*تأمَّل (148) الوَدَاع الصَّعْب*
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم
1- يا مكّة،... يا أقدس بقعة في الدّنيا.. ماذا تفعلين بقلبي؟! ذوّبتني تباريحُ الأشواق.. أشتاقك من بعيد.. ومن قريب..! يا كعبة البهاء.. يا بيت الله.. يا قِبلة القلوب.. أيُّ أنسٍ فيك يا بهيّة! أعظِمْ بك نهرًا دفّاقًا من نور الأنبياء الّذين طافوا بك! وكلّما زرتُك استعرت نيران الهيام فيك والصّبابة بك.. كم أنا في حنين لمعانقتك ستارًا وجدارًا! وكم خبّأت من دموع حرّى لمرآك! اقترب اللّقاءُ يا حبيبة.
2- هنا مهبِط الوحي، هنا مدارج النّبوّة، هنا عاش كثير من الأنبياء، هنا الحرَم، وهنا ولد نبي آخر الزّمان، في سوق اللّيل على مقربة من المسجد الحرام، وهنا ترعرع، وشبّ، في شعاب مكّة وبطاحها، حتّى فَجَأه الملَك في شقّ الغار المطلّ على الكعبة، ليحمل الرّسالة إلى العالَمين.
3- تظنّ أيّها المُكثِر من الحجّ والعمرة أنّك تعوّدتَ رؤية الكعبة وألِفتَ ذلك.. لكنّ الحقيقة أنّها تتحلّى مرّة بعدَ مرّة في عينيك.. إنها الشّمس الّتي حلّت نورًا في كلام الله الّذي يزيّن سواد كعبة مهيبة.. يا أيّتها الجميلة.. أنتِ شعيرة من شعائر ديننا الحنيف.. وخير دليل على عزّة الإسلام وصفاء جوهره.. بالطّوّافين حولك، والبكّائين عند بابك، والمستلمين لحَجَرك، والمصلّين في حِجْرك وخلف مقام إبراهيم عليه السّلام، والدّاعين تحت ميزابك، والقاصدين إليك من كلّ بقاع الأرض..
4- في مكّة.. تنطلق في أداء العمرة، تُحْرِم من أدنى الحِلّ وتدخل في النُّسُك، وتقول مترجمًا بلسانك صفاءَ صميم قلبك: "لبّيك اللّهمّ لبّيك".. وتهمّ بدخول المسجد الحرام.. تمسك قلبك بيديك.. يضجّ من الفرح.. تخاف أن يغادر قفصه.. تعود إلى أصل فطرتك.. تستحضر كلّ ذكرياتك السّعيدة مع الكعبة الّتي نشأت عليها منذ وعيت الكلام.. ها أنا أمامَها: ما أكرمَك يا الله! وما أبهى الطّهارة فيها! وما يزال النّاس يدعون الله: اللّهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبِرًّا... والله يستجيب. هل يوجد بناء في هذه الدّنيا له هذه الهيبة.. يا من زرتم الأهرام وسور الصّين والحدائق المعلّقة والقصور والأبراج والمعابد والأبنية الفنّيّة الحديثة؟!
5- في أمّ القرى تتنازعك المشاعر: أَمِنَ العمرات أُكثر؟ أم من لزوم الكعبة والصّلاة فيها؟ أم من تتبّع المشاهد والمزارات في مكة وما حواليها؟... عرفة ومزدلفة ومِنى ومشهد إسماعيل عليه السّلام، وجبلَي حِراء وثور، ومكان ولادة النّبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام، ومقبرة المعلّاة (خديجة بنت خويلد وأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزّبير رضي الله عنهم)، ومساجد الجنّ والشّجرة والبيعة، ومقام عبد الله بن عمر وميمونة بنت الحارث رضي الله عنهما، والحديبية، والجِعرانة... ويا هَناكَ هُناك إن بارك الله لك وقتَك، ورفع همَّتَك، وجمعتَ بينها كلّها!
6- ما أجمل المطر في المدينة! يَغْسل القبّة الخضراء.. ويغسل غبار القلوب.. ويُخرج رائحة تراب المدينة.. ويخرج أجمل ما في النّفْس؛ هناءةً وسعادةً وبسمةً وطِيبةً! ما أبهى المآذن الّتي تغتسل رؤوسها الهلاليّة بخير مبارك من غيث السّحاب الهَتُون.. وكأنّها الألطاف الموصولة بين السّماء والأرض! ما أجمل الماء يتجمّع في طرقات المدينة كأنّه السّواقي تتعمّد أن تغوص فيه، لعلّه صادف ترابًا مشى عليه رسولُ الله.. أو من فرط الحبّ تتعامل مع موسم الشّتاء المَدينيّ ببساطة الطّفولة الرّجعيّة، في حنين يسافر بك إلى أيّام العصر الذّهبيّ، في فترة حياة النّبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام وصحابته الكرام.
7- في رحاب المدينة بين لابَتَيها... أنت على موعد مع النّور، في مشهد مكرور، هو الصّلاة في المسجد النّبويّ، وزيارة النّبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام؛ مسلّمًا عليه وداعيًا اللهَ عندَه.. هنا صفاء عجيب، وهناء صعب على الوصف، وجمال متراكم سهل منساب.. في كلّ تفصيل تجد نفسك بإذن الله قريبًا من رسول الله وصحابته الأكارم.. في البقيع... ومساجد الجمعة وقُباء (بئر أَرِيس) والغمامة والقِبلتين والدّرع والمستراح ومصبّح (بني أُنَيف) والإجابة، ومساجد العيد، وبئر أنس، وسقيفة بني ساعدة، وشقّ جبل أحُد ومسجد الفَسْح، وشهداء أُحُد وسيّدهم حمزة، ومزرعة بئر عثمان، ومسجد الفتح وبقية المساجد السّبعة، وكهف بني حرام ومسجدهم، ومسجد جابر بن عبد الله، وواديَي العَقِيق وبَطْحان، وبستان المستظلّ وبئر عِذْق، وبستان العُصْبة ومسجد النّور وبئر الهَجِيم، وبستان سلمان الفارسيّ وبئره، وآبار غَرْس والسُّقْيا والعِهْن (اليَسِيرة)، وثنيّات الوداع... وعلى مقربة من المدينة عند بئرَي الرَّوحاء والشّفاء، ومسجد العَرِيش وموقعة بدر وشهدائها وجبل الملائكة...
*تأمّل كبكبة من الشّباب والشّابّات... كيف يستقبلون الكعبة ببكاء الفرح الممزوج بالرّهبة المحاط بالدّهشة.. وكيف يودّعونها كأنّهم يفارقون عزيزًا غاب عنهم تحت الثّرى توًّا.. ما أصعب أن ينسلخ قلبك من قربها.. وأن ينفصل حبل نور عينيك عن بهائها! والعزاء لهم جميعًا أنّهم دعوا الله ألّا يجعل هذا آخر العهد بها، وقرأوا هذه الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}*[القصص: 85].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم