الجمعة، 7 أكتوبر 2022

صفة التكوين والقدرة والإرادة عند الماتريدية والأشاعرة

 قيل

القدرة عند الإمام الماتريدي صفة قائمة بذات الله تعالى، وهي تصحيح اختراع المقدورات، وليس تعلقها بالإيجاد والإعدام. أما صفة التكوين عنده فهي قائمة بذات الله تعالى، أزلية، بها يحيي ويميت، يرزق، ينعم وينتقم، يرحم، يعذب، يعفو ويغفر، يشقي ويسعد.

وهي أي صفة التكوين عند الإمام الأشعري أثر قدرة الله تعالى، ليست صفة أزلية قائمة بذات الله.

وأما القدرة عنده فهي صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى تتعلق بالممكنات بها يوجد ويعدم، ولها تعلقان

الأول تعلق صلوحي قديم، وهو تصحيح الخلق والإيجاد

الثاني تعلق تنجيزي بالحادث، أي يتعلق بالمخلوق الحادث عند حدوثه.

فعلى هذا أشبه التعلق الأول للقدرة عنده تعريف القدرة عند الماتريدي،  وأشبه التعلق الثاني للقدرة عند الأشعري تعريف التكوين عند الماتريدي، فالخلاف لفظي كما يتضح.

قال الأستاذ ابن كمال باشا المتوفى سنة ٩٤٠ للهجرة رحمه الله: اعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة ومقدمهم، ثم الشيخ أبو منصور الماتريدي، وإن أصحاب الشافعيّ وأتباعه تابعون له، أي لأبي الحسن الأشعري في الأصول وللشافعيّ في الفروع. وإن أصحاب أبي حنيفة تابعون للشيخ أبي منصور الماتريدي في الأصول، ولأبي حنيفة في الفروع، كما أفادنا بعض مشايخنا رحمه الله تعالى، ولا نزاع بين الشيخين وأتباعه إلا في اثني عشر مسألة.


المسألة الأولى:

قال الماتريدي: التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كجميع صفاته، وهو غير المكوّن، ويتعلق بالمكوّن من العالم وكل جزء منه وقت وجوده، كما أنه إرادة الله أزلية تتعلق بالمرادات بوقت وجودها وكذا قدرته تعالى الأزلية مع مقدراتها.

وقال الأشعري: إنها صفة حادثة غير قائمة بذات الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية عنده لا من الصفات الأزلية. والصفات الفعلية كلها حادثة كالتكوين والإيجاد ويتعلق وجود العالم بخطاب كُنْ.

وحاصل هذه المسألة عند الإمام الماتريدي هو أن الله تعالى يتصف بصفات ثلاث، القدرة والإرادة والتكوين، وأن كل صفة من هذه الصفات لها تعلق بالممكنات، فالإرادة تعلقها قديم بالمرادات، وهي تخصص المرادات بوقت وجودها، وكذلك القدرة فلها تعلق قديم بالمقدورات، وحقيقة تعلق القدرة عند الإمام الماتريدي ليس هو عين الإيجاد والإعدام، وإلا لم يكن قديماً، بل تعلقها بالمقدورات معناه تصحيح اختراع هذه المقدورات، أي أن كون الله قادراً معناه أن الله يصح أن يخلق هذه الممكنات لا من شيء، والمصحح لهذا الحكم الثابت لله جل شأنه هو صفة القدرة أو اتصافه جل شأنه بالقدرة.

وأما التكوين فهي صفة معنى كالقدرة والإرادة، ولها تعلق بما يكوّنه الله تعالى أي بما يوجده، وهذا التعلق لا يكون إلا حادثاً وقت تكوين وخلق الموجودات.

ومن هذا تعلم أن التكوين صفة أزلية قائمة بالله ولها تعلق تنجيزي حادث بالمكوّنات وقت حدوثها أي وقت حدوث المكوّنات والموجودات المخلوقة.

ولذلك يقول العلماء التكوين غير المكوّن، لأن التكوين هو الصفة القديمة، والمكوّن هو المخلوق الحادث.

وأما حاصل المسألة على مذهب الإمام الأشعري فهي:

إن الله يتصف بالإرادة الأزلية، ولها تعلقات كما يقول الماتريدي، فلا تخالف صفة الإرادة.

وأما القدرة على مذهب الأشعري، فهي صفة أزلية أيضاً، وإلى هذا الحدّ لا خلاف مع الماتريدي، ولكن الأشعري يقول: إن للقدرة تعليقين الأول تعلق صلوحي قديم، يلزم عنه صحة الحكم بأن الله يصح أن يخلق ويوجد لا من شيء جميع المخلوقات، والتعلق الثاني تنجيزي حادثٌ يتعلق بالمخلوق الحادث عند حدوثه. فالإيجاد والإعدام بالفعل من أحكام القدرة عند الإمام الأشعري، وهما من أحكام التكوين عند الماتريدي.

وأما التكوين عند الأشعري فهو تعلق القدرة التنجيزي بالمقدورات، إن كان أثره كوناً عاماً أي وجوداً، فيُسمّى نفس التعلق تكويناً، وإن كان أثر التعلق رِزقاً، يُسمى نفس التعلق ترزيقاً، وإن كان أثر التعلق وجود حياةٍ، فيسمى إحياءً، وإن كان إيجاد موتٍ فيُسمى التعلق إماتةً.

فالتكوين إذن عند الأشعري هو وصف لنفس تعلق القدرة التنجيزي بملاحظة أثره. والتكوين عند الماتريدي هو نفس الصفة الأزلية الصادر عنها المكوّن والمخلوق... الخ.

ولذلك فالتكوين عند الأشعري وصفٌ حادثٌ لله تعالى، وهو ليس أمراً وجودياً قائماً بالله تعالى، بل نسبة إضافية بين المخلوق وبين الله تعالى من حيث هو خالقٌ. ولذلك فالتكوين عند الأشعري من صفات الأفعال، بل هو من أوصاف الأفعال.

ومن الظاهر أن هذا الخلاف ليس أصلياً، لأن الاتفاق فصل بينهم على ثبوت هذين النوعين من التعلقات، ولو قال واحدٌ إن الله لا يصح أن يخلق بعض الممكنات لكان خلافاً أصلياً، ولو قال واحدٌ إن الله لم يخلق بالفعل بعض الممكنات وقال غيره بل خلق بالفعل كل الممكنات لكان خلافاً أصلياً. ولكن حقيقة الخلاف بين الإمامين ليست في شيء من ذلك.

والجهة الوحيدة التي يتحقق فيها الخلاف، هي هل يثبت لله صفة زائدة على القدرة اسمها التكوين أم لا، ومعلوم أن الأصل المتفق عليه عندهما هو أن كمالات الله لا تتناهى، فإثبات صفة كمال لا تؤدي إلى نقص لا ينتقص هذا الأصل. بخلاف ما لو أثبت واحدٌ صفة تستلزم التشبيه كالجارحة والحدِّ، فإن الخلاف يصير أصلياً عند ذاك. انتهى كلام ابن كمال باشا.


قال د. مجدي باسلوم في تحقيقه لتفسير الإمام أبي منصور الماتريدي تأويلات أهل السنة

لقد اختلف الماتريدية مع الأشاعرة في مسألة التكوين، فقد أثبتها الماتريدية، ونفاها الأشاعرة، كما سيظهر فيما يلي:

الماتريدية:

يقول السادة الماتريدية بأن التكوين صفة حقيقية زائدة غير القدرة والإرادة؛ إذ هو صفة أزلية، وغير المكون الحادث، وقدم التكوين لا يستلزم قدم المكوَّن، وأما كون التكوين غير المكوَّن؛ لأنه لو كان التكوين عين المكوَّن لم يكن من اللَّه تعالى شيء يوجب كونه خالقًا للعالم سوى أن ذات الباري أقدم من العالم، وكون ذاته أقدم من غيره لا يوجب كونه خالقًا. والقول بأن التكوين عين المكوَّن يؤدي إلى قدم العالم، وكونه بنفسه لا بغيره، وما لا يحتاج في حصوله إلى غيره كان قديمًا، فدل ذلك على أن التكوين غير المكوَّن.

يقول الماتريدي: " إن صفته التي هي الفعل هي صفة ذاته، فيقال: اللَّه خالق ورحمن ورحيم وقد سمى به ذاته ".

الأشاعرة:

أما الأشاعرة فيقولون بأن التكوين ليس صفة حقيقية له، لكنه أمر اعتباري يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر، وإضافته إليه، فهو من صفات الأفعال، وهي عند الأشعرية حادثة، لا من الصفات الذاتية، والتكوين عين المكوَّن، والتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، كما أن الترزيق هو القدرة باعتبار تعلقها بإيصال الرزق.


والمتأمل للمسألة يرى أن الخلاف بين الفريقين راجع إلى المعنى لا إلى اللفظ، فعند الماتريدية مبدأ الإيجاد عندهم هو صفة التكوين، وعند الأشاعرة التكوين لا يعد صفة حقيقية لله تعالى زائدة على القدرة والإرادة، بل هو معنى يعقل من إضافة المؤثر إلى الأثر.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم