الأربعاء، 10 مايو 2023

البعث والرؤية والشفاعة حق و خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما

 قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله 

اختلفَ الناسُ في المعادِ، فأطبَقَ المِلِّيُّون على المعادِ البَدَنيِّ، بعد اختلافِهم في معنى المعاد، فمَن ذهب إلى إمكان إعادة المعدوم قال: إنَّ اللهَ تعالى يُعدِمُ المُكلَّفينَ ثمَّ يُعيدُهم. ومَن ذهب إلى امتناع إعادة المعدوم قال: إنَّ اللهَ تعالى يُفرِّقُ أجزاءَ أبدانِهم الأصليَّة، ثم يُؤلِّفُ بينها ويخلقُ فيها الحياة. 

وأما الأنبياء عليهم السلام الذين سبقوا على نبيِّنا محمَّدٍ عليه السلام فالظاهر من كلام أُمَمِهم أنَّ موسى عليه السلام لم يذكر المعادَ البدنيَّ، ولا أُنزِلَ عليه في التوراة، لكن جاء ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام الذين جاءوا بعده كحِزقيل وشعيباً عليهما السلام، ولذلك أقرَّ اليهود به.

وأما في الإنجيل فقد ذُكِرَ أن الأخيارَ يصيرون كالملائكة، وتكونُ لهم الحياةُ الأبديَّة والسعادةُ العظيمة، والأظهرُ أن المذكور فيه المعادُ الروحانيُّ. 

وأما القرآن الكريم فقد جاء فيه المعادُ الروحانيُّ والجسمانيُّ، أما الروحانيُّ فقوله تعالى: ?فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ? [السجدة: ١٧] ، وقوله تعالى: ?لِلذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ? [يونس: ٢٦] ، وأما الجسمانيُّ فقد جاء في القرآن العظيم أكثرَ من أن يُحصى، وأكثرُه ممَّا لا يقبل التأويل، كقوله تعالى: ?مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الّذي أنْشَأَهَا أوَّلَ مرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ? [يس: ٧٨ ــ ٧٩] ، وقوله تعالى: ?فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إلى ربِّهِمْ يَنْسِلُونَ? [يس: ٣٥] ، وقوله تعالى: ?وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا? [فصلت: ٢١] ، وقوله تعالى: ?أَفَلَا يَعْلَمُ إذَا بُعْثِرَ مَا في القُبُورِ? [العاديات: ٩] ، وما استدلَّ به في المتن من قوله تعالى: ?وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ? [الحج: ٧] إلى غير ذلك ممَّا لا يُحصَى.

وإذا عُرِفَ هذا فنقولُ: أجمعَ المسلمون على أن الله تعالى يُحيي الأبدانَ بعدَ موتِها وتفرُّقِها لأنه ممكنٌ عقلاً، والصادقُ أخبَرَ به فيكون حقَّاً. 

أما إمكانُه فلأنه إنما يثبتُ بالنظر إلى القابل والفاعل: أما بالنظر إلى القابل فلأن أجزاءَ الميت قابلةٌ للجمعِ والحياة، وإلا ــ أي: إن لم تكن قابلةً للجمع والحياة ــ لم تتَّصِف بالجمع والحياة أولاً، وهو باطلٌ.

وأما بالنظر إلى الفاعل، فلأن الله تعالى عالمٌ بأعيان أجزاء كلِّ شخصٍ على التفصيل، أصليَّةً كانت أو فضليَّةً، لكونه عالماً بجميع الجزئيَّات، وقادراً على جمعِ الأجزاء الأصليَّة لكل واحدٍ وإيجادِ الحياة فيها لشمول قدرتِه كلّ الممكنات، وإذا كان كذلك وجبَ أن يكون إحياءُ الأبدان ممكناً. 

وأما إخبار الصادق به فلأنه ثبت بالتواتر أن النبيَّ عليه السلام كان يُثبِتُ المعادَ الجسمانيَّ، وقد تُلِيَ عليك الآن بعضُ ما جاء في الكلام العزيز. 

فإن قيل: كلام الإمام رحمه الله في المتن لا يدلّ على المعاد الجسمانيِّ، لأنه ذكر أن اللهَ تعالى يُحيي هذه النفوسَ بعدَ الموت، وهو لا يُفيدُ إعادة البدن.

أجيب: بأن المرادَ منه البدنُ بدليل الدليل، وهو قوله تعالى: ?وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ? [الحج: ٧] إذ لا خفاءَ أنَّ ما في القبور هو البدنُ، ويُمكنُ أن يكونَ اختيارُه هذه اللفظةَ نفياً لقولِ مَن ينفي المعادَ الروحانيَّ والجسمانيَّ، فقال: «هذه النفوس» إشارة إلى حَشرِ الأرواح، وأشار بالدليل إلى حشر الأجساد. 

ومن الناس مَن أنكرَ الحشرَ الجسمانيَّ، واستَدَلَّ بوجوهٍ:

الأول: أنه لو ثبت المعادُ الجسمانيُّ، فإما أن يكون وصولُ الثواب والعقاب في الأفلاك أو في العناصر (العنصر أصل كل شيء، ويُراد به الحرارة والرطوبة واليبوسة والبرودة. اهـ من حاشية النسخة (ب)) ، والثاني هو التناسُخُ، والأولُ يُوجِبُ انخراق الأفلاك، ويلزم أيضاً حصول الجنَّةِ فوق الأفلاك، لأن وصولَ الثواب إلى المكلَّف في الجنة، والجنةُ في السماء على تقدير ثبوتها، فيلزم عدم كُريَّة الأفلاك، وأيضاً يلزم دوام الاختراق مع دوام الحياة، وهو ممتنع، وأيضاً يلزم تولّدَ البَدَن من غير التوالُد، وهو ممتنعٌ، وأيضاً يلزم أن تكون القوَّةُ الجسمانيَّةُ غيرَ متناهيةِ التحريك، لأن وصولَ الثواب دائماً ووصولَ العقاب بالنسبة إلى البعض دائماً يُوجِبُ التحريكات غير المتناهية (في الأصول الخطية: «الغير المتناهية»، وهو خطأ، فلا يجوز تعريف «غير» في اللغة).

وأُجيبَ عن هذه الوجوه بأنها استبعاداتٌ، ولا امتناعَ في شيءٍ ممَّا ذكروا، وأيضاً الأفلاك حادثةٌ لِمَا ذُكِرَ أن ما سوى الله حادثٌ، فيكون عدمُها جائزاً، وحينئذ جاز انخراقُها أيضاً، وحصول الجنة في الأفلاك جائزٌ، وكُريَّتُها ممنوعةٌ، ولئن سُلِّمَ فلا تنافي، ودوام الحياة مع دوام الاختراق ممكنٌ، لأن الله تعالى قادرٌ على كلِّ مقدورٍ، والتولّدُ ممكنٌ كما في حقّ آدم (في (ف) وحدها: «خلق آدم») ، والقوَّةُ الجسمانيَّةُ قد لا تتناهى انفعالاتُها (بمعنى أن الله يُمدُّها بالقوى كما أمدَّها في الدنيا، وإنما انقطع قواها في الدنيا لِقَطعِ إمداد الله عنها، وأما في الآخرة لا يُقطَعُ عنها الإمداد. اهـ من حاشية النسخة (ب)) وكذا فِعلُها بواسطةٍ، فكانت الضرورةُ قاضيةً بثبوت المعاد الجسمانيِّ من دين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.


الرؤية حق

قوله: (ولقاءُ الله تعالى لأهلِ الجنَّةِ حق) يعني أن اللهَ تعالى يصحُّ أن يُرى في الآخرة، بمعنى أنه يَنكشِفُ (علق هنا في حاشية (ب) على قوله «ينكشف» فقال: صوابه: أن الله يكشِفُ الحِجابَ عن المؤمنين فيرونه كما يرون القمر، لأن التغيُّر واقعٌ بالمخلوق لا على الله. اهـ) لعباده المؤمنين في الآخرة انكشافَ البدرِ المرئيِّ خلافاً للمعتزلة. 

قوله: (بلا كيفيَّةٍ ولا تشبيهٍ ولا جهةٍ) يعني من غيرِ ارتسامِ صورةِ المرئيِّ في العين أو اتِّصالِ شُعاعٍ خارجٍ من العين إلى المرئيِّ وحصول مواجَهَةٍ، خلافاً للمشبِّهةِ والكرَّاميَّةِ، فإنهم جوَّزوا الرؤيةَ لاعتقادِهم كونَه تعالى في الجهة والمكان، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً. واعتمادنا في ذلك على الأدلة السمعيَّةِ، ونشتغلُ بالمعقول في دفعِ شُبَهِهم.

أما الأول ــ وهو صحَّةُ الرؤية ــ فيدلّ عليه وجوه: 

الأول: أن موسى صلواتُ الله تعالى عليه وسلامُه سأل الرؤية، فلو استحالتِ الرؤيةُ لكانَ سؤالُ موسى جهلاً وعبثاً. 

الثاني: أن الله تعالى علّقَ الرؤيةَ باستقرارِ الجبل، واستقرارُ الجبل من حيث هو ممكنٌ، فكذا المعلَّق باستقرار الجبل أيضاً ممكنٌ، فالرؤيةُ ممكنةٌ.

الثالث: قوله تعالى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? [القيامة: ٢٢ ــ ٢٣] ، وجهُ الاحتجاج أن النظرَ إما أن يكون عبارة عن الرؤية، أو عن تقليب الحَدَقة نحوَ المرئيِّ طلباً للرؤية، والأول هو المطلوب، والثاني تعذَّرَ حملُهُ على ظاهره، فيُحمَل على الرؤية التي هي كالمسبَّبِ للنظر بالمعنى الثاني، وإطلاقُ السبب وإرادة المسبَّب من أحسن وجوه المجاز.

الرابع: قوله تعالى: ?كَلَّا إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ? [المطففين: ٥] ، وجه الاحتجاج أنه تعالى أخبَرَ عن الكفار على سبيل الوعيد أنهم عن ربِّهم يومئذ لمحجوبون، وذلك يدلُّ على أنَّ المؤمنين يومئذٍ غيرُ محجوبين عن ربِّهم، وإلا لم يكن للإخبارِ عن الكفار على سبيل الوعيد أنهم عن ربِّهم يومئذ لمحجوبون فائدةٌ، وإذا لم يكن المؤمنون يومئذٍ عن ربِّهم محجوبين فيَرَونَه. 

وفي هذه الوجوه كلّها سؤالاتٌ وأجوبةٌ تُطلَبُ في المطوَّلات. 

وأما الثاني ــ وهو أنه يُرى بلا تشبيهٍ ولا ارتسامِ صورةِ المرئيِّ في العين أو اتصالِ الشُّعاعِ إلى المرئيِّ أو حصولِ المواجَهَةِ ــ فلِمَا عُرِفَ أن الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الجهة مقدَّسٌ عن المكان مُتعالٍ عن المواجهةِ. 

واحتجَّتِ المعتزلةُ بوجوه:

منها قولُه تعالى: ?لَا تُدْرِكُهُ الأَبصَارُ? [الأنعام: ١٠٣] ، فإنَّه يقتضي أنْ لا تُدركَه الأبصارُ في شيءٍ من الأوقات، لأن قولَنا: «تدركُه الأبصارُ»، يُناقِضُ قولَنا: «لا تُدرِكُه الأبصارُ»، بدليل استعمال كلّ من القولَينِ في تكذيبِ الآخرِ، وصِدْقُ أحدِ النقيضَين يستلزِمُ كذبَ الآخرِ، وصِدْقُ قولِه تعالى: ?لَا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ? [الأنعام: ١٠٣] يُوجِبُ كَذِبَ قولِنا: «تُدرِكُه الأبصارُ»، وكذبُه يستلزمُ كذبَ قولِنا: «يُدرِكُه بصرٌ واحدٌ أو بصران»، إذ لا قائلَ بالفرق.

وأُجيبَ: بأن الإدراكَ هو الإحاطةُ، وهي رؤيةُ الشيء من جميع جوانِبِه، لأن أصلَه من اللحوق، والإحاطةُ إنما تتحقَّقُ في المرئيِّ الذي يكون له جوانبُ، فمعنى الآية: نفيُ الرؤية على سبيل الإحاطة، ولا يلزمُ من نفي الرؤية على سبيل الإحاطة نفيُ الرؤية، فإنّ نفيَ الرؤية على سبيل الإحاطة أخصُّ من نفي الرؤية مطلقاً، ولا يلزم من نفي الأخصِّ نفيُ الأعمِّ (وقع في هذا الجواب اختلاف بين النسخ لا يؤثر على المعنى، والمثبت من (ب) ، وهو أتمُّ ما في النسخ وأجوده) . 

وأيضاً معنى الآية: لا تُدرِكُهُ جميعُ الأبصارِ، وذلك لأن الأبصارَ جمعٌ مُعرَّفٌ باللام مفيدٌ للعموم، فلا يُناقِضُ إدراكَ بعضِ الأبصار (فتكون الآية من باب سَلبِ العموم لا عموم السَّلب).

ومنها قوله تعالى لموسى عليه السلام ?لَنْ تَرَانِي? [الأعراف: ١٤٣] ، وجه الاستدلال أن كلمة «لن» لتأبيد النفي بدليل قولِه: ?قُلْ لَنْ تَتَّبِعُوْنَا? [الفتح: ١٥] ، فنفيُ الرؤيةِ على سبيل التأبيد في حقِّ موسى عليه السلام يستلزِمُ نفيَها في حقِّ غيره، إذ لا قائلَ بالفرقِ. 

وأجيب: بأنَّا لا نُسلّمُ أن كلمة «لن» لتأبيد النفي، بل لتأكيد النفي، بدليل قوله تعالى: ?وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَاً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ? [البقرة: ٩٥] ، فإنه قيَّدَ بقوله: ?أَبدَاً?، ومع هذا لم يستلزم تأبيد النفي، لأنهم يتمنَّونَ في الآخرة (أفاد على حاشية (ب) دليلاً آخر على أن «لن» لا تفيد تأبيد النفي، وهو وقوع الغاية بعدها كما في قوله تعالى: ?لن نَبرَحَ عليه عاكِفِينَ حتَّى يَرْجِعَ إلينا مُوسَى?) ، على أن نفيَ الرؤية على التأبيد لا يقتضي نفيَ صحَّةِ الرؤية.

ومنها أن الإبصارَ في الشاهد تجب له شروطٌ ثمانيةٌ: سلامةُ الحواسِّ لأن عند عدمها لا تجب الرؤية، وكونُ الشيءِ جائزَ الرؤية، والمقابَلَةُ المخصوصة بين الرائي والمرئيِّ كالجسم المحاذي للرائي، وكونُ المرئيِّ في حُكم المُقابِل كالأعراض القائمة بالجسم المُقابِل فإنها في حكم محالِّها المقابِلة، وعدمُ القُربِ المُفرِط وبُعدِه، وأن لا يكون المرئيُّ في غاية اللطافة، وأن لا يكون في غاية الصِّغَر، وأن لا يكون بينهما حِجابٌ. لأنَّا نعلمُ بالضرورةِ أننا لا نُبصِرَ الشيءَ عند عدم أحدِ هذه الشروط، ونُبصِرُه إذا حصل هذه الشروط، وإن لم تجب الرؤية إذا حصل هذه الشروط جازَ أن يكون بحضرتِنا جبالٌ وأشخاصٌ لا نراها. 

والشروط الستة الأخيرة، أي: المقابَلة وما في حُكمها وعدم غاية القُربِ والبُعدِ وعدم غاية اللطافة وعدم غاية الصِّغَر وعدم الحجاب لا يُمكن اعتبارُها في رؤية الله تعالى، لأن هذه الستة إنما تُعتَبَرُ فيما شأنُه أن يكون في جهةٍ وحيِّزٍ، واللهُ تعالى منزَّهٌ عن الجهة والحيِّز.

بقي شرطان: سلامة الحاسَّة وجواز الرؤية، وسلامة الحاسَّة حاصلةٌ الآن، فلو صحَّ رؤيتُه وجبَ أن نراه تعالى لحصول الشرطين، واللازمُ باطلٌ فالملزومُ مثلُه. 

والجواب: بأن الغائبَ عن الحِسِّ ــ وهو الله تعالى وتقدَّسَ ــ ليس كالشاهد، فلعلّ رؤيتَه تتوقّفُ على شرطٍ لم يحصل الآن، وهو ما يخلقُه اللهُ في الأبصار ما تقوى به على رؤيته، أو بأنه لم تكن الرؤيةُ واجبةَ الحصول عند تحقُّقِ هذه الشرائط، فإن الرؤية بخَلقِ الله تعالى، والشروط الثمانية معدَّات، ولا تجب الرؤيةُ عند وجود معدَّاتِها.


الشفاعة حق

قوله: (وشفاعةُ نبيِّنا محمَّدٍ عليه السلام ... إلخ) شفاعة نبيِّنا محمَّدٍ عليه السلام لأهل الكبائر قبلَ التوبة حقٌّ، لأنه تعالى أمرَ النبيَّ بالاستغفار لذنوب المؤمنين بقوله: ?وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ? [محمد: ١٩]، وصاحبُ الكبيرة مؤمنٌ لِمَا سبقَ، فيَستَغفِرُ له امتثالاً لأمرِه تعالى وصيانةً لِعِصمته صلى الله عليه وسلم عن مخالفة أمرِه، وإذا استغفرَ النبيُّ عليه السلام لصاحبِ الكبيرة قبلَ توبتِه، يَقبلُ اللهُ شفاعتَه عليه السلام تحصيلاً لمرضاته عليه السلام لقوله تعالى: ?وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى? [الضحى: ٥] ، ولقوله تعالى: ?يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحمَنِ وَفْدَاً * وَنَسُوقُ المُجْرِمِينًَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدَاً* لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَاً? [مريم: ٨٥ ــ ٨٧] ، وصاحبُ الكبيرةِ اتَّخذ عند الرَّحمن عهداً فيكون داخلاً تحت هذه الآية، وقوله تعالى: ?وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى? [الأنبياء: ٢٨] ، وصاحب الكبيرة مرتضىً بحسب إيمانِه وطاعتِه، والاستثناءُ من النفي إثباتٌ، فوجبَ ثبوتُ الشفاعة له، وقوله - صلى الله عليه وسلم «شفاعتي لأهلِ الكبائرِ مِن أُمَّتي» (أخرجه أبو داود (٤٧٣٩) ، والترمذي (٢٤٣٥) من حديث أنس. وأخرجه الترمذي (٢٤٣٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما) وهو حديثٌ مشهورٌ دالّ على أنَّ شفاعةَ النبيِّ ثابتةٌ لأهل الكبائر، سواء كان قبل التوبة أو بعدها.

وذهبت المعتزلةُ إلى أنَّ شفاعةَ النبيِّ لا أثرَ لها في إسقاط العذاب، واحتجُّوا بآيات: 

منها قولُه تعالى: ?وَاتَّقُوا يَوْمَاً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئَاً? [البقرة: ٤٨ و١٢٣] ، دلَّت الآيةُ على أنه لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً على سبيل العموم، فإن النكرةَ في سياقِ النفي تعمُّ، وتأثيرُ شفاعة النبيِّ عليه السلام مُنافٍ لمقتضى الآية، فلا يثبتُ التأثير. 

ومنها قولُه تعالى: ?مَا لِلظالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ? [غافر: ١٨] ، نفى اللهُ سبحانه وتعالى الشفيعَ للظالمين على سبيل العموم، والعُصاةُ ظالِمون، فلا يكون لهم شفيعٌ أصلاً.

ومنها قولُه تعالى: ?مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ? [البقرة: ٢٥٤] ، دلَّت الآيةُ على سبيل الظهور على نفي الشفاعة على الإطلاقِ، فيلزمُ نفيُ شفاعةِ النبيِّ عليه السلام في حقِّ العُصاة. 

وأُجيبَ عن الكلِّ بأنها غيرُ عامَّةٍ في الأعيان والأزمان، فلا تتناول محلّ النِّزاع، ولئن سُلِّمَ أنها عامَّةٌ في الأعيان والأزمان، حتى تكون متناولةً لِمحلِّ النِّزاع، فمخصوصةٌ بما ذكرنا من الآيات الدالَّة على ثبوت الشفاعة في حقِّ العُصاة، فتُأوَّلُ الآياتُ بتخصيصها بالكفار جمعاً بين الأدلة.


خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما

قوله: (وأهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ خالدونَ ... إلخ) إشارة إلى أن العفوَ عن الكفرِ لا يجوز عقلاً عندنا خلافاً للأشعريِّ، وتخليدُ المؤمنين في النار وتخليدُ الكافرين في الجنَّة عنده يجوزُ عقلاً أيضاً، إلا أن السَّمْعَ وردَ بخِلافِه، له أنه تصرُّفٌ في مُلكِهِ، فلا يكون ظُلماً، إذ الظلمُ تصرُّفٌ في مُلكِ الغير. وعندنا لا يجوز؛ لأن الحِكمةَ تقتضي التَّفرِقَةَ بين المُحسِنِ والمُسيءِ، ولهذا استبعدَ اللهُ تعالى التَّسوِيَةَ بينهما بقوله: ?أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ? [صاد: ٢٨] ، ?أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أنْ نَجْعَلَهُمْ كَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ? [الجاثية: ٢١] ، ?أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ? [القلم: ٣٥ ــ ٣٦] ، وتخليدُ المُؤمِن في النَّار، وتخليدُ الكافر في الجنَّةِ ظُلمٌ، لأنه وَضْعُ الشيءِ في غير مَوضِعِه، والإساءةُ في حقِّ المُحسِن، والإكرامُ في حقِّ المُسيءِ وضعُ الشيء في غير مَوضعِه، فكان ظلماً، تعالى عن ذلك علوَّاً كبيراً.

والتصرُّفُ في مُلكِهِ إنما يجوزُ إذا كانَ على وجه الحِكمة، وأما على خِلاف الحِكمة يكون سَفَهَاً، فثبتَ أن أهلَ الجنَّة في الجنَّة خالدونَ، وأهلَ النَّار في النَّار خالدون، كما قال الله تعالى في حقِّ أهل الجنة: ?أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? [البقرة: ٨٢] ، وفي حقِّ أهل النار: ?أُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? [البقرة: ٣٩] . 

ذكر الشيخُ أبو منصورٍ الماتريديُّ رحمه الله في «التوحيد» في الفرق بين الكفرِ وما دونه من الذنوب في جوازِ العَفْوِ عمَّا دونَ الكفرِ وامتناعِه فيه: أنَّ الكفرَ مذهبٌ يُعتَقَدُ، والمذاهبُ تُعتقدُ للأبد، فعلى ذلك عقوبتُه. وسائرُ الكبائر لا تُفعَلُ للأبد، بل في أوقاتِ غلبةِ الشهواتِ، فعلى ذلك عقوبتُها. ولأن الكفرَ قبيحٌ لعينه لا يحتمل الإطلاقَ ورَفْعَ الحرمة عنه، فعلى ذلك عقوبتُه لا تحتملُ الارتفاعَ والعفوَ عنه في الحكمة، وسائر المآثِمِ يجوزُ رفعُ الحرمة عنها في العقل، فكذا عقوبتُه، ولأن العفوَ عن الكافر [عفوٌ] في غير موضع العفو، لأنه يُنكِرُ المُنعِمَ ويرى ذلك حقَّاً، ولا كذلك سائرُ المآثم فصاحبُها يعرِفُ المُنعِمَ والعفوَ، فيجوزُ العفوُ عنه في الحكمة.

وهذا آخر ما أردنا إيراده في شرح هذه «الوصية» المباركة، جعله الله نافعاً لطالبيه، وشافعاً لمؤلفه وناظريه، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمَّد وآله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم