الثلاثاء، 20 سبتمبر 2022

قرآن ص3 سورة البقرة مدنية ج1 الآيات من 6 إلى 16

سورة البقرة

مدنية بلا خلاف، وهي 286 آية.

تفسير سورة البقرة       =      ص ( ٣ )  الآيات من ٦ إلى ١٦

لَـمّا ذَكَرَ الله تعالى صِفَاتِ المؤمنين في الآيات السابقة، أعقبها بذكر صفات الكافرين، ليظهر الفارق الواضح بين الصنفين، فقال سبحانه {إِنَّ الذين كَفَرُوا} أي إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} أي يتساوى عندهم {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} أي سواءٌ أَحذرتهم يا محمد من عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدقون بما جئتهم به، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وفي هذا تسلية للنبي عن تكذيب قومه له. وفي هذه الآية بلاغةٌ عظيمة وتُعرفُ عند علماء العربية بالتيئيس وهنا تيئيسٌ من إيمان الكفار {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فالجملة سيقت للتنبيه على غلوهم في الكفر والطغيان، وعدم استعدادهم للإِيمان، ففيها تيئيس وإِقناط من إِيمانهم.

ثم بيَّن تعالى العلة أي سبب عدم الإيمان فقال {خَتَمَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} أي طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور الإيمان. والخَتمُ التغطيةُ والطبعُ، وذلك أن القلوب إذا كثرت عليها الذنوب طمست نور البصيرة فيها، فلا يكون للإِيمان إِليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلص كما قال تعالى {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء/155] . {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} أي وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون، لأن أسماعهم وأبصارهم كأنها مغطَّاة بحجب كثيفة، فيرون الحقَّ ولا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه، فأشبهت أسماعُهم وأبصارُهم الوعاء المختوم عليه، المسدودةَ منافذه، رَغْمَ صحةِ إدراكِها ووعيها. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} أي ولهم في الآخِرة عذاب شديدٌ لا ينقطع، بسبب كفرهم وإجرامهم وتكذيبهم بآيات الله.

ولَـمّا ذكر تعالى في أول السورة صفات المؤمنين، وأعقبها بذكر صفات الكافرين، ذكر بعد ذلك «المنافقين» وهم الصنف الثالث، الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، وأطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية لينبه إِلى عظيم خطرهم، وما يئول إليه حالهم من الهلاك والدمار، فقال سبحانه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله} أي ومن الناس فريق يقولون بألسنتهم صدَّقنا بالله وبما أنزل على رسوله من الآيات البينات {وَبِاليَومِ الآخِر} أي وصدَّقنا بالبعث والنشور {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} أي وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين، لأنهم يقولون ذلك قولًا دون اعتقاد، آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله، لأنّهم موَّهوا الكفر وخلطوا به خداعًا واستهزاءً.

{يُخَادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا} أي يعملون عمل المخادِع وهو الاحتيال بإِظهار ما أظهروه من الإِيمان مع إِصرارهم على الكفر، يعتقدون - بجهلهم - أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعُهم عندَه، وما علموا أن الله لا يُخدع لأنه لا تخفى عليه خافية. وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن بها كفرُ نفاق {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} أي وما يخدعون في الحقيقة إِلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ولا يَحُسُّون بذلك ولا يفطنون إِليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم. وفي هذه الآيةِ ما يُعرف في علم البلاغة بالاستعارة التمثيلية في قوله سبحانه {يُخَادِعُونَ الله} شبَّه حالهم مع ربهم في إِظهار الإِيمان وإِخفاء الكفر بحال رعيةٍ تخادع سلطانها فاستعير اسم المشبَّه به -الخداع- للمشبَّه -وهم المنافقون- بطريق الاستعارة.

{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا} أي في قلوبهم شك ونفاق فزادهم الله رجسًا فوق رجسهم، وضلالًا فوق ضلالهم، وهذا مرضٌ مَعنَوِيٌّ في القلب وليس مرضًا حِسِّيًا، وهو شَكُّهم في صحةِ الإِسلام {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} أي ولهم عذابٌ مؤلِـمٌ بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، واستهزائهم بآيات الرحمٰن.

ثم شرع تعالى في بيان قبائحهم وأحوالهم الشنيعة فقال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرض} أي وإِذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تسعوا في الأرض بالإِفساد بإِثارة الفتن والكفر والصَدِّ عن سبيل الله، قال ابن مسعود: الفسادُ في الأرض هو الكفرُ والعملُ بالمعصية، فمن عصى الله فقد أفسد في الأرض {قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي ليس شأنَنا الإِفسادُ أبدًا، وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك قال البيضاوي: تصوُّروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال الله فيهم {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوٓءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر/ 8] ولذلك ردَّ الله عليهم أبلغ ردٍّ بتصديرِ الجملة بحرفَي التأكيد {أَلا} المنبهة (تأكيد للتنبيه) و {إنَّ} المُقرِّرة (تأكيد للتقرير)، وتعريفِ الخبر {المُفسدون}، وتوسيطِ ضمير الفصل {هُمُ}، والاستدراكِ بعدم الشعور فقال {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لَّا يَشْعُرُونَ} أي أَلَا فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقًا لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يَحُسّون لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَآ آمَنَ الناسُ} أي إذا قيل للمنافقين: آمنوا إِيمانًا صادقًا لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء، كما آمن أصحاب النبي ، وأخلِصوا في إيمانكم وطاعتكم لله {قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السُّفَهَآءُ} الهمزة للإِنكار مع السخرية والاستهزاء، أي قالوا أنؤمن كإِيمان هٰؤلاء الجهلة أمثال «صهيب وعمار وبلال»؟! قال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ} أي ألا إِنهم هم السفهاء حقًا، لأن من ركب متن الباطل كان سفيهًا بلا امتراء، ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى والبعد عن الهدى. نبّه وأكَّد وحصر السفاهة فيهم. وأصلُ السَّفَه خفة ونقصانٌ في العقل والحِلمُ يُقابله.

ثم قال تعالى منبهًا إلى مصانعتهم ونفاقهم {وَإِذَا لَقُوا الذين آمَنُوا قالوا آمَنَّا} أي وإِذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقًا ومصانعة {وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ} أي وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم أهلِ الضلالِ والنفاق {قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي قالوا لهم نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان.

قال تعالى ردًا عليهم {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال، قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم ويُملي لهم كقوله {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف/ 183] فابن عباس رضي الله عنهما أوّل الاستهزاء بالانتقام والإملاء الذي هو الإمهال. قال ابن كثير: هذا إِخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف، وإِليه وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى/40] ومثل {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ} [البقرة/194] فالأول ظلم والثاني عدل. وفي الآية من البلاغة ما يُعرفُ بالمشاكلة، قوله {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} سمَّى الجزاء على الاستهزاء استهزاءً بطريق المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى.

{وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ويزيدهم - بطريق الإِمهال والترك - في ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويتردّدون حيارى، لا يجدون إِلى المخرجِ منه سبيلاً لأن الله طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم، فلا يُبصرون رَشَدًا ولا يهتدون سبيلًا. والطُغيان مجاوزة الحد في كل شيء، والطاغية الجبار العنيد. والعَمَه التحيّر والتردّد في الشيء، قال الفخر الرازي: العمه مثل العَمَى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة.

{أُولٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالهُدَىٰ} أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} أي ما ربحت صفقتُهم في هذه المعارضةِ والبيع {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين.

        فوائد منثورة

* وصف تعالى المنافقين في هذه الآيات بعشرة أوصاف كلها شنيعة وقبيحة تدل على رسوخهم في الضلال وهي: الكذبُ، الخداع، المكر، السَّفه، الاستهزاء، الإِفسادُ في الأرض، الجهل، الضلال، التذبذبُ -التَّلاعُبُ والتَّردُّد من حالٍ إلى حال- والسخرية بالمؤمنين، أعاذنا الله من صفات المنافقين.

من البلاغة

1- التيئيس من إيمان الكفار {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فالجملة سيقت للتنبيه على غلوهم في الكفر والطغيان، وعدم استعدادهم للإِيمان، ففيها تيئيس وإِقناط من إِيمانهم.

2- الاستعارة التمثيلية {يُخَادِعُونَ الله} شبَّه حالهم مع ربهم في إِظهار الإِيمان وإِخفاء الكفر بحال رعيةٍ تخادع سلطانها، فاستعير اسم المشبَّه به -الخداع- للمشبَّه -وهم المنافقون- بطريق الاستعارة.

3- المشاكلة {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} سمَّى الجزاء على الاستهزاء استهزاءً بطريق المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم