السبت، 17 سبتمبر 2022

قرآن ص1 سورة الفاتحة مكية ج1

سورة الفاتحة

مكية وهي سبع آيات

فوائد منثورة:

* هذه السورة الكريمة مكية وآياتها سبعٌ بالإجماع، وتسمى «الفاتحة» لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول، ، وهي -على وجازتها- قد حوت معاني القرآن العظيم، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة الخاصة، والتوجّه إليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرّع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين.

* روى الإمام أحمد في المسند أن أبيَّ بن كعب رضي الله عنه قرأ على النبيّ أمَّ القرآن فقال رسول الله "والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيمُ الذي أوتيتهُ".

* من أسمائها الفاتحة، أم الكتاب، السبع المثاني، الشافية، الوافية، الكافية، الأساس، والحمد وغيرها من الأسماء.

 

ملخص التفسير        =      ص ( ١ )  من المصحف الشريف

علّمَنا البارئُ سُبحانَه كيف نفتَتِحُ تِلَاوَتَنَا بقولِ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} تبركًا بذِكرِهِ تعالى ثم علّمنا أن نحمدَهُ ونقدِّسَهُ ونثنيَ عليه بقولِ {الحمد لله رَبِّ العالمين} أي قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي {الحمد لله} فهو اللهُ المتفرِّدُ بالخَلْقِ والإِيجاد. {رَبِّ العالمين} أي خالِقِ ومَالِكِ ورَبِّ العَالمين، والعَالَمُ هو كُلُّ ما سِوَى اللهِ سبحانَه. وسُمِّيَ عَالَمًا لأنَّهُ علامَةٌ على وُجودِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلّ. فاللهُ رَبُّ الإِنسِ والجِنِّ والمَلائِكَة، وربُّ السَّماواتِ والأَرَضِين، فالثَّناءُ والشُّكرُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ دُونَ مَا يُعبَدُ مِن دُونِه.

{الرحمٰن الرحيم} أي الذي وسِعَت رحمتُه كلَّ شيء، وعمَّ فضلُه جميعَ الأنام، بِمَا أنعَمَ على عبادِه مِنَ الخلق والرزق والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان {مالِك يَوْمِ الدِّين} أي هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم القيامةِ تصرّف المالك في ملكه {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار/19] {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نخصَّك يا الله بالعبادة، ولا نطلب العون الخاص وهو خلق المنافع إلا منك، فلا نعبد أحدًا سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع ونسجد ونركع، وإيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم، ولا يَملك القدرةَ على عَونٍ أحَدٌ سِوَاك {اهدنا الصراط المستقيم} أي أرشدنا يا ربُّ إِلى طريقِك الحقِ ودينِك المستقيم، وثبِّتْنا على الإِسلام الذي بعثتَ به أنبياءَك ورسُلَك، وأرسلتَ بهِ خاتَمَ المُرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإنعام، من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولٰئك رفيقًا {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} أي لا تجعلنا يا الله من زمرة أعدائِك الحائِدين عنِ الصراط المستقيم، السالكينَ غير المنهج القويم، من المغضوب عليهم أو الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القُدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية.

* ءامين أي اللهم استجب، وهي ليست من القرآن الكريم إجماعًا.

* أما الاستعاذة فمعناها اللّهُمَّ أَجِرنا من الشيطان وهو الكافر من الجن، الرَّجيم أي البعيد من الخير.

 

من البلاغة:

* الإلتفات: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه التفات في الكلام من الغَيبَةِ إلى الخِطاب ولو جرى الكلام على الأصل لقال: إيّاه نعبد.

* الحذف: كحذف صراط من قوله {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} تقديره غيرِ صراطِ المغضوبِ عليهم وغيرِ صراطِ الضالين.

* التصريح بعد الإبهام: {الصراط المستقيم} ثم فسَّرَه بقوله {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .

* طلبُ الشيءِ والمرادُ بهِ دوامُه واستمرارُه في {اهدنا الصراط} أي ثبتنا عليه.

* نسبةُ النعمةِ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وعدمُ نسبة الإضلالَ والغضبَ إليه تأدبًا، فلم يقل: غضبتَ عليهم أو الذين أضللتَهم وذلك لتعليمِ العبادِ الأدبَ معَ اللهِ تعالى، فالشَّرُ لا يُنسَبُ إلى اللهِ تعالى أدبًا وإن كان مِنه تقديرًا وخَلقًا.

 

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيم

قرطبي: أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[النحل/98] أي إذا أردت أن تقرأ; فأوقع الماضي موقع المستقبل. 

هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة. 

واختلفوا فيه في الصلاة. حكى النقاش عن عطاء أن الاستعاذة واجبة. 

وكان ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم، وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان. 

أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه، وهو قول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 

معنى الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيز إلى الشيء، على معنى الامتناع به من المكروه يقال عِذتُ بفلان واستعذت به أي لجأت إليه. وهو عياذي أي ملجئي. 

الشيطان واحد الشياطين من شَطُن إذا بَعُد عن الخير لبعده عن الحق وتمرده، وذلك أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان. 

الرجيم أي المبعد من الخير المهان.


ابن عادل: الِاستِعَاذَة: أعوذ بِاللَّه من الشَّيطَان الرَّجِيم.  هَذَا لَيسَ من القُرآن إِجمَاعًا، وَإِنَّمَا تعرضتُ لَهُ لِأَنَّهُ وَاجِب فِي أول القِرَاءَة، أَو مَندُوب، وَقيل: وَاجِبَة على النَّبِي وَحده.  وَأَصَح كيفيات اللَّفْظ هَذَا اللَّفْظ الْمَشْهُور؛ لموافقته قَوْله تَعَالَى: {فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم} [النَّحْل/98]. وَرووا فِيهِ حديثين:  قَالَ الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ -: وَاجِب أَن يَقُول: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة -رَضِي الله عَنهُ- قَالُوا: لِأَن هَذَا النّظم مُوَافق لِلآيَةِ المُتَقَدّمَة، وموافق لظَاهِر الخَبَر.  وَقَالَ أَحمد -رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ-: الأولى أَن يَقُول: أعوذ بِاللَّه من الشَّيطَان الرَّجِيم، إِنَّه هُوَ السَّمِيع العَلِيم؛ جمعًا بَين الآيَتَينِ.  وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: الأولى أَن يَقُول: أعوذ بِاللَّه السَّمِيع العَلِيم من الشَّيطَان الرَّجِيم؛ لِأَن هَذَا - أَيضًا - جمع بَين الآيَتَينِ.  وروى البَيهَقِيّ فِي كتاب " السّنَن " بِإِسنَادِهِ، عَن أبي سعيد الخُدرِيّ قَالَ: "كَانَ رَسُول الله إِذا قَامَ من النّوم كبّر ثَلَاثًا، وَقَالَ أعوذ بِاللَّه السَّمِيع العَلِيم من الشَّيطَان الرَّجِيم". وَقَالَ الثَّوْريّ وَالأَوزَاعِيّ: الأولى أَن يَقُول: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِن الله هُوَ السَّمِيع العَلِيم.  وروى الضَّحَّاك عَن ابن عَبَّاس: أَن أول مَا نزل جِبرِيل -عَلَيهِ السَّلَام- على مُحَمَّد -عَلَيهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام- قَالَ: قل يَا مُحَمَّد: استعذ بِاللَّه السَّمِيع العَلِيم من الشَّيطَان الرَّجِيم، ثمَّ قَالَ: قل: {بِسم الله الرَّحمَن الرَّحِيم} {اقرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق} [العلق/1].


 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

بغوي: بسم الله الباء أداة تخفض ما بعدها مثل من وعن والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره أبدأ بسم الله أو قل بسم الله. وأسقطت الألف من الاسم طلبًا للخفة وكثرة استعمالها.

" الله " قال الخليل وجماعة هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو . وقال جماعة هو مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل من أَلَهَ إِلاهَة أي عَبَدَ عِبادة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ[الأعراف/ 127] "وإلاهَتَك" أي عبادتك. معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره. وقيل أصله إلٰه قال الله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ[المؤمنون/91] قال المبرد: هو من قول العرب ألِهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر "أَلِهْتُ إليها والحوادثُ جَمّة" فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ويقال ألِهتُ إليه أي فزعت إليه. وقيل أصل الإله " وَلاه " فأبدلت الواو بالهمزة مثل وِشاح وإشاح اشتقاقه من الوَلَه لأن العباد يولَهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد ويلجئون إليه في الحوائج كما يولَه كلُ طفل إلى أمه. واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة (بسم الله الرحمٰن الرحيم) وابتداء الآية الأخيرة (صراط الذين) ومن لم يعدها من الفاتحة قال ابتداؤها "الحمد لله رب العالمين" وابتداء الآية الأخيرة "غير المغضوب عليهم".

ابن عادل: وأما " إلٰه " المجرد عن الألف، فيطلق على المعبود بحق وعلى غيره، قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا[الأنبياء/22] ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ[المؤمنون/117] ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ[الفرقان/43]. قال ابن الخطيب رحمة الله تعالى عليه: أطبق جميع الخلق على أن قولنا " الله " مخصوص بالله تبارك وتعالى، وكذلك قولنا " الإلٰه " مخصوص به سبحانه وتعالى. وأما الذين كانوا يطلقون اسم الإلٰه على غير الله تعالى فإنما كانوا يذكرونه بالإضافة كما يقال " إلٰه كذا "، أو ينكرونه كما قال تبارك وتعالى عن قوم موسى عليه السلام ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف/138].

واحدي: وأما "الله" فإن كثيرًا من العلماء ذهبوا إلى أن هذا الاسم ليس بمشتق وأنه اسم تفرّد به الباري سبحانه يجري في وصفه مجرى أسماء الأعلام لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم/65] أي هل تعلم أحدًا يُسمى اللهَ غيرُه، وهذا القول يُحكى عن الخليل بن أحمد وابن كيسان وهو اختيار أبي بكر القفال الشاشي. والأكثرون ذهبوا أنه مشتق من قولهم "أَلَهَ إلاهة" أي عبد عبادة. ومعناه المستحق للعبادة وذو العبادة الذي إليه تُوَجّه العبادة وبها يُقصَد. [الوسيط] وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي رحمه الله قال أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري قال أخبرنا أبو الفضل المنذري قال سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال "الله" أصله إلاه قال الله جل ذكره ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ[المؤمنون/91] ولا يكون إلٰهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابدِه خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإلٰه وإن عُبِد ظُلمًا، بل هو مخلوقٌ ومتعبّد. وعند متكلمي أصحابنا أن الإلٰه من الإلٰهية والإلٰهيةُ القدرة على اختراع الأعيان. [البسيط]

قرطبي: "بسم الله الرحمٰن الرحيم" ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها . وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال: (الأول) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها; وهو قول مالك. (الثاني) أنها آية من كل سورة; وهو قول عبد الله بن المبارك. (الثالث) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة; وتردد قوله في سائر السور فمرة قال هي آية من كل سورة، ومرة قال ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل. وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرًا ولا جهرًا، ويجوز أن يقرأها في النوافل. ومن أهل المدينة من يقول: إنه لابد فيها من (بسم الله الرحمٰن الرحيم) منهم ابن عمر وابن شهاب وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة منهم أبو حنيفة والثوري; وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير; وهو قول الحكم وحماد وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد; وروي عن الأوزاعي مثل ذلك; حكاه أبو عمر بن عبد البر في (الاستذكار).

وقال بعضهم: معنى قوله (بسم الله) يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته; وهذا تعليم من الله تعالى عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز.

(الله) هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره; ولذلك لم يثن ولم يجمع، وهو أحد تأويلي قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم/65] أي من تسمّى باسمه الذي هو (الله). فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلٰهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي (أي وجوده بذاته لا شيء غيره أوجده حاشاه)، لا إلٰه إلا هو سبحانه. وقيل معناه الذي يستحق أن يعبد. وقيل معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال والمعنى واحد.

ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروي عن الخليل وسيبويه: أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه، قال الخطابي: والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف: دخول حرف النداء عليه; كقولك يا الله، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف; ألا ترى أنك لا تقول  يا الرحمٰن ولا يا الرحيم، كما تقول يا الله، فدل على أنهما من بنية الاسم.


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

واحدي: قال ابن عباس يعني الشكر لله. وقال الأخفش والحمد أيضًا الثناء. والله تعالى رب كل شيء أي مالكه وهو السيد على الحقيقة [البسيط]

بغوي: فيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة. يقال: حمدت فلانًا على ما أسدى إليّ من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلانًا على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامدًا.

قوله: {رب العالمين} فالرب يكون بمعنى المالك؛ كما يقال لمالك الدار: رب الدار، ويقال: رب الشيء إذا مَلَكه. ولا يقال للمخلوق هو الرب مُعَرَّفًا إنما يقال ربُّ كذا مضافًا، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل. و(العالمين) جمع عالم، لا واحد له في لفظه. قتادة ومجاهد والحسن: "هم جميع المخلوقات"، قال الله تعالى ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ [الشعراء/23-24].

ابن عادلالحمدُ: الثناءُ على الجَمِيل سواءٌ كانت نِعمةً مُبتدأة إلى أَحَدٍ أَم لاَ.  يُقال: حَمَدتُ الرجلَ على ما أَنعَمَ به، وحمدتُه على شَجَاعته، ويكون باللسانِ وَحدَهُ، دون عمل الجَوَارح، إذ لا يُقالُ: حمدت زيدًا أي: عملت له بيدي عملًا حسنًا، بخلاف الشكر؛ فإنه لا يكونُ إلّا على نعمةٍ مُبتَدأةٍ إلى الغير. يُقال: شَكَرتُه على ما أعطاني، ولا يُقالُ: شكرتُه على شَجَاعَتِه، ويكون بالقلبِ واللِّسانِ والجَوَارح؛ قال الله تعالى { اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا } [سبأ/13]. والحمدُ أَعَمُّ مِنَ الشُكرِ.  وقيلَ: الحمدُ: الثناءُ عليه تعالى [بأوصافِه، والشكرُ: الثناءُ عليهِ بِأفْعاله] فالحامدُ قِسمَانِ: شاكِرٌ ومُثنٍ بالصفاتِ الجَمِيلة. ومعنى لام الجَرِّ -هنا- الاستحقاقُ أَي: الحمدُ مستحقٌّ لله. قال ابنُالخَطيب - رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: تَحميدُ اللهِ -تعالى- ليس عبارةً عن قَولِنا: الحمدُ للهِ، إخبارٌ عن كُلِّ فِعلٍ عن كُلِّ فِعلٍ يُشعِرُ بتعظيم المنعم بسبب كَونِهِ مُنعِمًا، وذلك الفعل: إما أن يكونَ فِعلَ القلبِ، أو فعل اللِّسان، أو فِعلِ الجوارح.  أمَّا فعلُ القلبِ: فهو أن يَعْتَقِدَ فيه كونَهُ مَوصُفًا بصفات الكمالِ والإجلاَل.  وأما فعل اللِّسان فهو أن يذكر ألفاظًا دالَّةً على كونه مَوصُوفًا بصفات الكمال.

[الرَّب] ولا يُطْلقُ على غَيْرِ الباري -تعالى- إلاّ بقيد إضافةٍ، نحو قوله تعالى { ارجع إلى رَبِّكَ } [يوسف/ 50] ويقولون: «هو رَبُّ الدَّارِ، ورَبُّ البَعِير»، وقد قالته الجاهليةُ لِلمَلِكِ من الناس مِن غَيرِ قَيدٍ؛ قال الحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: [الخفيف] وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْ ... مِ الحِيَارَينِ وَالبَلاءُ بَلاَءُ. وهذا مِن كُفرِهِم.

ماتريدي: شكرًا لجميع النعم، وتوجيهًا لها إلى اللَّه لا شريك له، ومَدْحًا له. ثم فيه الإقرار بوحدانيته في إنشاءِ البرِية كلها، وتحقيق الربوبية له عليها بقوله (رَبِّ الْعَالَمِينَ). والتأويل عندنا ما أجمع عليه أهل الكلام: أن العالَمين: اسم لجميع الأَنام والخلق جميعًا.

نسفي: {الحمد} الوصف الجميل على جهة التفضيل. الرب المالك. والعالم هو ما عُلِمَ به الخالقُ من الأجسام والجواهر والأعراض أو كل موجودٍ سوى اللهِ تعالى سمي به لأنه عَلَمٌ على وجوده.


الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)

قرطبي: "الرحمٰن" من الأسماء المختصة به سبحانه. مشتق من الرحمة مبني على المبالغة، ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها؛ فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى (الرحيم) ويجمع.

فـ (الرحمٰن) خاص الاسم عام الفعل. و (الرحيم) عام الاسم خاص الفعل. هذا قول الجمهور. قال أبو علي الفارسي: (الرحمٰن) اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله. (والرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين كما قال تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا[الأحزاب/43]. وقال العرزمي (الرحمٰن) بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة، و(الرحيم) بالمؤمنين في الهداية لهم واللطف بهم.

ابن عادل: " الرحمٰن الرحيم "صفتان مشتقتان من الرحمة. الصحيح أن "الرحمٰن" أبلغ.

واحدي: معنى الرحمة في صفة الله تعالى إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات. وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة فقال قوم الرحمٰن أشد مبالغة من الرحيم كالعلّام من العليم ولهذا قيل رحمٰن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمّت المؤمن والكافر والبر والفاجر ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين. وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة لأنه يُنبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة. وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم ولهفان ولهيف وجيء بهما للتأكيد والإشباع كقولهم جادّ ومُجِدّ. وقال بعضهم: الرحمٰن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى [البسيط].

بغوي: والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله. وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل.

طبري: قال حدثني السري بن يحيى التميمي، قال حدثنا عثمان بن زفر ، قال سمعت العرزمي يقول  "الرحمٰن الرحيم " قال: الرحمٰن بجميع الخلق، "الرحيم" قال: بالمؤمنين. حدثنا إسماعيل بن الفضل، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود ومسعر بن كدام، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد - يعني الخدري - قال: قال رسول الله « إن عيسى ابن مريم قال: الرحمٰن رحمٰن الآخرة والدنيا، والرحيم رحيم الآخرة ». فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو "رحمٰن"، وتسميته باسمه الذي هو "رحيم".

المعنى الذي في تسمية الله بالرحمٰن دون الذي في تسميته بالرحيم هو أنه بالتسمية بالرحمٰن موصوف بعموم الرحمة جميع خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال  فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أن ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا. فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خص عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه، مما خذل عنه من أشرك به وكفر وخالف ما أمره به وركب معاصيه; وكان مع ذلك قد جعل، جل ثناؤه، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين، لمن آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصًا، دون من أشرك وكفر به - كان بَيِّنًا أن الله قد خصّ المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة، مع ما قد عمهم به والكفار في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم، في البسط في الرزق وتسخير السحاب بالغيث وإخراج النبات من الأرض وصحة الأجسام والعقول وسائر النعم التي لا تحصى التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون.

فربنا جل ثناؤه رحمٰن جميع خلقه في الدنيا والآخرة ، ورحيم المؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة. فأما الذي عَمّ جميعهم به في الدنيا من رحمته فكان رحمانًا لهم به، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه، كما قال جل ثناؤه ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا[النحل/18]. وأما في الآخرة، فالذي عم جميعهم به فيها من رحمته، فكان لهم رحمانًا، تسويته بين جميعهم جل ذكره في عدله وقضائه، فلا يظلم أحدًا منهم مثقالَ ذرة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا[النساء/40] و﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ[البقرة/281] فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعهم برحمته، الذي كان به رحمانًا في الآخرة. وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته الذي كان به رحيمًا لهم فيها، كما قال جل ذكره ﴿ وكان بالمؤمنينَ رحيمًا[الأحزاب/43] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم فخصهم به، دون من خذله من أهل الكفر به. وأما ما خصهم به في الآخرة فكان به رحيمًا لهم دون الكافرين، فما وصفنا آنفًا مما أعد لهم دون غيرهم من النعيم والكرامة التي تقصر عنها الأماني اهـ.


مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

بغوي: قَرَأَ عَاصِمٌ وَالكِسَائِيُّ وَيَعقُوبُ {مَالِكِ} وَقَرَأَ الآخَرُونَ {مَلِكِ} قَالَ قَومٌ: مَعنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ المَالِكُ وَالمَلِكُ هُوَ القَادِرُ عَلَى اختِرَاعِ الأَعْيَانِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ وَلَا يَقدِرُ عَلَيهِ أَحَدٌ غَيرُ اللَّهِ.

ابنعادل: وقال حَاتم: «مَالِكِ» أَبلَغُ في مَدحِ الخَالِقِ، و«مَلِكِ» أَبلَغ في مَدحِ المَخلُوقِ، والفرق بَينَهُمَا: أنَّ المَالِكَ مِنَ المخلوقين قد يَكُونُ غيرَ مَلِكٍ، وإذا كَانَ اللهُ -تعالى- مَلِكًا كان مالِكًا، واختاره ابنُ العَرَبيِّ. ويُقالُ: المَلِكِ والمالِكِ: هو القَادِرُ على اختراع الأعيان من العَدَمِ إلى الوجود، ولا يَقدِرُ عليه أحدٌ غيرُ الله تعالى. وجمع «مَالِكِ» مُلاَّك ومُلَّك، وجَمعُ «مَلِك» أَملاَك ومُلُوك. وقال ابنُ عباسٍ -رضي الله تَعَالَى عنهما- ومُقاتِلٌ والسُّدَّيِّ: { مَالِكِ يَومِ الدِّينِ } قَاضِي يَومِ الحِسَابِ.

ماتريدي: أُجمِعَ على أن قولَه {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أنه يوم الحسابِ والجزاءِ. ثبت أن اللَّه بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره. ولذلك قلنا نحن: هو خالق لم يزل، ورحيم لم يزل، وجواد لم يزل، وسميع لم يزل -وإن كان ما عليه وَقعُ ذلك لم يكن- وكذلك نقول: هو رب كل شيء، وإله كل شيء في الأزل -وإن كانت الأَشياء حادثة- كما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وإن كان اليومُ بعدُ غير حادثٍ. وباللَّه التوفيق.


إدغام الرحيم مالك


إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

بغوي: قَولُهُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أَي نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالعِبَادَةُ الطَّاعَة مَعَ التَّذَلُّلِ وَالخُضُوعِ. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} نَطلُبُ مِنكَ المَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أمُورِنَا.

ابن عادل: والعبادَةُ غايةُ التذللِ، ولا يستحقُّها إلا مَن له غاية الإفضَالِ، وهو الباري -تعالى- وهو أبلغ من العُبُودِيِّةِ لإنَّ العبوديةَ إظهارُ التذلُّلِ. وفي قوله تعالى {إيَّاكَ نَعْبُد} التفاتٌ مِنَ الغَيبَةِ إلى الخِطَابِ، إِذ لو جرى الكلامُ على أصله، لَقِيل: الحمد لله، ثم قيل: إيَّاهُ نَعبدُ، والالتفاتُ: نوعٌ مِن البلاغَةِ.  قال ابنُ الخَطيب - رَحِمَهُ اللهُ -: والفائدةُ في هذا الالتفاتِ وجوه:  أحدُها: أن المصلِّي كان أَجنَبِيًّا عند الشروعِ في الصَّلاةِ، فلا جَرَمَ أَثنَى على الله -تعالى- بألفاظ الغيبة، إلى قوله {يَوْمِ الدِّينِ}، ثم إنه تعالى كأنه قال له: حَمَدتَنِي وأَقرَرتَ بكونِي إلهًا، ربًّا، رحمانًا، رحيمًا، مالِكًا ليوم الدين، فَنِعمَ العبدُ أنت، فرفعنا الحجابَ، وأبدلنا البُعدَ بالقُربِ، فتكلَّمْ بالمُخاطبة وقُلْ: إياك نعبد.


اِهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

بغوي: اِهدِنَا أَرشِدنَا، وَقَالَ عَلِيٌّ وَأبَيُّ بنُ كَعبٍ: ثَبِّتنَا. وَهَذَا الدّعَاءُ مِنَ المُؤمِنِينَ مَعَ كَونِهِم عَلَى الهِدَايَةِ بِمَعنَى التَّثبِيتِ وَبِمَعنَى طَلَبِ مَزِيدِ الهِدَايَةِ. وَالصِّرَاطُ المُستَقِيمُ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: هُوَ الإِسلَامُ وَهُوَ قَولُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: هو القرآن.

ماتريدي: اِهدِنا قال ابنُ عباس -رضي اللَّه عنهما-: أرْشِدْنا.  والإرشاد، والهداية واحد. ثم تأويلُ طلبِ الهداية، ممن قد هداه اللَّهُ يتوجه وجهَين أحدهما طلب الثبات على ما هداه اللَّهُ. وأما (الصِّرَاطَ) فهو الطريق والسبيل. (الْمُسْتَقِيمَ) والذي يستقيم بمن تمسك به حتى يُنجيه، ويدخله الجنة.

ابنعادل: قال ابنُ الخَطِيب رَحِمَهُ اللهُ تعالى: المرَادُ من قوله تعالى {اهِدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} هو أن يكونَ الإنسانُ مُعرِضًا عما سوى الله تعالى مُقبِلًا بكليةِ قلبه وفِكرِه وذِكرِه على الله تعالى.  مثالُه أن يصيرَ بحيثُ لو أُمِرَ بذبح غيرِه لأطاعَ، كما فعل إبراهيم عَلَيهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ، ولو أمِرَ بأن ينقادَ لأن يذبَحَهُ غيرُه لأطاعَ، كما فعله إسماعِيلُ عليه الصلاةُ والسَّلام، ولو أمِرَ بأن يُلقيَ نفسَهُ في البحر لأطاعَ، كما فعله يُونُس عَلَيهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ، ولو أمِرَ بأن يتَّلمذَ لِمَن هو أعلَمُ منه بعد بلوغه في المَنصب إلى أعلى الغايات لأطاع، كما فعله موسى عليه الصَّلاة والسلام مع الخَضِر عليه الصَّلاةُ والسلامُ، ولو أمِرَ بأن يصبرَ في الأمرِ بالمَعرُوف والنهي عن المنكر على القتل والتفريقِ بنصفين، لأطاع؛ كما فعله يَحيَى بنُ زَكَرِيَّا عليهما الصَّلاة والسلام فالمراد بقوله تعالى {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ} هو الاقتداءُ بأنبياء اللهِ في الصَّبرِ على الشدائدِ، والثبات عند نزُولِ البلاءِ، ولا شَكّ أن هذا مقامٌ شَدِيدٌ؛ لأن أكثر الخَلْقِ لا طاقة لهم به. وقال بعضُهم: إن وردت صيغةُ «افعل» من الأعلى للأدنى، قيل فيها: أَمرٌ، وبالعكس دُعاء، ومن المُساوي التماسٌ. و{الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} قال ابنُ عَبَّاسٍ وجَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: هو الإسلام، وهو قولُ مُقَاتِلٍ، وقال ابنُ مَسعودٍ رضي الله تعالى عنه: هو القرآن الكريم، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ: كِتَابُ اللهِ تَعَالى". وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه "طَريقُ الجَنَّة". وقال سَهلُ بن عَبْدِ الله رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو طريقُ السُّنَّةِ والجَمَاعة. وقال بَكرُ بنُ عبد الله المُزنِيِّ: هو طريقُ رسول الله .


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)

بغوي: أي مَنَنتَ عَلَيهِم بِالهِدَايَةِ وَالتَّوفِيقِ، قَالَ عِكرِمَةُ: مَنَنتَ عَلَيهِم بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِيمَانِ وَالِاستِقَامَةِ وَهُمُ الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُم كُلُّ مَن ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُؤمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ "فَأولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ" [النِّسَاء/69] الآيَةَ. قَولُهُ تَعَالَى {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم} يَعنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبتَ عَلَيهِم، وَالغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الانتِقَامِ مِنَ العُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلحَقُ عُصَاةَ المُؤمِنِينَ إِنَّمَا يَلحَقُ الكَافِرِينَ. {وَلَا الضَّالِّينَ} أَي وَغَيرِ الضَّالِّينَ عَنِ الهُدَى. 

ابن عادل: قال ابنُ الخَطيب رَحِمَهُ اللهُ: قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيهِم} يدل على إمامةِ أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنه؛ لأنا ذكرنا أن تقديرَ الآية «اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم» والله تعالى قد بيّن في آية أخرَى أَنَّ {الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} من هم؛ بقوله تعالى {فأولئك مَعَ الذين أَنعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين} [النساء/69] ورئيسهم أبو بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه، فكان معنى الآية أن الله تعالى أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق، وسائر الصّديقين، ولو كان أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه غيرَ إمام، لما جَازَ الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه. قوله تعالى {أنعمت عليهم} يتناول كل من كان لله تعالى عليه نعمة، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا، أو نعمة الدين، والأول باطل فثبت أن المراد منه نعمة الدين. فنقول: كل نعمة ديِنيَّة سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان، وأمّا نعمة الإيمان فيمكن حصولها خاليًا عن سائر النعم الدينية، وهذا يدلّ على أن المراد من قوله تعالى {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هو نعمة الإيمَان، فرجع حاصل القول في قوله تعالى {اهْدِنَا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أنه طلب لنعمة الإيمان.

والغضب: ثَوَرَان دم القلب إرادة الانتقام، ومنه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام "اتَّقُوا الغَضَبَ فإنه جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قَلبِ ابنِ آدَمِ، ألم تَرَ إلى انتِفَاخِ أَودَاجِهِ وحُمرَةِ عينيه".[رواه الترمذي كتاب الفتن باب ما جاء ما أخبر النبي وأصحابه وقال حديث حسن صحيح] وإذا وصف به الباري تبارك وتعالى فالمراد به الانتقام لا غيره. قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هنا قاعدة كليةٌ، وهي أن جميع الأعراض النَّفسَانية أعني الرحمة والفرح والسُّرور والغضب والحَيَاء والعُتُوّ والتكبر والاستهزاء لها أوائل ولها غايات.  ومثاله: الغضب، فإنّ أوله غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضَّرَرِ إلى المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب، بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار، وأيضًا الحَيَاءُ له أول وهو انكسار النفس، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب.

وقيل: «الضالون» هم النصارى؛ لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغَضَبِ فقال تعالى {مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة/60]، وحكم على النصارى بالضَّلال فقال تعالى {وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} [المائدة/77].  وقيل: هذا ضعيف؛ لأن منكري الصَّانع والمشركين أَخبَثُ دينًا من اليهود والنصارى، فكان الاحتراز من دينهم أولى.  وقيل: «المغضوب عليهم» هم: الكُفَّار، و«الضّالون» هم المنافقون.


انظر لعموم الفائدة تفسير الصابوني صفوة التفاسير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم