الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
مسألة القول بـ "خلف الوعيد"، وهي قاعدة مشهورة عند الأشاعرة (مثل الإمام اللقاني في "جوهرة التوحيد")، ومفادها:
الوعد بالثواب: لا يجوز إخلافه من الله أبداً لأنه كرم.
الوعيد بالعقاب: يجوز في حقه العقلي أن يخلفه الله كرمًا منه، أي أن الله قد يغفر للعاصي ولا يعذبه، وهذا لا يعد تكذيباً لخبره بل رحمةً وفضلاً.
لكن الأشاعرة يطبقون قاعدة "خلف الوعيد" على عصاة الموحدين فقط، أما الكفار فقد أجمعوا على أن الوعيد في حقهم نافذ لا محالة بسبب ورود النصوص القاطعة بالتخليد، وأن "خلف الوعيد" في حق الكافر ممتنع عند جمهورهم لأنه يؤدي إلى تبديل القول.
من الذي قال بفناء النار فعلياً؟
اشتهر هذا القول تاريخياً عن ابن تيمية وابن القيم (في بعض كتبهما كـ "حادي الأرواح")، حيث استدلا بآثار وسياقات لغوية تجعل النار لها أمد تنتهي إليه كرمًا من الله ورحمةً سبقت غضبه. ولا اعتبار بمخالفتهما.
1. أدلة القائلين بفناء النار (ابن القيم وابن تيمية)
اعتمدوا على آيات توحي بوجود "غاية" أو "مشيئة" قد تنهي العذاب، ومنها:
آية الأحقاب: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ: 23]؛ حيث استدلوا بأن "الأحقاب" وإن طالت فهي مدد زمنية لها نهاية، ولو كانت النار أبدية لما حُددت بمكث مقدر بأحقاب.
آية الاستثناء: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107]؛ رأوا أن الاستثناء بمشيئة الله يفتح الباب لانتهاء هذا العذاب في وقت يريده الله كرمًا منه.
سعة الرحمة: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]؛ استدلوا بأن بقاء العذاب للأبد ينافي شمول الرحمة لكل شيء في نهاية المطاف.
2. أدلة الجمهور (الأشاعرة وغيرهم) على الأبدية
يرى جمهور العلماء أن النصوص القطعية حسمت المسألة، ومن أدلتهم:
نفي الخروج: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] و {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: 37]؛ وهذه نصوص صريحة تنفي أي أمل في الخروج أو الفناء.
التأبيد الصريح: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الأحزاب: 65]؛ اقتران الخلود بكلمة "أبداً" في حق الكفار يقطع أي احتمال لكونه خلوداً مؤقتاً.
عدم التخفيف: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 75] و {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 30]؛ مما يدل على استمرارية العذاب دون انقطاع.
3. رد الجمهور على أدلة الفناء
تفسير الأحقاب: يرى الجمهور (ومنهم الأشاعرة) أن الأحقاب تعني أحقاباً متتابعة لا نهاية لها، كلما مضى حقب تبعه آخر.
تفسير الاستثناء: حُمل الاستثناء في سورة هود على عصاة الموحدين الذين يخرجون من النار بالشفاعة، أو على المدة التي سبقت دخولهم النار.
الخلاصة: القول بالفناء يعتمد على "تأويل" النصوص المقيدة، بينما قول الجمهور يعتمد على "إحكام" النصوص المطلقة والآيات النافية للخروج.
* تعتبر الأحاديث النبوية هي الفصل في هذه المسألة عند الجمهور، حيث ركزت على نفي "الموت" أو "النهاية" بمجرد دخول أهل الدارين لمنازلهم:
1. حديث "ذبح الموت" (العمدة في الأبدية)
روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يُؤتَى بالموتِ كأنه كبشٌ أملح... فيُذبح، ثم يُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» صحيح البخاري.
وجه الاستدلال: الذبح هنا تمثيل لانقطاع الموت تماماً، والتصريح بـ "خلود فلا موت" يقطع أي احتمال لفناء النار أو خروج الكفار منها فتح الباري لشرح صحيح البخاري.
2. حديث الشفاعة (الفرق بين الموحد والكافر)
ورد في الأحاديث الصحيحة أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وجه الاستدلال: خروج عصاة الموحدين وبقاء الكفار فيها يؤكد أن النار لا تفنى، بل يفرغ منها جزء (عصاة المؤمنين) ويبقى فيها أهلها الذين هم أهلها صحيح مسلم - كتاب الإيمان.
3. الأحاديث التي استدل بها القائلون بالفناء
استدل الفريق الآخر (كابن القيم) بآثار تُنسب لبعض الصحابة وليس أحاديث مرفوعة صريحة، ومنها:
أثر يُنسب لعمر بن الخطاب: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه".
الرد العلمي: ضعف علماء الحديث (مثل ابن حجر والبيهقي) هذه الآثار من حيث السند، وقالوا إنها لو صحت فهي محمولة على "عصاة الموحدين" الذين يخرجون منها، وليست في حق الكفار كتاب الاعتقاد للبيهقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم