قال الذهبي: سيبويه إمام النحو حجة العرب أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ثم البصري. وقد طلب الفقه والحديث مدة ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يدرك شأوه فيه، وقيل: عاش اثنتين وثلاثين سنة.اهـ سير أعلام النبلاء للذهبي ج 7 ص 583، وقال الزبيدي: “سيب”: تفاح و”ويه”: رائحته فكأنه رائحة تفاح، وأصل التركيب تفاح رائحة؛ لأن الفرس وغيرهم عادتهم تقديم المضاف على المضاف إليه غالبا، وقيل كان جميلا لذلك لقبوه “سيبويه “.اهـ تاج العروس للزبيدي ج3 ص84.
يقولُ سيبويهِ في كتابِه الذي يُسمَّى “الكتابَ”: “اللهُ أعرفُ المعارِفِ “اهـ لأنَّ كلَّ شىءٍ دليلٌ على وجودِه، فلا شىءَ معروف يشهدُ بوجودِه كلُّ شىءٍ إلا اللهُ، وقد رُؤِيَ سيبويهِ بعد موتِه فقيلَ له ما فعَلَ اللهُ بك؟ قالَ: غَفَرَ لي بقولي: “اللهُ أعرُف المعارِفِ.
ذلك أن الأسماء عند اللغويين قسمان: معارف ونكرات، المعارف عند علماء النحو على مراتب وهي ستة على قول أغلب اللغويين، فأعرف المعارف قال سيبويه: “الله “. قال الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل للألفية باب النكرة والمعرفة: واعلم أن لفظ الجلالة “الله” أعرف المعارف إجماعًا. اهـ.
*تأمَّل (149) اللهُ أَعْرَفُ المَعَارِفِ*
بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم
1- ربّما يظنّ الواحدُ للوهلة الأولى أنّ اسمه من مرادفات علم النّحو العربيّ.. فإذا سمعتَ اسمَه استحضرتَ قوّةَ العربيّة وقواعدها، فضلَ الأوّلين في ما نحنُ فيه من علوم وفنون، جلَدَهم وصبرهم وجهدهم وسهرهم وسفرهم، في سبيل تقعيد اللّغة وتشذيبها وتهذيبها وترتيبها وتبويبها، وبناء مداميكها لبنةً لبنةً، لتكون صرحًا يُعجِب النّاظرين والسّامعين؛ خدمةً لكتاب الله تعالى.
2- لم يُسعفه عمره (اثنان وثلاثون عامًا) أن يضع اسمًا لكتابه، ولا أسماء لأبوابه، ولا أن يراجعه، ولا أن يُقرئه غيرَه، ولا أن ينسخه، ولا أن يناقشه مع أحد من العلماء. وتوفّي صغيرًا، ولعلّ في جعبته كنوزًا أخرى يريد أن يخرجها للمَلَأ مِلْءَ عين الزّمن، والله أعلمُ لو عاش أكثر ماذا كان قدّم للعربيّة؟!
3- إن كان للنّحو قِبلة فهو الّذي يَتوجّه إليه كلُّ مستقبل لعلوم القواعد العربيّة، حتّى قيل في من أراد دراسة كتابه: "هل ركبتَ البحر؟!"، لِما فيه من دقائق المسائل وجيّدها، وحقائق الجواهر في أصدافها.
4- ليس أوّل مَنْ ألّف وصنّف وجمع وشرح في النّحو، بَيْدَ أنّه الإمام.. جيّد التّأليف، حسن التّصنيف.. طلبَ الفقه والحديث فترة، ثمّ تفرّغ للعربيّة فساد وشاد.. كان في لسانه حُبْسة، وعلمه أبلغ من لسانه، ولم تمنعه أعجميّته من أن يكون ملِكًا على عرش العربيّة في عصره إلى يومنا هذا. تعلّق من كلّ علم بسبب، وضرب من كلّ أدب بسهم. ومن فهم كتابه لا يحتاج إلى غيره، وكلّ كتُب النّحو عِيال عليه.. ويتجلّى ذكاؤه في أمثلته.
5- سِيْبَوَيْهِ (148 - 180هـ) بطلُ العربيّة، عمرو بن عثمان أبو بِشْر، تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيديّ وأبي الخطّاب الأخفش الكبير، ولد وتوفّي في بلاد فارس (إيران حاليًّا)، ونشأ في البصرة، في أيّام الدّولة العبّاسيّة. ومن أشهر من تلمذ على يديه: أبو الحسن الأخفش الأوسط، وقُطْرُب. وتعني سيبويه في الفارسيّة رائحة التّفّاح، ولعلّه لجمال وجهه.
6- رُوي أنّ سيبويه كان يستملي على حَمَّاد بن سلمة شيئًا، فصاح به: "لحنتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنّما هو استثناء"، فقال سيبويه: "لا جَرَم، واللهِ لأطلبنَّ علمًا لا تُلَحِّنَنِّي فيه أبدًا". ولزم الخليلَ كظلّه، وكان الزّائر الذي لا يملّ منه الخليلُ. وتنوّعت ثقافته النّحويّة وأخذ عن أكثر من عالِم.
7- إنّ المنتقدين لسيبويه أصحابُ نزعة شعبويّة متعصّبة، بزعم أنّ سيبويه فارسيّ لا يستطيع القيام بهذا العلم العربيّ، وأنّ ما في كتابه نقولاتٌ عن أستاذه الخليل باعتراف سيبويه نفسِه، وأنّ الكتاب لم يُجمَع ولم يُقرأ حالَ حياته، وأنّ فصول الكتاب مكتفية بذكر المضمون بلا عناوين.
8- ذكَر العلماءُ أنّ سيبويه رُئِيَ في المنام بعد موته، فسُئِل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي لقولي: "اللهُ أعرَفُ المعارفِ غنيٌّ عن التّعريف". وهذه العبارة الطّيّبة نُقلت عنه من مرويّاته، وليست في كتابه "الكتاب". وأجمَعَ علماء العقيدة والفقهاء وغيرهم على موافقة سيبويه، أنّ لفظ الجلالة "الله" أعرف المعارف؛ فكلّ ما في العالَم دليل على وجود الله.
9- لفظ الجلالة "الله": اسمٌ، عَلَمٌ على الذّات الواجب الوجود، المستحقّ لجميع المحامد، وهو أشهر أسمائه تعالى، وهو اسم الله الأعظم، الّذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، إذا وُجد شرطُه وهو التّقوى؛ ولذا قبض الله تعالى عنه الألسن، فلم يتسَمَّ به أحد غير الخالق سبحانه وتعالى، ولم يَجْسُرْ أحد من المخلوقين على أن يتسمّى به، ذلك أنّه من الأسماء الخاصّة بربّ الوجود.
10- قال الله تعالى: *﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾* [مريم: 65]؛ هل تعلم أحدًا من المخلوقات سُمِّيَ الله؟ والاستفهام بمعنى النّفي؛ فالله ليس له مثيل وعديل وشبيه ونظير ونديد وشريك وكُفْء. وقال الله تعالى: *﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾* [الأعراف: 180]. وأسماء الله جميلة تدلّ كلّها على كماله جلّ وعزّ وتعالى وتبارك.
11- اسمُ "الله".. دالّ على الذّات الإلـٰهيّ، الجامع لجميع صفات الكمال اللّائقة به، والمنزّه عن أيِّ صفة من صفات النّقصان في حقّه. وهو أعظم أسماء الله الحسنى، وأفضل كلمة في اللّغة العربيّة، حتّى إنّ أسماء الله كلّها تُضاف إليه، وتُعرَّف به، فيقال: الرّحمـٰن الرّحيم من أسماء "الله"، والقدّوس والسّلام من أسماء "الله"، ولا يقال عادةً: "الله" من أسماء الرّحمـٰن.
*تأمَّلْ في هذا الكتاب الّذي ما زال حيًّا مرجعًا ومقصدًا للنُّحاة إلى يومنا هذا.. تأمّل كيف كتب اللهُ البروزَ والشّهرة لهذا الكتاب الوحيد الفريد، تأليف هذا العالِم الفذّ الذي مات شابًّا.. تأمّل في ما ترك أجدادُنا وساداتُنا وقاداتُنا وعلماؤنا من أثر طيّب.. وعند الله لا يضيع شيء.. فاعتبِرْ واقتدِ.. وانظرْ آثار سرّ الإخلاص في العمل.*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم