سَيِّدُنا الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَام
هو بَلْيَا بنُ
مَلْكَانَ بنِ فَالَغَ بنِ عَابَرَ -وقِيلَ غَابِرِ- بنِ شَالَخَ بنِ قَيْنَانَ
بنِ أَرْفَخْشَذَ بنِ سامٍ، وَعَلَىٰ هٰذَا يَكُونُ مَولِدُهُ قَبلَ مَولِدِ سَيِّدِنَا
إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِu، لِأَنَّ
الخَضِرَ يَكُونُ ابنَ عَمِّ جَدِّ إِبرَاهِيمَ u. وَقِيلَ
هُوَ الخَضِرُ بنُ آدَمَ مِنْ صُلبِهِ. وقِيلَ هُوَ خَضرُونُ بنُ قَابِيلَ بنِ
آدَمَ. وَأَمَّا كُنيَتُهُ فَأَبُو العَبَّاسِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ لِأَنَّهُ
جَلَسَ عَلَىٰ بُقعَةٍ مِنَ الأَرضِ بَيضَاءَ لَا نَبَاتَ فِيهَا فَإِذَا هِيَ تَهتَزُّ
وتَنقَلِبُ تَحتَهُ خَضرَاءَ نَضِرَةً، وأَينَمَا صَلَّىٰ فَإِنَّ الأَرضَ
تَخضَرُّ حَولَهُ كَرَامَةً لَهُ، وهُوَ أَطوَلُ النَّاسِ عُمُرًا.
إِنَّ الخَضِرَ u نَبِيٌّ كَرِيمٌ
مُعَمَّرٌ، أَي عُمرُهُ طَوِيلٌ، كَانَ يَعِيشُ بَينَ البَشَرِ ثُمَّ جَعَلَ اللهُ
تَعَالَىٰ لَهُ الماءَ كَأنَّهُ أَرضٌ، فَهُوَ يَعِيشُ إِلَى الآنَ في البَحرِ عَلَىٰ
وَجهِ الماءِ وَحدَهُ مُنفَرِدًا، وَهُوَ مَحجُوبٌ عَنِ الأَبصَارِ. وَقَد يَأتي إِلَىٰ
مَكَانٍ وَلَا يَرَاهُ إِلَّا شَخصٌ وَاحِدٌ مِن بَينِ الحَاضِرِينَ، كَمَا ظَهَرَ
ذٰلِكَ في قِصَّتِهِ مَعَ مُوسَىٰ عَلَيهِما السَّلَامُ عِندَمَا كانَا عَلَىٰ ظَهْرِ
السَّفِينَةِ، فاللهُ حَجَبَ أَعيُنَ النَّاسِ عَنهُ، فَلَا يَرَاهُ إِلَّا مَن شَاءَ
اللهُ لَهُ ذٰلِكَ كَأَكَابِرِ الأَولِيَاءِ وَغَيرِهِم.
مِمَّا رُوِيَ في سَبَبِ
طُولِ عُمُرِ سَيِّدِنَا الخَضِرِ أَنَّ آدَمَ u لَـمَّا
حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ جَمَعَ بَنِيهِ فَقَالَ: «يَا بَنِيَّ، إِنَّ اللهَ سَيُنْزِلُ
عَلَىٰ أَهلِ الأَرضِ عَذابًا»، وأَخبَرَهُم أَنَّ طُوفَانًا سَيَقَعُ بِالنَّاسِ،
وأَوصَاهُم إِذَا كَانَ ذٰلِكَ أَنْ يَحمِلُوا جَسَدَهُ مَعَهُم في السَّفِينَةِ،
وأَن يَدفِنُوهُ في غَارٍ عَيَّنَهُ لَهُم قُربَ بِلَادِ الشَّام، فَكَانَ
جَسَدُهُ مَعَهُم، وتَنَاقَلَ الأَبنَاءُ عَنِ الآبَاءِ هٰذِهِ الوَصِيَّةَ، حَتَّىٰ
بَعَثَ اللهُ نوحًا u، وقَبلَ
أَن يَحدُثَ الطُّوفَانُ حَمَلَ نوحٌ جَسَدَ آدَمَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ، وغَرِقَتِ
الأَرضُ زَمَانًا.
فَنَزَلَ نُوحٌ بِأَرضِ بَابِلَ
وأَوصَىٰ بَنِيهِ الثَلَاثَةَ، سَامًا وحَامًا ويَافِثَ، أَن يَذهَبُوا بِجَسَدِ آدَمَ
u إِلَى
الغَارِ الَّذِي أَمَرَهُم أَن يَدفِنُوهُ فِيهِ فقَالُوا: «الأَرضُ وَحشِيَّةٌ لَا
أَنِيسَ بِهَا ولَا نَهتَدِي لِطَرِيقٍ، ولٰكِنْ لِنَنتَظِرَ حَتَّىٰ يَعظُمَ النَّاسُ
ويَكثُرُوا»، فقَالَ لَهُم نُوحٌ: «إِنَّ آدَمَ قَد دَعَا اللهَ تَعَالَىٰ
أَنْ يُطِيلَ عُمُرَ الَّذِي يَدفِنُهُ إِلَىٰ يَومِ القِيَامَةِ»، فَلَم يَزَلْ
جَسَدُ آدَمَ مِن جِيلٍ إِلَىٰ جِيلٍ حَتَّىٰ كَانَ الخَضِرُ u هُوَ الَّذِي تَوَلَّىٰ
دَفنَهُ، فأَنجَزَ اللهُ مَا وَعَدَهُ فَهُوَ يَحيَا مَا شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَحيَا.
وَهُنَاكَ قَولٌ آخَرُ في
سَبَبِ طُولِ عُمُرِ الخَضِرِ u، وَهُوَ
أَنَّ ذَا القَرنَينِ الأَكبَرَ، وَاسمُهُ الصَّعبُ بنُ الحَارِثِ وقِيلَ الصَّعبُ
بنُ ذِي مَرائِدَ، وَهُوَ أَشهَرُ التَّبَابِعَةِ الَّذِينَ هُم مُلُوكُ اليَمَنِ،
وَكَانَ مُسلِمًا مِن أَولِيَاءِ اللهِ الصَّالِحينَ، وَكَانَ سَيِّدُنَا الخَضِرُ
u وَزِيرَهُ
وعَلَىٰ مُقدِّمَةِ جَيشِهِ، وقَد مَلَّكَهُ اللهُ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ
وآتَاهُ مُلْكًا وَاسِعًا.
وَكَانَ لِذِي القَرنَينِ
صَدِيقٌ مِنَ المَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُ رَفَائِيلُ u، يَزُورُهُ بَينَ
الحِينِ وَالآخَرِ، فَبَينَمَا هُمَا يَتَحَادَثَانِ ذَاتَ يَومٍ، قَالَ لَهُ ذُو
القَرنَينِ: «حَدِّثنِي كَيفَ عِبَادَتُكُم للهِ تَعَالَىٰ في السَّمَاءِ»، فقَالَ
رَفَائِيلُ: «إِنَّ في السَّمَاءِ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ إِلَىٰ يَومِ القِيَامَةِ،
يقولونَ رَبَّنَا مَا عَبَدنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِك» اعتِرافًا بِعَظَمَةِ الله، فَبَكَىٰ
ذُو القَرنَينِ وقَالَ: «يَا رَفَائِيلُ، إِنّي أُحِبُّ أَنْ أُعَمَّرَ حَتَّىٰ أَبلُغَ
في طَاعَةِ رَبّي عُمُرًا طَوِيلًا»، قَالَ: «أَتُحِبُّ ذٰلِكَ؟» فأَجَابَهُ: «نَعَم»،
فقَالَ رَفَائِيلُ u «فَإِنَّ للهِ
عَينًا مِنَ الماءِ تُسَمَّىٰ عَينَ الحَيَاةِ، مَن شَرِبَ مِنهَا شَربَةً طَالَ عُمرُهُ
إِلَىٰ مَا شَاءَ اللهُ»، فقَالَ ذُو القَرنَينِ: «فَهَل تَعلَمُ مَوضِعَهَا؟»
قال: «لَا، غَيرَ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ في السَّمَاءِ أَنَّ للهِ ظُلمَةً في الأَرضِ
لَم يَطَأْهَا إِنسٌ وَلَا جَانٌّ، فنَحنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلكَ العَينَ في تِلكَ
الظُلمَةِ».
فجَمَعَ ذُو القَرنَينِ عُلَمَاءَ
الأَرضِ وسَأَلَهُم عَن عَينِ الحَيَاةِ
فقالوا: «لَا نَعرِفُهَا» قالَ: «فَهَل وَجَدتُم في عِلمِكُم أَنَّ للهِ ظُلمَةً؟»
فقالَ عَالِـمٌ مِنهُم: «لِـمَ تَسأَلُ عَنهَا؟» فأَخبَرَهُ فقالَ: «إِنّي قَرَأْتُ
في وَصِيَّةِ آدَمَ ذِكْرَ هٰذِهِ الظُلمَةِ، وَأَنَّهَا عِندَ مَطلَعِ الشَّمسِ».
فتَجَهَّزَ ذُو القَرنَينِ بِجَيشٍ كانَ حَامِلَ لِوَائِهِ الخَضِرُ u، وسَارُوا
اثنَيْ عَشَرَ عَامًا إِلَىٰ أَن بَلَغُوا طَرَفَ الظُّلمَةِ، فَإِذَا هِيَ لَيسَت
بِلَيلٍ وكانَت تَفُورُ مِثلَ الدُّخَانِ. فاختَارَ ذُو القَرنَينِ مِن عَسَاكِرِهِ
أَلفَيْ فَارِسٍ، ثُمَّ انطَلَقُوا لِلتَّفتِيشِ عَن عَينِ الحَيَاةِ دَاخِلَ
الظُّلمَةِ.
وَجَعَلَ ذو
القَرنَينِ رَايَتَهُم جَوهَرَةً مُضِيئَةً لِكَي يَتبَعُوا نُورَهَا في العَتَمَةِ
حَيثُ سَارَتْ، وَجَعَلَ الرَّايَةَ في مُقَدِّمَتِهِم. فسَارُوا حَتَّىٰ وَصَلُوا إِلَىٰ وَادٍ فَنَزَلَ حَامِلُ
الجَوهَرَةِ فِيهِ، وكَانَ الخَضِرُ في آخِرِ الجَيشِ يَحفَظُهُ مِنَ الخَلْفِ،
فَلَم يَعُدْ يَرَىٰ ضَوءَ الرَّايَةِ، فَتَاهَ عَنِ الجَيشِ وأَخَذَ في البَحثِ
عَنهُم وَهُوَ لَا يَرَىٰ شَيئًا في العَتَمَة. فَوَصَلَ إِلَىٰ مَكَانٍ وَجَدَ فِيهِ
نَفسَهُ عَلَىٰ حَافَّةِ عَينٍ مِن مَاءٍ فنَزَعَ ثِيَابَهُ، فَإِذَا بِالماءِ أَشَدُّ
بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وأَحلَىٰ مِنَ الشَّهدِ، فشَرِبَ مِنهُ وَتَوَضَّأَ واغتَسَلَ
ثُمَّ خَرَجَ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وعَادَ للبَحثِ عَن رِفَاقِه، فكَانَت تِلكَ
العَينُ عَينَ الحَيَاةِ، شَاءَ اللهُ أن يُصِيبَهَا الخَضِرُ u، وأمَا
ذُو القَرنَينِ فَلَم يَحظَ بِالعَينِ بَل أَخطَأَ الطَّرِيقَ في الظُّلمَةِ.
وَقَد حَجَّ ذُو
القَرنَينِ مَاشِيًا مِنَ اليَمَنِ إِلَىٰ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ والتَقَىٰ بِسَيِّدِنَا
إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وطَافَ مَعَهُمَا حَولَ الكَعبَةِ
المُشَرَّفَةِ، وذَبَحَ الذَّبَائِحَ للهِ تَعَالَىٰ، وَدَعَا لَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ
وَأَوصَاهُ بِوَصَايَا، وَجِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ لِيَركَبَهَا فَقَالَ تَأَدُّبًا: «لَا
أَركَبُ في بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ u»، فسَخَّرَ
اللهُ تَعَالَىٰ لَهُ السَّحَابَ وبَشَّرَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ بِذٰلِكَ فكَانَت
تَحمِلُهُ إِذَا أَرَادَ.
وكَانَ مِن أَمرِهِ
رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ اللهَ مَدَّ لَهُ في عُمُرِهِ، ونَصَرَهُ حَتَّىٰ قَهَرَ
البِلَادَ وفَتَحَ المَدَائِنَ، وسَارَ حَتَّىٰ أَتَى المَشرِقَ والمَغرِبَ، فَمَنِ
اتَّبَعَ دِينَ الإِسلَامِ سَلِمَ وإِلَّا فَقَد أَخزَاه. ومِـمَّا أَكرَمَهُ
اللهُ بِهِ مِنَ الكَرَامَاتِ البَاهِرَةِ، أَنْ عَلَّمَهُ مَعَالِـمَ الأَرضِ وآثَارَهَا،
وكَانَ لَدَيهِ فَهْمٌ لِلُغَاتٍ مُختَلِفَةٍ، فكَانَ لَا يَغْزُو قَومًا إِلَّا حَدَّثَهُم
بِلُغَتِهم.
ومِنَ
النِّعَمِ الَّتِي أُعطِيَتْ لَهُ أَنْ سَخَّرَ اللهُ لَهُ نُورًا وظُلمَةً، فكَانَ
إِذَا مَشَىٰ في اللَّيلِ يُنَوَّرُ طَرِيقُهُ ويَكُونُ الظَّلَامُ خَلْفَهُ، وأَحيَانًا
تُسَلَّطُ الظُلمَةُ بِإِذنِ اللهِ عَلَىٰ أَقوَامٍ رَفَضُوا دِينَ الإِسلَامِ وحَاوَلُوا
مُحَارَبَةَ ذِي القَرنَينِ، فتَدخُلُ الظُّلمَةُ أَفوَاهَهُم وبُيُوتَهُم
وتَغشَاهُم مِن جَمِيعِ الجِهَاتِ حَتَّىٰ يَتَرَاجَعُوا.
وهٰذَا ما
حَصَلَ مَعَهُ حِينَ سَارَ ذَاتَ يَومٍ إِلَىٰ مَوضِعٍ في المَغرِبِ حَيثُ تَغرُبُ
الشَّمسُ، فَرَأَىٰ هُنَاكَ قَومًا كَافِرِينَ، قَد ظَلَمُوا وأَجرَمُوا وأَكثَرُوا
الفَسَادَ وسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَهَدَّدَهُم بأَنْ يُعَذَّبُوا بِعَذَابٍ شَدِيدٍ
ويُوضَعُوا في ثِيرَانٍ نُحَاسِيَّةٍ مُحَمَّاةٍ، وبَعدَ مَوتِهِم يَكُونَ لَهُم عَذَابٌ أَكبَرُ
يَومَ القِيَامَةِ إِنْ لَم يُؤمِنُوا، وَإِنْ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَكُونَ
لَهُم النَّعِيمُ الكَبِيرُ
في الجنَّةِ، وأَقَامَ فِيهِم مُدَّةً يَنشُرُ الهُدَىٰ والخَيرَ.
ثُمَّ بَدَا لَهُ
أَنْ يَذهَبَ مِنَ مَغرِبِ الشَّمسِ إِلَىٰ مَشرِقِهَا ومَطلَعِهَا، حَتَّىٰ وَصَلَ
إِلَىٰ أَرضٍ لَيسَ فِيهَا عُمرَانٌ وَلَا جِبَالٌ وَلَا أَشجَارٌ، وَهُنَاكَ
وَجَدَ قَومًا أَمرُهُم عَجِيبٌ، وَهُوَ أَنَّهُم إِذَا طَلَعَتْ عَلَيهِمُ الشَّمسُ
دَخَلُوا في أَنفَاقٍ حَفَرُوهَا في الأَرضِ، هَرَبًا مِن حَرِّ الشَّمسِ القَوِيِّ
اللَّاهِبِ، أَو غَاصُوا في الماءِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمسُ خَرَجُوا واصطَادُوا
السَّمَكَ.
وَمَرَّةً جَاءَهُم
جَيشٌ في اللَّيلِ فقَالُوا لِعَسَاكِرِهِ: لَا تَبقُوا هُنَا لِئَلَّا تَطلُعَ
الشَّمسُ عَلَيكُم، فَقَالَ العَسَاكِرُ: لَنْ نَرحَلَ حَتَّىٰ تَطلُعَ الشَّمسُ،
ثُمَّ التَفَتُوا فوَجَدُوا عِظَامًا كَثِيرَةً، فسَأَلُوا القَومَ عَنهَا فقَالُوا:
هٰذِهِ عِظَامُ جَيشٍ وجُثَثُهُ طَلَعَت عَلَيهِمُ الشَّمسُ مُنذُ وَقتٍ هٰهُنَا
فمَاتُوا، فَوَلَّى الجَيشُ هَارِبًا.
اِنطَلَقَ سَيِّدُنَا
ذُو القَرنَينِ غَازِيًا مُجَاهِدًا مَنصُورًا مُظَفَّرًا، حَتَّىٰ وَصَلَ إِلَىٰ
بِلَادِ مَا بَينَ الجَبَلَينِ، وَهُمَا جَبَلَانِ مُتَقَابِلَانِ عَالِيَانِ أَملَسَانِ،
ويَسكُنُ بَينَهُمَا قَومٌ لَا تَكَادُ تُعرَفُ لُغَتُهُم، قَد جَاوَرُوا قَومًا خُبَثَاءَ
هُم قَومُ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ، وَهُم قَومٌ في الأَرضِ مُفسِدُونَ ضَالُّونَ
مُضِلُّونَ.
وَلَـمَّا رَأَىٰ
أَهلُ مَا بَينَ الجَبَلَينِ أَنَّ ذَا القَرنَينِ مَلِكٌ قَوِيٌ، شَدِيدُ المِرَاسِ،
وَاسِعُ السُّلطَانِ، كَثِيرُ الأَعوَانِ، التَجَأُوا إِلَيهِ طَالِبِينَ مِنهُ أَن
يُقِيمَ سَدًا بَينَهُم وَبَينَ جِيرَانِهِم، يَفصِلَ بِلَادَهُم ويَمنَعَ عَنهُم
عُدوَانَهُم، عَلَىٰ أَن يُعطُوهُ أَجرَهُ، فقَالَ ذُو القَرنَينِ بِعِفَّةٍ وصَلَاحٍ:
«مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي وَأَعطَانِي مِنَ المُلْكِ خَيرٌ لي مِنَ الَّذِي
تَجمَعُونَهُ، وَلٰكِنْ سَاعِدُونِي بِقُوَّةِ عَمَلِكُمْ وَبِآلَاتِ البِنَاءِ لِعَمَلِ
السَّدِ».
فَجَاءُوُهُ
بِقِطَعِ الحَدِيدِ الضَّخمَةِ حَسَبَ طَلَبِه، فكَانَت كُلُّ قِطعَةٍ تَزِنُ قِنطَارًا
أَو أَكثَرَ، فَوَضَعَهَا بَينَ الجَبَلَينِ، الوَاحِدَةُ فَوقَ الأُخرَىٰ مِنَ
الأَسَاسِ، حَتَّىٰ إِذَا وَصَلَ قِمَّةَ الجَبَلَينِ، أَحَاطَ القِطَعَ الحَدِيدِيَّةَ
بِالفَحمِ والخَشَبِ وأَضْرَمَ النَّارَ فِيهَا. وأَمَرَ بالنَّفْخِ عَلَيهَا بِالمَنَافِخِ
حَتَّىٰ تُحَمَّىٰ، ثُمَّ جَاءَ بالنُّحَاسِ المُذَابِ مَعَ الرَّصَاصِ، فَأَفرَغَهُمَا
عَلَىٰ تِلكَ القِطَعِ الحَدِيدِيَّةِ، فَالتَأَمَتْ واشْتَدَّتْ والتَصَقَتْ بِبَعضِهَا،
حَتَّىٰ صَارَتْ سَدًّا شَامِخًا أَملَسَ سَمِيكًا جِدًّا، يَصِلُ ارتِفَاعُهُ
إِلَىٰ مِائَتَينِ وَخَمسِينَ ذِرَاعًا يَصعُبُ الصُّعُودُ عَلَيهِ، إِذْ لَا
نُتُوءَ وَلَا ثُقُوبَ فِيهِ ويَصعُبُ بِالتَّالي ثَقبُهُ.
ولَـمَّا بَنَىٰ ذُو القَرنَينِ
السَّدَّ بِعَونِ اللهِ وتَوفِيقِهِ قَالَ: «هٰذَا رَحمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا
جَاءَ وَعدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعدُ رَبِّي حَقًا»، وَحُجِزَ
قَومُ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ خَلفَهُ، وَقَد أَخبَرَ عَنهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ
أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُم حَتَّىٰ يَلِدَ أَلفًا مِن صُلبِهِ أَو أَكثَرَ، وَسَيَصِيرُ
عَدَدُهُم قَبلَ خُرُوجِهِم كَبِيرًا جِدًّا، حَتَّىٰ إِنَّ البَشَرَ يَومَ القِيَامَةِ
بالنِّسبَةِ لَهُم مِن حَيثُ العَدَدُ
كوَاحِدٍ مِن مِائَةٍ.
ولَم يَثبُتْ مَا
يُروَىٰ أَنَّ آذَانَهُم طَوِيلَةٌ يَنَامُونَ عَلَىٰ وَاحِدَةٍ ويَتَغَطَّونَ بِالأُخرَىٰ
وأَنَّهُم قِصَارُ القَامَةِ. وَهُم يُحَاوِلُونَ اختِرَاقَ السَّدِّ كُلَّ يَومٍ
فَلَا يَستَطِيعُونَ، ويَقُولُونَ بَعدَ طُولِ عَمَلٍ وجُهدٍ: غَدًا نُكمِلُ، فيَعُودُونَ
في اليَومِ القَابِلِ لِيَجِدُوا مَا فَتَحُوهُ قَد سُدَّ، ويَبقَونَ هٰكَذَا يَعمَلُونَ
كُلَّ يَومٍ إِلَىٰ أَنْ يَقُولُوا: غَدًا نُكمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فيَعُودُونَ
في اليَومِ التَّالِي لِيَجِدُوا مَا بَدَأُوا بِهِ قَد بَقِيَ عَلَىٰ حَالِهِ،
فيُكمِلُونَ الحَفرَ حَتَّىٰ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الخُرُوجِ.
ويَكُونُ خُرُوجُهُم
عَلَامَةً مِن عَلَامَاتِ القِيَامَةِ الكُبرَى، حَفِظَنَا اللهُ مِن أَهوَالِهَا. وعَاشَ ذُو القَرنَينِ
مِئَاتِ السِّنِينَ، قِيلَ بَلَغَ عُمرُهُ أَلفَي سَنَة، حَتَّىٰ تَوَفَّاهُ اللهُ
تَعَالَىٰ وَقَد تَزَوَّدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِآخِرَتِهِ بِزَادِ التَّقوَىٰ
والعَمَلِ الصَّالِحِ.
وآخِرُ
دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَىٰ
سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ.