الخميس، 19 فبراير 2026

سيدنا إسماعيل عليه السلام / طبعة معهدنا

سَيِّدُنا  إِسْمَاعِيلُ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤ وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥ [سورة مريم].

هُوَ إِسمَاعِيلُ بنُ إِبرَاهِيمَ، وهو ابنُ السيدَةِ هَاجَرَ المِصرِيَّةِ الّتِي وَهَبَتها سارَةُ إلىٰ زَوجِها إبراهيمَ، وهو أي سيدُنا إسماعيلُ جَدُّ رسولِ اللهِ مُحمّدٍ ﷺ.

بَعَثَ اللهُ إسماعيلَ نَبِيًّا وَأَرسَلَهُ إِلَى القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي عَاشَ في وَسَطِهَا كَجُرهُمَ وَإِلَى العَمَالِيقِ، وَهُم ذُرِّيَّةُ عِمْلِيقِ بنِ لَاوُذَ بنِ إِرَمَ بنِ سَامٍ، وَأَرسَلَهُ أَيضًا إِلَىٰ أَهلِ اليَمَنِ، فَدَعَاهُم جَمِيعًا إِلَى الإِسلَامِ، إِلَىٰ عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَنَبذِ عِبَادَةِ الأَوثَانِ، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ ١٦٣ [سورة النساء] وهٰذا مِمّا يَدُلُّ علىٰ أنّ دِينَ الأنبياءِ كُلِّهِم واحِدٌ هو الإسلام.

وقَد أَثنَى اللهُ عليهِ ووَصَفَهُ بالحِلْمِ والصَّبرِ وصِدقِ الوَعدِ والمُحافَظَةِ على الصّلاةِ والأَمرِ بِهَا وبالزّكاةِ لِأَهلِهِ لِيَقِيَهُمُ العذابَ، معَ دَعوَتِه u إلىٰ عِبادَةِ الخَالِقِ وَحدَهُ وهو اللهُ سُبحانَه وتعالىٰ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا.

ولادةُ سيّدِنا إسماعِيلَ u وقِصَّةُ مَاءِ زَمزَمَ

لَمّا هاجَرَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ u مِن بِلادِ قَومِه إلىٰ فِلَسطِينَ حَيثُ يتمَكَّنُ مِن طاعَةِ اللهِ وعِبادَتِه والجِهادِ في سَبيلِه واستَقَرَّ بها، سَأَلَ رَبَّهُ أَن يَهَبَهُ أَولَادًا صَالِحِينَ فَقَالَ ﴿ رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠ فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١[سورة الصافات]  رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَىٰ غلامًا حليمًا هو إِسْمَاعِيل، لأنه أوَّلُ مَن وُلِدَ له عَلىٰ رَأسِ سِتٍ وثَمانِينَ سَنةً مِن عُمُرِ إبراهيمَ u.

كَانَت سَارَةُ في أَوَّلِ الأَمرِ عَقِيمًا لَا تَلِدُ، وكانَ يَحزُنُها أَن تَرَىٰ زَوجَها لَيسَ لهُ وَلَد، وكانَت قَد جاوَزَت السّبعِينَ، وَكَانَت لَهَا أَمَةٌ تُسَمَّىٰ هَاجَرَ، فَوَهَبَتها أي أَعطَتهَا لِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، فَصَارَت حَلَالًا لَهُ في شَرعِ اللهِ مِثلَ الزَّوجَةِ في الكَثِيرِ مِنَ الأَحكَامِ، فَوَلَدَت لَهُ هَاجَرُ غلامًا زَكِيًّا سَمَّاهُ إِسمَاعِيلَ، ففَرِحَ إبراهيمُ عليه الصلاةُ والسلامُ بِهٰذا المَولُودِ الجَدِيدِ كذٰلِكَ فَرِحَت زَوجَتُه سارَةُ لِفَرَحِه.

وَبَعدَ مُدَّةٍ وَجِيزَةٍ خَرَجَ إِبرَاهِيمُ u مِن فِلَسطِينَ مَعَ ابنِهِ إِسمَاعِيلَ الرَّضِيعِ وَأُمِّهِ هَاجَرَ إِلَىٰ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، فَتَرَكَهَا سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ هُنَاكَ مَعَ ابنِه إِسمَاعِيلَ في مَكَانٍ قَفْرٍ، عِندَ دَوحَةٍ -وهي الشّجرَةُ الكَبِيرَةُ- فَوقَ المكانِ الّذِي سَيَنبُعُ مِنهُ ماءُ زَمزَمَ في أَعلَى المَسجِد، وَلَيسَ بِمَكَّةَ يَومَئِذٍ أَحَدٌ، لَا بُنيَانَ وَلَا عُمرَانَ وَلَا مَاءَ ولَا زَرعَ، وَتَرَكَ لَهُمَا جَرَابًا أي كِيسًا فِيهِ تَمرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ.

ثُمَّ قَفَّىٰ إِبرَاهِيمُ مُنطَلِقًا راجِعًا إلىٰ فِلَسطِينَ فَتَبِعَتهُ أُمُّ إِسمَاعِيلَ قَائِلَةً «يَا إِبرَاهِيمُ، أَينَ تَذهَبُ وَتَترُكَنَا بِهٰذَا الوَادِي الَّذِي لَيسَ فِيهِ إِنسٌ وَلَا شَيءٌ» فَكَرَّرَت مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلتَفِتُ إِلَيهَا فَقَالَت «آللهُ أَمَرَكَ بِهٰذَا؟» قَالَ «نَعَم» فقَالَت لَهُ بِلِسَانِ اليَقِينِ وبالمَنطِقِ القَوِيمِ «إذًا لَا يُضَيِّعُنَا» ثُمَّ رَجَعَت.

فَانطَلَقَ إِبرَاهِيمُ حَتَّىٰ إِذَا كَانَ عِندَ الثَّنِيّةِ فِي مَكَانٍ لَا تَرَاهُ هَاجَرُ، استَقبَلَ بِوَجهِهِ مَكَانَ البَيتِ دَاعِيًا اللهَ ﴿ رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩ رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠[سورة إبراهيم]. وَقَد رُوِيَ أَنَّ إِبرَاهِيمَ رَكِبَ البُرَاقَ هُوَ وَهَاجَرُ والطِّفلُ، فَجَاءَ في يَومٍ وَاحِدٍ مِنَ الشَّامِ إِلَىٰ بَطنِ مَكَّةَ وَتَرَكَهُمَا هُنَالِكَ وَرَكِبَ مُنصَرِفًا مِن يَومِهِ، وكَانَ ذٰلِكَ كُلُّهُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ تَعَالَىٰ. وقد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ السِّيَرِ أنَّ سارةَ غَارَت مِن هاجَرَ فأَخرَجَها إِبراهِيمُ عِندَ ذٰلكَ وأَنزَلَها وإِسماعِيلَ مَكّةَ، واللهُ أعلَم.

فَصَبَرَت هَاجَرُ وَمَكَثَت هِيَ وَإِسمَاعِيلُ حَيثُ وَضَعَهُما إبراهيمُ u تَشرَبُ وتَأكُلُ التَّمرَ وتُرضِعُهُ، إِلَىٰ أَن نَفِدَ الماءُ الذي في السِّقاءِ، فعَطِشَت وعَطِشَ إِسمَاعِيلُ عَطَشًا شَدِيدًا وَجَعَلَ يَبكِي ويَتَلَوَّىٰ، فانطَلَقَتِ السَّيِّدَةُ هَاجَرُ كَراهِيَةَ أَن تَنظُرَ إِلَيهِ في هٰذهِ الحَالَةِ تَبحَثُ لَهُ عَن مَاءٍ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقرَبَ جَبَلٍ إِلَيهَا فَصَعِدَت عَلَيهِ، ثُمَّ استَقبَلَتِ الوَادِيَ تَنظُرُ هَل تَرَىٰ أَحَدًا، فَلَم تَجِد، فهَبَطَت مِنَ الصَّفَا حَتَّىٰ بَلَغَتِ الوَادِيَ، وَصَارَت تَسعَىٰ سَعيَ المَجهُودِ، حَتَّىٰ وَصَلَت إِلَىٰ جَبَلِ المَروَةِ فَصَعِدَت عَلَيهِ ونَظَرَت فَلَم تَجِد أَحَدًا، فأَخَذَت تَذهَبُ وَتَجِيءُ بَينَ الصَّفَا والمَروَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ.

وَلَمَّا أَشرَفَت في سَعيِهَا السَّابعِ عَلَى المَروَةِ سَمِعَت صَوتًا فَقَالَت «أَغِثنَا إِن كَانَ عِندَكَ غُوَاثٌ!» فَرَأَت مَلَكًا وَهُوَ جِبرِيلُ u يَضرِبُ بِقَدَمِهِ وَقِيلَ بِجَنَاحِهِ الأَرضَ، فَظَهَرَ الماءُ السَّلسَبِيلُ العَذبُ وَهُوَ مَاءُ زَمزَمَ.

فَجَعَلَت أُمُّ إِسمَاعِيلَ تَحُوطُ الماءَ وتَغرِفُ مِنهُ بِسِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ، وقَالَ لَهَا جِبرِيلُ «لَا تَخَافِي الضَّيَاعَ فَإِنَّ للَّهِ هٰهُنَا بَيتًا يَبنِيهِ هٰذَا الغُلَامُ وَأَبوهُ» وأَشارَ إلىٰ أَكَمَةٍ مُرتَفِعَةٍ مِنَ الأَرض.

رَوَى البُخارِيُّ عَن ابنِ عَبّاسٍ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ «يَرحَمُ اللُه أُمَّ إِسمَاعِيلَ لَو تَرَكَت زَمزَمَ أَو قَالَ لَو لَم تَغرِفْ مِنَ المَاءِ لَكَانَت عَينًا مَعِينًا»(١).



(١) صحيح البخاري، كتاب الشرب والمساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه.


شَرِبَت هَاجَرُ مِن ماءِ زَمزم، وارتَوَت وأَرضَعَت وَلَدَها إسماعِيلَ شاكِرةً اللهَ الكَرِيمَ اللَّطِيفَ عَلَىٰ عَظيمِ فَضلِه ورَحمتِه وعِنايَتِه.

ثُمَّ بَدَأَت الطُّيُورُ تَرِدُ مَاءَ زَمزَمَ وتَحُومُ حَولَهُ، وَمَرَّت قَبِيلَةُ جُرهُمُ العَرَبِيَّةُ، فَرَأَوا الطُّيُورَ حَاِئمَةً فوقَ شَيءٍ ما في الصَّحرَاءِ، فَاستَدَلُّوا بِذٰلِكَ عَلَىٰ وُجُودِ الماءِ، فَوصلوا واستَأذَنُوا مِن أُمِّ إِسمَاعِيلَ أَن يَنصُبُوا خِيَامَهُم حَولَ المَكَانِ قَرِيبًا مِنَ الماءِ، فَأَذِنَت لَهُم واستَأنَسَت بِوُجودِهِم حَولَها وَعَمَرَت مَكَّةُ شَيئًا فَشَيئًا وأَخَذَ العُمرَانُ يَتكَاثَرُ بِبَرَكَةِ هٰذَا الماءِ الذي خَلَقَهُ اللهُ في ذٰلِكَ المَكانِ مِن تِلكَ البُقعَةِ المُبارَكَةِ الطَّيِّبَة.

وَتَرَعرَعَ إِسمَاعِيلُ وَشَبَّ بَينَ أَفرَادِ قَبِيلَةِ جُرهُمَ عَلَى الخُلُقِ الحَسَنِ وتَعَلَّمَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ مِنهُم، ولَمّا أَعجَبَهُم خُلُقُه وسِيرَتُه زَوَّجُوهُ مِن بَنَاتِ القَبِيلَةِ فَصَاهَرَهُم، وأَصبَحَت مَكّةُ مَأهولَةً بالسُّكّانِ مُنذُ ذٰلِكَ الحِينِ بَعدَ أن كانَت جَردَاءَ وقَفرًا مُوحِشًا. وكَانَ إبراهيمُ u مِن وَقتٍ لِآخَرَ يَأتي مِن فِلسطِينَ إلىٰ مكّةَ بالبُراقِ، لِزِيَارَةِ هاجرَ وابنِه إسماعيلَ ويَطَّلِعَ علىٰ أَحوَالِهما ويَتفَقَّدَهُما، وقَد صارَ إسماعيلُ u بَعدَما تَزوَّجَ هُناكَ نَبِيًّا.

جاءَ في الحَدِيثِ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ «إِنَّكُم سَتَفتَحُونَ مِصرَ وَهِيَ أَرضٌ يُسَمَّىٰ فِيهَا القِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحتُمُوهَا فَأَحسِنُوا إِلىٰ أَهلِهَا، فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا أو قالَ ذِمَّـةً وصِهرًا» والقِيرَاطُ جُزءٌ مِن أَجزَاءِ الدِّينارِ والدِّرهَم، كانَ أَهلُ مِصرَ يُكثِرونَ مِن استِعمَالِه. الذِّمَّةُ الحُرمَةُ والحَقّ. الرَّحِمُ لِكَونِ هاجَرَ أُمِّ إِسماعِيلَ مِنهُم، وأمّا الصِّهرُ لِكَونِ مَارِيَةَ أُمِّ إِبراهِيمَ ابنِ رَسولِ اللهِ مُحمَّدٍ ﷺ مِنهُم(١).



(١) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب وصية النبيّ ﷺ بأهل مصر، عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه. المعجم الكبير للطبراني باب الكاف عن كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه بلفظ «إِذَا فَتَحتُم مِصرَ = = فاستَوصُوا بِالقِبْطِ خَيرًا فإِنَّ لَهُم ذِمَّةً ورَحِمًا» قِيلَ يعني وِلادةَ هاجَرَ لإسماعِيلَ، وقيلَ غَيرُ ذٰلك، والحديثُ رَواهُ الطبرانيُّ، وقالَ الحافِظُ الهَيثمَيُّ: "رواهُ الطبرانيُّ بإسنادَينِ ورِجالُ أَحَدِهِما رجالُ الصّحِيح".


قِصَّةُ الذَّبِيحِ إِسمَاعِيلَ u

لَمَّا كَبُرَ إِسمَاعِيلُ وَصَارَ يُرَافِقُ أَبَاهُ وَيَمشِي مَعَهُ، رَأَىٰ إِبرَاهِيمُ u ذَاتَ لَيلَةٍ فِي المَنَامِ أَنَّهُ يَذبَحُ وَلَدَهُ إِسمَاعِيلَ، وَرُؤيَا الأَنبِيَاءِ وَحيٌ ومِن خَصائِصِ الأنبياءِ أنّ قُلوبَهُم لا تَنامُ إِنّما تنامُ أَعيُنُهم، فقالَ إبراهيمُ لابنِه إسماعيلَ «انطَلِقْ بِنَا نُقَرِّبُ قُربَانًا إِلَى اللهِ U»، فأَخَذَ سِكّينًا وحَبلًا وانطَلَقا ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ ﴾ أي صارَا بينَ الجبالِ قالَ لهُ إسماعيلُ «يا أَبَتِ أَينَ قُربانُكَ؟» ﴿ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ فَأَخبَرَ وَلَدَهُ بوَحيِّ اللهِ وأَمرِه.

وقَولُهُ «فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ» لَم يَقصِد إِبرَاهِيمُ بِهِ أَن يُشَاوِرَ وَلَدَهُ فِي تَنفِيذِ أَمرِ اللهِ وَلَا كَانَ مُتَرَدِّدًا، إِنَّمَا أَرَادَ أَن يَعرِفَ مَا فِي نَفسِيَّةِ وَلَدِهِ تُجَاهَ أَمرِ الله. يُقَالُ عَرَضَ إبراهيمُ ذٰلِكَ علىٰ إسماعيلَ لِيَكونَ أَطيَبَ لِقَلبِه وأَهوَنَ عَلَيهِ مِن أَن يَأخُذَهُ قَسرًا ويَذبَحَهُ قَهرًا، فبَادَرَ إسماعِيلُ الحَلِيمُ أَباهُ ﴿ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢ [سورة الصافات] فكانَ جَوَابُ إِسمَاعِيلَ لِأَبِيهِ إبراهيمَ في غَايَةِ السَّدادِ والطَّاعَةِ. وَأَمَّا قَولُهُ «إِن شَاءَ اللهُ» لِأَنَّهُ لَا حَرَكَةَ وَلا سُكُونَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَكُونُ.  

أَخَذَ النَّبِيُّ إِبرَاهِيمُ ابنَهُ إِسمَاعِيلَ وَابتَعَدَ بِهِ حَتَّىٰ لا تَشعُرَ الأُمُّ، فَبَلَغَ جَبَلَ مِنًى، فَظَهَرَ لَهُ إبلِيسُ في ثَلَاثِ مَوَاضِعَ لِيُوَسوِسَ لَه بالمعصِيَةِ بأَن يُحَرِّضَهُ عَلَىٰ عَدَمِ تَنفِيذِ أَمرِ اللهِ تعالىٰ، فكانَ إبرَاهِيمُ u في كُلِّ مَرَّةٍ يَرجُمُهُ بِسَبعِ حَصَيَاتٍ إِهانَةً له حَتَّىٰ يَـئِسَ إِبلِيسُ وَانقَلَعَ، فأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُمِرُوا بِهٰذا الرَّميِ إِحيَاءً لِسُنّةِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ u، وهٰذا رَمزٌ لِوُجُوبِ مُخالَفَةِ الشّيطانِ وإِهانَتِه، ولَيسَ مَعنَى الرَّجمِ أنّ الشّيطانَ يَسكُنُ هُناك.

أَضجَعَ إِبرَاهِيمُ وَلَدَهُ عَلَىٰ جَبِينِهِ، قَالَ تَعَالَىٰ ﴿ فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣[سورة الصافات] أي فلَمّا استَسلَما لِأَمرِ اللهِ وأَضجَعَهُ علىٰ وَجهِه، قِيلَ أَرادَ إبراهيمُ أَن يَذبَحَهُ مِن قَفَاهُ لِئَلّا يُشاهِدَهُ في حَالِ الذّبحِ، وأَرادَ إِسمَاعِيلُ أَن يُخَفِّفَ عَن أَبيهِ لَوعَةَ الثَّكَلِ ويُرشِدَهُ إلىٰ أَقرَبِ السُّبُلِ لِيَصِلَ إلىٰ قَصدِهِ فقَالَ «يَا أَبَتِ اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّىٰ لَا أَضْطَرِبَ، وَاكْفُفْ عَنِّي ثَوبَكَ حَتَّىٰ لَا يَتَلَطَّخَ مِن دَمِي فَتَرَاهُ أُمِّي فَتَحزَنَ، وَأَسرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَىٰ حَلْقِي لِيَكُونَ أَهوَنَ لِلمَوتِ عَلَيَّ، فَإِذَا أَتَيتَ أُمِّيَ فَاقرَأْ عَلَيهَا السَّلامَ مِنِّي». فَأَقبَلَ عَلَيهِ إِبرَاهِيمُ برَأفَةِ وحَنانِ الأبِ الشَّفُوقِ يُقَبِّلُهُ وَيَبكِي وَيَقُولُ «نِعمَ العَونُ أَنتَ يَا بُنَيَّ عَلَىٰ أَمرِ اللهِ».

ثُمَّ أَمَرَّ إبراهيمُ السِّكِّينَ عَلَىٰ حَلْقِ وَلَدِهِ إسماعِيلَ فَلَم تَحُكَّ شَيئًا أي لم تَقطَع، وَقِيلَ انقَلَبَت، فَقَالَ لَهُ إِسمَاعِيلُ «مَا لَكَ؟» قَالَ «انقَلَبَت» فَقَالَ لَهُ «اطعَنْ بِهَا طَعنًا» فَلَمَّا طَعَنَ بِهَا نَبَت وَلَم تَقطَع شَيئًا، وَذٰلِكَ لِأَنَّ اللهَ لم يَشَأ لَها أَن تَقطَعَ، فهُوَ سُبحانَهُ الَّذِي يَخلُقُ القَطْعَ بِالسِّكِّينِ مَتَىٰ شَاءَ، وفي هٰذا بَيانٌ أنّ السِّكينَ لا تَقطَعُ بِطَبعِهَا وبِذَاتِهَا وإِنّما خَالِقُ القَطعِ هُوَ اللهُ وَحدَه خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وأمّا السّكّينُ فَهِيَ سَبَبٌ لِلقَطعِ، لا تَقطَعُ إِلّا بِمَشِيئَتِه سُبحانَه، فاللهُ تبارَكَ وتعالىٰ خَالِقٌ للسّكينِ وخَالِقٌ للقَطعِ أَي خالِقٌ للسَّبَبِ والمُسَبَّب، فالأَسبابُ لا تَخلُقُ شَيئًا، كَما أنّ اللهَ تعالىٰ هو خالِقُ الإِحراقِ وخَالِقُ النَّارِ الَّتي هي سَبَبٌ للإِحراقِ، فالنّارُ لَم تَحرِق نَبِيَّ اللهِ إبراهيمَ عِندَما أُلقِيَ فِيهَا لِأَنّ اللهَ تعالىٰ خالِقُ الإِحرَاقِ ولم يَشَأ لَها أَن تَحرِقَ نَبِيَّهُ إبراهيمَ u، يقولُ اللهُ جَلَّت قُدرَتُه ﴿ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢[سورة الزمر].

وعِندَما أَمَرَّ إِبراهِيمُ السِّكّينَ علىٰ رَقَبَةِ إِسماعِيلَ ولَم تَقطَع نُودِيَ، قَالَ تَعَالَىٰ ﴿ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١[سورة الصافات] عَلِمَ اللهُ تَعَالَىٰ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ، الَّذِي لَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ وَلَا يَتَجَدَّدُ، الصِّدقَ فِي تَسلِيمِهِمَا عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ والسَّلَام.

وَنُودِيَ «يَا إِبرَاهِيمُ قَد صَدَّقتَ الرُّؤيَا هٰذَا فِدَاءُ ابنِكَ» فَنَظَرَ إِبرَاهِيمُ فَإِذَا جِبرِيلُ u مَعَهُ كَبشٌ مِنَ الَجنَّةِ، قِيلَ هُوَ الَّذِي تُقُبِّلَ مِن هَابِيلَ، رَعَىٰ في الجنَّةِ سِنِينَ عَدَدًا، والذِّبحُ بِكَسرِ الذَّالِ اسمُ مَا يُذبَحُ، ومَعنَىٰ قَولِهِ تَعَالَىٰ ﴿ وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ أَي أَنَّ اللهَ تَعَالَىٰ خَلَّصَ إِسمَاعِيلَ مِنَ الذَّبحِ بِأَن جَعَلَ فِدَاءً لَهُ كَبشًا أَبيَضَ أَقرَنَ عَظِيمَ الحَجمِ وَالبَرَكَة، فذَبَحَهُ إِبرَاهِيمُ u بِمِنًى.

ثم لِيُعلَمَ أنّ اللهَ إذا أَمَرَ بشَيءٍ يَكونُ حَسَنًا، فاللهُ يُبِيحُ مَا يَشَاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشَاء، فقَد أَباحَ لَنا أَن نَذبَحَ بَعضَ البَهائِمِ ونَستَمتِعَ بأَكلِها، أما أَمرُ اللهِ لِإِبرَاهِيمَ بِذَبحِ وَلَدِهِ إِسماعِيلَ فِيهِ حِكمَةٌ وهِيَ إِظهارُ كَمَالِ انقِيَادِ إبراهِيمَ وإِسماعِيلَ للَّهِ U. وقِيلَ إِنَّ الذّبِيحَ هو إِسحَاقُ u والصَّحِيحُ أَنّهُ إِسماعِيلُ u.

خَبَرُ زَوجَةِ سَيِّدِنا إِسمَاعِيلَ u

بَعدَ أَن شَبَّ إِسمَاعِيلُ u في تِلكَ البُقعَةِ المبارَكَةِ مِن مَكّةَ المُكرّمَةِ وتَرَعرَعَ في قَبِيلَةِ جُرهُمَ وتَعَلَّمَ مِنهُم اللُّغَةَ العَربيةَ وأَسالِيبَها، ولَمّا رَأَوا عَظِيمَ سِيرَتِهِ وخُلُقَهُ زَوَّجُوهُ مِن امرأةٍ عَرَبِيّةٍ مِن قَبِيلَتِهِم قِيلَ هِيَ عُمَارَةُ بِنتُ سَعدٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَت السيِّدةُ هَاجَرُ عَلَيها السّلَامُ فدَفَنَها ابنُها سيدُنا إسماعيلُ u  في مَكّةَ المُكرّمَةِ بجِوَارِ بيتِ اللهِ الحرام.

جَاءَ إبراهِيمُ u مَرَّةً إلى مَكّةَ مِن فِلَسطِينَ يُرِيدُ أَن يَتَفَقَّدَ إِسماعِيلَ u فَلَم يَجِدهُ في البيتِ، فَسَأَلَ امرَأَتَهُ عَنهُ فقالَت: خَرَجَ يَبتَغِي لَنا، ثُمَّ سَأَلَها عَن عَيشِهِم، فقَالَت: نَحنُ في ضِيقٍ وشِدَّةٍ، وشَكَت إِلَيه، فقَالَ لَها إبراهِيمُ «إِذَا جَاءَ زَوجُكِ فَاقرَئِي عَلَيهِ السّلَامَ وقُولِي لَه يُغَيِّر عَتَبَةَ بَابِه»، فلَمّا جَاءَ إِسماعِيلُ u كَأنَّهُ ءَانَسَ شَيئًا فقالَ لِزَوجَتِه «هَل جَاءَكُم مِن أَحَد؟» فقالت: نَعَم، جَاءَنا شَيخٌ وذَكَرَت لَهُ صِفَتَه، فسَأَلَني عَنكَ فأَخبَرتُه وسَأَلَني كَيفَ عَيشُنا؟ فأَخبَرتُه أَنَّا في جَهْدٍ وشِدَّة. فقالَ لَها إسماعِيلُ «هَل أَوصَاكِ بِشَيءٍ؟» قالت: نَعَم، أَمَرَني أَن أَقرَأَ عَلَيكَ السّلَامَ ويَقولُ لَكَ غَيِّرْ عَتَبَةَ بابِكَ، فقالَ عِندَئِذٍ إسماعِيلُ لِزَوجَتِه «ذَاكَ أَبي وقَد أَمَرَني أَن أُفَارِقَكِ فٱلحَقِي بِأَهلِكِ»، فطَلَّقَها u.

ثُمَّ تَزَوَّجَ امرَأَةً أُخرَىٰ مِن قَبِيلَةِ جُرهُمَ قِيلَ هِيَ السَّيِّدَةُ رَعْلَةُ بِنتُ مُضَاضِ بنِ عَمرٍو الجُرْهُمِيّ، وغَابَ عَنهُم نَبِيُّ اللهِ إِبراهِيمُ u ما شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتاهُم بَعدَ مُدَّةٍ فلَم يَجِدهُ فسَأَلَ امرَأَتَهُ عَنهُ، فقالَت لَهُ: خَرَجَ يَبتَغِي لَنا، أي أُمُورَ المَعِيشَةِ، فقال «كيفَ أنتُم؟» أي عَيشُكُم وهَيئَتُكُم، فقالَت نَحنُ بِخَيرٍ وسَعَة، وأَثنَت علَى اللهِ U فقالَ لَها «ومَا طَعَامُكُم؟» قالَت اللَّحمُ، قالَ «فمَا شَرَابُكُم؟» قالَت الماءُ، فدَعَا u قائِلًا «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُم في اللَّحمِ والماءِ»، ثُمَّ قالَ u «فَإِذَا جَاءَ زَوجُكِ فاقْرَئِي عَلَيهِ السَّلَامَ، ومُرِيهِ يُثبِت عَتَبةَ بَابِه». فلَمّا جَاءَ إِسماعِيلُ قالَ «هَل أَتاكُم أَحَدٌ؟» قالت: نَعَم، أَتانا شَيخٌ حَسَنُ الهَيئَةِ، وأَثنَت عَلَيهِ، فسَأَلَني عَنكَ فأَخبَرتُه، فسَأَلَني كَيفَ عَيشُنا فأَخبَرتُه أَنَّا بِخَير، فقالَ لها إسماعِيلُ «أَفَأَوصَاكِ بِشَيءٍ؟» قالَت نَعَم، هُوَ يَقرَأُ عَلَيكَ السّلَامَ ويَأمُرُكَ أَن تُثبِتَ عَتَبةَ بابِكَ، فقالَ لَها «ذَاكَ أَبي وأَنتِ العَتَبةُ، أَمَرَني أَن أُمسِكَكِ».

إِعَادَةُ بِنَاءِ الكُعبَةِ المُشَرَّفَةِ وأَمرُ الحَجّ

أَمَرَ اللهُ تَعالىٰ إِبرَاهِيمَ u بإِعَادَةِ بِنَاءِ الكَعبَةِ لِأَنَّهَا تَهَدَّمَت بِالطُّوفَانِ زَمَنَ نُوحٍ u، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿  وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧[سورة الحج]. غَابَ إِبرَاهِيمُ u عَن ابنِهِ إسماعِيلَ فَترَةً ثُمَّ عَادَ إلىٰ مَكَّةَ المُكرَّمَةِ فرَأَى ابنَهُ إسماعِيلَ يَبرِي نَبلًا لَه أَي يُصلِحُه، تَحتَ دَوحَةٍ قُربَ مَاءِ زَمزَمَ، فَلَمّا رَءَاهُ إِسماعِيلُ قَامَ إِلَيهِ يَشُدُّهُ الحَنَانُ والشَّوقُ إِلىٰ أَبِيهِ إِبراهِيمَ، وصَنَعَا مَا يَصنَعُ الوَالِدُ بالوَلَدِ والوَلَدُ بالوَالِدِ، ثُمَّ قالَ لَه «يَا إِسمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَنِي أَن أَبنِيَ بَيتًا، فقالَ إِسماعِيلُ فَأَطِعْ رَبَّكَ، فقالَ إبراهِيمُ قَد أَمَرَكَ أَن تُعِينَنِي عَلَىٰ بِنَائِه، قالَ إِذَن أَفَعَل» فقَامَ إِبراهِيمُ إِلىٰ مَكَانِ البَيتِ الحَرَامِ وبَدَأَ بِبِنَائِهِ حَيثُ بَوَّأَهُ اللهُ مَكَانَهُ، أَي أَرشَدَهُ إِلَيهِ ودَلَّهُ عَلَيه، وكانَ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَوضِعِ البَيتِ هُوَ جِبرِيلُ u، فَجَعَلَ إِبراهِيمُ يَبنِي وإِسمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَحِينَمَا ارتَفَعَ بُنيَانُ الكَعبَةِ صَعِدَ إِبرَاهِيمُ عَلَىٰ حَجَرٍ يَستَعِينُ بِهِ عَلَىٰ إِكمَالِ بِنَائِهَا، فَلَمَّا بَلَغَ قَدْرًا لَم يَعُدْ يَصِلُ إِلَيهِ ارتَفَعَ الحَجَرُ بِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ لِيَتَمَكَّنَ مِن إِكمَالِ البِنَاءِ، وَهٰكَذَا حَتَّىٰ تَمَّت عَمَارَتُهَا، وهٰذَا الحَجَرُ هُوَ الَّذِي يُعرَفُ اليَومَ بِمَقَامِ إِبرَاهِيمَ u وضَعَهُ لَهُ ابنُهُ إسماعِيلُ لِيَرتَفِعَ عَلَيهِ.

قَالَ تَعَالَىٰ ﴿ وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦ وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧ رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨ رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩ وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠ إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢[سورة البقرة].

والمَقصُودُ أَنّ إبراهِيمَ الخَلِيلَ بَنَىٰ أَشرَفَ المَسَاجِدِ في أَشرَفِ البِقَاعِ في وَادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ، ودَعَا لِأَهلِهَا بالبَرَكَةِ وأَن يُرزَقُوا مِنَ الثّمَراتِ معَ قِلَّةِ المِياهِ وعَدَمِ الأَشجَارِ والزُّروعِ والثِّمارِ، وأَن يَجعَلَهُ اللهُ حَرَمًا ءَامِنًا. كَذٰلِكَ سَأَلَ إِبراهيمُ u اللهَ أَن يَبعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِنهُم أَي مِن جِنسِهِم وعَلَىٰ لُغَتِهِمُ الفَصِيحَةِ البَلِيغَة، يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمَةَ ويُزَكِّيهِم ويُطَهِّرُهُم. وقَدِ استَجَابَ اللهُ U دَعوَةَ نَبِيِّهِ إبراهيمَ فبَعَثَ في أَشرَفِ قَبائِلِ العَرَبِ رَسُولًا عَظِيمًا مِنهُم، هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ سَيِّدُ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ. وعِندَمَا أَكمَلَ إِبراهِيمُ بِناءَ الكَعبَةِ قالَ لابنِهِ إسماعِيلَ «إِيتـِني بِحَجَرٍ حَسَنٍ أَضَعُهُ علَى الرُّكنِ فيَكُونَ لِلنّاسِ عَلَمًا»، فأَتاهُ جِبرِيلُ u بِالحَجَرِ الأَسوَدِ، وكانَ قَد استَودَعَهُ جَبَلَ أبي قُبَيسٍ زَمَنَ الطُّوفَانِ، فأَخَذَهُ إبراهيمُ ووَضَعَهُ مَوضِعَه.

والحَجَرُ الأَسوَدُ أَصلُهُ يَاقُوتَةٌ بَيضَاءُ نَزَلَ مِنَ الجنَّةِ معَ سيدِنا آدمَ u، وكانَ يُضيءُ بِقُوَّةٍ، لٰكِن مِن كَثرَةِ مَا تَمَسَّحَ بِهِ المُشرِكُونَ صَارَ أَسودَ. والكَعبَةُ هِيَ أَوَّلُ بَيتٍ ومَسجِدٍ وُضِعَ للنّاسِ في هٰذِهِ الأَرضِ، وآدَمُ u هُوَ أَوَّلُ مَن بَناها، وقَد انهَدَمَت بِطُوفَانِ نُوحٍ u الَّذِي عَمَّ كُلَّ الأَرضِ، قالَ تعالى ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦[ءال عمران]. والكَعبَةُ وَسَطَ المَعمُورَةِ وفَوقَهَا إلَى السّماءِ السّابِعَةِ البَيتُ المَعمُورُ، وهُوَ بَيتٌ مُشَرَّفٌ، هُوَ لِأَهلِ السَّماءِ الملَائِكَةِ كالكَعبَةِ لِأَهلِ الأَرضِ، كُلَّ يَومٍ يَدخُلُهُ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ، يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ يَخرُجُونَ ولَا يَعُودُونَ أَبَدًا.

وعَن أَبي ذَرٍّ قالَ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسجِدٍ وُضِعَ أَوَّل؟ قالَ «المَسجِدُ الحَرَامُ، قُلتُ ثُمَّ أَيّ؟ قالَ المَسجِدُ الأَقصَىٰ، قلتُ كَم بَينَهُما؟ قالَ أَربَعُونَ سَنَةً، قُلتُ ثُمَّ أَيّ؟ قال ثُمَّ حَيثُ أَدرَكَتهُ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَكُلُّهَا مَسجِدٌ»(١).



(١) صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبىٰ بشيء منها.


وبَعدَ أَن فَرَغَ إبراهِيمُ u مِن بِناءِ البَيتِ الحَرَامِ مَعَ إِسماعِيلَ أَمَرَهُ اللهُ أَن يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ فأَذَّنَ ودَعَاهُم إلىٰ حَجِّ بَيتِ اللهِ الحَرامِ، ثُمَّ خَرَجَ إِبراهِيمُ معَ ابنِه إِسماعِيلَ وقامَا بِأداءِ مَنَاسِكِ الحَجّ، ورُوِيَ أَنّ جِبرِيلَ u هُوَ الّذِي أَرَىٰ إِبراهِيمَ كَيفَ يَحُجّ.

وقَد ثَبَتَ عَن ابنِ عَبّاسٍ أنّه قالَ »إِنَّ إبراهِيمَ قَامَ عَلَى الحَجَرِ فقالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ إِلَى البَيتِ العَتِيقِ» فأَسمَعَ مَن كَانَ في أَصلَابِ الآباءِ وأَرحَامِ النِّسَاءِ مِمَّن آمَنَ وكَتَبَ اللهُ أَنّهُ يَحُجُ إلىٰ يَومِ القِيامَةِ، فأَجَابَ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيك«. حَسَّنَ ذٰلِكَ الحافِظُ ابنُ حَجَر، وهٰذا الّذي ثَبَتَ عَن ابنِ عَبّاسٍ مِمّا لَا يُقَالُ بالرَّأي وإنّمَا لَهُ حُكمُ الرَّفعِ وإن رُوِيَ  بِالتَّوقِيف، لِأنهُ أَمرٌ غَيبِيٌّ لا سَبِيلَ للاجتِهَادِ فِيه.

أَولَادُ سَيّدِنا إسماعِيلَ u وبَعضُ أَحوَالِه

ذَكَرَ بعضُ المُؤَرِّخِينَ أَنَّ سَيِّدَنا إِسماعِيلَ أَوَّلُ مَن رَكِبَ الخَيلَ، وكانَت قَبلَ ذٰلِكَ وُحوشًا فآنَسَها ورَكِبَهَا ودَعَا لَها بِدَعوَتِهِ الّتِي كانَ أُعطِيَ فأَجَابَتهُ، وكانَ u قَد تَكَلَّمَ العَربِيّةَ الفَصِيحَةَ البَلِيغَة. وقَد دَعَا سيِّدُنَا إِسماعِيلُ قَبِيلَةَ جُرهُمَ إلىٰ الإِسلَامِ وتَركِ عِبادَةِ غَيرِه سُبحَانَهُ، فامتَثَلُوا أَمرَهُ لِمَا رَأَوا مِن كَرِيمِ صِفَاتِهِ وجَمِيلِ أَفعَالِه، وقَد وَلَدَت لَهُ u زوجتُه الثانيةُ رَعلَةُ اثنَي عَشَرَ وَلَدًا، هُم نَابِتٌ وهو أكبرُهُم، وقَيْذَرُ وأَذْبُلُ ومِيشَا ومِسْمَعٌ ومَاشَى ودُمَا وأُدَرُ ويَطُورُ ونَبِشٌ وطِيمَا وقَيْذُمَا، وبنتًا واحدة هي نَسَمَةُ زَوَّجَها مِن ابنِ أَخِيهِ العِيصِ بنِ إسحاقَ فوُلِدَ لَهُ مِنهَا الرُّومُ واليُونانُ. ثُمَّ جَمِيعُ عَرَبِ الحِجَازِ عَلَى اختِلَافِ قَبَائِلِهِم يَرجِعُونَ في أَنسَابِهِم إِلَىٰ وَلَدَيهِ نابِتٍ وقَيذَرَ، وهُم العَرَبُ المُستَعرِبَةُ أَي الذِينَ انضَمُّوا إلى العَرَبِ العَارِبَةِ وأَخَذُوا عَنهُمُ العَرَبِيّةَ. وكانَ نابِتٌ هو الرَّئِيسُ مِن بعدِ أَبيهِ والقَائِمُ بالأُمورِ، الحَاكِمُ في مَكّةَ والنّاظِرُ في أَمرِ البَيتِ وزَمزَمَ، وهٰكَذَا إلىٰ أَن انقَلَبَ عَلَى ذُرِّيَّةِ إِسمَاعِيلَ بَعضُ أَفرَادِ جُرهُمَ فَغَلَبُوهُم عَلىٰ سِدانَةِ البَيتِ الحرامِ، وذٰلِكَ بَعدَ زَمَانٍ مِن وَفَاةِ سَيِّدِنا إِسماعِيلَ u، ومَعَ الوَقتِ عَادُوُا إلىٰ عبادَةِ الأَوثَانِ شَيئًا فشَيئًا.

وفاةُ سَيّدِنا إسماعِيلَ u

تُوُفِّيَ سَيِّدُنَا إِسمَاعِيلُ u في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، بَعدَ أَن أَدَّىٰ رِسَالَةَ رَبِّهِ وبَلَّغَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِتَبلِيغِهِ، ودَعَا إلىٰ دِينِ الإِسلَامِ وإلىٰ عِبادَةِ اللهِ المَلِكِ الدَّيّانِ،  وَدُفِنَ قُربَ أُمِّهِ السَّيِّدَةِ هَاجَرَ عَلَيهَا السَّلَامُ في الحِجرِ، وَقِيلَ كَانَ عُمُرُهُ يَومَ تُوُفِّيَ مِائَةً وَسَبعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم