السبت، 28 فبراير 2026

أعظم حقوق الله على عباده هو توحيده / اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء والتوبة

 

أعظمَ حقوقِ اللهِ على عبادِهِ وهوَ توحيدُهُ عزَّ وجلَّ

وقد جاءَ في الحديثِ عنْ مُعاذٍ  قالَ: “كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حمارٍ يقالُ لهُ عُفَير، فقالَ ﷺ «يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِيْ حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوْهُ وَلَا يُشْرِكُوْا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ [أي وعدهم سبحانه إن هم اتقوا أن يثيبهم الجنة ويبعدهم عن النار] أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فقلتُ: يا رسولَ اللهِ أفلا أُبشِّرُ بهِ النَّاسَ؟ قالَ لا تُبشِّرْهُم فيتَّكِلُوا» [صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا]، قال ابن علان: رجَّح ﷺ مصلحة ترك التبليغ لما فيه من الحثّ على الإكثار من صالح العمل على التبليغ لما قد يؤدي إليه من التعطيل.اهـ [دليل الفالحين ج4 ص331].

وعلمنَا مِنْ ذلكَ أَنَّ اللهَ تعالى لا يغفرُ كفرَ الكافرِ إذا ماتَ عليهِ، أما معنى قولِ نوحٍ عليهِ السلامُ لقومِهِ كمَا أخبرَ اللهُ تعالى {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا} [سورة نوح / 10] أيِ اطلبوا مِنَ اللهِ أنْ يغفرَ لكمْ كفرَكُم بالإيمانِ بأنْ تؤمنوا.

الجمعة، 27 فبراير 2026

بعض صفات النبي الجسدية صلى الله عليه وسلم

 

مِمَّا وَرَدَ فِي صِفَاتِهِ الْكَرِيـمَةِ وَشَمَائِلِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ

عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ  قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللهِ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَلا بِالْقَصِيرِ» [معناه فى أقل درجات الطول. صحيح مسلم كتاب الفضائل باب في صفة النبي وأنه كان أحسن الناس وجهًا].

وعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ  قَالَ «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِيَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ»  [المرجع السابق] وَفِى لَفْظٍ ءَاخَرَ عَنْهُ عِنْدَ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِإِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» [المرجع السابق].

الخميس، 26 فبراير 2026

حديث لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

يَقولُ ابنُ أبي عَتيقٍ تَحَدَّثْتُ أنَا والْقَاسِمُ، عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، حَدِيثًا وكانَ القَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً وكانَ لِأُمِّ ولَدٍ، فَقالَتْ له عَائِشَةُ: ما لكَ لا تَحَدَّثُ كما يَتَحَدَّثُ ابنُ أخِي هذا، أما إنِّي قدْ عَلِمْتُ مِن أيْنَ أُتِيتَ هذا أدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وأَنْتَ أدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قالَ: فَغَضِبَ القَاسِمُ وأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ، قدْ أُتِيَ بهَا قَامَ، قالَتْ: أيْنَ؟ قالَ: أُصَلِّي، قالَتْ: اجْلِسْ، قالَ: إنِّي أُصَلِّي، قالَتْ: اجْلِسْ غُدَرُ، إنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: لا صَلَاةَ بحَضْرَةِ الطَّعَامِ، ولَا هو يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ. [وفي رواية]: عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، بمِثْلِهِ ولَمْ يَذْكُرْ في الحَديثِ قِصَّةَ القَاسِمِ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 560 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

التخريج : أخرجه البيهقي (5103) بلفظه، وأبي داود (89)، وأحمد (24270) كلاهما مختصرا.

زكاة الفطر عند الحنفية / مقدار الصاع عند الحنفية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

دار الإفتاء المصرية

مَن أراد أن يخرج زكاة الفطر من البُرِّ أو الزبيب متبعًا مذهبَ الحنفية فيُجزئه كيلوجرام واحدٌ وستمائةٌ وخمسةٌ وعشرون جرامًا (1.625 كجم)، ومَن أراد أن يخرج تمرًا أو شعيرًا فيجزئه ثلاثة كيلو جرامات وربع الكيلو جرام (3.250 كجم).


من المقرر في فقه السادة الحنفية أن مقدار زكاة الفطر: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو دقيقه، أو سَويقه، أو زبيب، أو صاع من تمر أو شعير.

والصاع: هو مكيال لأهل المدينة يسع أربعة أمداد.

والمُدُّ: هو مقدار ملء اليدين المتوسطتين من غير قبضهما، وهو عند الحنفية رطلان بالعراقي.

رؤية أهل الجنة لربهم سبحانه وتعالى بلا كيف ولا جهة ولا تشبيه

 

رُؤْيَةُ اللهِ تَعَالَى بِلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا صُوْرَةٍ وَلَا تَشْبِيْهٍ وَلَا كَميَّةٍ

يجبُ الإيمانُ بالرؤيةِ للهِ تعالى بالعينِ في الآخرةِ بأَنَّها حقٌّ، وهيَ خاصةٌ بالمؤمنينَ، يرونَهُ وَهُمْ في الجنةِ بلا كيفٍ ولا تشبيهٍ ولا جهةٍ نصَّ على ذلكَ الإمامُ أبو حنيفةَ  في كتابِهِ الوصيةِ [ قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله في الوصية: “ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق”اهـ.]، وذكَرَهُ مُلَّاعَلِيٌ القاري في شرحِ الفقهِ الأكبرِ [قال في الفقه الأكبر: “والله تعالى يُرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة”. ا]، أي أَنَّه تعالى لا يكونُ في مكانٍ، إنَّما همْ في مكانِهم في الجنةِ يرونَه رؤيةً لا يكونُ عليهم فيها اشتباهٌ، لا يَشُكُّوْنَ هلِ الذي رَأَوْهُ هوَ اللهُ أم غيرُه، كمَا لا يَشُكُّ مبصِرُ القمرِ ليلةَ البدرِ ليسَ دونَهُ سحابٌ أَنَّ الذي رءاهُ هوَ القمرُ،

الأربعاء، 25 فبراير 2026

حكم عمل الحجامة والفصد للصائم

المطلب الأول: حُكمُ الحِجامةِ للصَّائِمِ
مَن احتجمَ وهو صائِمٌ؛ فقد اختلف فيه أهلُ العِلمِ على قولين:
القول الأول: أنَّ صَومَه لا يَفسُدُ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّة ((الهداية)) للمرغيناني (1/122)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/107)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/330).، والمالكيَّة ((التاج والإكليل)) للمواق (2/441)، وينظر: ((المدونة)) لسحنون (1/270). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وهو قول الثوري... وقال أبو ثور: أحبُّ إليَّ ألَّا يحتجِمَ أحدٌ صائمًا، فإنْ فعَلَ لم يُفطِرْ، وهو باقٍ على صَومِهـ) ((الاستذكار)) (10/129).، والشَّافِعيَّة ((المجموع)) للنووي (6/349)، وينظر: ((الأم)) للشافعي (2/106).


الأدِلَّة منَ السُّنَّة:
1- عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما ((عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه احتجَمَ وهو صائِمٌ )) رواه البخاري (1938) واللفظ له، ومسلم (1202).
2- عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه سُئِل: ((هل كُنتُم تَكرهونَ الحِجامةَ؟ فقال: لا، إلَّا مِن أجلِ الضَّعفِ )) رواه البخاري (1940).
3- عن بعضِ أصحابِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:(( أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عن المُواصَلةِ والحِجامةِ للصَّائِمِ، ولم يُحَرِّمْهما؛ إبقاءً على أصحابِه)) أخرجه أبو داود (2374)، وأحمد (18822)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (8266). صحح إسناده ابن كثير في ((إرشاد الفقيهـ)) (286/1)، وابن حجر في ((فتح الباري)) (4/210)، والعيني في ((عمدة القاري)) (11/101).

تعجيل فدية العاجز عن الصوم من أول الشهر / فدية الصوم / مقدار الصاع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:


فإن كان المريض مرجو الشفاء فلا يجزئه الإطعام، وإنما عليه أن ينتظر حتى يبرأ بإذن الله ثم يقضي تلك الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. { البقرة:184}. وأما إن كان مرضه مما لا يرجى برؤه فعليه فدية إطعام مسكين عن كل يوم أفطره، وأما مقدار الفدية فمد من طعام عند الشافعية، ومد من بر أي قمح أو نصف صاع من غيره عند الحنابلة، والمد 750 جراما تقريبا، ونصف الصاع كيلو ونصف تقريبا.

شهر العمل للآخرة

*أوراقٌ شَعبانيّة 65*

*شهرُ الفُرَصِ الأخرويّةِ*


*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*

1- تسألُني: ماهيّته؟ شهرُ الصّيانة للنَّفْس، والتّرقيق للقلوب، والجَودة والانضباط والاستقامة كما أُمِر العبدُ، وشهرُ فرصة الفُرَص باجتماع الغنيمتين: الغنيمة الرّمضانيّة تصادف في بلادنا الغنيمة الباردة، طال ليلُ القيام، وقصُر نهارُ الصّيام؛ إنّه موعد صوم الخواصّ الصّومَ الكامل عن الحرام.


2- ما سرّه؟ إذا كان سرّ رجب في ليلة الإسراء والمعراج، وسرّ شعبان في ليلة النّصف منه، فسرّ رمضان في ليلة القدْر؛ ففيه الطّبّ والشّفاء، والهناء والصّفاء، والبهاء والضّياء، جبْر للضّعفاء، عطاء للفقراء، سلوة للغرباء، وفرحة للأمّهات والآباء والأبناء.


3- ما أثَره؟ مَغْبوط مَن أدرك رمضان بالتّقوى، وعظّمَ شأنَه، وأظهر شعائره، مَن صام الثّلاثين، وعاش رَجْعَ الحنين، صلّى خمسه، ووصل رحمه، واسترضى خصومه، وأطلق فرحه، وزاد إحسانه، وراعى حُرُم الله، ونال الجائزة الكبرى آخر الشّهر الكريم بالعتق والفوز والرّضا.

تأويل بعض الأحاديث المتشابهة

 

ثانيًا: مِنَ الأَحَادِيْثِ الْمَرْفُوْعَةِ

قولُهُ ﷺ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي ءَادَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». [صحيح مسلم كتاب القدر باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء]

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ: ” أَيْ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيْئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَا يَفُوْتُهُ مَا أَرَادَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالإِصْبِعِ هَهُنَا النِّعْمَةُ. [إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم للقاضي عياض ج 8 ص 142. المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ج 16 ص 174]

وقَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ: ” هَذَا يَسْتَحِيْلُ - أي الاتصاف بالجارحة- عَلَى اللهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ إِلَى قَانُوْنِ التَّأْوِيْل. [المسالك في شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي ج 7 ص 228]

وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: أَيْ بَيْنَ نِعْمَتَيْنِ مِنْ نِعَمِهِ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أُصْبُعٌ، أَيْ أَثَرٌ حَسَنٌ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ نِعْمَةً حَسَنَةَ. [التوضيح بشرح الجامع الصحيح لابن الملقن ج 30 ص 176. ابن الملقن الإمام الفقيه الحافظ ذو التصانيف الكثيرة سراج الدين أبو حفص عمر بن الإمام النحوي نور الدين الأنصاري الشافعي أحد شيوخ الشافعية، ولد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وبرع في الفقه والحديث وصنف فيهما مات في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة.اهـ  طبقات الحفاظ للسيوطي ج1 ص 541].

جدول المقاييس الميل الفرسخ الذراع / المكيال الصاع المد/ الأوزان النقود

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

جدول المقاييس

1- وحدات الأطوال: 

القصبة: 6أذرع أو 3.696م.

الجريب: 100 قصبة أو 3600 ذراعاً هاشمياً أو قدماً مربعاً أو ياردة مربعة أو 1366.0416متراً مربعاً، والقدم: 30.4سم، واليارد الحالي 91.43سم.

الذراع الهاشمي: 32 إصبعاً أو قيراطاً، والإصبع: 1.925 سم، والذراع المصري العتيق: 46.2سم، الذراع المقصود فقهاً هو الهاشمي: 61.2سم.

الباع: 4أذرع، والمرحلة: 12ساعة.

القفيز في الأطوال: 1/10 الجريب أو 136.6متراً مربعاً.

الغلوة "غلوة سهم": 400 ذراع و 184.8متراً، الميل: 4000 ذراع أو 1848 متراً أو 2/1 ساعة أو 1000باع.

والميل البحري الحديث: 1848.32متراً، الفرسخ: 3أميال أو 5544 متراً أو 12000 خطوة، حوالي ½ 1 ساعة، واحد ونصف.

البريد العربي: 4 فراسخ أو 22176 متراً أو 22.176 كم أو حوالي 6 ساعات.

الثلاثاء، 24 فبراير 2026

تهديد قوم إبراهيم له ورده عليهم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

قال الله تعالى {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنعام، ٨١]

قال الطبري رحمه الله في تفسيره 

القول في تأويل قوله : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

قال أبو جعفر: وهذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه من آلهتهم أن تمسَّه، لذكره إياها بسوء في نفسه بمكروه, فقال لهم: وكيف أخاف وأرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم فعبدتموه من دونه، وهو لا يضر ولا ينفع ؟ ولو كانت تنفع أو تضر، لدفعت عن أنفسها كسرِي إياها وضربي لها بالفأس! وأنتم لا تخافون الله الذي خلقكم ورزقكم، وهو القادر على نفعكم وضركم في إشراككم في عبادتكم إياه " ما لم ينـزل به عليكم سلطانًا "، يعني: ما لم يعطكم على إشراككم إياه في عبادته حُجّة, ولم يضع لكم عليه برهانًا, ولم يجعل لكم به عذرًا " فأي الفريقين أحقّ بالأمن "، يقول: أنا أحق بالأمن من عاقبة عبادتي ربّي مخلصًا له العبادة، حنيفًا له ديني،

تأويل بعض الآيات المتشابهات

 

أَمْثِلَةٌ فِي تَأْوِيْلِ الْمُتَشَابِهَاتِ: أولًا مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيْمِ

قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٌ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤ [سورة الزخرف] أَيْ هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِيْنَ، وَهُوَ الْمَعْبُوْدُ فِي السَّمَاءِ مِنْ قِبَلِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَعْبُوْدُ فِي الأَرْضِ مِنْ قِبَلِ الإِنْسِ وَالجِنِّ الْمُسْلِمِيْنَ [التفسير الكبير للرازي ج 14 ص 481].

وقولُه تَعَالَى﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللهُ عَلَيۡهِمۡ ١٣ [سورة الممتحنة] فالغضبُ إذا أُضيفَ إلى اللهِ تعالى يكونُ على معنى إرادةِ الانتقَامِ. [عمدة القاري بشرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ج 2 ص 31]

وقولُه تعالى﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا مُّهِينًا ٥٧ [سورة الأحزاب] ومعناهُ: يؤذونَ رسولَ اللهِ ﷺ والمؤمنينَ .[ تفسير النسفي ج3  ص453]

وقولُه أيضًا ﴿ ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦ [سورة الملك] قَالَ البَيْضَاوِيُّ : يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ. [أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ج 5 ص 230. وهو عبد الله بن عمر بن محمد أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاوي كان إماما صالحا متعبِدا ولي قضاء القضاة بشيراز ودخل تبريز وناظر بها توفي 691هـ.اهـ طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي ج8 ص 157]

وقولُه أيضًا ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٥٤ [سورة الأعراف] أَيْ قَهَرَ العَرْشَ وَحَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ فَيُدَمِّرَ مَا تَحْتَهُ .[التفسير الكبير للرازي ج 14 ص 122]

الاثنين، 23 فبراير 2026

سيدنا محمد الرحمة المهداة

 

مُحَمَّدٌ ﷺ الْرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ

جاءَ وصفُ رسولِ اللهِ ﷺ في القرآنِ أنَّهُ ﴿ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ١٢٨  [سورة التوبة] فاللهُ تعالى رحِمَنا بسيِّدِنا محمَّدٍ ﷺ هذا النبيُّ العظيمُ الذي جعلَهُ ربُّه هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا الى اللهِ بإذنِه سراجًا وهَّاجًا وقمرًا منيرًا، كان أميًّا لا يقرأُ المكتوبَ ولا يكتُبُ شيئا ومع ذلك كان ذا فصاحةٍ بالِغَةٍ، كان ذا نُصْحٍ تامٍّ ورأفةٍ ورحمةٍ ذا شفقةٍ وإحسانٍ يُواسي الفقراءَ ويسعى في قضاءِ حاجةِ الأراملِ والأيتامِ والمساكينِ والضعفاءِ، كان أشدَّ الناسِ تواضُعًا يُحبُّ المساكينَ ويشهَدُ جنائِزَهم، فما أعظمَه مِنْ نبيٍّ وما أحلاها من صفاتٍ عسانَا أنْ نتجمَّلَ بصفاتِهِ الكريمةِ لنكونَ على هديِه ﷺ، هذا النبيُّ العظيمُ الذي بعثه ربُّه رحمةً للعالمينَ ليعلِّمَ الناسَ الخيرَ، ليأمرَهُم بالبِرِّ، وَيُبَيِّنَ لهم شرائعَ الإسلامِ، قالتِ السيدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها  «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، ومَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فيَنَتقِمَ للهِ بها» [صحيح البخاري كتاب المناقب باب صفة النبي ﷺ].اهـ.

الأحد، 22 فبراير 2026

سيدنا يوسف عليه السلام ج1 / طبعة معهدنا

 سَيِّدُنا   يُوسُفُ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولًاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٌ مُّرۡتَابٌ ٣٤ [سورة غافر] .

هُوَ يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ ، قال ﷺ « الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يُوسُفُ بنُ يَعقُوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ » رواه البخاري وغيره(١).



(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ لَقَد كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ[سورة يوسف] عن ابن عمر رضي الله عنهما. ورواه أحمد في مسنده والنسائي في السنن الكبرى والترمذي في جامعه عن أبي هريرة رضي الله عنه.


قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ ٧ [سورة يوسف] وقَد أَعطَى اللهُ سُبحانَهُ نَبِيَّهُ يوسُفَ u شَطرَ الحُسنِ، وقَد أَثنَىٰ عَلَيهِ ووَصَفَهُ بالعِفَّةِ والنَّزَاهَةِ والصَّبرِ والاستِقَامَة، قالَ تعالىٰ ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤ [سورة يوسف].

عَدَدُ المَرّاتِ الّتِي ذُكِرَ فِيهَا u فِي القُرءَان

ذُكِرَ اسمُ يوسُفَ u في القُرءَانِ الكَرِيمِ سَبعًا وعِشرِينَ مَرّةً في سِتٍ وعِشرِينَ ءَايةً، مِنهَا أَربَعٌ وعِشرُونَ آيةً في سُورَةِ يوسفَ، وآيةٌ في سُورَةِ الأَنعامِ وآيةٌ في سُورَةِ غَافِر وقَد مَرَّ ذِكرُهُما، والآيَةُ الّتِي ذُكِرَ فِيهَا مَرَّتَينِ هِيَ ﴿ قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ ٩٠ [سورة يوسف].

السبت، 21 فبراير 2026

افتراء الذنب على الأبرياء/ اتهام بريء بمعصية

قال الله تعالى وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (سورة النساء، 112)

قال الطبري في تفسيره قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يعمل خطيئة، وهي الذنب" أو إثمًا "، وهو ما لا يحلّ من المعصية.

سيدنا يعقوب عليه السلام / طبعة معهدنا

سَيِّدُنا   يَعقُوبُ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تبارك وتعالى ﴿ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤ [سورة الأنعام] وقال تَعَالَىٰ ﴿ فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلًّا جَعَلۡنَا نَبِيًّا ٤٩ وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيًّا ٥٠ [سورة مريم]. هُوَ يَعقوبُ ابنُ نبيِّ اللهِ إِسحَاقَ ابنِ خليلِ اللهِ إِبرَاهِيمَ ، ويَعقُوبُ يُسَمَّىٰ أَيضًا «إِسرَائِيلُ» أَي عَبدُ الله، وهُوَ الَّذِي تَنتَسِبُ إِلَيهِ بَنُو إِسرَائِيلَ، قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالَىٰ ﴿ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَاةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَاةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٣ [آل عمران].

زَوجَاتُ يَعقُوبَ u وبَنُوه

قَالَ أَصحَابُ التَوَارِيخِ إِنَّ يَعقوبَ u وُلِدَ في فِلَسطِينَ أَرضِ الكَنعَانِيِّينَ وشَبَّ في كَنَفِ أَبِيهِ إِسحاقَ، وقَد أَمَرَتهُ أُمُّهُ «رِفقَةُ» أَن يُسَافِرَ إِلَىٰ خَالِهِ لَابَانَ الّذِي كانَ يَسكُنُ بِأَرضِ حَرَّانَ، جَنوبِ شَرقِ مُحافَظَةِ أُورْفَة اليَوم، لِيُقِيمَ عِندَهُ لِأَنّها خافَت عَلَيهِ مِن أَخِيهِ العِيصِ الّذِي تَوَعَّدَهُ وهَدَّدَهُ -عَلَىٰ مَا قِيلَ واللهُ أَعلَمُ-، فسَافَرَ يَعقوبُ u إِلَىٰ خَالِهِ ووَجَدَ عِندَهُ ابنَتَينِ، الكُبرَى اسمُهَا لِيَا أَو لَيْئَةُ والصُّغرَىٰ رَاحِيلُ وكانَت أَجمَلَهُما، فتَزَوَّجَ الكُبرَىٰ وبَعدَ وَفَاتِها تَزَوَّجَ الصُّغرَىٰ، وهٰذَا هُوَ الصَّحِيحُ الثّابِتُ أَنّهُ لَم يَجمَعْ بَينَ الأُختَينِ، معَ أَنّ ذٰلِكَ كانَ جَائِزًا في شَرِيعَتِهِم، ثُمَّ نُسِخَ في شَرِيعَةِ التَّورَاةِ.

الجمعة، 20 فبراير 2026

سيدنا إسحاق عليه السلام / طبعة معهدنا

سَيِّدُنا  إِسْحَاقُ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢ وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣[سورة الصافات] هُوَ سيّدُنا إِسحَاقُ بنُ إِبرَاهِيمَ ، وهو الابنُ الثّاني لِسَيِّدِنا إِبراهِيمَ u. بَعدَ أَن بَلَغَت سَارَةُ سِنَّ اليَأسِ، وهُوَ السِّنُّ الّذِي لَا تَلِدُ المَرأَةُ فِيهِ عَادَةً، وكانَتِ امرأَةً عَقِيمًا، وكَانَ عُمُرُهَا تِسعِينَ سَنَةً وكانَ عُمُرُ سَيّدِنا إِبراهِيمَ u مِائَةً وعِشرِينَ سَنةً، رَزَقَهُما اللهُ تَعَالَىٰ ابنًا نَجِيبًا عَلِيمًا هُو سَيّدُنا إِسحَاقُ u الّذِي صَارَ بعدَ ذٰلِكَ نَبِيًّا كَأَخِيهِ إِسماعِيلَ u.

بِشَارَةُ المَلَائِكَةِ بوِلَادَتِه u

جَاءَ في القُرآنِ الكَرِيمِ خَبَرُ البِشَارَةِ بِهٰذَا الوَلَدِ الطَّيِّبِ وذٰلِكَ في سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، قولُهُ تعالىٰ ﴿ هَلۡ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٌ قَوۡمٌ مُّنكَرُونَ ٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٍ سَمِينٍ ٢٦ فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧ فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨ فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ٢٩ قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠ ﴾ وهٰؤُلَاءِ الضَّيفُ المُكرَمُونَ هُم رُؤَسَاءُ المَلَائِكَةِ الثَّلَاثُ الكِبَارُ جِبرِيلُ ومِيكَائِيلُ وإِسرَافِيلُ .

الخميس، 19 فبراير 2026

سيدنا إسماعيل عليه السلام / طبعة معهدنا

سَيِّدُنا  إِسْمَاعِيلُ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤ وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥ [سورة مريم].

هُوَ إِسمَاعِيلُ بنُ إِبرَاهِيمَ، وهو ابنُ السيدَةِ هَاجَرَ المِصرِيَّةِ الّتِي وَهَبَتها سارَةُ إلىٰ زَوجِها إبراهيمَ، وهو أي سيدُنا إسماعيلُ جَدُّ رسولِ اللهِ مُحمّدٍ ﷺ.

بَعَثَ اللهُ إسماعيلَ نَبِيًّا وَأَرسَلَهُ إِلَى القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي عَاشَ في وَسَطِهَا كَجُرهُمَ وَإِلَى العَمَالِيقِ، وَهُم ذُرِّيَّةُ عِمْلِيقِ بنِ لَاوُذَ بنِ إِرَمَ بنِ سَامٍ، وَأَرسَلَهُ أَيضًا إِلَىٰ أَهلِ اليَمَنِ، فَدَعَاهُم جَمِيعًا إِلَى الإِسلَامِ، إِلَىٰ عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَنَبذِ عِبَادَةِ الأَوثَانِ، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ ١٦٣ [سورة النساء] وهٰذا مِمّا يَدُلُّ علىٰ أنّ دِينَ الأنبياءِ كُلِّهِم واحِدٌ هو الإسلام.

وقَد أَثنَى اللهُ عليهِ ووَصَفَهُ بالحِلْمِ والصَّبرِ وصِدقِ الوَعدِ والمُحافَظَةِ على الصّلاةِ والأَمرِ بِهَا وبالزّكاةِ لِأَهلِهِ لِيَقِيَهُمُ العذابَ، معَ دَعوَتِه u إلىٰ عِبادَةِ الخَالِقِ وَحدَهُ وهو اللهُ سُبحانَه وتعالىٰ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا.

ولادةُ سيّدِنا إسماعِيلَ u وقِصَّةُ مَاءِ زَمزَمَ

لَمّا هاجَرَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ u مِن بِلادِ قَومِه إلىٰ فِلَسطِينَ حَيثُ يتمَكَّنُ مِن طاعَةِ اللهِ وعِبادَتِه والجِهادِ في سَبيلِه واستَقَرَّ بها، سَأَلَ رَبَّهُ أَن يَهَبَهُ أَولَادًا صَالِحِينَ فَقَالَ ﴿ رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠ فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١[سورة الصافات]  رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَىٰ غلامًا حليمًا هو إِسْمَاعِيل، لأنه أوَّلُ مَن وُلِدَ له عَلىٰ رَأسِ سِتٍ وثَمانِينَ سَنةً مِن عُمُرِ إبراهيمَ u.

الأربعاء، 18 فبراير 2026

ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه ... كلام العلماء فيه


قال الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي (1354) من أعيان علماء الازهر:

- ومن الفريق الثاني الذي طمس الله على قلبه وطبع عليه أهل البدع في العقائد والأعمال الذين خالفوا الكتاب والسنة والاجماع فضلوا واضلوا كثيرا قاتلهم الله أنى يؤفكون

.....

وبعدها يقول ومنهم ابن تيمية الذي ألف كتابه المسمى بالواسطة وغيره فقد ابتدع ما خرق به إجماع المسلمين وخالف فيه الكتاب والسنة الصريحة والسلف الصالح واسترسل مع عقله الفاسد وأضله الله على علم فكان إلهه هواه ظنا منه أن ما قاله حق وما هو بالحق وانما هو منكر من القول وزور قال الامام صاحب التصانيف النافعة في كل فن العلامة ابن حجر في فتاواه الحديثية ما نصه:

ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله

سيدنا لوط عليه السلام / طبعة معهدنا

سَيِّدُنا   لُوْطٌ  عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تبارَك وتعالىٰ ﴿ وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣[سورة الصافات] هو لُوطُ بنُ هَارَانَ بنِ تَارَح -هو آزَر- وقَد بَعَثَهُ اللهُ تعالىٰ في زَمَنِ إِبرَاهِيمَ u، وهُوَ ابنُ أَخِيهِ لِأَنّ هارانَ هو أَخو إِبراهِيمَ وناحُور، وكُلُّهم أَولادُ آزَر. ولُوطٌ u مِنَ الأَنبِياءِ والرُّسُلِ الكِرام، وقَد ذَكَرَهُ اللهُ تعالىٰ في القُرءَانِ الكَرِيمِ سَبعًا وعِشرِينَ مَرّة، وقَد ذُكِرَت قِصّتُه معَ قَومِه مُفَصَّلَةً في بَعضِ السُّوَرِ ومُجمَلَةً في سُوَرٍ أُخرَىٰ.

وقد وَرَدَ في وَصفِ لُوطٍ u أنّهُ كانَ رَجُلًا أَبيَضَ حَسَنَ الوَجه، صَغِيرَ الأُذُن، دَقِيقَ الأَنف، طَوِيلَ الأصَابع، جَيِّدَ الثّنَايَا، أَحسَنَ النّاسِ مَضحَكًا إِذَا ضَحِكَ، وأَحسَنَ النّاسِ وأَرزَنَهُم، وأَكثَرَهُم حِكمَةً(١).

ولُوطٌ نبيٌّ أعجَمِيٌّ يَتكَلَّمُ العِبرِيّةَ والسُّريَانِيّة، واسمُه أَعجَمِيٌّ لَيسَ عَرَبِيًّا ولَيسَ لَهُ في العَربِيّةِ جَذْرٌ، فانتَفَى اشتِقَاقُه مِنَ اللِّوَاط، بَل إنّ اللِّوَاطَ كَلِمَةٌ عَرَبِيّةٌ جَذرُها لَاطَ يَلُوطُ لِوَاطًا، بمعنى التَصَقَ بِه وأَصلُهُ مِنَ اللُّصوقِ، ثُمَّ أُطلِقَ علىٰ فِعلِ شُذُوذِ الرِّجالِ لالتِصَاقِهِما، وما مِن شَكٍّ أنّ أنبياءَ اللهِ تعالىٰ مُنَزَّهُونَ عَن الفُحشِ والفَوَاحِش، ولَا يَلِيقُ بِمَنصِبِهِم أَن يَكُونَ اسمُ أَحَدِهِم مُشتَقًّا مِن لَفظٍ مَعنَاهُ خَبِيث.

وقد صدَّقَ لُوطٌ بدَعوَةِ عَمِّهِ إبراهيمَ عليهما الصلاة والسلام، وآمَنَ بِه واهتَدَىٰ بهَديِهِ واستَنَّ بسُنَّتِه، قالَ اللهُ تعالىٰ في القرءَان ﴿ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦ [سورة العنكبوت].



(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، عن كعب الأحبار. 

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

سيدنا الخضر عليه السلام / ذو القرنين رضي الله عنه / طبعة معهدنا

 

سَيِّدُنا  الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَام

هو بَلْيَا بنُ مَلْكَانَ بنِ فَالَغَ بنِ عَابَرَ -وقِيلَ غَابِرِ- بنِ شَالَخَ بنِ قَيْنَانَ بنِ أَرْفَخْشَذَ بنِ سامٍ، وَعَلَىٰ هٰذَا يَكُونُ مَولِدُهُ قَبلَ مَولِدِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِu، لِأَنَّ الخَضِرَ يَكُونُ ابنَ عَمِّ جَدِّ إِبرَاهِيمَ u. وَقِيلَ هُوَ الخَضِرُ بنُ آدَمَ مِنْ صُلبِهِ. وقِيلَ هُوَ خَضرُونُ بنُ قَابِيلَ بنِ آدَمَ. وَأَمَّا كُنيَتُهُ فَأَبُو العَبَّاسِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَىٰ بُقعَةٍ مِنَ الأَرضِ بَيضَاءَ لَا نَبَاتَ فِيهَا فَإِذَا هِيَ تَهتَزُّ وتَنقَلِبُ تَحتَهُ خَضرَاءَ نَضِرَةً، وأَينَمَا صَلَّىٰ فَإِنَّ الأَرضَ تَخضَرُّ حَولَهُ كَرَامَةً لَهُ، وهُوَ أَطوَلُ النَّاسِ عُمُرًا.

إِنَّ الخَضِرَ u نَبِيٌّ كَرِيمٌ مُعَمَّرٌ، أَي عُمرُهُ طَوِيلٌ، كَانَ يَعِيشُ بَينَ البَشَرِ ثُمَّ جَعَلَ اللهُ تَعَالَىٰ لَهُ الماءَ كَأنَّهُ أَرضٌ، فَهُوَ يَعِيشُ إِلَى الآنَ في البَحرِ عَلَىٰ وَجهِ الماءِ وَحدَهُ مُنفَرِدًا، وَهُوَ مَحجُوبٌ عَنِ الأَبصَارِ. وَقَد يَأتي إِلَىٰ مَكَانٍ وَلَا يَرَاهُ إِلَّا شَخصٌ وَاحِدٌ مِن بَينِ الحَاضِرِينَ، كَمَا ظَهَرَ ذٰلِكَ في قِصَّتِهِ مَعَ مُوسَىٰ عَلَيهِما السَّلَامُ عِندَمَا كانَا عَلَىٰ ظَهْرِ السَّفِينَةِ، فاللهُ حَجَبَ أَعيُنَ النَّاسِ عَنهُ، فَلَا يَرَاهُ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ لَهُ ذٰلِكَ كَأَكَابِرِ الأَولِيَاءِ وَغَيرِهِم.

مِمَّا رُوِيَ في سَبَبِ طُولِ عُمُرِ سَيِّدِنَا الخَضِرِ أَنَّ آدَمَ u لَـمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ جَمَعَ بَنِيهِ فَقَالَ: «يَا بَنِيَّ، إِنَّ اللهَ سَيُنْزِلُ عَلَىٰ أَهلِ الأَرضِ عَذابًا»، وأَخبَرَهُم أَنَّ طُوفَانًا سَيَقَعُ بِالنَّاسِ، وأَوصَاهُم إِذَا كَانَ ذٰلِكَ أَنْ يَحمِلُوا جَسَدَهُ مَعَهُم في السَّفِينَةِ، وأَن يَدفِنُوهُ في غَارٍ عَيَّنَهُ لَهُم قُربَ بِلَادِ الشَّام، فَكَانَ جَسَدُهُ مَعَهُم، وتَنَاقَلَ الأَبنَاءُ عَنِ الآبَاءِ هٰذِهِ الوَصِيَّةَ، حَتَّىٰ بَعَثَ اللهُ نوحًا u، وقَبلَ أَن يَحدُثَ الطُّوفَانُ حَمَلَ نوحٌ جَسَدَ آدَمَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ، وغَرِقَتِ الأَرضُ زَمَانًا.

فَنَزَلَ نُوحٌ بِأَرضِ بَابِلَ وأَوصَىٰ بَنِيهِ الثَلَاثَةَ، سَامًا وحَامًا ويَافِثَ، أَن يَذهَبُوا بِجَسَدِ آدَمَ u إِلَى الغَارِ الَّذِي أَمَرَهُم أَن يَدفِنُوهُ فِيهِ فقَالُوا: «الأَرضُ وَحشِيَّةٌ لَا أَنِيسَ بِهَا ولَا نَهتَدِي لِطَرِيقٍ، ولٰكِنْ لِنَنتَظِرَ حَتَّىٰ يَعظُمَ النَّاسُ ويَكثُرُوا»، فقَالَ لَهُم نُوحٌ: «إِنَّ آدَمَ قَد دَعَا اللهَ تَعَالَىٰ أَنْ يُطِيلَ عُمُرَ الَّذِي يَدفِنُهُ إِلَىٰ يَومِ القِيَامَةِ»، فَلَم يَزَلْ جَسَدُ آدَمَ مِن جِيلٍ إِلَىٰ جِيلٍ حَتَّىٰ كَانَ الخَضِرُ u هُوَ الَّذِي تَوَلَّىٰ دَفنَهُ، فأَنجَزَ اللهُ مَا وَعَدَهُ فَهُوَ يَحيَا مَا شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَحيَا.

وَهُنَاكَ قَولٌ آخَرُ في سَبَبِ طُولِ عُمُرِ الخَضِرِ u، وَهُوَ أَنَّ ذَا القَرنَينِ الأَكبَرَ، وَاسمُهُ الصَّعبُ بنُ الحَارِثِ وقِيلَ الصَّعبُ بنُ ذِي مَرائِدَ، وَهُوَ أَشهَرُ التَّبَابِعَةِ الَّذِينَ هُم مُلُوكُ اليَمَنِ، وَكَانَ مُسلِمًا مِن أَولِيَاءِ اللهِ الصَّالِحينَ، وَكَانَ سَيِّدُنَا الخَضِرُ u وَزِيرَهُ وعَلَىٰ مُقدِّمَةِ جَيشِهِ، وقَد مَلَّكَهُ اللهُ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ وآتَاهُ مُلْكًا وَاسِعًا.

وَكَانَ لِذِي القَرنَينِ صَدِيقٌ مِنَ المَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُ رَفَائِيلُ u، يَزُورُهُ بَينَ الحِينِ وَالآخَرِ، فَبَينَمَا هُمَا يَتَحَادَثَانِ ذَاتَ يَومٍ، قَالَ لَهُ ذُو القَرنَينِ: «حَدِّثنِي كَيفَ عِبَادَتُكُم للهِ تَعَالَىٰ في السَّمَاءِ»، فقَالَ رَفَائِيلُ: «إِنَّ في السَّمَاءِ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ إِلَىٰ يَومِ القِيَامَةِ، يقولونَ رَبَّنَا مَا عَبَدنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِك» اعتِرافًا بِعَظَمَةِ الله، فَبَكَىٰ ذُو القَرنَينِ وقَالَ: «يَا رَفَائِيلُ، إِنّي أُحِبُّ أَنْ أُعَمَّرَ حَتَّىٰ أَبلُغَ في طَاعَةِ رَبّي عُمُرًا طَوِيلًا»، قَالَ: «أَتُحِبُّ ذٰلِكَ؟» فأَجَابَهُ: «نَعَم»، فقَالَ رَفَائِيلُ u «فَإِنَّ للهِ عَينًا مِنَ الماءِ تُسَمَّىٰ عَينَ الحَيَاةِ، مَن شَرِبَ مِنهَا شَربَةً طَالَ عُمرُهُ إِلَىٰ مَا شَاءَ اللهُ»، فقَالَ ذُو القَرنَينِ: «فَهَل تَعلَمُ مَوضِعَهَا؟» قال: «لَا، غَيرَ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ في السَّمَاءِ أَنَّ للهِ ظُلمَةً في الأَرضِ لَم يَطَأْهَا إِنسٌ وَلَا جَانٌّ، فنَحنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلكَ العَينَ في تِلكَ الظُلمَةِ».

فجَمَعَ ذُو القَرنَينِ عُلَمَاءَ الأَرضِ وسَأَلَهُم عَن عَينِ الحَيَاةِ فقالوا: «لَا نَعرِفُهَا» قالَ: «فَهَل وَجَدتُم في عِلمِكُم أَنَّ للهِ ظُلمَةً؟» فقالَ عَالِـمٌ مِنهُم: «لِـمَ تَسأَلُ عَنهَا؟» فأَخبَرَهُ فقالَ: «إِنّي قَرَأْتُ في وَصِيَّةِ آدَمَ ذِكْرَ هٰذِهِ الظُلمَةِ، وَأَنَّهَا عِندَ مَطلَعِ الشَّمسِ». فتَجَهَّزَ ذُو القَرنَينِ بِجَيشٍ كانَ حَامِلَ لِوَائِهِ الخَضِرُ u، وسَارُوا اثنَيْ عَشَرَ عَامًا إِلَىٰ أَن بَلَغُوا طَرَفَ الظُّلمَةِ، فَإِذَا هِيَ لَيسَت بِلَيلٍ وكانَت تَفُورُ مِثلَ الدُّخَانِ. فاختَارَ ذُو القَرنَينِ مِن عَسَاكِرِهِ أَلفَيْ فَارِسٍ، ثُمَّ انطَلَقُوا لِلتَّفتِيشِ عَن عَينِ الحَيَاةِ دَاخِلَ الظُّلمَةِ.

وَجَعَلَ ذو القَرنَينِ رَايَتَهُم جَوهَرَةً مُضِيئَةً لِكَي يَتبَعُوا نُورَهَا في العَتَمَةِ حَيثُ سَارَتْ، وَجَعَلَ الرَّايَةَ في مُقَدِّمَتِهِم. فسَارُوا حَتَّىٰ وَصَلُوا إِلَىٰ وَادٍ فَنَزَلَ حَامِلُ الجَوهَرَةِ فِيهِ، وكَانَ الخَضِرُ في آخِرِ الجَيشِ يَحفَظُهُ مِنَ الخَلْفِ، فَلَم يَعُدْ يَرَىٰ ضَوءَ الرَّايَةِ، فَتَاهَ عَنِ الجَيشِ وأَخَذَ في البَحثِ عَنهُم وَهُوَ لَا يَرَىٰ شَيئًا في العَتَمَة. فَوَصَلَ إِلَىٰ مَكَانٍ وَجَدَ فِيهِ نَفسَهُ عَلَىٰ حَافَّةِ عَينٍ مِن مَاءٍ فنَزَعَ ثِيَابَهُ، فَإِذَا بِالماءِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وأَحلَىٰ مِنَ الشَّهدِ، فشَرِبَ مِنهُ وَتَوَضَّأَ واغتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وعَادَ للبَحثِ عَن رِفَاقِه، فكَانَت تِلكَ العَينُ عَينَ الحَيَاةِ، شَاءَ اللهُ أن يُصِيبَهَا الخَضِرُ u، وأمَا ذُو القَرنَينِ فَلَم يَحظَ بِالعَينِ بَل أَخطَأَ الطَّرِيقَ في الظُّلمَةِ.

وَقَد حَجَّ ذُو القَرنَينِ مَاشِيًا مِنَ اليَمَنِ إِلَىٰ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ والتَقَىٰ بِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وطَافَ مَعَهُمَا حَولَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ، وذَبَحَ الذَّبَائِحَ للهِ تَعَالَىٰ، وَدَعَا لَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ وَأَوصَاهُ بِوَصَايَا، وَجِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ لِيَركَبَهَا فَقَالَ تَأَدُّبًا: «لَا أَركَبُ في بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ u»، فسَخَّرَ اللهُ تَعَالَىٰ لَهُ السَّحَابَ وبَشَّرَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ بِذٰلِكَ فكَانَت تَحمِلُهُ إِذَا أَرَادَ.

وكَانَ مِن أَمرِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ اللهَ مَدَّ لَهُ في عُمُرِهِ، ونَصَرَهُ حَتَّىٰ قَهَرَ البِلَادَ وفَتَحَ المَدَائِنَ، وسَارَ حَتَّىٰ أَتَى المَشرِقَ والمَغرِبَ، فَمَنِ اتَّبَعَ دِينَ الإِسلَامِ سَلِمَ وإِلَّا فَقَد أَخزَاه. ومِـمَّا أَكرَمَهُ اللهُ بِهِ مِنَ الكَرَامَاتِ البَاهِرَةِ، أَنْ عَلَّمَهُ مَعَالِـمَ الأَرضِ وآثَارَهَا، وكَانَ لَدَيهِ فَهْمٌ لِلُغَاتٍ مُختَلِفَةٍ، فكَانَ لَا يَغْزُو قَومًا إِلَّا حَدَّثَهُم بِلُغَتِهم.

ومِنَ النِّعَمِ الَّتِي أُعطِيَتْ لَهُ أَنْ سَخَّرَ اللهُ لَهُ نُورًا وظُلمَةً، فكَانَ إِذَا مَشَىٰ في اللَّيلِ يُنَوَّرُ طَرِيقُهُ ويَكُونُ الظَّلَامُ خَلْفَهُ، وأَحيَانًا تُسَلَّطُ الظُلمَةُ بِإِذنِ اللهِ عَلَىٰ أَقوَامٍ رَفَضُوا دِينَ الإِسلَامِ وحَاوَلُوا مُحَارَبَةَ ذِي القَرنَينِ، فتَدخُلُ الظُّلمَةُ أَفوَاهَهُم وبُيُوتَهُم وتَغشَاهُم مِن جَمِيعِ الجِهَاتِ حَتَّىٰ يَتَرَاجَعُوا.

وهٰذَا ما حَصَلَ مَعَهُ حِينَ سَارَ ذَاتَ يَومٍ إِلَىٰ مَوضِعٍ في المَغرِبِ حَيثُ تَغرُبُ الشَّمسُ، فَرَأَىٰ هُنَاكَ قَومًا كَافِرِينَ، قَد ظَلَمُوا وأَجرَمُوا وأَكثَرُوا الفَسَادَ وسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَهَدَّدَهُم بأَنْ يُعَذَّبُوا بِعَذَابٍ شَدِيدٍ ويُوضَعُوا في ثِيرَانٍ نُحَاسِيَّةٍ مُحَمَّاةٍ، وبَعدَ مَوتِهِم يَكُونَ لَهُم عَذَابٌ أَكبَرُ يَومَ القِيَامَةِ إِنْ لَم يُؤمِنُوا، وَإِنْ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَكُونَ لَهُم النَّعِيمُ الكَبِيرُ في الجنَّةِ، وأَقَامَ فِيهِم مُدَّةً يَنشُرُ الهُدَىٰ والخَيرَ.

ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَذهَبَ مِنَ مَغرِبِ الشَّمسِ إِلَىٰ مَشرِقِهَا ومَطلَعِهَا، حَتَّىٰ وَصَلَ إِلَىٰ أَرضٍ لَيسَ فِيهَا عُمرَانٌ وَلَا جِبَالٌ وَلَا أَشجَارٌ، وَهُنَاكَ وَجَدَ قَومًا أَمرُهُم عَجِيبٌ، وَهُوَ أَنَّهُم إِذَا طَلَعَتْ عَلَيهِمُ الشَّمسُ دَخَلُوا في أَنفَاقٍ حَفَرُوهَا في الأَرضِ، هَرَبًا مِن حَرِّ الشَّمسِ القَوِيِّ اللَّاهِبِ، أَو غَاصُوا في الماءِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمسُ خَرَجُوا واصطَادُوا السَّمَكَ.

وَمَرَّةً جَاءَهُم جَيشٌ في اللَّيلِ فقَالُوا لِعَسَاكِرِهِ: لَا تَبقُوا هُنَا لِئَلَّا تَطلُعَ الشَّمسُ عَلَيكُم، فَقَالَ العَسَاكِرُ: لَنْ نَرحَلَ حَتَّىٰ تَطلُعَ الشَّمسُ، ثُمَّ التَفَتُوا فوَجَدُوا عِظَامًا كَثِيرَةً، فسَأَلُوا القَومَ عَنهَا فقَالُوا: هٰذِهِ عِظَامُ جَيشٍ وجُثَثُهُ طَلَعَت عَلَيهِمُ الشَّمسُ مُنذُ وَقتٍ هٰهُنَا فمَاتُوا، فَوَلَّى الجَيشُ هَارِبًا.

اِنطَلَقَ سَيِّدُنَا ذُو القَرنَينِ غَازِيًا مُجَاهِدًا مَنصُورًا مُظَفَّرًا، حَتَّىٰ وَصَلَ إِلَىٰ بِلَادِ مَا بَينَ الجَبَلَينِ، وَهُمَا جَبَلَانِ مُتَقَابِلَانِ عَالِيَانِ أَملَسَانِ، ويَسكُنُ بَينَهُمَا قَومٌ لَا تَكَادُ تُعرَفُ لُغَتُهُم، قَد جَاوَرُوا قَومًا خُبَثَاءَ هُم قَومُ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ، وَهُم قَومٌ في الأَرضِ مُفسِدُونَ ضَالُّونَ مُضِلُّونَ.

وَلَـمَّا رَأَىٰ أَهلُ مَا بَينَ الجَبَلَينِ أَنَّ ذَا القَرنَينِ مَلِكٌ قَوِيٌ، شَدِيدُ المِرَاسِ، وَاسِعُ السُّلطَانِ، كَثِيرُ الأَعوَانِ، التَجَأُوا إِلَيهِ طَالِبِينَ مِنهُ أَن يُقِيمَ سَدًا بَينَهُم وَبَينَ جِيرَانِهِم، يَفصِلَ بِلَادَهُم ويَمنَعَ عَنهُم عُدوَانَهُم، عَلَىٰ أَن يُعطُوهُ أَجرَهُ، فقَالَ ذُو القَرنَينِ بِعِفَّةٍ وصَلَاحٍ: «مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي وَأَعطَانِي مِنَ المُلْكِ خَيرٌ لي مِنَ الَّذِي تَجمَعُونَهُ، وَلٰكِنْ سَاعِدُونِي بِقُوَّةِ عَمَلِكُمْ وَبِآلَاتِ البِنَاءِ لِعَمَلِ السَّدِ».

فَجَاءُوُهُ بِقِطَعِ الحَدِيدِ الضَّخمَةِ حَسَبَ طَلَبِه، فكَانَت كُلُّ قِطعَةٍ تَزِنُ قِنطَارًا أَو أَكثَرَ، فَوَضَعَهَا بَينَ الجَبَلَينِ، الوَاحِدَةُ فَوقَ الأُخرَىٰ مِنَ الأَسَاسِ، حَتَّىٰ إِذَا وَصَلَ قِمَّةَ الجَبَلَينِ، أَحَاطَ القِطَعَ الحَدِيدِيَّةَ بِالفَحمِ والخَشَبِ وأَضْرَمَ النَّارَ فِيهَا. وأَمَرَ بالنَّفْخِ عَلَيهَا بِالمَنَافِخِ حَتَّىٰ تُحَمَّىٰ، ثُمَّ جَاءَ بالنُّحَاسِ المُذَابِ مَعَ الرَّصَاصِ، فَأَفرَغَهُمَا عَلَىٰ تِلكَ القِطَعِ الحَدِيدِيَّةِ، فَالتَأَمَتْ واشْتَدَّتْ والتَصَقَتْ بِبَعضِهَا، حَتَّىٰ صَارَتْ سَدًّا شَامِخًا أَملَسَ سَمِيكًا جِدًّا، يَصِلُ ارتِفَاعُهُ إِلَىٰ مِائَتَينِ وَخَمسِينَ ذِرَاعًا يَصعُبُ الصُّعُودُ عَلَيهِ، إِذْ لَا نُتُوءَ وَلَا ثُقُوبَ فِيهِ ويَصعُبُ بِالتَّالي ثَقبُهُ.

ولَـمَّا بَنَىٰ ذُو القَرنَينِ السَّدَّ بِعَونِ اللهِ وتَوفِيقِهِ قَالَ: «هٰذَا رَحمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعدُ رَبِّي حَقًا»، وَحُجِزَ قَومُ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ خَلفَهُ، وَقَد أَخبَرَ عَنهُم رَسُولُ اللهِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُم حَتَّىٰ يَلِدَ أَلفًا مِن صُلبِهِ أَو أَكثَرَ، وَسَيَصِيرُ عَدَدُهُم قَبلَ خُرُوجِهِم كَبِيرًا جِدًّا، حَتَّىٰ إِنَّ البَشَرَ يَومَ القِيَامَةِ بالنِّسبَةِ لَهُم مِن حَيثُ العَدَدُ كوَاحِدٍ مِن مِائَةٍ.

ولَم يَثبُتْ مَا يُروَىٰ أَنَّ آذَانَهُم طَوِيلَةٌ يَنَامُونَ عَلَىٰ وَاحِدَةٍ ويَتَغَطَّونَ بِالأُخرَىٰ وأَنَّهُم قِصَارُ القَامَةِ. وَهُم يُحَاوِلُونَ اختِرَاقَ السَّدِّ كُلَّ يَومٍ فَلَا يَستَطِيعُونَ، ويَقُولُونَ بَعدَ طُولِ عَمَلٍ وجُهدٍ: غَدًا نُكمِلُ، فيَعُودُونَ في اليَومِ القَابِلِ لِيَجِدُوا مَا فَتَحُوهُ قَد سُدَّ، ويَبقَونَ هٰكَذَا يَعمَلُونَ كُلَّ يَومٍ إِلَىٰ أَنْ يَقُولُوا: غَدًا نُكمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فيَعُودُونَ في اليَومِ التَّالِي لِيَجِدُوا مَا بَدَأُوا بِهِ قَد بَقِيَ عَلَىٰ حَالِهِ، فيُكمِلُونَ الحَفرَ حَتَّىٰ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الخُرُوجِ.

ويَكُونُ خُرُوجُهُم عَلَامَةً مِن عَلَامَاتِ القِيَامَةِ الكُبرَى، حَفِظَنَا اللهُ مِن أَهوَالِهَا. وعَاشَ ذُو القَرنَينِ مِئَاتِ السِّنِينَ، قِيلَ بَلَغَ عُمرُهُ أَلفَي سَنَة، حَتَّىٰ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَىٰ وَقَد تَزَوَّدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِآخِرَتِهِ بِزَادِ التَّقوَىٰ والعَمَلِ الصَّالِحِ.

وآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَىٰ سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ.