الخميس، 13 أكتوبر 2022

القضاء والقدر : اختيار ممزوج بجبر

قال عبد الناصر حدارة 

الله عز وجل واحد في ذاته وصفاته وأفعاله...


فكونه عز وجل واحدا في أفعاله وأنه وحده المؤثر في كل شيء يلزم منه أمران لا بد للمسلم أن يعتقدهما:
١_أن كل شيء خلق الله وحده..فلا خالق سواه..
٢_بما أن الإنسان يميز بين البطشة والرعشة...رغم اتحاد صورتهما..ولكن الأولى هو أختارها..والثانية لم تقع ضمن اختياره....يلزم من ذلك أن العبد له أفعال اختيارية ..يخلقها الله عز وجل عند قدرة العبد الحادثة فيحصل كسب العبد الذي هو مناط الثواب والعقاب...


وهنا يسأل يطرح :
إن كان للعبد كسب هو مناط الثواب والعقاب.. فما معنى قول الأشاعرة:الإنسان مجبر في صورة مختار؟

أقول(عبدالناصر):مسألة القضاء والقدر من أكثر المسائل التي أوقعت من خاض فيها بالحيرة...لأنها سر من أسرار الخالق في خلقه...ولا يهتدي لخيوط هذا السر إلا من فتح الله له...

سأحاول في هذه الكلمات أن أمهد للاطلاع على تلك الخيوط لفهم مقولة الأشاعرة...بأسلوب السؤال والجواب:

السؤال الأول:هل الله يعلم أزلا قبل خلقك بأنك ستختار الإيمان على الكفر مثلا؟

الجواب:نعم..لأن علم الله أزلي وليس كسبيا وإلا كان علمه مسبوقا بجهل.. وهو محال في حق مولانا عز وجل.... فهو يعلم أزلا ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.. سبحانه...

السؤال الثاني: لو فرضنا أنك مخيّر بين الكفر والإيمان.. هل لك أن تختار الكفر على الإيمان خلاف ما علم الله أزلا؟

الجواب:طبعا..لا... وإلا لو اخترت خلاف ما علمه الله لانقلب علم الله جهلا.. وهذا محال في حق مولانا عز وجل...
إذا أنت مجبر أن تختار الإيمان وفق علم الله.. لا الكفر..
فأنت بذلك مجبر على اختيار الإيمان...

السؤال الثالث: وهذا ترجيح الإيمان على تركه...هل هو من خلقك أم من خلق الله؟

الجواب: طبعا هو من خلق الله.. فلا خالق إلا الله وحده..

السؤال الرابع: هذا ترجيح الإيمان على الكفر المخلوق لله هل هو ترجيحك أنت أو ترجيح الله؟

الجواب: لو كان ترجيحك لكان ترجيحا بلا مرجح وهو باطل عقلا....
ولكن لو فرضنا أن الترجيح ترجيحك يلزم من ذلك جواز أن ترجح خلاف ما علم الله أزلا من أنك ستموت على الإيمان... يعني يجوز أن يخالف ترجيحك علم الله... فترجح الكفر على الإيمان..... وهذا باطل للزوم أن يقلب علم الله جهلا..
فيلزم من ذلك أنه لا ترجيح لك حقيقة بين الفعل والترك... بل أنت مجبر أن تختار ما ترجح في علم الله الذي هو الإيمان.. ويستحيل عليك ترجيح الكفر....
فالمرجح إذا هو الله لا أنت...

إذا فأنت مجبر في اختيار الإيمان وليس لك الترجيح بينه وبين الكفر... فأنت مجبر في الفعل أو الترك جبرا محضا... فلا خلق لك للفعل ولا خلق للمرجح.. ولا ترجيح لك بين الفعل والترك..
وهذا معنى مقولة الأشاعرة: (العبد مجبر في صورة مختار)

وهنا سؤال يطرح نفسه: فماذا بقي لك من الأمر بعد ذلك؟

الجواب: بقي لك أنك مختار ولكن فيما علمه الله أزلا.. لا أن تختار بين الفعل والترك...هذا بالنسبة لعلم الله..

وأما بالنسبة لعلمك أنت ..فأنت لا تعلم ما ترجح لك في علم الله من إيمان أو الكفر.. لذا فأنت تجد نفسك مرجحا بين الفعل والترك.. ولكنك في الحقيقة أنت ميسر لما خلقت له من إيمان أو كفر...

حالك كحال الذي يركب في سفينة لها وجهة معينة لا يعلمها.. فهو مضطر أن يمضي معها وفق تلك الوجهة المجهولة لديه وليس له أن يغيرها.. ولكنه يستطيع أن يتجول داخل السفينة كيف شاء وفي كل الاتجاهات... فيظن نفسه بذلك أنه مختار...
ولكنه في الحقيقة هو مجبر أن يمضي وفق وجهة السفينة المجهولة لديه... وإن كان مخيرا في التنقل داخلها... فهو مجبر في صورة مختار..

خلاصة المسألة: أنك مختار لما اختاره الله عز وجل لك..
كالذي يقول لابنه الصغير : اختر هذا الحبة من السكاكر.. فيلتقطها الصغير بنفسه.. مع أنه لا يوجد غيرها...فالحقيقة أنك أنت من اخترت له هذه الحبة بجعلها وحدها... لا هو.. وإن كان هو من أخذها...

فتح الله لكم..

والحمد لله رب العالمين...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم