الاثنين، 9 فبراير 2026

بدء الكون / بداية العالم / طبعة معهدنا

 

بَدْءُ الكَون أَو بِدايَةُ العَالَم

قَال الله تعالى ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ ٧ [سورة هود] وقال سُبحَانَهُ ﴿ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ٣٨ [سورة ق] أي مَا مَسَّنَا مِن تَعَبٍ، تَنَزَّه رَبُّنا وتَقَدَّس.

قَالَ رسولُ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ بَدْءِ الأَمْرِ، أَيْ كَيْفَ بَدَأَ هٰذَا الْكَوْنُ «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(1).

أَجَابَ الرَّسُولُ عَنْ هٰذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ اللهَ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، أَيْ أَزَلِيٌّ وَلا أَزَلِيَّ سِوَاهُ، أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَزَلِ إِلَّا اللهُ تَعَالَىٰ، وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ شيْءٍ أي أَخْرَجَ جَمِيعَ المَوْجُودَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.

وَاللهُ تَعَالَىٰ لَمْ يَخْلُقِ المَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَلَوْ أَرَادَ ذٰلِكَ لَفَعَلَ، فلَقَد خَلَقَ اللهُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَرَافِقَهَا مِنْ أَنْهَارٍ وَجِبَالٍ وَوِدْيَانٍ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَالْحِكْمَةُ مِنْ ذٰلِكَ أَنْ يُعَلِّمَنَا التَّأَنِيَ فِي الأُمُورِ.

 

المَاءُ أَوَّلُ المَخْلُوقَاتِ

قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقًا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠ [سورة الأنبياء] وَقَالَ رَسُولُ اللهِ «كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ المَاء» رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ وابْنُ حِبَّانَ(2)، وَإِنَّمَا خَصَّ اللهُ الأحيَاءِ في القُرآنِ بالذِّكرِ لِبَيَانِ شَرَفِهَا على الجَمَادَات، وإِلَّا فإنَّ كُلَّ المَخلُوقاتِ مِن سِوَى الماءِ الأوَّلِ يَرجِعُ خَلْقُهُ إلى الماءِ إمَّا مُبَاشَرَةً كَالعَرش، وإِمَّا بِوَاسِطَةٍ بَينَهُ وبَينَ الماءِ كالملَائِكَةِ والإِنسِ والجِنِّ.

يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ الْعَرْشَ العظيمَ، والقَلَمَ الأعلَىٰ وَاللَّوْحَ المَحْفُوظَ، والنُّورَ وَالظَّلامَ، وَالأَرْضَ وَالسَّمٰوَاتِ، خَلَقَ المَاءَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَهُ أَصْلًا لِغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، ثُمَّ خَلَقَ مِنَ المَاءِ الْعَرْشَ ثُمَّ الْقَلَمَ الأَعْلَىٰ ثُمَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

 

 

الْعَرْشُ العَظِيم

قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٍ ثَمَٰنِيَةٌ ١٧ [سورة الحاقة] فالعَرشُ مِن حَيثُ الشَّكلُ هُوَ سَرِيرٌ لَهُ قَوَائِمُ أَربَعُ، وَهُوَ أَكبَرُ الأَجْسَامِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَىٰ حَجمًا، تَطُوفُ بِهِ الملَائِكَةُ ويَعجَبُونَ لِعَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ تَعالىٰ في خَلقِ مِثلِ هٰذا المَخلُوقِ الكَبِيرِ المَحمُولِ وحَمَلَتُه بِلُطفِ قُدرَةِ الرَّبِّ سُبحانَه. وَالعَرشُ سَقْفُ الجَنَّةِ وهو كَالقُبَّةِ عَلَى العَالَم، قَالَ رَسُولُ اللهِ «فإِذَا سَألتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الفِردَوسَ، فَإِنَّهُ أَوسَطُ الجَنَّةِ وأَعلَى الجَنَّة، وفَوقَهُ عَرشُ الرَّحمٰنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أَنهَارُ الجنَّةِ» رَوَاهُ البُخارِيُّ(3).

وقَالَ رَسُولُ اللهِ «مَا السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى الحَلْقَةِ» رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ(4)، أَيْ أَنَّ السَّمٰوَاتِ السَّبْعَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلاةٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ ٢٥٥[سورة البقرة] وَكَذٰلِكَ الْكُرْسِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلاةٍ.

وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَىٰ عِظَمِ مِسَاحَةِ الْعَرْشِ الَّذِي يَحْمِلُهُ الآنَ أَرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ الضِّخَامِ الْعِظَامِ، الْوَاحِدُ مِنْهُمْ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَىٰ عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ بِخَفَقَانِ الطَّيْرِ المُسْرِعِ، أَمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَىٰ عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» رواه أبو داود(5)، الشَّحمَةُ مَا لَان مِن أسفلِ الأُذُنِ ويُعَلَّقُ فِيهَا القُرطُ، والعَاتِقُ مَا بَينَ المَنكِبِ والعُنُقِ.

القَلَمُ الأَعْلَىٰ واللَّوْحُ المَحفُوظُ

بَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى المَاءَ وَالعَرْشَ خَلَقَ القَلَمَ الأَعْلَىٰ ثُمَ اللَّوْحَ المَحفُوظَ، وقد وَرَدَ فِي وَصْفِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أَنَّهُ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ حَافَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. أَمَرَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ فَجَرَىٰ بِقُدْرَتِهِ سُبحَانَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْسِكَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا إِلَىٰ نِهَايَتِهَا.

 

ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خَلَقَ اللهُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَلا يُولَدُ إِنْسَانٌ وَلا تَنْزِلُ قَطْرَةُ مَاءٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا عَلَىٰ حَسَبِ مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبلَ أَنْ يَخلُقَ السَّمٰوَاتِ وَالأَرضَ بِخَمسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قال وعَرشُهُ عَلَى الماءِ» رواه مُسلم(6).

السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ والأَرَضُون

بَعْدَ الماءِ والعرشِ والقلمِ واللَّوحِ خَلَقَ اللهُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ ومَا فِيهَا وما بَينَهَا وما عَلَيهَا، مِنْ مَلَكٍ وجَانّ، وطُيُورٍ وسَمَكٍ وبَهَائِم، وَجِبَالٍ ووِدْيَانٍ وسُهُول، وَأَشْجَارٍ ونَبَات، وَبِحَارٍ وأَنْهَار، وصَحَارَىٰ وغَابات، وذٰلِكَ في سِتَّةِ أيّامٍ عَدَا يومِ السبتِ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ خَلْقٌ؛ لِأَنهُ اليَومُ السَّابعُ ومِنهُ سُمِّيَ السَّبتُ وَهُوَ القَطع، قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١[سورة الأنعام] فالظُلُماتُ والنُّورُ خُلِقَا بَعدَ خَلْقِ السَّمٰوَاتِ والأَرضِ، فبِذٰلِكَ يَكُونُ زَمَانٌ قَبلَهُمَا لا نُورَ فِيهِ ولا ظَلَام.

والسَّمٰوَاتُ سَبعٌ والأرَضُونَ كذٰلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ ٱللهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا ١٢[سورة الطلاق] .

وبَينَ الأرضِ والسَّماءِ مَسَافَةُ خَمسِ مِائَةِ عَامٍ وكذَا بينَ كُلِّ سماءٍ وسماء، وبَينَ كُلِّ أرضٍ وأرض، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَىٰ عَلَيْهِمْ سَحَابٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ «هَلْ تَدْرُونَ مَا هٰذَا؟» فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ «هٰذَا العَنَانُ هٰذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ يَسُوقُهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ إِلَىٰ قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ وَلَا يَدْعُونَهُ».

ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ «فَإِنَّهَا الرَّقِيعُ، سَقْفٌ مَحْفُوظٌ وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ»، ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ «بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ» ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذٰلِكَ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ «فَإِنَّ فَوْقَ ذٰلِكَ سَمَاءَيْنِ، مَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» حَتَّىٰ عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذٰلِكَ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ «فَإِنَّ فَوْقَ ذٰلِكَ العَرْشَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ» ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ «فَإِنَّهَا الأَرْضُ» ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَ ذٰلِكَ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم، قَالَ «فَإِنَّ تَحْتَهَا أَرْضًا أُخْرَىٰ، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» حَتَّىٰ عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ»(7).

والعَنَانُ هُوَ السَّحابُ، ورَوَايَا الأرضِ أي تَروِي الأرضَ، والرَّقِيعُ هي السماءُ، سَقفٌ مَحفوظٌ أي مرفوعٌ بِلَا عَمَدٍ، ومَوجٌ مكفوفٌ مِن أن يَقَعَ عَلَى الأَرضِ فيُدَمِّرَها.

ثُمَّ إِنَّ الأَرْضَ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَىٰ وَهِيَ أَعْلاهَا، وَكُلُّ أَرْضٍ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرَىٰ، وَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ يُوجَدُ مَكَانٌ يُسَمَّىٰ سِجِّين، وَهُوَ مَكَانُ أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ بَعْدَ بِلَىٰ أَجْسَادِهِمْ إِلَىٰ أَنْ يُبْعَثُوا.

وَجَهَنَّمُ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ وَهِيَ النَّارُ الَّتِي تَوَعَّدَ اللهُ بِهَا الكُفَّارَ وَالعُصَاةَ مِنْ عِبَادِهِ. وتَحتَهَا الفَرشُ وهو أسفَلُ العالَم. وَكَانَ خَلْقُ الأَرَضِينَ السَّبْعِ فِي الْيَوْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ مِنَ الأَيامِ السِّتّ، أي الأَحَدِ والاثنَين.

 

أمَّا الثُّلَاثَاءُ والأربِعَاءُ فقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَىٰ فِيهِمَا السَّمٰوَاتِ السَّبْعَ وجَعَلَهَا مَسكَنًا للملائِكَة الكِرَام، وَهِيَ أَي السمٰواتُ أَجْرَامٌ صُلْبَةٌ رَفَعَهَا اللهُ بِغَيْرِ عَمَدٍ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ بَعْضِهَا الْبَعْضِ، وَلِكُلِّ سَمَاءٍ بَابٌ وخَازِنٌ وبَيتٌ هو لِأَهلِ السَّماءِ كالكَعبَةِ لأَهلِ الأرض، بَيتُ العِزَّةِ في السَّماءِ الأُولَىٰ وفي السَّابِعَةِ البيتُ المَعمُور، والجَنَّةُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وفَوقَهَا عَرشُ الرَّحمٰنِ، وفَوقَه كِتَابٌ، قالَ رسولُ الله « إِنَّ اللهَ لَـمَّا قَضَى الخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي » رَوَاهُ البُخَارِيّ(8).

وَأمَّا في اليَومَينِ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ فَقَد دَحَى اللهُ تَعَالَىٰ الأَرْضَ، أي جَعَلَها صَالِحَةً للسُكنَىٰ عَلَيهَا، فَمَهَّدَهَا وخَلَقَ مَرَافِقَها كَالأَنْهَارِ وَالأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ والأنعامِ وسائِرِ الحيوانِ، وكَانَ الإنسانُ آخِرَ الْخَلْقِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْس، فعَن أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدِي فَقَال «وخَلَقَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَ العَصرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، في آخِرِ الخَلْقِ، في آخِرِ سَاعَةٍ مِن سَاعَاتِ الجُمُعَةِ، فِيمَا بَينَ العَصرِ إلَى اللَّيل» رَوَاهُ مُسلِم(9).

 

فَكَانَ خَلْقُ المَلائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ قَبْلَ خَلْقِ ءَادَمَu، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم» رَوَاهُ مُسلِمٌ(10)، الجَانُّ هُمُ الجِنُّ، والمَارجُ اللَّهَبُ المُختَلِطُ بِسَوَادِ النَّارِ.

فالرَّسُولُ ﷺ قد بَيَّنَ أَصلَ خَلقِ المَلَائِكَةِ والجِنِّ وَأَحَالَ خَلقَ آدَمَ إلى القُرآنِ الكَرِيمِ، أمَّا المَلائِكَةُ فخُلِقُوا مِن نُورٍ وهُم عِبَادٌ مُكرَمُونَ لَا يَعصُونَ اللهَ طَرفَةَ عَينٍ، ولَا يَفتُرُونَ عَن عِبَادَتِه سُبحانَه، ولَيسُوا ذُكُورًا ولَا إِنَاثًا، لَا يَأكُلُونَ ولا يَشرَبون ولا يَنَامُون، ويَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُون.

أمَّا الجِنُّ والمُرَادُ هُنا هُو جَدُّهُم إبلِيسُ الرَّجِيمُ فَخُلِقَ مِن لَهِيبِ النارِ ولِأَجلِ ذٰلِكَ فِيهِمُ الطَّيشُ والعَبَثُ والعُدوَانُ عَلَىٰ كُلِّ مَن يَستَطِيعُونَ العُدوَانَ عَلَيه.

وأما سيِّدُنا آدَمُ u فقد خُلِقَ مِن طِين، مِن تُرَابِ الأَرضِ ومَاءِ الجنةِ، قالَ اللهُ تعالَىٰ عَنِ الأرضِ الَّتِي نَعِيشُ عَلَيهَا ﴿  مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥ [سورة طه].



(١) صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم الغادر للبَر والفاجر، عن عمران بن حُصَينٍ رضي الله عنهما.

(2) مسند أحمد (برقم ٨١٢٥) ورواه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، فَصلٌ في قيام الليل، ذِكرُ إيجابِ دخول الجنان للقائم في سواد الليل يتملّق إلىٰ مولاه، كِلَاهُما عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، وتمامُ الرواية: عَن أبي هريرةَ أنه أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إني إذا رأيتُكَ طابَتْ نَفسِي وقَرَّت عَينِي، فأَنبِئني عَن كُلِّ شَيءٍ، قالَ «كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ الماءِ» قال: أنبِئني بِأَمرٍ إذا أَخذتُ به دخلتُ الجنةَ قال «أَفشِ السَّلَامَ، وأَطعِمِ الطَّعَامَ، وصِلِ الأرحَامَ، وصَلِّ والنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادخُلِ الجنَّةَ بِسَلَامٍ ».

(3) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ ﴾ [سورة هود/٧] عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) صحيح ابنِ حبانَ، كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، عن أبي ذر الغِفاري رضي الله عنه. ورواه البيهقي في الأسماء والصفات، باب ما جاء في العرش والكرسي ولفظه « مَا السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ فِي جَنْبِ الْكُرْسِيِّ » الحديثَ.

(5) سنن أبي داودَ، كتاب السنة، بابٌ في الجهمية، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(6) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(7) جامع الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحديد، قال أبو عيسىٰ: هٰذا حديث غَريبٌ من هٰذا الوجه.

(8) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه. قال البيهقي في (الأسماء والصفات) أَيْ فَذِكْرُهُ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَيُضْمَرُ فِيهِ الذِّكْرُ أَوِ الْعِلْمُ اهـ.

(9) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام.

(10) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، بابٌ في أحاديثَ متفرقة، عن عائشةَ رضي الله عنها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم