الجمعة، 14 أكتوبر 2022

قرآن ص4 سورة البقرة مدنية ج1 الآيات من 17 إلى 24

 سورة البقرة

مدنية بلا خلاف، وهي 286 آية.

تفسير سورة البقرة       =      ص ( ٤ )  الآيات من ١٧ إلى ٢٤

ثم ضرب تعالى مثلين وضَّح فيهما خسارة المنافقين الفادحة فقال {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَارًا} أي مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد نارًا ليستدفئ بها ويستضيء، فما اتقدت حتى انطفأت، وتركته في ظلام دامس وخوفٍ شديد {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} أي فلما أنارتْ المكان الذي حوله فأبصر وأمِن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة ذهب الله بنورهم أي أطفأها الله بالكلية، فتلاشت النار وعُدم النور {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ} أي وأبقاهم في ظلماتٍ كثيفة وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون، قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله، فبينا هو كذلك إِذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغيَّ على الرشد، فذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إِلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة. {صُمٌّ} أي هم كالصم لا يسمعون خيرًا {بُكْمٌ} أي كالخرس لا يتكلمون بما ينفعهم {عُمْيٌ} أي كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال.

ومن البلاغة في الآية التشبيه التمثيلي في قوله تعالى{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَارًا} وكذلك في {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ} شبه في المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإِظهاره الإِيمانَ بالإِضاءة، وانقطاعِ انتفاعِه بانطفاءِ النار، وفي المثال الثاني شبَّه الإِسلامَ بالمطرِ لأن القلوبَ تحيا به كحياةِ الأرضِ بالماء، وشبَّه شبهاتِ الكفارِ بالظلمات، وما في القرآن من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وفيها كذلك التشبيه البليغ في قوله سبحانه {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أي هم كالصم والبكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس، حذفت أداة التشبيه -الكاف كالصم- ووجه الشبه -عدم الانتفاع- فأصبح بليغًا.  

ثم ثنَّى تعالى بتمثيل آخر لهم زيادة في الكشف والإِيضاح فقال {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ} أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قومٍ أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوبٍ بالبرق والرعد والصواعق {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} أي في ذلك السحاب ظلماتٌ داجية، ورعدٌ قاصف، وبرقٌ خاطف {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ} أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم. والصاعقة نار محرقة مشتقة من الصَّعْق وهو الصوت الشديد {حَذَرَ المَوْتِ} أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة {وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِينَ} جملة اعتراضية أي والله تعالى محيط بهم بقُدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوتُ من أحاط به الأعداءُ من كل جانب. ومن البلاغة في الآية المجاز المرسل في قوله سبحانه {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم} وهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، أي رؤوس أصابعهم لأن دخول الأصبع كلها في الأذن لا يمكن.

{يَكَادُ البَرقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أي يقارب البرقُ لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة {كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ} أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم، وفي هذا تصويرٌ لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإِذا صادفوا من البرق لمعة -مع خوفهم أن يخطف أبصارهم- انتهزوها فرصةً فَخَطَوْا خطواتٍ يسيرة، وإِذا خفي وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في أماكنهم خشية التردّي في حفرة {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، ولزاد في ضوء البرق فأعماهم وأذهب أبصارَهم {إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إِنه تعالى قادر على كل شيء، لا يعجزه أحدٌ في الأرض ولا في السماء قال ابن جرير: إنما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إِذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر.

لما ذكر تعالى الأصناف الثلاثة "المؤمنين والكافرين والمنافقين" وبيّن بعضَ أحوالِهم في الدنيا وما يؤولون إليه من عذاب، وضرب الأمثال ووضَّح طرق الضلال أعقبه بذكر الأدلة والبراهين على وحدانيته عز وجل ، وعَرَّف الناس بنعمه ليشكروه عليها، بقوله {يَا أَيُّهَا الناس} وهو خطاب عام لجميع الفئات ممتناً عليهم بما خلق ورزق، وأبرز لهم "معجزة القرآن" بأنصع بيان وأوضح برهان ليقتلع من القلوب جذور الشك والارتياب. يقول تعالى منبهاً العبادَ إِلى دلائل القدرة والوحدانية {يَآ أَيُّهَا ٱلناسُ ٱعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي يا معشر بني آدم اذكروا نِعَم الله الجليلة عليكم، واعبدوا الله ربكم الذي خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، اُعبدوه بتوحيده واشكروه وأطيعوه {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي الذي أوجدكم بقدرته من العدم، وخلق مَن قبلكم من الأمم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لتكونوا في زمرة المتقين، الفائزين بالهدى والفلاح. والخلق الإِيجاد والاختراع بلا مثال، وأصله في اللغة "التقدير" يقال: خَلَقَ النعل إذا قدَّرها وسوَّاها بالمقياس، وخلق الأديمَ -أي الجلد- للسقاء إذا قدَّره، قال تعالى {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ} [المؤمنون/14] أي أحسنُ المُقدِّرِين. قال البيضاوي: لما عدَّد تعالى فِرَق المكلفين، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات، هزاً للسامع، وتنشيطاً له، واهتماماً بأمر العبادة وتفخيماً لشأنها، وإِنما كثر النداء في القرآن بـ {يَآ أَيُّهَا} لاستقلاله بأوجهٍ من التأكيد، وكلُّ ما نادَى اللهُ لَهُ عِبادَه من حيث إِنها أمور عظام من حقها أن يتفطنوا لها، ويقبلوا بقلوبهم عليها وأكثرهم عنها غافلون حقيقٌ بأن يُنادى له بالآكد الأبلغ.

ثمَّ عدَّد تعالى نِعَمه عليهم فقال {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ فِرَاشًا} أي جعلها مهادًا وقرارًا، تستقرون عليها وتفترشونها كالبساط المفروش الذي يقعد عليه الإِنسان وينام، وإلا ما أمكنكم العيش والاستقرار عليها قال البيضاوي: جعلها مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وذلك لا يستدعي كونها مسطَّحة لأن كروية شكلها مع عظم حجمها لا يأبى الافتراش عليها {وَالسَّمآءَ بِنَآءً} أي سقفًا للأرض مرفوعًا فوقها كهيئة القُبّة {وَأَنزَلَ مِنَ السمَّآءِ مَآءً} أي مطرًا عذبًا فراتًا أنزله بقدرته من السحاب {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} أي فأخرج بذلك المطر أنواع الثمار والفواكه والخضار غذاءً لكم {فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي فلا تتخذوا معه شركاء من الأصنام والبشر تشركونهم مع الله في العبادة، وأنتم تعلمون أنها لا تَخْلُق شيئًا ولا تَرْزق، وأنَّ الله هو الخالق الرازق وحده، ذو القوة المتين، والنِّدُّ الكُفْءُ والمثيل والنظير ومنه قول علماء التوحيد "ليس للهِ نِدٌّ ولا ضِدّ". قال ابن كثير: شرع تعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه هو المنعم على عبيده بإِخراجهم من العدم، وإِسباغه عليهم النِّعَم، والمرادُ بالسَّماء هنا السحاب، فهو تعالى الذي أنزل المطر من السحاب في وقته عند احتياجهم إِليه، فأخرج لهم به أنواع الزروع والثمار ورزقًا لهم ولأنعامهم، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالكُ الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يُعبد وحده ولا يُشرك به غيره. ومن البلاغة هنا المقابلة اللطيفة وذلك في قوله جل وعلا {جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ فِرَاشًا والسمآءَ بِنَآءً} فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، وهذا من المُحَسِّنَاتِ البَدِيعِيَّة.

ثم ذكر تعالى بعد أدلة التوحيد الحجةَ على النبوة، وأقام البرهان على إِعجاز القرآن فقال {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} أي وإِذا كنتم أيها الناسُ في شك وارتياب من صدق هذا القرآن، المعجز في بيانه وتشريعه ونظمه، الذي أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي فأتوا بسورةٍ واحدةٍ من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان {وَٱدْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ} أي وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن، والمراد استعينوا بمن شئتم غيره تعالى قال البيضاوي: المعنى اُدعوا للمعارضة مَن حضركم أو رجوتم معونته من إِنسكم وجِنكم وآلهتكم غيرَ اللهِ سُبحانه وتعالى، فإِنه لا يقدر أن يأتي بمثله إِلا الله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي فيما زعمتم أنه من كلام البشر، وجوابُه محذوف دلَّ عليه ما قبله. ومن البلاغة في الآية الإِضافةُ في قوله تعالى في حق سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم {على عَبْدِنَا} وهذه الإضافة للتشريف والتخصيص، وهذا أشرف وصفٍ لرسول الله . وفيها أيضًا التعجيز  بقوله سبحانه {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} خرج الأمر عن صيغته إِلى معنى التعجيز، وجاء لفظ سورة نكرة  لإِرادة العموم والشمول إمعانًا في التعجيز.

{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} أي فإِن لم تقدروا على الإِتيان بمثل سورةٍ من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإِتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء {وَلَن تَفْعَلُوا} أي ولن تقدروا في المستقبل أيضًا على الإِتيان بمثله، والجملةُ اعتراضيةٌ للإِشارة إلى عجز البشر في الحاضر والمستقبل قال تعالى {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء/88] أي معينًا، قال ابن كثير: تحداهم القرآن وهم أفصح الأمم ومع هذا عجزوا، و {لَن} لنفي القدرة على ذلك في المستقبل أي ولن تفعلوا ذلك أبدًا، وهذه أيضًا معجزةٌ أخرى وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا، غير خائفٍ ولا مشفق أنَّ هذا القرآن لا يُعارَضُ بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يُعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ومن تدبّر القرآن وجد فيه من وجوه الإِعجاز فنونًا ظاهرة وخفية، من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، والقرآنُ جميعه فصيح في غاية نهايات الفصاحة والبيان عند من يعرف كلام العرب، ويفهم تصاريف الكلام {فَاتَّقُوا النَّارَ} أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين {الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ} أي اتقوا النار التي مادتُها التي تُشعل بها وتُضرم لإِيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله كقوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء/98] قال مجاهد "حجارةٌ من كبريت أنتنُ من الجيفة يُعذّبون بها مع -عذاب- النار"، الوَقْود الحطب الذي توقد به النار قال القرطبي: الوَقود بالفتح الحطب، وبالضم مصدر بمعنى التَّوَقُّد {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أي هُيّئت تلك النارُ وأُرصدت للكافرين الجاحدين، وجُعلت عُدَّةً لعذابهم ينالون فيها ألوان العذاب المهين. وفي الآية من وجوه البلاغة الجملة الاعتراضية  في قوله سبحانه {وَلَن تَفْعَلُوا} لبيان التحدّي في الماضي والمستقبل وبيان العجز التام في جميع العصور والأزمان. والإيجاز البديع بذِكْرِ الكِناية في قوله {فاتَّقُوا النّارَ} أي فإن عجزتم فخافوا نار جهنم بتَصدِيقِكُم بالقرآن.

        فوائد منثورة

* الغاية من ضرب المثل: تقريب البعيد، وتوضيح الغامض حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس، وللأمثال تأثير عجيب في النفس، قال تعالى {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [سورة العنكبوت/43] أيضًا بيانٌ لأهمية العقل والتفكّر وأن له اعتبارًا في ديننا.

* تأمل قوله تعالى {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} ولم يقل "ذهب الله بنارهم" مع أنه مقتضى السياق ليطابق أول الآية {استوقد نَارًا} فإِن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب الله بما فيها من الإِشراق وهو "النور" وأبقى ما فيها من الإِحراق وهو "النار"، وتأمل قوله {بِنُورِهِمْ} ولم يقل "بضوئهم"، لأن الضوء زيادةٌ في النور، فلو قيل "ذهب الله بضوئهم" لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل.

* تأمل قوله تعالى {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} فأفرد "النور" ثم قال {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} فجمعها، فإِن الحقَّ واحد وهو الإيمانُ به سبحانه، بخلاف طُرُق الباطل فإِنها متعددة ومتشعبة، ولهذا أفرد "الحقَ" وجمع "الباطل" في آيات عديدة مثل قوله تعالى {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور} [المائدة/ 16] وقوله {وَجَعَلَ الظّلُمَاتِ وَالنُّور} [الأنعام/1].

        من البلاغة

1- التشبيه التمثيلي {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَارًا} وكذلك في {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ} شبه في المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإِظهاره الإِيمان بالإِضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وفي المثال الثاني شبَّه الإِسلام بالمطر لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبَّه شبهات الكفار بالظلمات، وما في القرآن من الوعد والوعيد بالرعد والبرق.

2- التشبيه البليغ {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أي هم كالصم والبكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس، حذفت أداة التشبيه -الكاف كالصم- ووجه الشبه -عدم الانتفاع- فأصبح بليغاً. 

3- المجاز المرسل {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم} وهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، أي رؤوس أصابعهم لأن دخول الأصبع كلها في الأذن لا يمكن.

4 -المقابلة اللطيفة {جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ فِرَاشًا والسمآءَ بِنَآءً} فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، وهذا من المُحَسِّنَاتِ البَدِيعِيَّة.

5- الإِضافة {على عَبْدِنَا} للتشريف والتخصيص، وهذا أشرف وصفٍ لرسول الله .

6- التعجيز {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} خرج الأمر عن صيغته إِلى معنى التعجيز، وجاء لفظ سورة نكرة  لإِرادة العموم والشمول إمعانًا في التعجيز.

7-  الجملة الاعتراضية {وَلَن تَفْعَلُوا} لبيان التحدّي في الماضي والمستقبل وبيان العجز التام في جميع العصور والأزمان.

8- الإيجاز البديع بذِكْرِ الكِناية {فاتَّقُوا النّارَ} أي فإن عجزتم فخافوا نار جهنم بتَصدِيقِكُم بالقرآن.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم