىٰ مَا هُوَ الأَنفَعُ لَهُمَا مِمَّا سَأَلَا عَنهُ وطَلَبا مِنه، يَقُولُ اللهُ تبارَكَ وتعالىٰ إِخبَارًا عَن يوسُفَ ومَا قَالَهُ لِصَاحِبَيهِ في السِّجنِ ﴿ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٍ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧ وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ ٣٨ [سورة يوسف] أي اتَّبَعتُ دِينَ الإِسلَامِ دِينَ ءَابَائِي إِبرَاهِيمَ وإِسحَاقَ ويَعقُوبَ ﴿ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللهِ مِن شَيۡءٍ ٣٨﴾ أَي إِنَّ اللهَ عَصَمَنا مِنَ الكُفرِ والشِّركِ فَلَم نُشرِكْ بِهِ سُبحانَه ولَم نَعبُد إِلَّا إِيَّاه.

وقالَ ﴿ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللهِ عَلَيۡنَا ٣٨ ﴾ أَي إِنَّ اتِّبَاعَنا الإِيمانَ هُوَ بِتَوفِيقِ اللهِ ﴿ وَعَلَى ٱلنَّاسِ ٣٨﴾ يَعنِي المُؤمِنِينَ بِأَنَّهُ دَلَّهُم علىٰ دِينِه وهَدَاهُم للإِيمانِ والإِسلَام ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨ [سورة يوسف]. ثُمَّ قالَ ﴿ يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩﴾ فبَيَّنَ لَهُما أنَّ اللهَ سُبحانَهُ وتعالىٰ هُوَ الإِلٰهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الّذِي يَستَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ بِخِلَافِ الأَصنامِ صَغِيرِهَا وكَبِيرِهَا، ثُمَّ قالَ لَهُما ﴿ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءً سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[سورة يوسف].

ولَمَّا شَرَحَ لَهُما الإسلامَ وأنَّهُ المُنجِي في الآخِرَةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ في النَّارِ، أَخبَرَهُما بَعدَ ذٰلِكَ بِتَأوِيلِ رُؤيَاهُما، فقالَ لِلأَوَّلِ وهُوَ السَّاقِي «مَا أَحسَنَ مَا رَأَيتَ، أَمَّا حُسْنُ العِنَبَةِ فَهُوَ حُسْنُ حَالِكَ، وَأَمَّا الأَغصَانُ الثّلَاثَةُ فثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يُوَجِّهُ إِلَيكَ المَلِكُ عِندَ انقِضَائِهِنَّ، فَيَرُدُّكَ إِلَىٰ عَمَلِكَ فتَصِيرُ كَمَا كُنتَ بَل أَحسَنُ»، وقَالَ لِلخَبَّازِ «بِئسَ مَا رَأَيتَ، أَمّا السِّلَالُ الثّلَاثُ فَإِنَّكَ تُدعَىٰ إِلَىٰ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ فتُصلَبُ وَتَأكُلُ الطَّيرُ مِن رَأسِكَ»، فقالَ الخَبَّازُ مِن شِدَّةِ خَوفِهِ: مَا رَأَيتُ شَيئًا، فقالَ يوسُفُ «رَأَيتَ أَو لَمْ تَرَ -بزعمك-، قُضِيَ الأَمرُ الَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ».

وبَعدَ أَن عَبَّرَ نَبِيُّ اللهِ يوسُفُ u رُؤيَيهِما طَلَبَ مِنَ النَّاجِي مِن هٰذَينِ الرَّجُلَينِ وَهُوَ السَّاقِي قائِلًا لَهُ «أُذكُرنِي عِندَ المَلِكِ، واذكُرْ مَا رَأَيتَه، ومَا أَنَا عَلَيهِ مِن تَعبِيرِ الرُّؤَىٰ، وأَخبِرْهُ أَنّي مَظلُومٌ مَحبُوسٌ بِلَا ذَنبٍ». ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ ٤٢ ﴾ أي اذكُر أَمرِي ومَا أَنَا فِيهِ عِندَ سَيِّدِكَ وهو المَلِكُ، وأَخبِرْهُ أَنّي مَحبُوسٌ ظُلمًا في سِجنِه، وبَعدَ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ خَرَجَ الاثنَانِ كما أَخبَرَهُمَا يوسفُ u فقُتِلَ الخبَّازُ مِجْلَثُ وأُعِيدَ السَّاقي نَبوَا إلى عَمَلِهِ، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ فَأَنسَاهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢[سورة يوسف] أَي أَنسَى الشيطانُ الناجِيَ مِنهُما أَن يَذكُرَ مَا وَصَّاهُ بهِ يوسُفُ u، فَلَبِثَ في السِّجنِ سَبعَ سَنَوَاتٍ، وكُلُّ ذٰلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَإِرادَتِه.

تَنبيهٌ تَفسِيرُ كَلِمَةِ «رَبّ» بِالمَلِكِ في قَولِهِ ﴿ ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ بِمَعنَى السَّيِّدِ جَائِزٌ، لِأَنَّ السَّاقِيَ كانَ عَبدًا مَملُوكًا لِلمَلِكِ. وذٰلِكَ لِأَنَّ هٰذِهِ الكَلِمَةَ «رَبّ» في لُغَةِ العَرَبِ لَها مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ، فهٰذَا اللَّفظُ يُطلَقُ بِمَعنَى الخَالِقِ وهو اللهُ تعالىٰ، وبِمعنَى المالِكِ للشيءِ الذي يُتَمَلَّك، وبِمَعنَى السَّيِّدِ المُتَصَرِّفِ في شَأنِ مَن يَملِكُه، ولَا يَجوزُ شَرعًا إِطلَاقُهُ عَلَى غَيرِ اللهِ مُعَرَّفًا بالأَلِفِ واللَّامِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ لِغَيرِ اللهِ «الرَّبّ» بَل يَجُوزُ أَن يُقَالَ «فُلَانٌ رَبُّ فُلَانٍ» أَي سَيِّدُه، إِن كَانَ عَبدًا مَملوكًا لَه، ويَجُوزُ أَن يُقَالَ «فُلَانٌ رَبُّ هٰذا البَيتِ، رَبُّ هٰذَا البُستَانِ، رَبُّ هٰذا الفَرَسِ»، ونَحوِ ذٰلِكَ بِمَعنَىٰ المَالِكِ ومُستَحِقِّ الانتِفَاعِ بِه، لٰكِن لَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ لِشَخصٍ لَهُ مَتجَرٌ ومَعمَلٌ «رَبُّ العُمّالِ»، لِأَنّهُ لَا يَملِكُهُم، إِنّما يَستَحِقُّ الانتِفَاعَ بِهِم أي بِعَمَلِهِم في مُقابِلِ مَا يَدفَعُهُ مِنَ الأُجرَةِ لهم.

وتَتوالى الأحداثُ، وكانَ سيدُنا يُوسفُ u قَد عَلَّمَهُ اللهُ تَأوِيلَ الرُّؤيَا أَي مَا يُشاهِدُهُ الإِنسَانُ في مَنامِهِ، كَمَا مَرَّ، فأُخبِرَ أنَّ المَلِكَ قَد رَأَىٰ رُؤيَا أَفزَعَتهُ فعَبَّرَها لَهُ تَعبِيرًا دَقِيقًا، فَسُرَّ المَلِكُ مِن هٰذا التَعبِيرِ، وارتَفَعَت مَكَانَةُ يُوسُفَ u عِندَهُ، فسَلَّمَهُ خَزَائِنَ مِصرَ، وكانتِ امرأةُ العزيزِ قدِ اعتَرَفَت بِأنَّها هِيَ الَّتِي أَرَادَتِ الفَاحِشَةَ مِنهُ، وتَفصِيلُ ذٰلِكَ في الجُزءِ الرَّابعِ بإِذنِ اللهِ تعالىٰ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَعَلَىٰ جَمِيعِ إِخوَانِهِ النَّبِيِّـينَ وَالمُرسَلِينَ، وَآلِ كُلٍّ وَصَحبِ كُلٍّ وَالصَّالِحينَ.

بِحَمدِ اللهِ عزوجل

b

هذِه الرسالةُ وهيَ

الجزءُ الثالثُ من كتابِ

قَصَص الأنبياء عليهم‌السلام




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم