قال التفتازاني في كتابه المقاصد
ذهب طائفة من المتكلمين كالإمام التفتازاني([47]) إلى أن تصور الوجود أمر بديهي لا يحتاج إلى تعريف يستطيع معرفته كل واحد وإن لم يمتلك طرق الاكتساب، وذهب الفلاسفة إلى أنه لا شيء أعرف من الوجود، وعولوا على الاستقراء إذ هو كاف في إثبات المطلوب، فمهما كان من تعريف الوجود فإن لفظ الوجود أعرف منه، فإن عرف بتعريف كان أكثر غموضاً من المُعرَف لزم تعريفه، وفي ذلك وقوع في مغالطة من المغالطات المنطقية، حيث يشترط للتعريف أن يكون أعرف من المُعَرف.
وعرفها الإمام الرازي والإمام السنوسي بأنها: "هي حال واجبة للذات ما دامت الذات غير معللة بعلة، وعلى ذلك فالوجود صفة نفسية مغايرة مفهوما لصفات المعاني والسلبية"([48]).
وعرفه الإمام الأشعري إلى أن الوجود هو عين الموجود بناءً منه على نفي الأحوال، فلا واسطة بين الوجود والعدم عند الإمام الأشعري([49]).
فأثبت أبو الحسن الأشعري بأنّ الوجود كلّه هو عين الماهية، ولذلك فعنده الوجود إنّما يُقَاُل على مصدوقاته بالاشتراك اللّفظي، كما تقال العين على مصدوقاتها، وأنّه ليس وراء لفظة الوجود من معنى آخر غير الماهية نفسها، ولا يمكن أن يكون هناك حقيقة أخرى غير الماهية المتحقّقة في الأعيان توصف بها الماهية بالوجود.
فمن يرى أن الخلاف حقيقي بين الإمام الرازي والإمام الأشعري حمل قول الأشعري على أنه اعتباري وقول غيره محمول على أنه حال.
ومن يرى أن الخلاف لفظي فحمل كلام الأشعري على أن الوجود ليس زائداً في الخارج فلا ينافي أنه حال وهو مراد الرازي وهو الأرجح ويؤيده كلام التفتازاني صاحب كتاب المقاصد حيث قال: "لا خلاف في أن الوجود زائد هنا –أي لا خارجياً- بمعنى أن للعقل أن يلحظ الماهية دون الوجود. وبالعكس يعني يلحظ الوجود دون الماهية وتتعقل الماهية ونشك في وجودها.
* ذهب المعتزلة إلى أن حصول العلم بالمطلوب عقب النظر الصحيح لازم بطريق التولد، وهو أن يوجب فعل لفاعله فعلاً آخر، وذهب الأشاعرة إلى حصول العلم يكون عقب النظر الصحيح على طريق جري العادة من الله تعالى، بمعنى أنه متى تحقق النظر الصحيح خلق الله تعالى للناظر علماً بالمطلوب بمقتضى عادته التي لم تتخلف، لا وجوباً عليه، ولو تخلفت العادة ولم يخلق الله علماً بالمطلوب لم يحصل علم عقب النظر، فحصول العلم لازم عادي.
* إن تعريف الوجود وإن كان ظاهراً بديهياً كما ذهب إليه طائفة المتكلمين والحكماء وإن كان المعرف لها أقل وضوحاً لما يطرأ في بديهيات العقول، إلا أنه ضروري في مقام التفريق بينه وبين الصفات فيما يتعلق بمقام الله سبحانه وتعالى، إذ إن قياس وجود الممكن على الواجب هو قياس الشاهد على الغائب، وإنما صفة الوجود لله تعالى إنما هي من قبيل المشترك اللفظي بين الموجودات مع اختلاف الحقيقة، كما إن الصفة لا يتوقف وجود الموجود على وجودها، بل هي حال واجبة لها لا تقوم الذات إلا بها كما ذهب إلى ذلك الإمام الرازي والسنوسي، لذلك جعلها العلماء صفة نفسية لله سبحانه وتعالى، وبالجمع بين التعاريف يمكن القول بأن الوجود هو: حال واجبة للذات تدل على عين الذات إن كانت الذات غير معللة بعلة.
* استدل المتكلمون على وجود الله تعالى بدليل الوجوب والإمكان ويكون ذلك من خلال حصر الأمر في قسمين ثم يبطل أحدهما فيلزم ثبوت الثاني، وهذا المنهج يعتمد على تصورين للوصول إلى التصديق، فالمقدمة الأولى هي أن العالم إما قديم أو حادث، فإن علمنا أنه حادث لاستحالة قدمه لقيام الحوادث به، وكل ما قام به حادث فهو حادث، ثبت أن العالم لا بد له من محدث وهو الله سبحانه وتعالى.
* واستدل المتكلّمون على جود الله بدليل حدوث الجواهر والأعراض، فحدوث الجواهر دليله حدوث (الجوهر الفرد)، وحدوث الأعراض: دليله أن العالم ينقسم إلى أعيان وأعراض، والأعراض تحتاج إلى ذات تقوم بها لا تنفصل عنها، وحيث أن الأعراض متغيرة، ينتج عن ذلك أنها حادثة، وكل ما قام به الحادث فهو حادث، فدل ذلك على حدوث العالم، وكل حادث لا بد له من محدث قديم لا تقوم به الأعراض، وهذا المُحدث هو الله سبحانه وتعالى.
* اتفق المتكلمون على إثبات لوازم وجود الله تعالى في عدة أمور، وهي أنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، ليس بجسم ولا عرض، ولا تقوم به الأجسام ولا الأعراض، وأنه تعالى قديم لا بداية له، أزلي لا نهاية له، وأنه سبحانه غير متحيز ولا في جهة، وغير مستوٍ على عرشه استواء استقرار، وأنه سبحانه وتعالى يُرى، ونفى المُعتزلة رؤية الله سبحانه وتعالى باعتبارها من النقائص التي ينبغي نفيها عن الله تعالى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم