الأربعاء، 4 مارس 2026

عمالقة البحرية الإسلامية - الإخوة بربروس

عمالقة البحرية الإسلامية - الإخوة بربروسَ

" قد كان بجوارنا الوزير المكرّم المجاهد في سبيل اللَّه خير الدين وناصر الدين وسيف الإسلام ...، علم بأحوالنا وما نجده من عظيم أهوالنا ... فاستغثنا به فأغاثنا، وكان سببَ خلاصِ كثير من المسلمين من أيدي الكفرة المتمرّدين، نقلهم إلىٰ أرض السلام وتحت إيالة طاعة مولانا السلطان"...

رسالة بعث بها أهالي "غرناطة" إلى السلطان سليمان القانوني عام ١٥٤١م.

كلّما قلّبنا في صفحات التاريخ المنسية، زادت قناعة كانت قد تجسّدت لدَى الكثيرين بأن تاريخنا الذي نجهلُه نحن، يعرفه تمام المعرفة الآخرون! هٰؤلاء القوم درسوا تاريخنا جيدًا بينما وقعنا نحن في الفخّ الذي نصبوه لنا، فنسينا تاريخنا وأبطالنا، حتىٰ سقطنا في براثن الجهل والتخلّف. وإن كنتَ تظن أن هٰذا الاستنتاج ما هو إلا خيال كاتب مهووسٍ بنظرية المؤامرة، فاسأل أيّ شخص شاهد فيلمًا من أفلام قراصنة البحار التي تنتجها "هوليود" عن اسم أشهر قرصان يظهر في الأفلام والقصص وحتىٰ مسلسلات الأطفال، حينها لن يستغرق ذٰلك الشخص زمنًا طويلًا بالتفكير حتىٰ يجيبَك بأنه القرصان ذو اللحية الحمراء والعين الواحدة واليد المقطوعة والقدم الخشبية (بربروسا)! والحقيقة التي لا يُراد لنا أن نعرفها أن بربروسا هٰذا الذي يصوّرونه لنا بهٰذه الصورة المخيفة ما هو إلّا بطلٌ إسلاميٌّ قلَّ نظيرُه في تاريخ الإنسانية، رجل كلّه عزةٌ وكرامة، ومنعة وسؤدد، مجاهد في سبيل اللَّه، لم يكن قرصانًا مُتعطشًا للدماء، بل كان بطلًا يعملُ لإنقاذ دماء آلاف الأبرياء التي كان يسفكها العَطشىٰ للدماء!


القصة تبدأ بذٰلك اللّقاء الذي جمع السلطان العثماني سليم الأول رحمه اللَّه بقائدٍ بحري فذّ اسمه عَروج (أَروج) بن أبي يوسف يعقوب، وهو قائدٌ عثماني من أب ألباني وأم أوروبية أندلسية هربت بدينها من إرهاب محاكم التفتيش في الأندلس في أقبية التعذيب، شاء اللَّه أن تنجوَ هٰذه الأم لتقصّ علىٰ أبنائها قصصَ التعذيب البشعة التي تعرّض لها أخوالُهم المؤمنين، وتروي لهم حكايات المقاومة الشعبية الباسلة لمسلمي الأندلس الّذين رفضوا عبادة غير اللهِ سبحانه، فزرعت روح البطولة في نفوس أبنائها منذ نعومة أظفارهم، وهنا يظهر دور الأم صانعة الأبطال!

استدعى الخليفة العثماني الشّهم سليمٌ الأول القائدَ عروج وأطلعه علىٰ رسائل الاستغاثة التي بعث بها المضطهدون من أقبية التعذيب المظلمة، وليعلم أننا لا نبثّ الفتنة ولا ما يحول دون العيش المشترك، لٰكننا حريصون علىٰ بيان الحقيقة التاريخية وخاصة تلك التي تتمثّل بوحشية الملِكة إيزابيلا الأولىٰ واضطهاد المدنيين الأبرياء وتعذيبهم وقتلهم إن رفضوا أن يصيروا علىٰ مذهبها! يوكلُ السلطانُ العثمانيّ سليم للقائد عروج مهمّةً أشبهَ بالمهمة المستحيلة، وأعطاه التوجيه الإستراتيجي التالي:

١)  الإبحار من أقصىٰ شرق البحر المتوسط في تركيا إلىٰ أقصىٰ غرب المتوسط في الأندلس ومحاربة أساطيلِ جيوشِ المعتدِين من إسبانيا وبرتغاليا وإيطاليا وبولندا وسفن القسيس يوحنا.

٢)  اختراق كل تلك الحصون البحرية والتي تبني جدارًا بحريًا حول الأندلس والتمكّن من الرسو الآمن في إحدى المدن الأندلسية المحتلّة من قبل القشتاليين.

٣) تدمير الحامية البحرية وشلّ قوة العدو الدفاعية والتحوّل إلى اليابسة وخوض حرب شوارع ضد القوات البرية في أزقة تلك المدينة وشوارعها.

الملكة إيزابيلا الأولى

٤) تحرير المدينة الأندلسية من جديد ورفع الراية الإسلامية علىٰ قلاعها ومباغتة العدوّ بصورة مفاجئة للحيلولة دون هروب القساوسة الكاثوليك الذين كان يعذّبون المدنيين ويعرفون أماكن غرف التعذيب السرية تلك.

٥) البحث في جميع أقبية الكنائس المظلمة بشكل فوري قبل أن يتم تهريب المُعذّبين والتمكّن من العثور علىٰ جميع الغرف السرية التي يُعذّب فيها الضحايا الأبرياء.

٦) تحرير جميع السجناء مع مراعاة نقلهم من الأقبية قبل طلوع الشمس لتجنّب إصابة الأسرىٰ بالعمىٰ نتيجة عدم رؤيتهم ضوء الشمس منذ سنين.

٧) نقل الأسرىٰ حملًا إلى السفن العثمانية، مع مراعاة الحالة البدنية الفظيعة التي وصلوا إليها، لتجنّب تعريض جلودهم الرقيقة، من أثر التعذيب وانعدام الشمس عنها، للتمزّق أثناء الحمل.

٨) إخلاء المدينة علىٰ وجه السرعة، مع مراعاة أن لا تستمر العملية منذ الرسو في الميناء وحتى الإقلاع أكثر من ٦ ساعات لتجنب الاشتباك مع قوات المدد للعدو الآتية من المدن المجاورة.

٩) الإبحار تحت جنح الظلام وشلّ حركة العدو البحرية أثناء رحلة الرجوع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العودة هٰذه المرة لن تكون نحو تركيا، وإنما ستكون نحو الجزائر من طريق آخر لإسعاف الأسرىٰ بأسرع وقت من جهة، ولخداع بحرية العدو من جهة أخرىٰ. انتهت المهة!

العجيب أن القائد عروج قام بتنفيذ هٰذه المهمة بنجاح منقطع النظير! والأعجب أنه قام وإخوته بتكرارها مرَّات ومرَّات، فأنقذ أولٰئك الإخوة الألبانُ جزاهم اللَّه كل خير عشرات الآلاف من أرواح الأندلسيين. فذاع صيت القائد البحّار عروج في بحار الدنيا كلّها، وتناقلت شوارع أوروبا قصصًا متناثرة عن بطولة بحّار عثماني يبحر كالشبح المرعب فلا يستطيع أحد صدّه أبدًا، أما الأندلسيون المسلمون فقد أسمَوْه (بابا أروج) أو (بابا أروتس) أي (الأب عروج) في لغة الأندلسيين الأوروبيين، وذٰلك من فرط احترامهم وتقديرهم لهٰذا البطل الذي خلّصهم من ويلات محاكم التفتيش، ونطق الإيطاليون بابا أروتس (بَربَروس) وربما تعني عندهم الرجل صاحب اللحية الحمراء!

السلطان العثماني سليم الأول

اصطحب القائد عروج في تلك الحملات إخوته إسحٰق وإلياس وخسرف (خير الدين) فاستشهد إلياس رحمه اللَّه وقام خير الدين بمحاربة الحكام العملاء الذين أوشوا بهم للعدو في بلاد الجزائر، بينما سقط عروج في أسر فرسان القسّيس يوحنا في جزيرة "رودس"، ولٰكنه بأعجوبة استطاع أن يحرّر نفسه، ثم التسلّل بحرًا إلى إيطاليا، والاستيلاء على سفينة من سفن العدو بعد أن فتك بمن عليها من الجنود، ثم أبحر وحده من إيطاليا إلىٰ مصر، فقابل السلطان المملوكي الغوري رحمه اللَّه، فأهداه سفينة بعتادها ومجاهديها، لينطلق بها إلى الجزائر ليلقىٰ أخاه خير الدين، ليواصلا معًا حملات مكافحة العدو وتحرير السجناء رغم قلّة سفنهم وتواضعها، وما هي إلا أشهر قليلة حتىٰ أصبح اسم "الأخوان بربروسَ" اسمًا يُرعب سفن الغزاة في كل بحار الأرض، قبل أن يتمكّن أحد الخونة من الحكام المأجورين بفتح أبواب مدينة (تلمسان) للعدو، ليجبروا القبطان عروج ومن معه على الاستسلام، فأبى القائد وجنودُه وقاوموا بكل بسالة -وكان إذّاك بيَدٍ واحدة! فلقد فقد إحدىٰ يدَيه في حملات إنقاذ نساء وأطفال الأندلسيين من وحشية عدوّهم-، فلمّا علمت الملِكة إيزابيلا أن القائد عروج هو الذي يقاتل بنفسه، بعثت بالإمدادات العسكرية من مدريد لتحاصر هٰذا البطل من كل اتجاه، وبعد معركة ضارية تتغلب الكثرة على الأسد عروج، فيحيط به أعداؤه بسيوفهم التي انهالوا بها علىٰ جسده تقطيعًا وتمزيقًا، ليرفع القائد عروج إبهامه عاليًا مبتسمًا وهو يقول:

أشهدُ أن لا إلٰه إلا الله    وأشهد أنّ محمّدًا رسولُ الله

بعدها قطعوا رأسه وطافوا به في مدن أوروبا التي دُقت أجراسُها احتفالًا بالتخلّص من مرعبهم القرصان بربروسا! وهٰكذا سنّةُ اللهِ في خَلقه.. كلّما مات قائدٌ خَلَفه قائد لتبقىٰ راية الحقّ مرفوعة.

قام البطل خيرُ الدّين مصمّمًا على الثأر لشقيقه القائد عَروج، فجهّز سُفنه واتّجه إلىٰ تونس فحرّرها ودمّر أسطول العدو فيها، ثم حرّر بعد ذلك الجزائر، وسار إلىٰ جزر البليار الإسبانية وفتحها، فبلغ الخبر مسامع بابا الفاتيكان آنذاك بولس الثالث بانتصارات خير الدين، ليُعلن حالة النفير العام في أرجاء أوروبا، فتكوّن تحالفٌ ضخم من ٢٦٢ سفينة تحمل نحو ستين ألف جندي، تحت إمرة أعظم قائد بحري عرفته أوروبا في القرون الوسطىٰ (أندريا دوريا) وذلك للقضاء على البحرية العثمانية نهائيًا في البحر المتوسط، المؤلّفة من ١٢٢ سفينة تحمل اثنين وعشرين ألف جندي.

في الرابع من جُمادى الأولىٰ عام ٩٤٥هـ الموافق لـ ٢٨ سبتمبر ١٥٣٨م التقى الأسطولان في معركة "بروزة" البحرية الشهيرة، وبالرغم من تفوّق الأوروبيين بالعدّة والعتاد، إلا أن القائد خير الدين انتصر انتصارًا كبيرًا مدوّيًا، ففي خمس ساعات تقريبًا تمكّن الأسطول العثماني من تدمير الأسطول الأوروبي وإغراقه، ولاذ الأسطورة "أندريا  دوريا" ليلًا بالفرار تاركًا إخوانه خلفه بين قتلىٰ وجرحىٰ وأسرىٰ، فلم تذكره كتب التاريخ الأوروبية بعد تلك الهزيمة النكراء!

معركة بروزة البحرية (أكبر معركة بحرية في تاريخ الإسلام)

ضمّ التحالف الأوروبي كلًا من القيادات التالية:

 ١ - فرسان المالطية.   ٢ - جيوفاني أندريا دوريا.   ٣ - فيروني غانزاغ.   ٤ - فيكنزو كابيللو.

 ٥ - ماركو جيرميني.     ٦ - أليساندرو كونادليرو.    ٧ - فرانسيسكو دوريا.

بينما ضمّت البحرية العثمانية:

١ - سيدي علي الرئيس.   ٢ - خير الدين بربروس.  ٣ - صالح الرئيس.

٤ - طورغوط الرئيس.     ٥ - جعفر الرئيس.          ٦ - سنان الرئيس.

وبعد هٰذا الانتصار الكبير أصبحت البحرية العثمانية سيّدة البحر المتوسط بلا منازع لثلاثة قرون متَّصلة. وصل خبر انتصار القائد خير الدين رحمه الله إلىٰ بلاد المسلمين في كل مكان، فعلت المآذن بالتكبير في مكة والمدينة والقدس والقسطنطينية وبغداد وبومباي ودمشق والقاهرة وسمرقند وغيرها من بلاد الإسلام، وصلّى المسلمون صلاة الشكر احتفالًا بنصر اللَّه المؤزّر، واستقبل السلطان العثماني سليمان القانوني بن السلطان سليم الأول خبر هٰذا النصر بالسجود شكرًا للَّه بعد أن أتمّ ما بدأه والدُه سليم الأول رحمه اللَّه من إنقاذ المسلمين في الأندلس، فقام السلطان بتعيين خيرِ الدين أميرًا عامًا لأساطيل البحرية العثمانية، الذي واصل من فوره عمليات إنقاذ المدنيين من تعذيب محاكم التفتيش، فأبحر في البحر الأبيض المتوسط جيئةً وذهابًا لنقل اللاجئين الأندلسيين، فأنقذ وحده ما يزيد عن ٧٠ ألف نسمة، فأطلق عليه حينَها أهلُ الأندلس لقب (خير الدين) عرفانًا له بالجميل. فرحم اللَّهُ الإخوةَ بربروسا أروج وخير الدين وإلياس رحمة واسعة، وإن كان هٰؤلاء الأبطال قراصنةً فأكرم بهم من قراصنة، ولٰكنهم ما قصدوا البحر طمعًا في كنوزٍ دفينة في أتربة جُزُر، أو غارقة في غياهب بحرٍ، بل حُبًا في اللهِ ورسوله ﷺ.

لقد آن الأوان أن نُزيلَ الغبارَ عن تاريخنا لنُخرج منه لآلئ سِيَر أبطالنا العظماء المنسيّين ونقدّمها لشباب أمّتنا، ونكتب بـ حروف من نور علىٰ صفحات من ذهب حقيقةَ أمجاد هٰؤلاء الأبطال التي تمّ تشويهُ سِيَرِهم.

والآن... ما هي قصة معركة "موهاكس" العظيمة؟ ومن هو الخليفة العثماني الكبير الذي فاق مِلكه ملك الإسكندر المقدوني؟ لمعرفة الجواب.. لا بدّ أن نُبحر علىٰ متن إحدىٰ سفن الأسطول العثماني الضخم من عاصمة الدولة الإسلامية آنذاك "إسطنبول"، لنتابع معًا حكايةَ عظيم آخرَ اسمه على اسم نبيّ اللهِ سُليمان.. عليه السلام...






 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم