السبت، 6 مايو 2023

مشروعية المسح على الخف

 قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله 

المسحُ على الخُفَّين مقدار ثلاثِ أصابِعَ واجبٌ للمقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليها، لِمَا روى عليٌّ وجماعةٌ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النبيِّ أنه قال: «يَمسَحُ المُقيمُ يوماً وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ» (أخرجه مسلم (٢٧٦) ، والنسائي ١: ٨٤، وابن ماجه (٥٥٢) من حديث علي كرم الله وجهه، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ... ، فذكره) ، والأثرُ اشتهر عنه عليه السلام، منه قول المغيرة، وحديث سلمان: أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى يومَ الفَتحِ خمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ ومسحَ على خُفَّيهِ (لم نجده من حديث سلمان رضي الله عنه بهذا اللفظ، لكن أخرجه مسلم (٢٧٧) ، وأبو داود (١٧٢) ، والترمذي (٦١) من حديث بريدة رضي الله عنه) . وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما زالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمسَحُ على الخُفَّين بعدَ نزولِ المائدةِ» (قول عائشة أخرجه الدارقطني (٧٤٦) ، وإسناده ضعيف. وأخرج البخاري (٣٧٨٧) ، ومسلم (٢٧٢) ، وأبو داود (١٥٤) ، والترمذي (٩٣) و (٩٤) ، والنسائي ١: ٨١، وابن ماجه (٥٤٣) عن جرير بن عبد الله البجلي: أنه بال ثم توضَّأ ومسحَ على خُفَّيه، ثم قام فصلى، فسُئِلَ، فقال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صنعَ مِثلَ هذا. قال إبراهيم النخعي: كان أصحابُ عبد الله بن مسعود يُعجِبُهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة).

وذكر في «المبسوط» (انظر «المبسوط» للإمام السرخسي رحمه الله تعالى ١: ٩٧ ــ ٩٩) ثبوتَ المسح بآثارٍ مشهورةٍ قريبةٍ من التواتر، وعن الحسن البصريِّ رحمه الله أدركتُ سبعينَ نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّهم يَرَونَ المسحَ على الخُفَّين (نسبه ابن الهُمام في «فتح القدير» ١: ١٤٣ لابن المنذر، وذكره ابنُ عبد البر في «التمهيد» ١١: ١٣٧، وفي «الاستذكار» ١: ٢٨٨ دون إسناد) . 

وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ما قلتُ بالمسح عليهما حتى جاء في الآثار مثلَ ضوءِ النهار. وعنه: حتى رأيتُ شعاعاً كشعاع الشمس. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يجوز نسخُ الكتاب بخَبَرِ المسحِ لشُهرتِه. وقال الكرخيُّ رحمه الله مَن أنكر المسحَ عليهما نخشى عليه الكُفرَ، لأن الآثارَ جاءت في حيِّز التواتر (ذكر قولَ أبي حنيفة ــ باللفظ الأول ــ وقولَ أبي يوسف وقولَ الكرخيِّ الإمامُ السرخسيُّ في «المبسوط» ١: ٩٨، وابنُ نُجَيم في «البحر الرائق» ١: ١٧٣، وابنُ الهُمام في «فتح القدير» ١: ١٤٣. وذكر الكاساني في «بدائع الصنائع» ١: ٧ قول أبي حنيفة فقط، وذكره الكردري في «المناقب» ص١٥٥ عن عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة. ورواه ابن عبد البر في «الانتقاء» ص١٦٥ من طريق أبي مطيع، عن أبي حنيفة) . وذكر في «المجتبى» (لعله يريد كتاب العلامة الفقيه الأصولي أبي الرجاء مختار بن محمود الزاهدي المتوفى سنة ٦٥٨ المسمى «المجتبى»، وقد ذكره العلامة اللكنوي في «الفوائد البهية» ص٢١٣، وصاحب «كشف الظنون» ٢: ١٥٩٢ باسم «المجتبى في الأصول». ثم ذكر اللكنوي أنه طالع من كتبه «المجتبى شرح القدوري» في الفقه، وكذا سمَّاه الزركلي في «الأعلام» ٧: ١٩٣، فليُحرَّر) أنَّ على قياس قول أبي يوسف رحمه الله مُنكِرَه كافرٌ، لأن حديث المسح بمنزلة المتواتر عنده، ومنكِرُ المتواتر كافرٌ.

قيل: ومن الدليل على أن منكِرَ المسح ضالّ مُبتدِعٌ ما روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن قتادة أنه لمَّا قَدِمَ الكوفةَ اجتمع به، فقال قتادة: أنت مِنَ الذين اتخذوا دينَهم شِيَعاً. فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنا أُفضِّلُ الشيخين، وأحبُّ الخَتَنَين، وأرى المَسحَ على الخُفَّين. فقال له قتادة: أصبتَ فالزَم، ثلاث مرَّات (ذكر الكاساني في «بدائع الصنائع» ١: ٧ أن أبا حنيفة قال في شرائط السنة والجماعة: أن تُفَضِّلَ الشيخين، وتُحبَّ الخَتَنَين، وأن ترى المسحَ على الخُفَّين، وأن لا تُحرِّمَ نبيذَ التمر، يعني المثلَّث. وذكر نحوه السمرقندي في «تحفة الفقهاء» ٣: ٣٢٨، والكاساني أيضاً في «البدائع» ٥: ١١٧، وابن نُجيم في «البحر الرائق» ١: ١٧٣، والكردري في «مناقب أبي حنيفة» ص١٤٩) . 

وقالت الخوارج والإماميَّة: لا يجوز المسحُ عليهما، وهو قول أبي بكر بن داود (هو أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري، كان فقيهاً أديباً شاعراً ظريفاً، له كتاب سماه «الزهرة» وهو مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق، وله في الفقه «الوصول إلى معرفة الأصول» و «الإنذار» و «الإعذار» و «الانتصار»، توفي سنة ٢٩٧، وعمره ٤٢ سنة، وأبوه داود الظاهري معروف. انظر ترجمته في «وفيات الأعيان» ٤: ٢٥٩ ـ ٢٦١) ، وخالَفَ أباه في ذلك.

فإن قيل: ما وجه قوله: «واجب»، وقد ذكر في «الهداية» وعامَّة الكتب أنه جائز، حتى اختلفوا في الأفضليَّة، فمنهم مَن ذهب إلى أن المسحَ أفضلُ، وذهب عامَّتُهم إلى أن الغسلَ أفضلُ، ومن الصحابة مَن أنكره كابن عباسٍ وعائشة وأبي هريرة، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما «والله ما مسحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ نزولِ المائدةِ» (أخرج ابن أبي شيبة ١: ١٨٠ من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: سبق الكتابُ الخُفَّين. وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير، عنه، قال: ما أبالي مسحتُ على الخُفَّين أو مسحتُ على ظهر بُختي هذا. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً والبيهقي ١: ٢٧٣ من طريقين عن فطر قال: قلت لعطاء: إنَّ عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتابُ المسحَ على الخُفَّين. فقال عطاء: كذب عكرمةُ، أنا رأيتُ ابنَ عباس يمسحُ عليهما. وأخرج البيهقي ١: ٢٧٣ من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني خصيف، أن مِقسَم مولى عبد الله بن الحارث أخبره، أنَّ ابنَ عباس أخبره، قال: كنتُ أنا عند عمر حين سأله سعدٌ وابنُ عمر عن المسح على الخُفَّين، فقضى لسعد. قال: فقلت لسعد: قد علمنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسحَ على خُفَّيه، ولكن أقَبْلَ المائدة أم بعدَها؟ لا يُخبِرُك أحدٌ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسحَ بعدَ المائدة. فسكت عمر. وهذه الرواية أقرب الروايات إلى لفظ المصنف. وأخرج عبد الرزاق (٧٦٨) ، وابن أبي شيبة ١: ١٨٠مختصراً، والبيهقي ١: ٢٧٣ من طريقين عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال في خبر سعد: لو قلتُم بهذا في السفر البعيد والبرد الشديد! قال البيهقي: فهذا تجويزٌ منه للمسح في السفر البعيد والبرد الشديد بعد أن كان يُنكِرُه على الإطلاق، وقد روي عنه أنه أفتى به للمقيم والمسافر جميعاً. ثم أخرج من طريق شعبة، عن قتادة، سمعت موسى بن سلمة قال: سألتُ ابنَ عباس عن المسح على الخُفَّين، فقال: للمسافر ثلاثة أيام وليالهنّ، وللمقيم يوم وليلة. وهذا إسناد صحيح).


وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «لَأَنْ تُقطَعَ قَدَمايَ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أمسَحَ على الخُفَّين» (أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١: ١٧٩ بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: لأن أحزَّهما بالسَّكاكين أحبُّ إليَّ مِن أن أمسح عليهما. وأخرج أيضاً ١: ١٨٠ بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لأن أحزَّ أواخِرَ أصابعي بالسِّكين أحبُّ إليَّ من أن أمسح عليهما. قال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» ١: ١٥٨: وروى الدارقطني من حديث عائشة إثباتَ المسح على الخُفَّين، ويؤيِّد ذلك حديثُ شريح بن هانئ في سؤاله إياها عن ذلك، فقالت له: سل ابنَ أبي طالب. وفي رواية أنها قالت: لا عِلمَ لي بذلك. قلنا: رواية الدارقطني تقدَّمت قريباً، وإسنادها ضعيف. أما إحالتها السائل على عليّ فهو في «صحيح مسلم» (٢٧٦) ، فلعلها كانت تُنكِرُ المسح، فروجِعَت بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأحالت بعد ذلك مَن يسألها على عليّ لعِلمِه بذلك دونها. والله أعلم. أما أبو هريرة فقد أخرج ابن أبي شيبة ١: ١٨٠ عنه قال: ما أُبالي على ظَهرِ خُفَّيَّ مسحتُ أو على ظهر حمار. وإسناده قوي، وقال الإمام أحمد ــ كما في «التلخيص الحبير» ١: ١٥٨ ــ: لا يصحُّ حديثُ أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطل) . 


أجيب: بأن المرادَ واجبٌ اعتقادُ جوازِه، بدليل المقام، فإن أصولَ الكلام لا يُبحَثُ فيه عن الفروع بالجواز وعَدَمِه، وإنما يُبحَثُ فيه عن الاعتقادات، وما روي من إنكار الصحابة فقد صحَّ رجوعُهم إلى قول عامَّةِ الصحابة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم