السبت، 6 يوليو 2024

فضل العلم / فضل العلماء

⚡️ *تعلموا العلمَ فبالعلمِ يشرُفُ الوضيعُ وينبَّه الخاملُ ويعلو الأرقاءُ على مراتبِ أهل الدنيا*


📆 في سنةِ سبعٍ وتسعينَ للهجرةِ وفَدَ الحُجَّاجُ مشاةً وركبانًا شيوخًا وشبانًا رجالًا ونساءً، فيهمُ الأسودُ والأبيضُ والعربيُّ والعجميُّ والسيد، قدِمُوا جميعًا إلى المسجدِ الحرامِ خاشعينَ لله ملبّينَ راجينَ مؤمِّلينَ.

وهذا *سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ* من خلفاءِ بني أميةَ الذي أخرجَ الخلافةَ مِن أولادِه وعهدَ بها للخليفةِ الزاهدِ *عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ* رضي الله عنه، كانَ يطوفُ بالبيتِ العتيقِ مكشوفَ الرأسِ حافيَ القدمينِ ليسَ عليه إلا إزارٌ ورداءٌ، شأنُه في ذلكَ كشأنِ بقيةِ رعاياهُ، وكانَ مِن خَلْفِه ولداه وهما غلامانِ كطلعةِ البدرِ بهاءً وكأكمامِ الوردِ نضارةً وطيبًا، وما إنِ انتهى مِن طوافِه حتَّى مالَ على رجلٍ مِن خاصّتِه وقالَ: أين صاحبُكم فقالَ: إنه هناكَ يصلي، وأشارَ إلى الناحيةِ الغربيةِ مِن المسجدِ الحرامِ فاتَّجه هو وولداه إلى حيثُ يجلسُ *عطاءُ بنُ أبي رباحٍ التابعيُّ الجليلُ رضي الله عنه*، وأرادَ معاونو الخليفةِ وخاصتُه أن يفسِحوا له الطريقَ ويدفعُوا عنه أذَى الزحامِ فنهاهُم عن ذلكَ وقال: *هذا مقامٌ يستوي فيه الملوكُ والسُّوقَةُ ولا يفضُلُ فيه أحدٌ أحدًا إلا بالقبولِ والتقوى ورُبَّ أشعثَ* [أي متلبدِ الشعر] *أغبر* [تكاثرَ عليهِ الغبارُ] *قَدِم على الله فتقبَّله بما لم يتقبلْ به الملوكَ*. ثم مضَى سليمان نحوَ عطاءٍ رضي الله عنه فوجدَه ما يزالُ داخلًا في صلاتِه غارقًا في ركوعِه وسجودِه والناسُ جلوسٌ وراءَه عن يمينِه وشمالِه فجلسَ حيثُ انتهى بهِ المجلسُ وأجلَسَ معه ولدَيه، وانتهى الإمامُ مِن صلاتِه ومالَ بشقِّه أي بطرفِه على الجهةِ التي فيها الخليفةُ فحيّاهُ *سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ* فردَّ التحيةَ بمثلِها وأقبلَ عليه الخليفةُ وجعلَ يسألُه عن مناسكِ الحجِّ منسكًا منسكًا وهو يفيضُ بالإجابةِ ويُفصِّل القولَ فيها تفصيلًا ويُسندُ كلَّ قولٍ بقولِه إلى رسولِ اللهِ، ولما انتهى الخليفةُ مِن المسائلِ قالَ له: جزاكَ اللهُ خيرًا.

فقامَ الثلاثةُ نحوَ المسعى وسمعُوا مناديًا ينادي: لا يفتي الناسَ في هذا المقامِ إلا *عطاءُ بنُ أبي رباحٍ* فإن لم يوجدْ *فعبدُ اللهِ بن أبي نُجَيحٍ*.

فقال الولدانِ لأبيهما: *كيفَ يأمرُ عاملُ الخليفةِ الناسَ بأن لا يستفتوا أحدًا غيرَ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ وصاحبِه وقد جئنا نستفتي هذا الرجلَ الشيخَ الحبشيَّ الأسودَ البشرةِ مفلفلَ الشعرِ الذي لم يأبَه للخليفةِ؟*

فقال عندَها سليمانُ لولدِه: *هذا الذي رأيتَه يا بنيَّ ورأيتَ ذلَّنا بين يديهِ هو عطاءُ بنُ أبي رباحٍ صاحبُ الفتيا في المسجدِ الحرامِ ووارثُ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في هذا المنصبِ الكبيرِ ثم أردفَ يقول: يا بنيَّ تعلموا العلمَ فبالعلمِ يشرُفُ الوضيعُ وينبَّه الخاملُ ويعلو الأرقاءُ على مراتبِ الملوكِ.*

ولم يكنْ سليمانُ مبالغًا في ما قالَ في شأنِ العلمِ فقد كانَ *عطاءُ بنُ أبي رباحٍ* في صغرِه عبدًا مملوكًا لامرأةٍ مِن أهل مكة، غيرَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أكرمَ الغلامَ الحبشيَّ بأن وضعَ قدميهِ منذ نعومةِ أظفارِه في طريقِ العلمِ فقسَّم وقتَه أقسامًا ثلاثةً: قسمٌ جعلَه لسيدتِه يخدمُها فيه أحسنَ ما تكونُ الخدمةُ ويؤدي لَهَا حقوقَها عليه أكملِ ما تؤدَّى الحقوقُ، وقسمٌ جعلَه لربِّه يفرُغُ فيهِ لعبادتِه أصفَى ما تكونُ العبادةُ وأخلصها للهِ تعالى، وقسمٌ جعلَه لطلبِ العلمِ حيثُ أقبلَ على ما بقيَ حيًا مِن صحابةِ رسولِ اللهِ وطفقَ ينهلُ مِن مناهلِهم الغزيرةِ الصافيةِ فأخذَ عن *أبي هريرةَ وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ وعبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ* وغيرِهم مِن الصحابةِ الكرامِ رضوانُ اللهِ عليهم حتَّى امتلأَ صدرُه علمًا وفقهًا وروايةً عن رسولِ اللهِ، ولما رأتِ السيدةُ المكيةُ أنَّ غلامَها قد باعَ نفسَه للهِ تعالى وعكَفَ على طلبِ العلمِ، تخلَّت عن حقِّها فيه وأعتقَت رقبتَه تقربًا إلى اللهِ عز وجلَّ لعلَّ اللهُ ينفعُ به الإسلامَ والمسلمينَ ومنذُ ذلك اليومِ اتخذَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ البيتَ الحرامَ مقامًا له، فجعلَه دارَه التي يأوي إليها ومدرستَه التي يتعلمُ فيها ومصلاهُ الذي يتقربُ فيه إلى اللهِ بالتقوى والطاعةِ.


🖥 *لفتة الكبد إلى نصيحة الولد (الدرس الثامن)*

shaykhwaleed.com/projects/لفتة-الكبد-إلى-نصيحة-الولد-الدرس-الثام/


#علم_الدين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم