الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
عقيدة أهل السنة والجماعة
قَالَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدٌ أَبُو زَهْرَةَ فِي كِتَابِهِ: (اِبْنُ تَيْمِيَّةَ):
« ... إِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ إِذْ يُقَرِّرُ مَا يَرَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا فِيهِ، فَقَدْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ بِتَقْرِيرِهِ، وَلَكِنَّ السَّابِقَ لَمْ يُسْعَفْ بِبَيَانٍ قَوِيٍّ كَبَيَانِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ... وَلَقَدْ تَجَرَّدَ الْعَالِمُ الْفَقِيهُ الْأَثَرِيُّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ فَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْإِضَافَاتِ صِفَاتٍ، فَاعْتَبَرُوا الِاسْتِوَاءَ صِفَةً، وَغَيْرَ ذَلِكَ؛ وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعِبَارَاتِ عَلَى ظَاهِرِهَا؛ وَأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْعَقَائِدَ بِأَدِلَّةٍ غَيْرِ قَطْعِيَّةٍ.
وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا ذَلِكَ هُوَ عِلْمُ السَّلَفِ، فَبَيَّنَ أَنَّ عِلْمَ السَّلَفِ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَإِلَيْكَ قَوْلَهُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَقَدْ حَصَرَ أَغْلَاطَهُمْ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ:
[(أَوَّلُهَا): أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْأَخْبَارَ: (أَخْبَارَ صِفَاتٍ). وَإِنَّمَا هِيَ (إِضَافَاتٌ)؛ وَلَيْسَ كُلُّ مُضَافٍ صِفَةً، فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}، وَلَيْسَ للهِ صِفَةٌ تُسَمَّى (الرُّوحُ). فَقَدِ ابْتَدَعَ مَنْ سَمَّى الْمُضَافَ صِفَةً.
(وَالثَّانِي): أَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى. ثُمَّ قَالُوا: نَحْمِلُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا. فَوَاعَجَبًا! مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى أَيُّ ظَاهِرٍ لَهُ؟!. وَهَلْ ظَاهِرُ الِاسْتِوَاءِ إِلَّا الْقُعُودُ، وَظَاهِرُ النُّزُولِ إِلَّا الِانْتِقَالُ؟!.
(وَالثَّالِثُ): أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا للهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - صِفَاتٍ، وَصِفَاتُ الْحَقِّ - جَلَّ جَلَالُهُ - لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الذَاتُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ.
(وَالرَّابِعُ): أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي الْإِثْبَاتِ بَيْنَ خَبَرٍ مَشْهُورٍ - كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَنْزِلُ اللهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " - وَبَيْنَ حَدِيثٍ لَا يَصِحُّ، كَقَوْلِهِ: " رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ".
(وَالْخَامِسُ): أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ حَدِيثٍ مَوْقُوفٍ عَلَى صَحَابِيٍّ، أَوْ تَابِعِيٍّ؛ فَأَثْبَتُوا بِهَذَا مَا أَثْبَتُوا بِهَذَا.
(وَالسَّادِسُ): أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا بَعْضَ الْأَلْفَاظِ فِي مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا فِي مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: " مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ". قَالُوا: ضُرِبَ مَثَلًا لِلْإِنْعَامِ.
(وَالسَّابِعُ): أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى مُقْتَضَى الْحِسِّ، فَقَالُوا: " يَنْزِلُ بِذَاتِهِ "، وَ" يَنْتَقِلُ وَيَتَحَوَّلُ بِذَاتِهِ ". ثُمَّ قَالُوا: " لَا كَمَا نَعْقِلُ! ". فغَالَطُوا مَنْ يَسْمَعُ، وَكَابَرُوا الْحِسَّ وَالنَّقْلَ] . اِهَـ. هَذَا نَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ مُؤَدَّى كَلَامِهِمْ. وَمَهْمَا يُحَاوِلُوا
نَفْيَ التَّشْبِيهِ فَإِنَّهُ لَاصِقٌ بِهِمْ؛ فَإِذَا جَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ بَعْدِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ، وَقَالَ: " إِنَّهُ اشْتِرَاكٌ فِي الِاسْمِ، لَا فِي الْحَقِيقَةِ ". فَإِنَّهُمْ إِنْ فَسَّرُوا الِاسْتِوَاءَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ: فَإِنَّهُ الِاقْتِعَادُ، وَالْجُلُوسُ؛ وَالْجِسْمِيَّةُ لَازِمَةٌ لَا مَحَالَةَ. وَإِنْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ
الْمَحْسُوسِ: فَهُوَ تَأْوِيلٌ. وَقَدْ وَقَعُوا فِي مَا نَهَوْا عَنْهُ. وَفِي الْحَالَيْنِ: قَدْ خَالَفُوا التَّوَقُّفَ الَّذِي سَلَكَهُ السَّلَفُ. وَلَا يَكْتَفِي ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِرَدِّ هَذَا التَّشْبِيهِ - وَإِنْ حَاوَلَ الْقَائِلُونَ نَفْيَهُ -، بَلْ يُقَرِّرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ حَنْبَلٍ - وَابْنُ الْجَوْزِيِّ حَنْبَلِيٌّ -، وَالْقَائِلُونَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ قَبْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ حَنَابِلَةٌ.
وَيَقُولُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي ذَلِكَ: (رَأَيْتُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْأُصُولِ بِمَا لَا يَصْلُحُ. وَانْتَدَبَ لِلتَّصْنِيفِ ثَلَاثَةٌ:
1 - أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ حَامِدٍ. 2 - وَصَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى. 3 - وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ. فَصَنَّفُوا كُتُبًا شَانُوا بِهَا الْمَذْهَبَ، وَرَأَيْتُهُمْ قَدْ نَزَلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ الْعَوَامِّ، فَحَمَلُوا الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِسِّ) ... إِلَخِ)» . اِهَـ.
وَقَدْ خَتَمَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَبُو زَهْرَةَ رَأْيَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَهْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمُتَشَابِهِ، فَقَالَ مُعْلِنًا عَدَمَ مَيْلِهِ لِطَرِيقَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
« ... بَعْدَ هَذَا الْعَرْضِ لِلْأَنْظَارِ الْمُخْتَلِفَةِ نَنْتَهِي إِلَى أَنَّنَا: لَا نَمِيلُ إِلَى طَرِيقَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي فَهْمِ الْمُتَشَابِهِ، لِأَنَّهَا تُفْضِي بِنَا إِلَى تَوَهُّمِ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ ... » . اِهَـ.
وَقَالَ فَضِيلَتُهُ: « ... وَلَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي (الْفِصَلِ) أَنَّ أَحْمَدَ ابْنَ حَنْبَلٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاءَ رَبُّكَ}: " إِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ". وَإِنَّا َنَمِيلُ - بِلَا شَكٍّ - إِلَى أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ قَدْ تَوَقَّفُوا فِي الْعِبَارَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُمْ فِي مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ، وَلَمْ يُفَسِّرُوا عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ؛ وَنَمِيلُ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْمَجَازِ الظَّاهِرِ - مِثْلُ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} - فَسَّرُوا بِالْمَجَازِ ... لِأَنَّهُ وَاضِحٌ». اِهَـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم