قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري
قَوْلُهُ " جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " هُوَ مَلَكُ الْوَحْيِ إِلَى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُوَكَّلُ بِإِنْزَالِ الْعَذَابِ وَالزَّلَازِلِ وَالدَّمَادِمِ، وَمَعْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ لِأَنَّ جِبْرَ عَبْدٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَإِيلُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ اسْمَ جِبْرِيلَ عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْمَ مِيكَائِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : جِبْرِيلُ سُرْيَانِيٌّ وَمَعْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَوْ عَبْدُ الْعَزِيزِ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَذَهَبَتْ [ ص: 72 ] طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَقْلُوبَةٌ، فَإِيلُ هُوَ الْعَبْدُ وَأَوَّلُهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَبْرُ عِنْدَ الْعَجَمِ هُوَ إِصْلَاحُ مَا فَسَدَ وَهِيَ تُوَافِقُ مَعْنَاهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ فِي الْوَحْيِ إِصْلَاحَ مَا فَسَدَ وَجَبْرَ مَا وَهَى مِنَ الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ مَعْرُوفًا بِمَكَّةَ وَلَا بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا ذَكَرَهُ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا انْطَلَقَتْ لِتَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ كَعَدَّاسٍ وَنَسْطُورَ الرَّاهِبِ، فَقَالَا: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الِاسْمُ بِهَذِهِ الْبِلَادِ؟ وَرَأَيْتُ فِي أَثْنَاءِ مُطَالَعَتِي فِي الْكُتُبِ أَنَّ اسْمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَبْدُ الْجَلِيلِ وَكُنْيَتَهُ أَبُو الْفُتُوحِ، وَاسْمَ مِيكَائِيلَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَكُنْيَتَهُ أَبُو الْغَنَائِمِ، وَاسْمَ إِسْرَافِيلَ عَبْدُ الْخَالِقِ وَكُنْيَتَهُ أَبُو الْمَنَافِخِ، وَاسْمَ عِزْرَائِيلَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَكُنْيَتَهُ أَبُو يَحْيَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ جِبْرَئِيلُ فِعْلِيلٌ، وَجِبْرَئِلُ بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَجِبْرِيلُ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ، وَجِبْرِيلُ بِوَزْنِ قِنْدِيلٍ، وَجِبْرَالُ بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ، وَجِبْرَائِيلُ بِوَزْنِ جِبْرَاعِيلُ، وَجِبْرَايِلُ بِوَزْنِ جِبْرَاعِلُ وَمُنِعَ الصَّرْفَ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ.
قُلْتُ: هَذِهِ سَبْعُ لُغَاتٍ، وَذَكَرَ فِيهِ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ تِسْعَ لُغَاتٍ مِنْهَا سَبْعَةٌ هَذِهِ، وَالثَّامِنَةُ: جَبْرِينُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبِالنُّونِ بَدَلَ اللَّامِ، وَالتَّاسِعَةُ جِبْرِينُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالنُّونِ أَيْضًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مَهْمُوزًا وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ.
كتاب الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع
وَأما قَول السَّائِل لم سمي عزرائيل فجمهور الْمُفَسّرين على أَن هَذِه الْأَسْمَاء كجبريل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وعزرائيل باللغة السريانية وَقَالَ بَعضهم هِيَ عبرانية وَمِنْهُم من يدل كَلَامه على أَن بَعْضهَا عَرَبِيَّة كجبرائيل وعزرائيل وَاخْتلفُوا فِي معنى إيل فَقيل هُوَ من أَسمَاء الله وَالْأَرْبَعَة بِمَعْنى عبد وَقيل بِالْعَكْسِ فَهُوَ أشبه بلغَة غير الْعَرَب لأَنهم يقدمُونَ الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وَلِأَن لفظ عبد وَاحِد وَأَسْمَاء الله كَثِيرَة وَوَقع فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء للشَّيْخ محيي الدّين قَالَ جمَاعَة من الْمُفَسّرين وَصَاحب الْمُحكم والجوهري وَغَيرهمَا من أهل اللُّغَة إِن جبر وميك اسمان أضيفا إِلَى إيل وَال وهما اسمان لله تَعَالَى وَمعنى جبر وميك بالسُّرْيَانيَّة عبد فتقديره عبد الله قَالَ وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي هَذَا الَّذِي قَالُوهُ خطأ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن ايل وَال لَا يعرفان فِي أَسمَاء الله تَعَالَى وَالثَّانِي أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لم يضف آخر الِاسْم فِي وُجُوه الْعَرَبيَّة ولكان آخِره مصروفا أبدا كَعبد الله قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو عَليّ هُوَ الصَّوَاب فَإِن الَّذِي زعموه بَاطِل لَا أصل لَهُ انْتهى كَلَامه.
وَفِي إِطْلَاقه الْبطلَان نظر فَإِنَّهُ قَول ترجمان الْقُرْآن عبد الله بن عَبَّاس وَمن تبعه بل جَاءَ ذَلِك مَرْفُوعا قَالَ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة وَقَالَ عِكْرِمَة جبر وميك وسراف عبد إيل الله وَصله أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ من طَرِيق حَاتِم بن سُلَيْمَان عَن عِكْرِمَة قَالَ جِبْرِيل اسْمه عبد الله وَمِيكَائِيل اسْمه عبد الله وَمن طَرِيق حُصَيْن عَن عِكْرِمَة قَالَ جبر عبد ايل الله وميك عبد ايل الله
وَمن طَرِيق يزِيد النَّجْوَى عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كل اسْم فِيهِ ايل فَهُوَ الله وَأخرج أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب مَرْفُوعا وموقوفا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل مثل قَوْلك عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَأسْندَ عَن يحيى بن يعمر أَنه كَانَ يقْرؤهَا جبرال بتَشْديد اللَّام وَيَقُول جبر عبد وَال الله وَأخرج أَبُو نعيم الْحَارِثِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس جِبْرِيل وَمِيكَائِيل جبر عبد وميك عبد مثل قَوْلك عبد الله وَعبد الرَّحْمَن فَقَوْل النَّوَوِيّ لَا أصل لَهُ عجبت مِنْهُ وَأي أصل أعظم من هَذَا
وَالْجَوَاب عَن إِشْكَال الْفَارِسِي وَاضح أما أَولا فَإِن ايل وميك ليسَا باللغة الْعَرَبيَّة حَتَّى يَدعِي عدم كَونهمَا من أَسمَاء الله وَأما ثَانِيًا فَعدم الصّرْف للعجمة والعلمي
وَإِلَيْهِ وَقد وَقع فِي كَلَام أبي الْعَلَاء المعري فِي رِسَالَة الغفران قد علم الْجَبْر الَّذِي نسب إِلَيْهِ جِبْرِيل وَنسب لِمَعْنى أضيف وَالْحَاصِل أَنه اسْم مركب من جزأين وَلَيْسَ عَرَبيا وَذكر بعض اللغويين أَن الْعذر يُطلق على النَّصْر وَالْمَنْع والتوقيف على أُمُور الدّين
قَالَ عزرته أعزره عزرا أَي نصرته وعظمته قَالُوا والعزار الصلب من كل شَيْء فَإِن كَانَ عزرائيل فِي الأَصْل عزّر بالعربي أضيف إِلَى ايل فَلَعَلَّهُ مَأْخُوذ من الصلابة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُنَاسب حَال ملك الْمَوْت عَلَيْهِ السَّلَام وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
قَالَه وَكتبه أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الشَّافِعِي فِي شعْبَان سنة 839 بِالْقَاهِرَةِ المحروسة حماها الله تَعَالَى من الْإِفْك وعَلى النَّبِي الْأُمِّي مُحَمَّد بعد حمد الله تَعَالَى أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم