*تأمَّل (160) مفاتيح المعرفة*
بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم
1- الكتاب النّافع مفتاح من مفاتيح المعرفة، والكتب كالنّاس، ولقد انتخلتُ الكتبَ المشوّقة... فقرأتُ بنَهم "رحلة ابن جُبير" الرّحّالة المشهور، رحمه الله؛ فقد أخذني معه إلى بلدان عجيبة، وعرّفني عادات غريبة، وطاف بي برًّا وبحرًا... حتّى لَكأنّني ألمس الجدران والأسوار والأبواب، وأسمع صوت الباعة والخطباء والمنادين بأوامر السّلطان، وأرى الوجوه والأسواق والقصور. إنّه كتاب شائق موسوعيّ مميّز، أمطرني علمًا واطّلاعًا وإضافةً.
2- إعطاء وقت للمطالعة النّافعة ثقافة تتربّى عليها الأجيال، غير أنّنا نفتقدها في الآونة الأخيرة في كثير من بلادنا العربيّة، إذْ طال الأمد بُعدًا، وكثُر سمك الغبار على كثير من المصنّفات، فصرنا بحاجة إلى أن نسجّلها صوتيًّا، وأن نعمل لبعضها سيناريو وحوارًا لتصير أفلامًا ومسرحيّات مرئيّة، في زمن الأكل والبُطْل والكسل، وعصر النّوم واللّهو والسّهو.
3- القراءة تكون على فترات، لكنّ الذي لا يجد وقتًا فلْيَنتخبْ موعدًا صباحيًّا أو مسائيًّا للقراءة، يقرأ ابتداءً المشوّق المبهر حتّى يألف القراءة ويتعوّدها، ولا يقرأ قبل النّوم نعِسًا، ولا عند الجوع مشتّتًا، ولا في وقت التّوتّر والانشغال متجهّمًا... ليجد نفسه بعد أمَد هاربًا من هموم الدّنيا وانشغالاتها، إلى أُنْس الكتاب النّافع ودفئه وأخباره وحواراته.
4- إهمال المطالعة وصل إلى حدود هجر كتاب الله عند كثيرين، فلا يسمع ولا يتعلّم ولا يقرأ، ويحرم نفسه متعة النّظر إلى القرآن الكريم، ويفوّت على قلبه حلاوة قراءة آيات الذّكر الحكيم، ويضيّع على آخرته مضاعفات أجر تلاوة حروف النّور المُبين.
5- الكتاب الإلكترونيّ اليومَ بديلٌ عمليّ مستقبليّ، صديق للبيئة، خفيف الحمل، رخيص الثّمن، عالي التّقنيّة، سهل التّصنيف، عنكبوتيّ الاتّصال، مبهر للنّظر... لكن مع كل ذلك لم ولن يستطيع أن يكون بديلًا كلّيًّا من الكتاب الورقيّ المطبوع المخدوم، برائحته، وصفرته، وملمسه؛ مُعينًا على الحفظ، مساعدًا على التّلقّي، ضابطًا للنّصّ، موائمًا للعين، قريبًا من القلب.
6- الكتاب النّافع جليس صامتٌ طورًا، وناطقٌ طورًا آخر، بمعنًى من المعاني، يسكت حين تريد، وينطق حين تفتح له المجال، يحدّثك بطريقة مكثّفة على لسان الآخَر الّذي بذل فكره حروفًا على ورق، ليقرأه الملايين، مرارًا وتكرارًا، ولتتناقله الأجيالُ هديّةً وإرثًا، ولينتشر بسرعة الضّوء في ليل أَلْيَل.
*تأمّل في كثير من النّاس وكثير من الكتب... موت النّاس وبقاء الكتاب، نوم النّاس وسهر الكتاب، عُجْمة النّاس وبلاغة الكتاب، تسرّع النّاس ودقّة الكتاب.. واعلم أنّ أصدق كتاب هو الّذي يخبرك بالحقّ والحقيقة، والصّدق والمعلومات الدّقيقة، بلا نفاق وتدليس ومواربة، وأصدقُه كتابُ الله تعالى.*
*وهذه آخر مقالة (السّتّون بعد المئة) في سلسلة "تأمّل"؛ إفساحًا في المجال لتسلك طريقها إلى الطّباعة والنّشر، بفضل الله الكريم، وليحلّ محلّها سلسلة "أوراق شعبانيّة" في موضوعات مهمّة، وقضايا ساخنة، وانطباعات شخصيّة، بإذن الله تعالى.*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم