قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله
الاستطاعةُ والقدرةُ والقوَّةُ والطاقةُ (زاد في (ب) وحدها: وكذلك الوُسْعُ) مُترادِفةٌ إذا أضيفت إلى العباد، وهي نوعُ حِدَّة تترتَّبُ على إرادة الفِعلِ إرادةً جازمةً، مؤثِّرةً في وجود الفعلِ، وهي عندنا مقارنةٌ للفعل، لأنها لو لم تُقارِن فإمَّا أن تقدَّمت أو تأخَّرت، والثاني باطلٌ بالإجماع؛ لأنه يلزم منه حصولُ الفعل بلا استطاعةٍ وطاقةٍ، وهو محال.
وكذا لو تقدَّمت لاستحالة وجودها عند الفعلِ لأنها عَرَضٌ، وهو لا يبقى زمانَين، وإذا لم تَبْقَ القدرة إلى زمان الفِعلِ يلزمُ وقوعُه بلا قدرةٍ، وهو محالٌ، كالأخذ بلا يد، ولكان مستغنياً عن الله وقتَ الحاجة، وهو خلافُ النصِّ، لأن مقتضاه الافتقارُ إلى الله تعالى لقوله تعالى: ?واللهُ الغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الفُقَرَاءُ? [محمد: ٣٨].
وقالت المعتزلةُ وجمهورُ الكرَّاميَّة: هي سابِقةٌ على الفِعلِ، إذ لو لم تكن سابقةً على الفعل ولم تكن موجودةً حالَ عدمِ الفِعلِ لكان الأمرُ بالفِعلِ ولا استطاعةَ (تحرَّفت في (ص) و (ج) إلى: «بالفعل والاستطاعة ... »، والمثبت من (ف) و (ب) ، وهو الصواب، فإنه يريد أن الأمرَ بالفِعلِ حالَ عدم الاستطاعة وقتَ الأمر تكليفٌ للعاجز) له وقتَ الأمرِ تكليفَ العاجز، وهو محالٌ لقوله تعالى: ? لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إلَّا وُسْعَهَا? [البقرة: ٢٨٦].
قلنا: قد يُرادُ بالاستطاعة سلامةُ الأسباب والآلات، وهي المعنيَّةُ بقوله تعالى: ?مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً? [آل عمران: ٩٧] ، إذ المرادُ بها الزادُ والراحلةُ لا حقيقةُ قدرة الفِعلِ، والتكليفُ يعتمدُ ذلك، إذ العادةُ جَرَتْ بأن المكلَّفَ لو قصدَ تحصيلَ الفِعلِ عند سلامة الأسباب والآلات لحصلت له القدرةُ الحقيقيَّةُ، وإنما لا تحصل لاشتغالِه بضدِّ المأمور به مُضيِّعاً للقدرة الحقيقيَّة، والمُضيِّعُ للقدرة غيرُ معذور، فأما عند عدم سلامة الأسباب والآلات فلم يُكلّف الفعل، إذ لا تحصلُ القدرة عند قَصْدِه مُباشَرَةِ الفِعلِ، فكان ممنوعَ القدرةِ أصلاً، فكان معذوراً، وإذا كان التكليفُ معتمداً على سلامة الأسباب، وبكونُ الأسبابِ سالمةً لم يلزم تكليف العاجز.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم