قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله
الخلقُ والإيجادُ بمعنىً واحدٍ، والخلقُ بمعنى المخلوق كالضَّرب بمعنى المضروب.
صانعُ العالم أوجَدَ المخلوقاتِ كلّها وهم ضعفاء لا قدرةَ لهم على تدبير أحوالهم عاجزون عمَّا يتمُّ به قوامُ بَدَنِهم، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ?اللهُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ? فرزقهم وقوَّاهم وجعلَ لهم السَّمعَ والأبصارَ والأفئدةَ كما أشار إليه بقوله: ?ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً? [الروم: ٥٤] ، وقال: ?واللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ? [الروم: ٤٠].
والرِّزقُ عندنا عبارة عن الغِذاء، كما جاء في قوله تعالى: ?وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا? [هود: ٦] حلالاً كان ذلك أو حراماً، وكلّ يستوفي في مدةِ حياتِه ما قُدِّرَ له، قال عليه السلام «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوْعي أنَّ نَفْساً لن تَمُوتَ حتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، ألا فاتَّقوا اللهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» (أخرجه ابن أبي شيبة ١٣: ٢٢٧، وهنَّاد في «الزهد» (٤٩٤) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٣٧٦) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١١٥١) ، والبغوي في «شرح السنة» (٤١١٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن عبد الله، وقد أسقِطَ في بعض الروايات. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» ٢: ٥ من وجه آخر متصل، لكن إسناده ضعيف. وأخرجه الشافعي في «مسنده» ١: ٢٣٣، ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (١١٨٥) من حديث المطلب بن حنطب مرسلاً. وإسناده حسن. وأخرجه البزار ٧: ٣١٥ من حديث حذيفة بن اليمان، وفي إسناده ضعف. وله دون النفث في الرَّوع شاهد من حديث جابر رضي الله عنه عند ابن ماجه (٢١٤٤) ، وصححه ابن حبان (٣٢٣٩) . فالحديث بطرقه وشاهده صحيح. والله أعلم) ، فعلى هذا لا يُمكنُ أن يأكلَ أحدٌ رزقَ غيره أي غذاءَه، ولا أن يأكلَ غيرُه رزقَه.
وعند المعتزلة أنه عبارةٌ عن المُلْكِ، وقد جاء به قوله تعالى: ? وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? [البقرة: ٣] ، فلا يكون الحرامُ رزقاً، لأنه غير ملكٍ، ويأكلُ غيرُه رزقَه أي مُلكَه، وهو يأكلُ رزقَ غيرِه.
والشيخ أبو الحسن الرُّسْتَغْفَني (هو أبو الحسن علي بن سعيد الرُّسْتَغْفَني، من كبار أصحاب الإمام الماتريدي، ومن كبار مشايخ سمرقند، له كتاب «إرشاد المهتدي» و كتاب «الزوائد والفوائد» في أنواع العلوم. انظر ترجمته في «الجواهر المضية» للقرشي ٢: ٥٧٠، و «تاج التراجم» لابن قطلوبغا ص١١٨، و «الفوائد البهية» للكنوي ص٦٥، ورُسْتَغْفَن إحدى قرى سمرقند، والضبط الذي تراه هو ضبط ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، وكذا جاءت مضبوطة في (ص) ، بينما ضبطها عبد القادر القرشي بضم التاء) وأبو إسحاق الإسفرايني ما حقَّقا الخلافَ في هذه المسألة، وقالا: الخلافُ لفظيٌّ، وهو الصواب. ولعلَّ هذا الفصلَ إلى هاهنا إشارة إلى ما ذكرنا من بحث الرِّزق، وإلا فقد عُلِمَ من الفصل المتقدِّم أن العبدَ مع أعماله ومعرفته مخلوقٌ (يعني أنه ذكر خلق العباد في الفقرة السادسة، وأعاده في هذه الفقرة، وزاد ذِكرَ الرزق مع الخلق فيها، فلعله قصد الرزق هنا، وذكر الخلق معه تتميماً للفكرة) .
(والمُؤمِنُ المُخلِصُ) أي: المُصدِّقُ المُقِرُّ عن صميم قلبه (والكافرُ الجاحدُ) أي: المُصِرُّ (والمُنافقُ المُداهنُ) أي: الذي أقرَّ بلسانه ولم يؤمن بقلبه وداهَنَ مع المؤمنين في نِفاقِه، ولم يشدَّ في إظهار الكفر والعناد كالكفار.
قوله: (واللهُ تعالى فرضَ على المؤمِنِ العملَ) يشير إلى أن التكرار ليس بواجبٍ كما هو مذهبُه أن الأمرَ المطلَقَ لا يقتضي التكرارَ (انظر هذه المسألة في «أصول السرخسي» ١: ٢٠، و «كشف الأستار عن أصول البزدوي» لعلاء الدين البخاري ١: ٢٨١ وما بعدها).
(وعلى الكافر الإيمانَ) وهذا أيضاً على مذهبِه حيثُ لا يكونُ الكافرُ مُخاطَباً بالعبادات قبل الإيمان (وعلى المُنافقِ الإخلاصَ) لأنه هو المنتفي عنه، وأما الأحكامُ فقد كانت جاريةً عليهم بواسطة الإقرار.
واستدلَّ على هذه الأمور الثلاثة بقوله تعالى: ?يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ? [النساء: ١] ، وجعل التقوى عبارة عمَّا ينبغي لكلِّ واحدٍ منهم كما فسَّره في المتن.
فإن قيل: هذا مُخالِفٌ لمذهبه لأن استعمال التقوى في هذه المعاني إما أن يكون بطريق الحقيقة أو لا، فإن كان يلزمُ عمومُ المُشتَرَك، وإن لم يكن يلزمُ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز.
أجيب: بأن هذا عملٌ بعموم المجاز، لأن التقوى عبارة عن اجتناب الفواحش، ولا شكَّ أن كلَّ واحدٍ من هذه المعاني اجتنابٌ عن الفاحشة، فلا يكون مخالفاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم