سَيِّدُنا
إِسْحَاقُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام
قالَ اللهُ
تَعَالَىٰ ﴿ وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ
ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢ وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ
إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣﴾ [سورة الصافات] هُوَ سيّدُنا إِسحَاقُ
بنُ إِبرَاهِيمَ ، وهو الابنُ الثّاني لِسَيِّدِنا إِبراهِيمَ u. بَعدَ
أَن بَلَغَت سَارَةُ سِنَّ اليَأسِ، وهُوَ السِّنُّ الّذِي لَا تَلِدُ المَرأَةُ فِيهِ
عَادَةً، وكانَتِ امرأَةً عَقِيمًا، وكَانَ عُمُرُهَا تِسعِينَ
سَنَةً وكانَ عُمُرُ سَيّدِنا إِبراهِيمَ u مِائَةً وعِشرِينَ
سَنةً، رَزَقَهُما اللهُ تَعَالَىٰ
ابنًا نَجِيبًا عَلِيمًا هُو سَيّدُنا إِسحَاقُ u الّذِي صَارَ
بعدَ ذٰلِكَ نَبِيًّا كَأَخِيهِ إِسماعِيلَ u.
بِشَارَةُ
المَلَائِكَةِ بوِلَادَتِه u
جَاءَ في القُرآنِ الكَرِيمِ خَبَرُ البِشَارَةِ بِهٰذَا الوَلَدِ الطَّيِّبِ وذٰلِكَ في سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، قولُهُ تعالىٰ ﴿ هَلۡ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٌ قَوۡمٌ مُّنكَرُونَ ٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٍ سَمِينٍ ٢٦ فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧ فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨ فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ٢٩ قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠ ﴾ وهٰؤُلَاءِ الضَّيفُ المُكرَمُونَ هُم رُؤَسَاءُ المَلَائِكَةِ الثَّلَاثُ الكِبَارُ جِبرِيلُ ومِيكَائِيلُ وإِسرَافِيلُ .
ومِن خَبَرِهِم
أنَّهُم لَمَّا وَفَدُوا عَلىٰ
نَبِيِّ اللهِ إِبراهِيمَ الخَلِيلِ
حَسِبَهُم بَادِئَ الأَمرِ ضُيوفًا مِنَ الإِنسِ، فَعَامَلَهُم مَعامَلَةَ الضُّيوفِ
بِالإِكرَامِ فَشَوَىٰ لَهُم عِجلًا سَمِينًا مِن خِيَارِ بَقَرِهِ، فَلَمّا قَرَّبَهُ إِلَيهِم
وعَرَضَ عَلَيهِم لَم يَرَ لَهُم رَغبَةً في الأَكلِ لِأَنَّ
مَلَائِكَةَ اللهِ الكِرَامَ لَا
يَأكُلونَ ولَا يَشرَبُونَ ولَيسَ فِيهِم حَاجَةٌ إِلى الطّعامِ.
فَلَمّا وَجَدَ إِبراهِيمُ
u أَنَّ ضُيوفَهُ
لَيسَ لَهُم هِمَّةٌ عَلى الأَكلِ لَم يَعرِفْهُم ونَكَرَهُم
وأَوجَسَ مِنهُم خِيفَةً، عِندَ ذٰلِكَ هَدَّءُوا رَوعَهُ وقالُوا لَه «لَا تَخَفْ»،
وطَمأَنُوهُ أنَّهُم في طَرِيقِهِم إِلىٰ مَدَائِنِ قَومِ لُوطٍ الكَافِرِينَ لِيُدَمِّروهَا
ويُنزِلُوا بِهِمُ العَذابَ لِكُفرِهِم وفُجورِهِم، فاستَبشَرَت عِندَ ذٰلِكَ سَارَةُ
غَضَبًا للَّهِ عَلَيهِم، وكانَت
قَائِمَةً علىٰ رُءُوسِ الضُّيوفِ كَمَا جَرَت بِهِ عَادَةُ النّاسِ مِنَ العَرَبِ
وغَيرِهِم، وضَحِكَتِ استِبشَارًا بِذٰلِكَ، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ وَٱمۡرَأَتُهُۥ
قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ
يَعۡقُوبَ
٧١ ﴾ [سورة هود] أي بَشَّرَتهَا
الملائِكَةُ بِذٰلِك، حِينَهَا أَقبَلَت سَارَةُ في صَرخَةٍ وصَكَّت وَجهَهَا كَما
تَفعَلُ النِّسَاءُ عِندَ التَّعَجُّبِ وقالَت «كَيفَ يَلِدُ مِثلي وأَنا امرَأَةٌ
كَبِيرَةٌ وعَقِيمٌ وزَوجِي شَيخٌ كَبِيرٌ»، ﴿ قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٌ ٧٢ قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللهِۖ رَحۡمَتُ ٱللهِ
وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ٧٣ ﴾ [سورة هود] .
وكذٰلِكَ تَعَجَّبَ
إِبراهِيمُ استِبشَارًا بِهٰذِهِ البِشَارَةِ فَرَحًا بها، ﴿ قَالَ
أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤
قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥ ﴾ [سورة الحِجر] أَي اليَائِسِينَ،
فَأَكَّدُوا لِإبراهِيمَ هٰذِهِ البِشارَةِ وبَشَّرُوهُ وزَوجَتَهُ سَارَةَ بِغُلَامٍ
عَلِيمٍ وهُوَ إِسحَاقُ أَخُو إِسماعِيلَ عَلَيهِما الصّلَاةُ والسّلَام.
نُبُوَّةُ
إِسحَاقَ
ورِسَالَتُهُ
وبَعضٌ مِن سِيرَتِه u
دَعَا إِسحَاقُ
بنُ إِبراهِيمَ إِلىٰ دِينِ الإِسلَامِ وإِلىٰ عِبادَةِ اللهِ وَحدَهُ، وأُوحِيَ
إِلَيهِ بِشَريعَةٍ مَبنِيَّةٍ على الإِسلَامِ لِيُبَلِّغَهَا ويُعَلِّمَها للنّاسِ،
وقَد أَرسَلَهُ اللهُ إِلَى الكَنعَانِيِّينَ في بِلَادِ الشَّامِ لُبنَانَ وفِلَسطِينَ
وغَربِ سُورِيَا والأُردُن، الّذِينَ عَاشَ بَينَهُم، والكَنعَانِيُّونَ نِسبَةً لِكَنعَانَ
بنِ سَام، تَكَلَّمُوا العَرَبِيّةَ والسُّريَانِيّةَ وسَمَّاهُم الإغرِيقُ بالفِنِيقِيّينَ
وهو الأُرجُوَانِيّ بِلُغَتِهِم لاشتِغَالِ أَهلِ صَيدَا وصُورَ باستِخرَاجِ الصِّبَاغِ
الأُرجُوَانيّ.
وقد جَمَّلَ
اللهُ تعالىٰ عَبدَهُ إِسحاقَ بالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا
رَسُولًا، وبَرَّأَهُ مِن كُلِّ مَا نَسَبَهُ إِلَيهِ الجَاهِلُونَ، وأَمَرَ اللهُ
قَومَهُ بالإِيمانِ بِهِ كَغَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ والرُّسُلِ، قالَ اللهُ
تعالىٰ ﴿ إِنَّآ
أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ
بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ
وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ
وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ١٦٣ ﴾ [سورة النساء]. وقَد ذَكَرَهُ
اللهُ تبارَكَ وتعالىٰ بالثَّناءِ عَليهِ والمَدحِ في أَكثَرِ مِن ءَايَةٍ مِنَ
القُرءَانِ الكَرِيمِ، قالَ تعالىٰ ﴿ وَٱذۡكُرۡ
عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي
وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكۡرَى
ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ
٤٧
﴾
[سورة ص] ومَعنَىٰ {أُوْلِي
ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ}
أَي
أَصحَابَ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وجُودَةِ البَصَرِ. وقَد نَبَّهَ اللهُ U إِلىٰ
أَمرٍ مُهِمٍّ جِدًا بِقَولِهِ سُبحانَهُ ﴿ أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ
نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللهُۗ ١٤٠ ﴾ [سورة البقرة].
وقَد مَدَحَ رَسُولُ
اللهِ ﷺ نَبِيَّ اللهِ إِسحَاقَ وأَباهُ
وابنَهُ وحَفِيدَهُ وأَثنَىٰ عَلَيهِم بقَولِهِ «إنَّ الكَرِيمَ ابنَ الكَرِيمِ
ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعقُوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ
خَلِيلِ الله»(١) فهٰؤُلَاءِ
الأَنبِيَاءُ الأَربَعَةُ الّذِينَ مَدَحَهُم رَسولُ اللهِ ﷺ هُم أَنبِياءُ
مُتَناسِلُونَ، ولَا يُوجَدُ بَينَ النّاسِ أربعةُ أَنبِياءَ مُتَناسِلونَ غَيرَهُم
.
(١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب من انتسب
إلى آبائه في الإسلام والجاهلية، عن ابن عمر وأبي هريرة .
وقَد قِيلَ إِنَّ إِبراهِيمَ
u أَوصَىٰ ابنَهُ
إسحاقَ أَن لَا يَتَزَوَّجَ إِلّا امرَأَةً مِن أَهلِ أَبِيهِ فتَزَوَّجَ رِفقَةَ بِنتَ
بَتُوئِيلَ بنِ ناحُور بنِ آزَرَ، أَي بِنتَ ابنِ عَمِّهِ، وكانَت عَاقِرًا لَا تَلِدُ
فَدَعَا اللهَ لَها فحَمَلَت فوَلَدَت
غُلَامَينِ تَوأَمًا، أَحَدُهُما اسمُهُ العِيصُ ويُسمِّيهِ أَهلُ الكِتابِ عِيسُو
وقَد خَرَجَ أَوَّلًا، والثّاني سَمَّوهُ يَعقوبَ لِأَنّهُ خَرَجَ وهُوَ آخِذٌ
بِعَقِبِ أَخِيه، وقَد نَشَّأَ إسحاقُ ابنَيهِ علىٰ عِبادَةِ اللهِ الوَاحِدِ
الصَّمَدِ، لَا يُشرِكَانِ باللَّهِ شَيئًا.
ويَحكِي أَهلُ
الكِتَابِ كَلَامًا كَذِبًا مِنَ الإِسرَائِلِيَّاتِ الّتِي لَا يَجوزُ نِسبَتُهَا
إلىٰ نَبِيٍّ مِن أَنبياءِ الله، ولَا عِبرَةَ بِرِوَايَتِهَا في بَعضِ الكُتُبِ
فلَيسَ كُلُّ مَا يُروَىٰ صَحِيحًا، أَنَّ عِيصًا كانَ أَحَبَّ لِأَبِيهِ مِن يَعقوبَ
وأنَّ يَعقوبَ كانَ أَحَبَّ إِلىٰ أُمِّهِ، فلَمّا كَبُرَ إِسحاقُ
عَمِيَ فقالَ لِعِيصٍ "يا بُنَيَّ أَطعِمْنِي
لَحمَ صَيدٍ واقتَرِبْ
مِنّي أَدعُو لَكَ".
فَسَمِعَت أُمُّهُما ذٰلِكَ فقالَت
لِيعقوبَ "يا بُنَيَّ اذبَحْ
شَاةً واشْوِهَا وقَرِّبْهَا إِلَىٰ أَبِيكَ وقُلْ لَهُ أَنا ابنُكَ عِيص"! ففَعَلَ ذٰلِكَ يَعقوبُ فأَكَلَ ودَعَا لَهُ أَن يَجعَلَ
اللهُ مِن ذُرِّيَتِهِ الأَنبِياءَ والمُلوكَ! اﻫ وهٰذا لَا يَلِيقُ نِسبَتُهُ إلىٰ نَبِيٍّ مِنَ
الأَنبِياءِ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ
مِنَ الكَذِبِ والجَهل، سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ هٰذَا بُهتَانٌ عَظِيم.
وَفَاةُ
إِسحَاقَ
u
قِيلَ إِنَّ نَبِيَّ
اللهِ إِسحاقَ u عَاشَ مِائَةً
وثَمانِينَ سَنةً، ومَاتَ في حَبرونَ وهِيَ قَريَةٌ في فِلَسطِينَ، وهِيَ مَدِينَةُ
الخَلِيلِ اليَومَ حَيثُ كانَ يَسكُنُ إِبراهِيمُ u، وقَد دَفَنَهُ
ابنَاهُ العِيصُ ويَعقوبُ u في المَغارَةِ
الّتي دُفِنَ فِيهَا أَبوهُ إِبراهِيمُ عَلَيهِمُ الصّلَاةُ والسَّلَام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم