قال الزركشي في رسالته (معنى لا إلله إلا الله)
قول (لا إله إلا الله) قدّر فيه الأكثرون خبر (لا) محذوفًا فقدّر بعضُهم "الوجود" وبعضهم "لنا" وبعضهم "بحق" قال لأن آلهة الباطل موجودة في الوجود كالوثن والمقصود نفي ما عدا "إله الحق".
ونازع فيه بعضهم ونفى الحاجة إلى قيد مقدّر محتجًا بأن نفي الماهية من غير قيد أعم من نفيها بقيد.
والتقدير أولى جريًا على القاعدة العربية في تقدير الخبر وعلى هذا فالأحسن تقدير الأخير لما ذُكر ولتكون الكلمة جامعة لثبوت ما يستحيل نفيه ونفي ما يستحيل ثبوته.
وقال: قول لا إله إلا الله أي على هذه الصيغة الخاصة الجامعة بين النفي والإثبات ليدل على حصر الإلهية لله تعالى فإن الجمع بين النفي والإثبات أبلغ صيغ الحصر وقد ثبت العلم الضروري بالاكتفاء بهذه الكلمة الشريفة في إثبات التوحيد لله تعالى من غير نظر إلى واسطة بين النفي والإثبات ولا انضمام لفظ آخر إليه.
وقال والحق أن خطاب المكلفين بهذه الكلمة الشريفة وتكليفهم إياها ليس إلا لإثبات إلهية الله تعالى وحده لاكتفاء الشارع بها من غير اعتبار لفظ زائد عليها.
قال الحليمي في شعب الإيمان ج1 ص186-187
وأثبت باسم الإله الإبداع معا إذا كانت الإلهية لا تصير مثبتة له تعالى بإضافة الموجودات إليه على.... ومعنى انه سبب لوجودها دون أن يكون فعلا وصنعا، ويكون لوجودها بإرادته واختياره تعلق، وبإضافته فعل يكون منها فيها سوى الإبداع إليه مثل التركيب والنظم والتأليف.
فإن الأبوين قد يكونان سببا لولد على بعض الوجوه، ثم لا يستحق واحد منها اسم الإله.
والنجار والصانع ومن يجري مجراهما، كل واحد منهم يركب ويهيئ ولا يستحق اسم الإله، فعلم بهذا أن اسم الإله لا يجب إلا للمبدع، وإذا وقع الاعتراف بالإبداع، فقد وقع بالتدبير، لأن الإيجاد تدبير ولأن تدبير الموجود إنما يكون بإثباته أو بإحداث أعراض فيه أو إعدامه بعد إيجاده، وكل ذلك أن كان فهو إبداع وإحداث، وفي ذلك أنه لا معنى لفصل التدبير عن الإبداع وتميزه عنه، وإن الاعتراف بالإبداع ينتظم وجميع وجوهه زعامة ما دخل في بابه.
هذا هو الأمر الجاري على سنن النظر ما لم يناقض قوله مناقض، فيسلم أمرا ويجحد مثله، أو يعطي أصلا ويمنع فرعه. فأما التشبيه فإن هذه الكلمة أيضا تأتي على نفيه، لأن اسم الإله إذا ثبت بكل وصف يعود عليه بالابطال وجب أن يكون متيقنا بثبوته، والتشبيه من هذه الجملة لأنه إذا كان له من خلقه شبيه، وجب أن يجوز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على شبهة، وإذا جاز ذلك عليه لم يستحق اسم الإله كما لا يستحقه خلقه الذي شبهه به، فتبين بهذا أن اسم الاله والتشبيه لا يجتمعان كما أن اسم الإله ونفي الإبداع عنه لا يأتلفان وبالله التوفيق.
وأما قول المناوي في فيض القدير فعجيب! وهو ما نصه
وَ" الْإِلَهُ" : أَصْلُهُ " أَلَهَ" ؛ فَلَمَّا دَخَلَتْ " الْ" ؛ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا؛ وَعُوِّضَ عَنْهَا حَرْفُ التَّعْرِيفِ؛ وَإِنَّمَا كَانَا عِوَضًا عَنْهَا مَعَ أَنَّ [ ص: 5 ] دُخُولَهُمَا قَبْلَ حَذْفِهَا؛ لِأَنَّ دُخُولَهُمَا قَبْلَ الْحَذْفِ لَا بِطْرِيقَ اللُّزُومِ؛ وَبَعْدَهُ يَكُونَانِ لَازِمَيْنِ فِيهَا؛ فَبِاعْتِبَارِ اللُّزُومِ يَكُونَانِ عِوَضًا؛ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ؛ حَقٍّ؛ أَوْ بَاطِلٍ؛ ثُمَّ غُلِّبَ مُنَكَّرًا عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ؛ ثُمَّ خُصَّ بِذَاتِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ مُشْتَقٌّ مِنْ " أَلَهَ" ؛ كَـ " عَبَدَ" ؛ وَزْنًا؛ وَمَعْنًى؛ أَوْ مِنْ " أَلَهَ" ؛ بِمَعْنَى: فَزِعَ وَسَكَنَ؛ أَوْ مِنْ " وَلَهَ" ؛ أَيْ: تَحَيَّرَ وَدَهِشَ؛ أَوْ طَرِبَ؛ أَوْ مِنْ " لَاهَ" ؛ احْتَجَبَ؛ أَوِ ارْتَفَعَ؛ أَوِ اسْتَنَارَ؛ أَوْ غُيِّرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ " إِلَهٌ" ؛ بِمَعْنَى " مَأْلُوهٌ" ؛ أَيْ: مَعْبُودٌ؛ أَوْ " مَأْلُوهٌ فِيهِ" ؛ أَيْ: مُتَحَيَّرٌ فِيهِ؛ وَقِسِ الْبَاقِيَ.
فَمَجْمُوعُ الْأَقَاوِيلِ: هُوَ الْمَعْبُودُ لِلْخَوَاصِّ؛ وَالْعَوَّامِ؛ الْمَفْزُوعُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ؛ الْمُرْتَفِعُ عَنِ الْأَوْهَامِ؛ الْمُحْتَجِبُ عَنِ الْأَفْهَامِ؛ الظَّاهِرُ بِصِفَاتِهِ الْعِظَامِ؛ الَّذِي سَكَنَتْ إِلَى عِبَادَتِهِ الْأَجْسَامُ؛ وَوَلِعَتْ بِهِ نُفُوسُ الْأَنَامِ؛ وَطَرِبَتْ إِلَيْهِ قُلُوبُ الْكِرَامِ؛ ثُمَّ تُفَخَّمُ لَامُهُ إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا؛ أَوْ ضُمَّ؛ طَرِيقَةً مُطَّرِدَةً لُغَةً؛ أَوْ مُطْلَقًا؛ وَحَذْفُ أَلِفِهِ لَحْنٌ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ لَفْظِ الْمَوْضُوعِ؛ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ مُطْلَقًا؛ لِابْتِنَائِهِ عَلَى وُجُودِ الِاسْمِ؛ وَلَمْ يُوجَدْ؛ وَ" الْبَلَّةُ" ؛ إِنَّمَا هِيَ الرُّطُوبَةُ؛ وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْقَاضِي مِنْ كَوْنِهِ كِنَايَةً؛ وَجْهٌ صَحِيحٌ مُحَرَّرٌ؛ وَمَذْهَبُ النَّوَوِيِّ خِلَافُهُ؛ ثُمَّ أَعْقَبَ اسْمَ الذَّاتِ اسْمَيْنِ؛ بِصِفَتَيِ الْمُبَالَغَةِ فِي الرَّحْمَةِ؛ رَمَزَا إِلَى سَبْقِهَا؛ وَغَلَبَتِهَا عَلَى الْأَضْدَادِ؛ وَعَدَمِ انْقِطَاعِهَا؛ فَقَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). الخ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم