الأربعاء، 3 مايو 2023

خلق أفعال العباد/ الرد على القدرية

قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله 

قال أهلُ السنة: أفعالُ العبادِ وجميعِ الحيوانات مخلوقةٌ لله تعالى، لا خالِقَ لها غيرُهُ، وهو مذهبُ الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. 

وقالت المعتزلة: هم موجِدونَ لأفعالهم الاختياريَّةِ، وكانوا لا يتجاسَرونَ على تسميةِ العبدِ خالقاً إلى أن نشأ الجُبَّائي، فرأى أنْ لا فرقَ بين الإيجاد والخلق، فسمَّى العِبادَ خالِقين لأفعالِهم، ولم يُبالِ بخَرْقِ الإجماع.

وقال الجبريَّة ورئيسُهم جهمُ بن صفوان الترمذيُّ، وهو مذهب أبي الحسن الأشعريِّ (نسبة الجبر إلى مذهب الأشعري ليس بصحيح، بل مذهب الأشعري إثبات اختيار العبد ووقوع الفعل بخلق الله عند اختيار العبد له، قال الباقلاني في «الإنصاف»: ويجب أن يُعلم أن العبد له كسبٌ وليس مجبوراً بل مكتسبٌ لأفعاله من طاعة ومعصية. اهـ. وإطلاقات بعض الأشاعرة ما يُوهِم الجبر، يُفهَم في ضوء قولهم إن إمكان الاختيار يُنافي الجبر. ومذهبُ الماتريدية في هذا الباب أوضحُ من مذهب الأشاعرة، وبعضُ الأشاعرة كإمام الحرمين على قول الماتريدية. والله تعالى أعلم) : لا فِعلَ للعبد أصلاً ولا اختيارَ ولا قُدرةَ لهم على أفعالهم، وهي كلّها اضطراريَّةٌ كحركات المُرتَعِش وحركات العروق النابضة، وإضافتُها إلى الخلق مجازٌ، وهي على حسب ما يُضافُ إلى محلِّه لا إلى محصِّلِه، فعندهم: جاء زيدٌ وذهب عمرٌو، كقولك: طال الغلامُ وابيضَّ الشعرُ. ومبنى المذهبين ــ أي الجبريَّة والقدريَّة ــ أصلٌ لهما، وهو أن دخولَ مقدورٍ واحدٍ تحت قُدرة قادِرَين محالٌ اعتباراً بالشاهد الذي هو دليل الغائب، وهذا لأن ما كان مقدوراً للقادر لا بدَّ وأن يحصُلَ عندما يدعوه الداعي إلى فِعلِه، وأن لا يحصُلَ عندما يَصرِفُه الصارِفُ عن فِعلِه، فلو فَرَضْنا مقدوراً واحداً بين قادِرَين، وحصل الداعي إلى الفِعلِ في حقِّ أحدِهما، وحصل الصارفُ عن الفِعلِ في حقِّ الآخر، لَزِمَ أن يوجَدَ ذلك الفِعلُ وأن لا يوجَدَ، وهذا محالٌ، فالقولُ بوجود مقدورٍ تحت قدرة قادِرَين محالٌ.

وإذا عُرِفَ هذا فالجبريَّةُ قالوا: لا قدرةَ للعبد على الاختراع لِمَا تبيَّن، فكان اللهُ مُختَرِعَها ضرورةً. وقالت المعتزلة: قدرةُ العبد على الأفعال ثابتةٌ ضرورةَ الأمرِ بها بقوله: ?وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وءاتُوا الزَّكَاةَ? [البقرة: ٤٣] وغيرهما، والأمرُ للعاجِزِ محالٌ، فانتَفَت قدرةُ الباري عنها ضرورةً.

ثم احتجَّ كلّ واحدٍ من الفريقين على ما ادَّعاه بالمعقول والمنقول، وأجاب عما ادَّعاه الآخرُ، فقال الأوَّلون: الأول: لو كان الفِعلُ باختيارِ العبد وقدرتِه، فإذا اختار العبدُ وأراد ما يُناقِضُ مرادَ الله تعالى، بأنْ أرادَ العبدُ تسكينَ جسمٍ أرادَ اللهُ تحريكَه، فإما أن يقعَ مرادُهما، فيلزم جمعُ النَّقيضَين، أو لم يقع مرادُ واحدٍ منهما فيلزمُ رفعُ النقيضَين، أو يقعُ مرادُ أحدِهما دون الآخر، فيلزمُ الترجيحُ بلا مرجِّح، لأن قدرتَه تعالى وإن كانت أعمَّ من قدرة العبد لكنهما بالنسبة إلى هذا المقدور متساويتان في الاستقلال بالتأثير في ذلك المقدور الواحد، والشيءُ الواحدُ وحدةً حقيقيَّةً لا يقبلُ التفاوُتَ، فإن القدرتَين بالنسبة إلى اقتضاء وجود هذا المقدور على السَّويَّة، إنما التفاوتُ في أمورٍ خارجةٍ عن هذا المعنى، وإذا كان كذلك امتنعَ الترجيح.

وأما الثاني فنحو قوله تعالى: ?اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ? [الرعد: ١٦] ، وأفعالُ العباد شيءٌ، فيكونُ اللهُ خالِقَها، وقوله تعالى: ?واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ? [الصافات: ٩٦] ، وقوله تعالى: ?مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ? [الأنعام: ٣٩] ، وأمثال ذلك كثيرة.

وأجابت المعتزلةُ عن المعقول بأنَّ عند اجتماعِ القدرتَين يقع مرادُ الله تعالى دون مراد العبد، ولا نُسلِّمُ أن القدرتَين متساويتان في الاستقلال بالتأثير في ذلك المقدور، بل هما متفاوتتان في القوَّة والضعف، ولذلك يقدِرُ قادرٌ على حركةِ مسافةٍ في مدَّةٍ لا يقدرُ قادرٌ آخرُ عليها في تلك المدة، ولو كانت القُدَرُ متساويةً لكانت المقدوراتُ متساويةً، وليس كذلك.

وعن المنقول بالمعارضة بالآيات التي أضافت الأفعال إلى العباد وعلّقتها بمشيئتِهم، كقوله تعالى: ?فَوَيْلٌ لِلذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ? [البقرة: ٧٩] ، ?إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ? [الأنعام: ١١٦] ، ?حَتَّى يُغَيِّروا مَا بِأَنْفُسِهُمْ? [الأنفال: ٥٣، الرعد: ١١] ، ?بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرَاً? [يوسف: ١٨ و٨٣] ، ?فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ? [المائدة: ٣٠] ، ?كُلّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ? [الطور: ٢١] ، ?فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ? [الكهف: ٢٩] ، ?اعْمَلُوا مَا شِئتُمْ? [فصلت: ٤٠] ، ?فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ? [عبس: ١٢] ، ?لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأَخَّرَ? [المدثر: ٣٧].

واستدلّوا على مُدَّعاهم بالمعقول قالوا: لو لم يكن العبدُ مختاراً لقَبُحَ تكليفُه، لأنه حينئذ تكون أفعالُه جاريةً مجرى أفعال الجمادات، واللازم باطلٌ باتفاق العقلاء على أن التكليفَ ليس بقبيح. 

وأجابت الجبريَّةُ بأنّ ما ذكرتُم مشتَرَكُ الإلزام لوجهين: 

الأول: أن الفِعلَ المأمورَ به عند استواء داعي الفِعلِ وداعي التَّرْكِ وعند مرجوحيَّتِه ممتنعٌ، وعند رجحان الداعي واجبٌ، فيكون الفعلُ إما ممتنعاً وإما واجباً، فلا يكون مقدورَ العبد، فيقبُحُ التكليف به.

والثاني: أن الفِعلَ المأمورَ به إن عَلِمَ اللهُ وقوعَه وجبَ وقوعُه، وإن علمَ عدم وقوعِه امتنعَ وقوعُه، فلا يكونُ مقدوراً للعبد، فيقبُحُ التكليفُ به.

وأصحابُنا أهلُ السنة رحمهم الله لمَّا وجدوا تفرقةً بديهيَّةً بين ما نُزاولُه ــ أي: نُباشِرُه ــ من الأفعال الاختياريَّة، وبين ما نُحِسُّه من الجمادات من الحركات الصادرة بدون شعورٍ واختيارٍ، فإنهم علموا بالبديهة التي يصيرُ دافِعُها مُكابِراً أن للاختيار مَدْخلاً في الأول دون الثاني.

ومنعُهم الدليلَ الدالَّ على أن الله تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، عن إضافة الفِعلِ إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بين أمرين وقالوا: الأفعال واقعةٌ بقدرةِ الله وكَسْبِ العبد على معنى أن الله تعالى أجرى عادتَه بأن العبدَ إذا صَمَّمَ العَزْمَ على فِعلِ الطاعة يخلُقُ اللهُ تعالى فِعلَ الطاعة فيه، وإذا عزمَ على فِعلِ المعصية يخلُقُ فِعلَ المعصية فيه، وعلى هذا يكون العبدُ كالموجِدِ لفِعلِه، وإن لم يكن موجِداً حقيقةً، وهذا القدرُ كافٍ في الأمرِ والنهي، وإذا عُرِفَ استحالةُ قدرة الاختراع للعبد وثبوتُ الفِعلِ والقدرةِ له ثبتَ جوازُ دخولِ مقدورٍ واحدٍ تحت قدرةِ قادِرَين: إحداهما: قدرة الاختراع، والأخرى: قدرة الاكتساب، وإنما المستحيلُ دخولُه تحت قدرتَين كلّ واحدة منهما قدرة الاختراع أو قدرة الاكتساب، والأَوْلى أن يُسلَكَ في هذا المقام طريقةُ السلف رحمهم الله تعالى، وتُترَك المناظرةُ فيه، ويُفوَّضُ علمُه إلى الله تعالى (والواجب على المكلف في مسألة الكسب أن يعتقد أمرين: الأول: أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، لِما ذكر المؤلف من الأدلة. والثاني: أن العبد ليس مُجبَراً على فِعله المخلوق لله، وما بين هذين الأصلين هو ما يُسمَّى بمسألة الكسب، وتحريرها بالتفصيل الذي يذكره المُتكلّمون ليس واجباً عينياً) .

وقوله: (مع أعماله وإقراره ومعرفته) يشير إلى أن الإيمان مخلوقٌ، وقد تقدَّم فيما مضى.

وقوله: (فأفعالُه أَوْلَى أن تكونَ مخلوقةً) لأن فيه إظهارَ كمال القدرة بكونه قادراً على أفعال الغير، وبه تمتاز القدرةُ القديمةُ عن القدرة الحديثة، والمشيئةُ الشاملةُ عن المشيئة القاصرة. وبه يظهر أنه مُتصرِّفٌ في مقدور عباده مُستبِدٌّ بتحصيل مراده.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم