الأربعاء، 12 أكتوبر 2022

الوحدانية : برهان التمانع

 قال عبد الناصر حدارة

معنى وحدانية مولانا عز وجل سلب تصور الكمية في ذاته وصفاته.. فذاته ليس كَمًّا متصلا ولا منفصلا.. وصفاته ليست كما متصلا ولا منفصلا... وأفعاله ليست كما منفصلا.. بيان ذلك:

١-معنى أن ذاته ليس كما متصلا أي أن ذاته ليس كلا مركبا من أجزاء...
ومعنى أن ذاته ليس كما منفصلا أي أن ذاته ليس كليا مكونا من جزئيات...أي ليس له شريك..

٢_ومعنى أن صفاته ليست كَمًّا متصلا أي أن صفاته ليست كلا مركبا من أجزاء أي ليس له علمان أو قدرتان أو إرادتان وهكذا باقي الصفات..بل علمه علم واحد وقدرته قدرة واحدة وهكذا..
ومعنى أن صفاته ليست كما منفصلا أي أن صفاته ليست كليا مكونا من جزئيات أي ليس لغيره علم كعلمه ولا قدرة كقدرته أو إرادة كإرادته وهكذا...

٣_ومعنى أن أفعاله ليست كما منفصلا أي أن أفعاله ليست كليا مكونا من جزئيات أي ليس لغيره أفعال كأفعاله...فهو وحده عز وجل المنفرد بالإيجاد والتدبير بلا واسطة ولا معالجة..فهو المؤثر وحده ولا أثر لغيره في شيء على الحقيقة..
وأما الكم المتصل في الأفعال فأفعال مولانا عز وجل كثيرة من إحياء وإماتة ورزق وإنبات....ألخ...فأفعاله كم متصل وهي كلها تعود لصفة القدرة...

وأما براهين وحدانية مولانا عز وجل فكثيرة...أشهرها برهان التمانع وهو برهان قرآني ذكره الله عز وجل في قوله (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ..وسنأتي إليه مفصلا بعد قليل بإذن الله...

وسأكتفي الآن ببرهانين اثنين غير برهان التمانع يثبتان وحدانية مولانا عز وجل..

الأول: لو فرضنا شريكا لمولانا عز وجل لكانا واجبي الوجود..فلا بد أن يشتركا بالوجود ويمتاز كل واحد منهما عن الآخر بنفسه..وما به الاشتراك غير ما به الامتياز...فيكون بذلك كل واحد منهما مركبا مما به الاشتراك ومما به الامتياز...وكل مركب حادث...لأن كل مركب محتاج لجزئه..وجزئه غيره..فكل مركب محتاج لغيره..والمحتاج لغيره حادث..

فلو فرض إلهان لكانا حادثين..والحدوث محال في حق الإله كما بان لك في برهان القدم والبقاء فلزم أن يكون الإله واحدا..

الثاني:لو فرضنا إلهين...لوجب أن يكون كل واحد منهما مشاركا للآخر في الإلهية..ولا بد أن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بأمر ما وإلا لما حصل التعدد..فما به التمايز إما أن يكون صفة كمال معتبرة في الإلهية أو لا..

فإن كان ما به التمايز صفة كمال تتحقق بها الإلهية..فيلزم خلو كل واحد منهما عن صفة الكمال التي يمتاز به كل واحد منهما عن الآخر ..والخالي عن صفة كمال ليس إلها..فليسا بإلهين..

وإن لم يكن ما يمتاز كل واحد منهما عن الآخر صفة كمال..فيلزم أن الاتصاف به غير واجب..بل ممكن..والاتصاف بالممكن يفتقر إلى مخصص فالموصوف به حادث لافتقاره إلى مخصص...
فبان بذلك أنه لو فرضنا إلهين لكانا حادثين كذلك..فيلزم أن الإله لا بد أن يكون واحدا ..

فثبتت بهذين البرهانين وحدانية مولانا عز وجل في ذاته وصفاته وأفعاله مصداقا لقوله تعالى(قل هو الله أحد)...

ملحق للدرس الثامن (وحدانية مولانا عز وجل): 

برهان التمانع  

في تقرير وحدانية مولانا عز وجل ببرهان التمانع الذي دل عليه قوله تعالى:(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) قال المتكلمون :  

القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالا؛  إنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو قدرنا إلهين(كل واحد منهما متصف بصفات الإلهية الكاملة) فإما أن يتفقا أو يختلفا؛  فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال...  وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال..

وفي تقرير ذلك:  أن الإلهين المتصفين بصفات الإلهية لا بد وأن يكون كل واحد منهما قادرا على كل المقدورات.... ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه...

فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه فإما:

١-أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين..

٢-أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر ، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس ، فلو امتنعا معا لوجدا معا وذلك محال..

٣-أو يقع مراد أحدهما دون الثاني وذلك محال أيضا لوجهين:  

- أحدهما : أنه لو كان كل واحد منهما قادرا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لا بد وأن يستويا في القدرة ، وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح..  

- وثانيهما : أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادرا والذي لم يقع مراده يكون عاجزا والعجز نقص وهو على الله محال..  

وهذا هو برهان التمانع المستمد من قوله تعالى(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)..  

واعلم أن المتكلمين قد فهموا من هذه الآية دليلين وليس دليلا واحدا على التوحيد..

١- الأول من الإشارة وهو دليل التمانع، وهو الذي سبق أن تم توضحه...

٢- الثاني من العبارة وهو يعتمد على أن لو وُجد آلهة متعددة يجب عادة أن تختلف، واختلافها يجب أن ينتج عنه فساد العالم ولو بعد وجوده.  

وحاصل الدليلين: أن الدليل لو أقيم على أساس انتفاء العالم وفساده ولو بعد وجوده، كان دليلا إقناعيا وهو ما يظهر في عبارة النص..  

وأما لو أقيم بناء على أن التعدد ينتج عنه عدم وجود العالم أصلا فإنه يكون قطعيا لا خطابيا...وهو ما يشير إليه النص..  ذلك أن المحال اللازم من الدليل المذكور من الآية هو فساد العالم، وفساد العالم يصدق بعدم وجوده أصلا، أو بفساده واختلال أركانه ولو بعد وجوده...وهذان اللازمان يعبران عن دليلي المتكلمين...  والحمد لله رب العالمين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم