الثلاثاء، 9 مايو 2023

عذاب القبر والجنة والنار والميزان وقراءة الكتب حق

 قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله 

الأصلُ في هذا كلِّه أن كلَّ ما ورد به السَّمعُ وأمكَنَ في ذاته يجب تصديقُه، ولا شكَّ في إمكان هذه الأشياء، وتَواتَرَت الدلائلُ السمعيَّةُ، فيجبُ التصديقُ بعذاب القبر للكفَّار، ولبعض العُصاة من المؤمنين، بإعادة الحياة في الجسد وإن توقَّفنا في إعادة الروح، ثم قيل: العذابُ على الروح، وقيل: على البدن، وقيل: عليهما فلا نشتغل بكيفيَّته.

والأصل في ذلك قوله تعالى في قوم نوح عليه السلام ?أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارَاً? [نوح: ٢٥] ، والفاء للتعقيب بلا تراخٍ، ولن يكون ذلك إلا في الدنيا، لأن إغراقَهم كان فيها، فكذلك إدخالُ النار، وقال تعالى في حقِّ آل فرعون: ?النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَّاً? أي: في الدنيا ?وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ? [غافر: ٤٦] ، وقال تعالى حكايةً عن الكفار: ?رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ? [غافر: ١١] ، وذلك دليلٌ على أن في القبر حياةً وموتاً آخرَ، وقوله صلى الله عليه وسلم «استَنْزِهوا من البَولِ، فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه» (أخرجه الدارقطني في «سننه» (٤٥٩) من حديث أنس رضي الله عنه وإسناده ضعيف، وقال الدارقطني: المحفوظ مرسل. وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٥١٩٤) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١١٢٠) ، والدارقطني في «سننه» (٤٦٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وإسناده ضعيف أيضاً. وأخرج أحمد ٢: ٣٢٦ و٣٨٨ و٣٨٩، وابن ماجه (٣٤٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «أكثر عذاب القبر من البول». وإسناده صحيح) ، وما رُوي أنه قال في سعد بن معاذ: «لقد ضَغَطَتْهُ الأرضُ ضَغْطةً اختَلَفَ لها ضُلُوعُه» (لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أحمد ٣: ٣٦٠ و٣٧٧، والطبراني (٥٣٤٦) ، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (١١٣) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: «لقد تضايق على هذا العبد الصالح قَبرُه حتى فرَّجَه اللهُ عزَّ وجلَّ عنه». وإسناده حسن. وأخرج أحمد ٦: ٥٥ و٩٨، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢٧٣) و (٢٧٤) و (٢٧٥) ، وابن حبان (٣١١٢) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «للقبر ضغطةٌ لو نجا منها أحدٌ لنجا سعدُ بنُ معاذ». وإسناده صحيح. وأخرج النسائي ٤: ١٠٠ ــ ١٠١، والطحاوي (٢٧٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: «هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ، وفُتِحَت له أبوابُ السَّماء، وشَهِدَه سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمَّةً ثم فُرِّج عنه». وإسناده صحيح).


وما روي أنه عليه السلام خرجَ بعدما غربَتِ الشمسُ، فسمعَ صوتاً فقال: «إنَّ اليهودَ تُعَذَّبُ في قُبُورِها» (أخرجه البخاري (١٣٧٥) ، ومسلم (٢٨٦٩) ، والنسائي ٤: ١٠٢ من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه) ، والروايات المأثورة فيه أكثر من أن تُحصى. 

واحتجَّ المخالِفُ ــ أي: المُنكِرُ لعذاب القبر ــ بقوله تعالى في صفة أهل الجنة: ?لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلَّا المَوْتَةَ الأُوْلَى? [الدخان: ٥٦] ، فإنه يدلُّ على أنّ أهلَ الجنة لا يذوقون إلا الموتةَ الأولى (من قوله: «فإنه يدل» إلى هنا سقط من (ج) و (ف) ، وأثبتناه من (ب) ومن حاشية (ص) وصُحِّح عليه هناك) ، فلو كان في القبر حياةٌ أخرى وموتٌ آخرُ لذاقوا مرَّتَين، فيكون مُنافياً لِمَا دلَّت عليه الآيةُ بصريحها، وقوله: ?وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في القُبُورِ? [فاطر: ٢٢] يدلّ على أنه لا يُمكِنُ إسماعُ مَن في القبور، فلو كان المدفونُ في القبر حيَّاً لأمكَنَ إسماعُهُ، فيكون مُنافياً للآية. وأُجيبَ عن الأولى بأن معناه أن نعيمَ الجنَّةِ لا ينقطعُ بالموت كما انقطَعَ نعيمُ الدنيا. وعن الثانية أن عدمَ إسماعِ مَن في القبور لا يستلزِمُ عدمَ إدراك المدفون.


وأما سؤال مُنكر ونكير فقد أنكرَتْهُ الجهميَّةُ وبعضُ المعتزلة، لأن سؤالَ مَن لا حياةَ له محالٌ. قلنا: ممكنٌ بإعادةِ الرُّوحِ في الجسد، أو بخَلْقِ الحياة فيه بلا روحٍ، بحيث يَعقِلُ السؤالَ ويَقدِرُ على الجواب، قال صلى الله عليه وسلم «إذا قُبِرَ الميِّتُ أتاه مَلَكانِ أسودانِ أزرقانِ يُقال لأحدهما: المُنكَر، وللآخر: النَّكير، فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: عبدُ الله ورسولُه، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمَّداً رسولُ الله، فيقولان: قد كُنَّا نعلمُ أنك تقولُ هذا، ثمَّ يُفسَحُ له في قَبرِه سبعونَ ذراعاً في سبعين، ثمَّ يُنوَّرُ له فيه، ثمَّ يُقال له: نَمْ، فيقول: أرجِعُ إلى أهلي فأُخبِرُهم، فيقولان: نَمْ كنومة العَروسِ الذي لا يُوقِظُه إلا أحبُّ أهله، حتَّى يَبعَثَه اللهُ مِن مَضجَعِه ذلك، وإن كان مُنافِقاً قال: سمعتُ الناسَ يقولون فقلتُ مِثلَهم، لا أدري، فيقولان: قد كُنَّا نعلمُ أنَّك تقول ذلك، فيُقال للأرض: التَئِمِي عليه، فتلتئمُ عليه، فتختلفُ أضلاعُه، فلا يزالُ فيها مُعذَّباً حتَّى يَبعَثَه اللهُ مِن مَوضِعِه ذلك» (أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (١٠٧١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرج نحوه البخاري (١٣٣٨) و (١٣٧٤) ، ومسلم (٢٨٧٠) ، وأبو داود (٤٧٥١) ، والنسائي ٤: ٩٧ (٢٠٥٠) و (٢٠٥١) من حديث أنس رضي الله عنه) . والأحاديث الواردة فيه كثيرة.


الجنة والنار

(والجنةُ والنارُ) اللتان هما دارُ الثواب والعِقاب مخلوقتان الآن، وذهب عبَّادٌ الصَّيمري (هو عبَّاد بن سليمان ــ أو سلمان ــ الصَّيمَريُّ المعتزلي، من كبار المعتزلة، وإليه تُنسَب العبَّادية منهم. انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» للذهبي ١٠: ٥٥١، و «لسان الميزان» لابن حجر (رقم الترجمة ٤٠٧٦ ــ طبعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله) وأبو هاشم وعبدُ الجبَّار إلى أنهما غيرُ مخلوقتَين الآن، فزعمَ عبَّاد أنه يستحيلُ ذلك في العقل قبلَ حلولِ المكلَّفين، وخالفه أبو هاشم، وزعم أنَّ خَلْقَهما الآن غيرُ ممتنعٍ عقلاً، وإنما هو ممتنعٌ سَمْعاً. 

استدلّ عبَّاد بأنَّ الجنَّةَ لو كانت مخلوقةً الآن لكان عرضُها عرضَ السماوات والأرض، واللازمُ باطلٌ، فالملزومُ مِثلُه، أما الملازَمة فلقوله تعالى: ?وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ? [آل عمران: ١٣٣] ، وأما بطلانُ اللازم فلأنه إنما كان عرضُها عرض السماوات والأرض إذا وقعت في أحياز السماوات والأرض، إذ لو وقعت في غير أحيازهما أو في بعض أحيازهما لم يكن عرضُها عرضَهما، ووقوعُهما في جميع أحيازِهما إنما يُمكِنُ بعدَ فناءِ السماوات والأرض لاستحالة تداخُلِ الأجسام، وهو محالٌ.

والجواب: أن المرادَ: مِثلُ عَرضِ السماوات والأرض، لقوله تعالى: ?كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ? [لحديد: ٢١] ، ولأنه يمتنعُ أن يكونَ عرضُهما عينَ عرضِ الجنة، وحينئذ يجوز أن يكونَ فوق السماء السابعة فضاءٌ يكون عرضُه مثلَ عرضِ السماوات والأرض والجنة فيه، يُؤيِّدُه ما روي أنه عليه السلام قال: «الدَّرَجَةُ السُّفلى من الجنَّةِ فوقَ السماءِ السابعةِ» (لم نجده مرفوعاً، وذكر الحافظ ابن رجب في «التخويف من النار» ص٤٥ عن ابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن سَلَام وقتادة ومجاهد موقوفاً عليهم: إن الجنة في السماء السابعة. وانظر «المستدرك» للحاكم: (٤/ ٦١٢) ، و «حلية الأولياء» لأبي نعيم ٧: ١٠٣، و «شعب الإيمان» للبيهقي (٣٦٦)) . 

وقال أبو هاشم والقاضي عبد الجبار: لو كانت الجنَّةُ مخلوقةً الآن لَمَا كانت دائمةً، واللازمُ باطلٌ، أما الملازَمة فلقوله تعالى: ?كُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ? [القصص: ٨٨] ، فإنه يدلّ على أنَّ ما سوى اللهِ ينعدِمُ، والجنةُ مما سواه تعالى فتنعدِمُ، فلا تكون دائمةً. 

وأما بطلان اللازم فلقوله تعالى: ?أُكُلُهَا دَائِمٌ? [الرعد: ٣٥] أي: مأكولُ الجنَّةِ دائمٌ، وإذا كان مأكولُ الجنَّة دائماً يكونُ وجودُ الجنَّة دائماً، إذ دوامُ مأكولِ الجنة بدون دوامِ الجنَّة غيرُ معقولٍ.

ومما يُذكر هنا أن ابن حزم يقول إن الجنة في السماء السادسة تمسُّكاً بقوله تعالى: ?عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأوَى? [النجم: ١٤ ــ ١٥] ، وسدرة المنتهى في السماء السادسة. قاله المناوي في «فيض القدير» ٣: ٣٦٢.

والجواب أولاً بمَنعِ الملازَمة بأنا لا نُسلِّمُ لزومَ عدمِ دوامِها مِن كونِها مخلوقةً الآن. قولهما: «قوله تعالى: ?كُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ? [القصص: ٨٨] يدلّ على أنَّ ما سوى الله تعالى ينعدِمُ». قلنا: لا نُسلِّمُ أنَّ قولَه: ?كُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ? [القصص: ٨٨] يدلّ على أنَّ ما سوى الله تعالى يَنعدِمُ، فإنَّ معناه أنَّ كُلّ شيءٍ مما سوى الله تعالى معدومٌ في ذاته وبالنَّظَرِ إلى ذاته مِن حيث هو (في (ج) : «من حيث هو ممكن»، والمثبت من (ص) و (ف) و (ب) ، وهما بمعنى) ، مع قَطعِ النَّظَرِ عن مُوجدِه، لأن كلّ ما سواه ممكنٌ، والممكنُ بالنظر إلى ذاته لا يستحقُّ الوجودَ، فلا يكون بالنَّظر إلى ذاته موجوداً، وليس معناه أن ما سواه تعالى يَطرأُ عليه العَدَمُ، فلا ىَلزَمُ من كونِ الجنَّةِ مخلوقةً الآن طريانُ (الذي رأيناه في معاجم اللغة من مصادر الفعل «طرأ»: الطّرْء والطّروء بالهمز، والطّروّ بلا همز. والمراد حدوث العدم ووقوعه عليها) العدم عليها، ولئن سُلِّمَ أن معناه أن كلّ شيءٍ مما سوى الله تعالى يَطرأُ عليه العَدَمُ، فهو مخصوصٌ بقوله تعالى: ?أُكُلُهَا دَائِمٌ? [الرعد: ٣٥] ، فإنه يدلّ على أن الجنةَ دائمةٌ لِمَا سبق، وحينئذ يكون معناه أنَّ كلّ شيءٍ ممَّا سوى الله تعالى غيرَ الجنَّة يَطرأُ عليه العَدَمُ، وإنما خُصِّصَ جمعاً بين الدليلين، ومتى كان مخصوصاً لا يلزمُ مِن كونِ الجنة مخلوقةً الآن طريان العَدَمِ عليها.

وثانياً بمَنعِ بطلان التالي بأنا لا نُسلّمُ دلالةَ قولِه: ?أُكُلُهَا دَائِمٌ? [الرعد: ٣٥] على دوام الجنَّة، لأنه متروكُ الظاهر، لأن المرادَ بالأكُلِ المأكولُ، ويمتنعُ دوامُ المأكول، لأن المأكولَ لا محالة يفنى بالأكل، فلا يُمكِنُ أن يكون دائماً، بل معناه أنه كلّما فَنِيَ شيءٌ من المأكول بالأكلِ حَدَثَ عَقِيبَه مِثلُه، وذلك لا يُنافي عَدَمَ الجنَّة طرفةَ عَين. 

ولنا قوله تعالى: ?وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ? [آل عمران: ١٣٣] ، وقوله تعالى:?أُعِدَّتْ لِلذينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ? [الحديد: ٢١] ، وقوله تعالى: ?وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلكَافِرِينَ? [آل عمران: ١٣١] وما لم يكن مخلوقاً لم يكن مُعَدَّاً حقيقةً، لأن أهلَ اللغة اتَّفقوا على أن إعدادَ الشيءِ يُنبِئُ عن وجودِه وثبوتِه والفراغِ منه.

فإن قيل: جازَ أن يُرادَ به المبالغةُ (أي جاز أن يُراد بالإعداد المبالغة. اهـ من حاشية النسخة (ب)) ، كقوله تعالى: ?إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيِّتُونَ? [الزمر: ٣٠] ، ?وَنُفِخَ في الصُّورِ? [الكهف: ٩٩] ، وغير ذلك.

أجيب: بأن الأصلَ في الكلام الحقيقةُ، ولا مصيرَ إلى المجاز إلا عند التعذّر، وليس فليس، وقوله: ?اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ? [البقرة: ٣٥] ، وقوله تعالى: ?قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعَاً? [البقرة: ٣٨] ، وقوله تعالى: ?وَلَقَدْ رءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى? [النجم: ١٣ ــ ١٥] ، وقوله عليه السلام «أعدَدْتُ لعِبادي الصالِحِين ما لا عَينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ» (أخرجه البخاري (٣٢٤٤) و (٤٧٧٩) و (٤٧٨٠) ، ومسلم (٢٨٢٤) ، والترمذي (٣١٩٧) ، وابن ماجه (٤٣٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) ، وقوله عليه السلام «رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخُزَاعيَّ في النَّار» (أخرجه البخاري (٣٥٢١) و (٤٦٢٣) ، ومسلم (٢٨٥٦) من حديث أبي هريرة) ، وأمثاله كثيرة.


الميزان حق

(والميزانُ حقّ) للكفار والمسلمين، وهو عبارة عمَّا يُعرَفُ به مقاديرُ الأعمال، ويُوزِنُ أعمالَهم خيراً كان أو شرَّاً. ويُتوقَّفُ في كيفيَّتِه، والأصلُ فيه قولُه تعالى: ?وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ? [الأنبياء: ٤٧] ، وقوله: ?وَالوَزْنُ? أي: وزنُ الأعمال ?يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ? [الأعراف: ٨ ــ ٩] الآية، وقوله تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ في عِيْشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ? [القارعة: ٦ ــ ٩].

سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن وزن الأعمال وهي أعراض ... ، فقال عليه السلام «تُوزَنُ صحائفُ الأعمال والكرامُ الكاتبون يكتبون الأعمالَ في صحائفَ هي أجسام» (لم نقف عليه، وذكر قوله: «توزن صحائف الأعمال» الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ١٣: ٥٣٩ نقلاً عن القرطبي من قول ابن عمر) . وعن النبي عليه السلام قال: «إنَّ اللهَ تعالى يَستَخلِصُ رجلاً مِن أمَّتي على رؤوس الخلائقِ يومَ القِيامةِ، فيَنشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلاًّ، كلّ سِجِلّ مِثلُ مَدِّ البصر، ثم يقول له: أتُنكِرُ مِن هذا شيئاً؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتي الحافِظون؟ فيقول: لا يا ربّ، فيقول: ألَكَ عُذرٌ [أو حسنةٌ، فيُبْهَتُ الرجلُ، ويقول:] لا يا ربّ، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، وإنه لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتُخرَجُ بِطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فيقول: احْضُرْ وَزنَكَ، فيقول: ما هذه البِطاقةُ مع هذه السِّجِلَّات؟! فيقول: إنَّك لا تُظلَمُ، قال: فتُوضَعُ السِّجِلَّات في كفَّةٍ والبِطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشَتِ السِّجِلَّات وثَقُلَتِ البطاقةُ، قال: فلا يَثقُلُ مع اسمِ اللهِ شيءٌ» (أخرجه الترمذي (٢٦٣٩) ، وابن ماجه (٤٣٠٠) من حديث عبد الله بن عمرو).

وقيل: يخلُقُ اللهُ بقدرِ الحسنات أجساماً نورانيَّةً، وبقدرِ السيئات أجساماً ظلمانيَّةً، فتُوزَنُ تلك الأجسامُ. 

هذا والحقُّ ما قدَّمنا من التوقُّفِ في الكيفيَّة، لأن الدلائلَ لمَّا دلَّت على ثبوت الميزان نعتقدُ حقِّيَّتَه ولا نَشتَغِلُ بكيفيَّتِه، ونَكِلُ عِلمَ ذلك إلى الله تعالى، واللهُ تعالى قادرٌ على أن يُعرِفَ عِبادَه مقاديرَ أعمالِهم بأيِّ طريقٍ شاء. 

فإن قيل: لِمَ جمعَ الموازينَ وهو واحدٌ؟ أجيب: بأن الموازينَ جمعَ موزونٍ، كمناشيرَ جمعِ منشورٍ، وهو العمل الذي له وزنٌ وخطرٌ عند الله، أو جمع ميزانٍ، وذكره بلفظ الجمع استِعظاماً له.


قراءة الكتب يوم الدين

(وقراءةُ الكتبِ يومَ القيامةِ حقٌّ) قال الله تعالى: ?وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَابَاً يَلْقَاهُ مَنْشُورَاً * اقْرَأْ كِتَابَكَ? [الإسراء: ١٣ ــ ١٤] ، ويُعطي كتابَ المؤمِنِ بيمينِه، وكتابَ الكافرِ بشِمالِه أو من وراء ظهرِه، قال الله تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ? إلى قوله: ?وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوْتَ كِتَابِيَهْ? [الحاقة: ١٦ ــ ٢٥] ، وقوله تعالى: ?وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورَاً * وَيَصْلَى سَعِيرَاً? إلى قوله: ?إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ? [الانشقاق: ١٠ ــ ١٤] أي: ما يرجع. 

وهي كتبٌ كتبَها الحَفَظَةُ أيَّام حياتهم في الدنيا، قال الله تعالى: ?أَمْ يَحْسَبُونَ أنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ? [الزخرف: ٨٠].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم