الجمعة، 12 يوليو 2024

لماذا هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم

*أوراق شَعبانيّة 2*

*لماذا هاجر محمّد عليه الصّلاة والسّلام؟*


*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*


هي أعظم هجرة في التّاريخ.. فجرٌ ما له غُروب، بَزَغَ هدايةً على الأمّة الإسلاميّة، فأشرقت بالحقّ القلوب، وأنارت بالرّشاد الدّروب.. 

الهجرةُ حدث عظيم، فصل مُهمّ في كتاب السّيرة النّبويّة، وفي موسوعة التّاريخ الإنسانيّ، لا يُتغاضى عنها؛ وليس من قليل أنّ علماءنا الأقدمين وأجدادنا الماضين انتقوا من دين الإسلام أعظم المناسبات للاحتفال والاحتفاء وأخذ الفِكَر والعِبَر، لتجديد العهد مع سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام؛ ومن ذلك: المولد، والإسراء والمعراج، والهجرة، وبدْر، والفتح، والنّصف، ورمضان، وليلة القدْر، إضافةً إلى العيدين.

والمناسبات الإسلاميّة متتالية، موزّعة على كلّ العام، حتّى تكون الأمّة على وصال دائم مع كتاب السّيرة النّبويّة العطرة.  

فما الّذي استدعى النّبيّ الصّابر المُصابر، أن يكون المُفارق المُهاجر، لقريته وقبيلته، ومرتَع طفولته، وميدان شبيبته، وربوع أربعينيّاته وخمسينيّاته؟ وما الحافز ليتنادى جميع الأصحاب هجرةً إلى الله ورسوله، حيثما كانوا، على حسب الاستطاعة والضّرورة، ليجتمعوا معًا في مدينة واحدة، ضمن المؤاخاة الإسلاميّة، مهاجرين وأنصارًا، في أفضل مجتمع في تاريخ البشريّة.

رجلٌ (خير النّبيّين) وصاحبُه (خير الأصحاب) ودليلٌ لهما (عبد الله بن أُرَيقِط).. يهاجرون من خير منطلَقٍ مكّة المكرّمة، إلى خير مُهاجَرٍ المدينة الزّهراء؛ إيذانًا وإعلامًا، بتبدّل مقاييس، وتحوّل شعوب، وزوال إمبراطوريّات ودُول، وانقراض طقوس، وصلاح أحوال، وانبجاس حضارة عظيمة، تعمّ مشارق الأرض ومغاربها وشمائلها وجنائبها، بالخير المديد، عقيدة التّوحيد.

خرج ليلًا بهيبة الأنبياء من داره، وهو يعلم أنّ سيوفًا أربعين بانتظاره، بينما كان يقرأ فواتح سورة يـٰس غشيهم النّعاس فوضع شيئًا من التّراب على رؤوسهم، ليعلموا أنّه منصور من الله، وانطلق مع صاحبه في أخطر رحلة، يطلبه فيها عشرات قطّاع الطّرق وقفّائي الأثر، طمعًا بالجائزة المغرية، مئة ناقة. 

لقد جاء الإذن والأمر ممّن له الحُكْم والحكمة عزّ وجلّ، بعد عدّة مفاصل في تاريخ الدّعوة المحمّديّة:

1- بعد هجرتين صغيرتين ناجحتين إلى الحبشة، جاء دور الهجرة الكبيرة، برًّا وبحرًا... بالأرواح والأجساد. 

2- بعد توطئة الدّعوة النّاجحة الّتي قام بها السّفير الأوّل في هذه الأمّة مصعب بن عُمير رضي الله عنه، عقب بيعتَي العقبتين، إذ لم يترك دارًا من دُور المدينة إلّا وأدخل إليها الإسلام، وآمن على يديه كُبَراء القوم من قبيلتَي الأوس والخزرج؛ صارت الأرض خصبة لاستقبال الحبيب عليه الصّلاة والسّلام وبقيّة أصحابه الكرام.

3- بعد استفحال الأذى على المسلمين والخناق، إلى درجة قتل الأصحاب والتّنكيل بهم؛ صار الأمرُ لا يُطاق بحال.

4- بعد موت أبي طالب وخديجة بنت خويلد رضي الله عنها في عام واحد (عام الحَزَن)، تجرّأت قريش على حفيدِ سيّدها التّاريخيّ عبد المطّلب بن هاشم؛ فلم يعُد هناك حامٍ حقيقيّ يمنع غدرَهم. 

5- بعد التَّخطيط لأخبث محاولة اغتيال في التّاريخ، في مؤامرة تشاركت فيها أربعون قبيلة، وتعاون فيها كفّار الإنس والجنّ؛ وكان إعلانًا لاحتمال حرب أهليّة في مكّة، حيث تظاهر جميع المشركين عليه علانيةً.

6- بعد انسداد أُفُق الدّعوة في مكّة، فقد آمن مَن آمن، وكفر مَن كفر؛ انتقلت الدّعوة إلى آفاق جديدة.

7- بعد كلّ أنواع الحروب على دعوة النّبيّ الخاتم: العقائديّة، والنّفسيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسّياسيّة، والطّبقيّة، والسّرّيّة، والعلنيّة... وقريبًا ستأتي الحروب العسكريّة، والتّحالفات مع القبائل العربيّة، والإمبراطوريّات الأجنبيّة، وينبغي للمسلمين أن يستعدّوا لها.

8- بعد تعثّر قيام دولة الإسلام في مكّة، كان هناك بُدٌّ من وجود مدينة حاضنة لتأسيس كيان قويّ تنطلق منه مواكب النّور في كلّ اتّجاه، تدعو إلى كلمة لا إلـٰه إلّا الله.


*هاجر المصطفى عليه الصّلاة والسّلام ليكون لنا دِين على أساس متين.*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم