السبت، 27 يوليو 2024

الكتاب / المطالعة/ واكتاباه

*تأمَّل (146) واكِتاباهُ*

             

                بسم الله الرّحمٰن الرّحيم


1- الكتابُ النّافع في بُعْدٍ من أبعاده الثّقافيّة هو ذاك النّصّ المشوّق الأثير الّذي يدور حول قضيّة إنسانيّة مفيدة.. الكتاب ذو مكانة في حياة الإنسان عندما يجعله حرًّا يعاين حيواتٍ متعدّدة، في سبيل أن يكون مثقّفًا طُلَعةً أَرِيبًا، بغضّ النّظر عن الشّهادات الأكاديميّة المعلّبة في زمن سرعة التّعليم والجامعات التّجاريّة. 


2- في المقلِب الآخر، ثمّة أزمةٌ كبرى عاشها ويعيشها الكتاب النّافع خير جليس والصّديق النّاصح الصّامت، وهي الضّياع واللّامبالاة من دهماء النّاس وغوغائهم عندما يقع الكتاب/المكتبة في أيديهم المثقوبة، إمّا رميًا في الشّارع يقارب شبه التّلف، وإمّا بيعًا إلى صغار التّجّار المبعثرين لها على غير نظامٍ، وإمّا ضنًّا بها ودفنًا لها في غياهب الزّوايا ومجاهل الخبايا، بدل إهدائها إلى المكتبات المتخصّصة، والجامعات المهتمّة، وتضمينها للمتاحف العامّة المفتوحة للمَلَأ مِلْءَ العين والبصر.


3- الكتاب النّافع ذاكرةٌ، فكرةٌ، مرآةٌ صادقةٌ، سميرٌ مسلٍّ، رفيقُ سفرٍ، روضةٌ غنّاء، متعةٌ لا توصف؛ بَيْد أنّ هذا نسبيٌّ، فالمغول (التّتار) صيّروا نهرَي دجلة والفرات في بغداد أسودين من حبر آلاف الكتب الّتي رموها فيهما؛ كنوزًا ضائعةً على اختلاف الفنون وألوان العلوم، في همجيّةٍ وحشيّةٍ تصادميّةٍ مع الثّقافة الإنسانيّة والحضارة العلميّة. 


4- العلوم تراكميّةٌ، من هنا وهناك وهنالك، تعاونٌ بين الشّعوب والأمم، واعترافٌ بمدنيّة الكائن البشريّ، وحاجته للآخر، لرفع مداميك الحضارة الإنسانيّة، والسّير بهذه الإنجازات العلميّة في منسلك عمارة الأرض بالنّافعات، بعزيمة المحاول المجرّب المتأمّل، بلا كلالٍ ولا ملالٍ، في مضاءٍ عمره آلاف السّنوات… والكتاب هو الرّقيم الحافظ لهذه العلوم وراقةً ثمّ طباعةً، بعد مرورها بمرحلة الحفظ الذّهنيّ، والكتابةِ على العظام وورق الشّجر والصّخور ونحوها.


5- لماذا في القرن الحادي والعشرين، في زمن العولمة والشّابكة (إنترنت) وما يسمّى الألواح الإلكترونيّة الذّكيّة، في ثورة التّقانة الحديثة… لماذا أكبر مكتبةٍ في الدّنيا هي مكتبة "الكونغرس" الأميريكيّ؟ وأكبر مكتبةٍ في لبنان مكتبة الجامعة الأميركيّة؟ مخطوطًا ومطبوعًا، قديمًا وجديدًا، آدابًا وعلومًا، ورقيًّا وإلكترونيًّا؟!… لأنّهم يعرفون أهمّيّة الكتاب والمكتبة والكتّاب والكتابة، والأثر الكبير في سيرورة النّجاح والتّميّز.


6- للمكتبة آجالٌ، كما النّفوس والسّيوف… وكلّنا مطالبون بأن نطيل أعمارها بحسن التّنظيم والتّنميط والتّكييف، ومن ذلك ــ برأيي أقول ــ أن يعمد صاحب الكتب وجامعها ومتعهّدها إلى إهدائها بعد مماته؛ وَقْفًا ملزمًا إلى جامعةٍ أو مكتبةٍ حريصتين أمينتين، حالةَ تيقّنه أنّ أولاده (ورثته) غير ضنينين بهذه الثّروة المعرفيّة، وخصوصًا عند وجود الكتب النّادرة، والحوليَّات الثَّمينة، لتكون هذه الكتب النَّافعة المفيدة صدقةً جاريةً، ونفعًا عامًّا يعيش دهورًا متطاولةً.


7- الكتاب النّافع توأم الرّوح، مؤنس الخلوة، منير الظّلمة، مُكْسِب الأصدقاء، جناحا طائرٍ، سندباد المغامرات، وابن جبيرٍ وابن بطّوطة لاكتشاف العجائب والغرائب، وخليلٌ لطيفٌ غير مزعجٍ.. هكذا ينبغي أن نراه ونعيش معه… من دون نسيان أنّ العلمَ بالتّلقّي، لا بمجرّد مطالعة الكتب.


8- ليس الكتاب النّافع مجرّد ترفٍ اجتماعيٍّ ثقافيٍّ، ولا منوّمًا آخر اليوم، ولا خروجًا من منطلق الزّهق… لا، الكتاب الورقيّ تارةً، والإلكترونيّ تارةً أخرى، على حسب التّوفّر والتّوفير الماليّ، في الزَّمان والمكان المناسبين، حاجةٌ ملحّةٌ، ومدخلٌ للثّقافة، ومكمّلٌ للمعرفة، ونافذةٌ على الماضي، ومباشرةٌ للواقع، واستشرافٌ للمستقبل.


9- المطالعة نَهَمٌ، كالخبز لا يملّ إلى نهاية العمر، لا يُستحى به، والمطالعة لذّةٌ ملحّة في كلّ حالٍ، في حضرٍ وسفرٍ، وليلٍ ونهارٍ، وسرّاء وضرّاء، وفراغٍ وشغلٍ… طورًا من كتابٍ ورقيٍّ، وطورًا آخر من كتابٍ إلكترونيٍّ مدفوع الثّمن على الهاتف أو الحاسوب، وطورًا ثالثًا من رسائل التّواصل الاجتماعيّ والشّابكة (إنترنت)… والمطالع النّجيب مُطالَبٌ بتخيّر الأولويّات، والآداب، والمُبهِر، مع أنّ القارئ المتبحّر يمخر عباب كلّ الاتّجاهات والعصور، لعدم حصر المعرفة في مكانٍ معيّنٍ، باختصاصٍ وحيد.


*تأمّل... لقد عرفتَ أنّك في دنيا المِحَن والإحَن والشّواغل والمغريات، ولن تجد وقتًا للمطالعة الهادفة، فاجعلْ لها وقتًا رغم الرّغم؛ وكما أنّ مفتاح البطن لقمةٌ، فإنّ البدء بقراءة أوّل الكتاب شَغَفٌ وتشويقٌ وانبهارٌ، وقد قيل: "العَتَبةُ نصفُ الطّريق".*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم