الاثنين، 1 مايو 2023

كلام الله تعالى / القرآن غير مخلوق / القرآن كلام الله غير مخلوق

 قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله 

إجماع الأنبياء صلواتُ الله تعالى عليهم وسلامُه وتوافُقُهم تواتَرَ على أن الله تعالى متكلِّمٌ بكلامٍ أزليٍّ واحدٍ، وثبوتُ نُبُوَّتِهم غيرُ متوقِّفٍ على كلامه تعالى، لأن الأنبياء عليهم السلام إذا ادَّعَوُا النبوَّةَ وأظهروا المعجزةَ على وفقِ دعواهم يُعلَمُ صِدقُهم من غير أن يتوقَّفَ صِدقُهم على كلامه تعالى، فيجب الإقرارُ بكلامه تعالى.

واتفقَ المسلمون على إطلاق لفظ المتكلّم على الله، واختلفوا في معناه، فعندنا كلامُه تعالى صفةٌ قائمةٌ بذاته غيرُ مخلوقةٍ ليست من جنسِ الحروف والأصوات، غيرُ متجزٍّ منافٍ للسكوت والخَرَس مكتوبٌ في المصاحف مقروءٌ بالألسن محفوظٌ في الصدور غيرُ حالّ فيها لا هو ولا غيرُه كسائر صفاته المقدَّسة عن شائبة الحدوث والحلول والتغيُّر، وهو به آمِرٌ ناهٍ مُخبِرٌ وليس ببدعٍ حيثُ المرجعُ واحدٌ، وهو الإخبارُ، إذ الأمرُ عبارةٌ عن تعريف أنه لو فَعَلَه استحقَّ المدحَ ولو تَرَكَه استحقَّ الذمَّ، والنهيُ بالعكس، وقد جاز في الشاهد كمن اصطلح مع غِلمانه أنه إذا قال: «زيد»، كان أمراً بالصوم لبشرٍ بالنهار، وأمراً بالفِطرِ في الليل، ونهياً عن الخروج، وإخباراً بدخول الأميرِ البلدَ، واستخباراً من مبارك عن أولاده، ثم قال: «زيد»، فُهِمَ منه هذه الأشياءُ كلّها، فكان أمراً ونهياً وخَبَراً واستخباراً بلا استحالةٍ، فكذا في الغائب.

والحِبْرُ والكاغَدُ (الكاغَدُ هو القرطاس، والمراد هنا الأوراق والصحف) والعباراتُ مخلوقةٌ لأنها أفعال العباد، وسيأتي كونُها مخلوقةً لله تعالى، وسُمِّيت العباراتُ كلامَ الله تعالى لأنها دلالة على كلام الله لحاجة العباد إليها، فإن معناه إنما يُفهَم بها، فإن عُبِّرَ عنه بالعربيَّة فهو قرآن لأنه عَلَمُه بالغَلَبة (أي لأن القرآن عَلَمٌ على كلام الله إن عُبِّر عنه بالعربية. والله أعلم) ، وإن عُبِّرَ عنه بالعِبريَّة فهو توراة، وإن عُبِّرَ عنه بالسُّوريَّة (أي بالسريانية) فهو إنجيل، واختلافُ العباراتِ لا يستلزمُ اختلافَ الكلام، كما أن اللهَ يُسمَّى بعباراتٍ مختلفةٍ مع أن ذاتَه واحدةٌ.

وقالت المعتزلة: كلامُ الله تعالى مخلوقٌ غيرُ قائمٍ بذاته، وقبلَ خَلقِه ما كان متكلِّماً، وإنما صار متكلِّماً بإحداث الحروف في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ?إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانَاً عَرَبِيَّاً? [الزخرف: ٣] ، والجَعْلُ والتخليقُ واحدٌ، ولأن الكلام في الشاهد من جنس الحروف والأصوات، ففي الغائب كذلك، ويستحيلُ قيامُ الصوت والحرف بالقديم.

والجواب: أن الآية محمولةٌ على العبارات المُحدَثة، ولا نُنازعُهم في ذلك، ويُؤيِّدُ هذا قوله صلى الله عليه وسلم «القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق» (لم نقف عليه مرفوعاً ولا موقوفاً. ولو كان في الباب حديث كهذا لما وقعت الفتنة المشهورة ولا الخلاف الطويل الذي نشأ عنه التبديع والتفسيق والتضليل والتكفير) ، وقولُهم: «الكلام في الشاهد من جنس الحروف والأصوات» ممنوعٌ، بل الكلام في الشاهد هو المعنى القائم بالذات، بدليل قول الأخطل: 

إنَّ الكَلامَ لَفِي الفُؤَادِ وإنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ على الفُؤَادِ دليلاً 

وكذا أخبَرَ اللهُ عن اليهود بقوله: ?وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَولَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ? [المجادلة: ٨] ، أي: يقولون في قلوبهم: لولا يُعذِّبُنا الله بما نقول لمحمَّدٍ في خبثنا إياه. ويقول الرجلُ لغيره: لي معك كلامٌ أُريدُ أن أُخبِرَك به (وأنت ترى أن الاستدلال على ثبوت الكلام النفسي في الشاهد ـ أي في المخلوق ـ ومثله يجوز الاحتجاج فيه ببيت شعر مهما كان قائله، على أن المصنف استدل بالقرآن أيضاً كما ترى، ويضاف إليهما قول عمر رضي الله عنه يوم السقيفة: «فزوَّرتُ في نفسي مقالة» أخرجه ابن هشام في «السيرة» ٤: ٢٢٧، وابن جرير الطبري في «التاريخ» ٢: ٢٣٥، والخطيب في «الفصل للوصل المدرج في المتن» ١: ٤٩١ بإسناد صحيح عنه. ومن هذا تعلم بطلان ما يذيعه بعضهم من أن الأشاعرة والماتريدية بنوا مذهبهم في إثبات الكلام النفسي على بيت لشاعر نصراني).

واعلم أن وصف كلام الله بالنفسي جاء لاعتبارين: الأول: أنه ليس بحرف ولا صوت ولا متجزِّئ ولا متبعِّض، فكما أنك تجد في نفسك كلاماً هذه صفته، فكذلك كلام الله سبحانه، ولا يُراد بهذا تشبيه كلامه سبحانه بكلامنا النفسي. 

والثاني: أنه قائم بذات الله، وفيه رد على المعتزلة القائلين بعدم جواز قيام الصفات بالذات، فالنفسي هنا بمعنى الذاتي، أي هو قائم بذات الله كالعلم والقدرة والإرادة ... 

وقد توسَّع الإمام الباقلاني في «الإنصاف» في إثبات الكلام النفسي، فليُراجع. ولأن التَّعرِّي عن الكلام لو ثبت في الأزل ثم اتَّصَفَ به لتغيَّرَ به عمَّا كان عليه، وهو من أمارات الحدث. 


وقالت الحنابلة والكرَّاميَّةُ: كلامُ الله تعالى ليس غيرَ الحروفِ المؤلّفةِ والأصواتِ المقطَّعةِ وأنه حالّ في المصاحف والألسنة، ومع ذلك هي قديمة، لأن كلامَ الله مسموعٌ، لقوله تعالى: ?فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الله? [التوبة: ٦] ، وقد دلَّ الدليلُ على أن كلامَهُ قديمٌ، فوجبَ أن تكون الحروفُ المسموعةُ قديمةً، وهو باطلٌ، لأنها تتوالى ويقع بعضها مسبوقاً ببعض (قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله في «العواصم من القواصم»: ومَن زعم أن السين التي بعد الباء قديمة فقد أنكر الحس) ، وكلّ مسبوق حادثٌ، والآيةُ محمولةٌ على العبارات المُحدَثة كما تقدَّم.

فإن قيل: أخبَرَ اللهُ عن أمورٍ ماضيةٍ كقوله تعالى: ?إنَّا أرْسَلْنَا نُوْحَاً? [نوح: ١] ، وقال تعالى: ?إنا أنزلناه?، وهو إنما يصحُّ إذا سبقَ المُخبَر عنه على الخَبَرِ، وإلا يَلزَمُ الكذبُ، وإن سبق يكون الأزليُّ مسبوقاً بغيره، وهو محال. 

والجواب: أن إخبارَ الله تعالى لا يتعلّقُ بزمانٍ، لأنه أزليٌّ، والمخبَرُ عنه متعلِّقٌ بزمان، والتغيُّرُ على المُخبَرِ عنه لا على الإخبار الأزليّ، كما أن الله تعالى كان عالماً في الأزل بأنه سيخلقُ العالَمَ، ثم لمَّا خَلَقَه فيما يزال كان عالماً به بأنه قد خلقَه، والتغيُّرُ على المعلوم لا على العِلم عندنا، ولا على الذات عندهم.

ثم عند الشيخ أبي منصور الماتريديِّ: كلامُه غيرُ مسموعٍ لاستحالة سماعِ ما ليس بصوتٍ، إذ السماعُ في الشاهد يتعلَّقُ بالصَّوتِ ويدورُ معه وجوداً وعدماً، وذكر في «التأويلات» (انظر «تأويلات أهل السنة» ١: ٥٢٨، ط مؤسسة الرسالة) أن موسى عليه السلام سمعَ صوتاً يدلّ على كلام الله تعالى، وخُصَّ بكونه كليمَ الله لأنه سمعَ مِن غيرِ واسطةِ الكتابِ والمَلَكِ، لا أنه ليس فيه واسطة الصوت والحرف. 

وعند الشيخ أبي الحسن الأشعري كلامُه مسموعٌ لِمَا أن كلّ موجودٍ كما يجوز أن يُرى يجوز أن يُسمَع. وعند ابن فورك عند قراءة القارئ شيئان: صوتُ القارئ وكلامُ الله تعالى.

وقول الإمام رحمه الله تعالى: (غير حالّ فيها) أي: في المصاحف والألسن والصدور، (والحِبرُ والكاغَدُ والكتابةُ مخلوقةٌ) إشارة إلى نفي مذهب الحنابلة، (فمَن قالَ بأنَّ كلامَ اللهِ تعالى مخلوقٌ فهو كافر) إشارة إلى ردِّ مذهب المعتزلة، وقوله: (بالله العظيم) متعلِّقٌ بـ (كافر) ، ويُمكن أن يكون قَسَماً. 

قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: ناظرتُ أبا حنيفة في خَلقِ القرآن ستة أشهر فاتَّفق رأيي ورأيُه أنَّ مَن قال بخلقِ القرآن فهو كافر (أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» ص٢٥١ بإسناده إلى أبي يوسف، فذكره إلا إنه قال: «سنةً جرداءَ» بدل «ستةَ أشهر»، وقال البيهقي: رواة هذا كلهم ثقات).

قال الإمام سعد الدين التفتازاني رحمه الله في «شرح المقاصد»، ونقله عنه العلامة الكوثري في تعليقه على «الأسماء والصفات»: انتظم من المقدمات القطعية والمشهورة قياسان، يُنتِجُ أحدُهما قِدَمَ كلام الله تعالى، وهو أنه من صفات الله وهي قديمة، والآخرُ حدوثَه، وهو أنه من الأصوات وهي حادثة، فاضطر القوم إلى نفي أحد القياسين ومنعِ بعض المقدمات ضرورة امتناع حقِّيَّة النقيضين، فمنعت المعتزلة كونه من صفات الله تعالى، والكرَّاميَّةُ كونَ كل صفة قديمةً، والأشاعرةُ كونه من جنس الأصوات والحروف، والحشويةُ كونَ المنتطم من الحروف حادثاً، ولا عبرة بكلام الكرَّاميَّة والحشوية، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة، وهو في التحقيق عائدٌ إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأن القرآن هو أو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسِّيٌّ أو لا؟ فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قِدَمِ النفسيِّ لو ثبت، وعلى البحث والمناظرة في ثبوت الكلام النفسي وكونه هو القرآن ينبغي أن يحمل ما نُقِلَ من مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف ستةَ أشهر، ثم استقرَّ رأيُهما أن مَن قال بخلق القرآن كافر. والله أعلم بالصواب.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم