قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية لأبي حنيفة رحمه الله
أقول: أجمَعَ أهلُ السُّنَّة والجماعة على أن أفضلَ هذه الأمَّة بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وأكثرُ المعتزلة وجميعُ الروافض يزعمون أن أفضلَ الأمَّة عليٌّ كرَّم الله وجهه، والإماميَّةُ يزعمون أن مَن سوى عليٍّ وابنَيهِ وفاطمةَ ونفرٍ يسيرٍ من الصحابة ارتدُّوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
لنا أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنَّا في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نَعدِلُ بأبي بكرٍ أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نُفاضِلُ بينهم. أورده البخاري في «الصحيح» (برقم (٣٦٥٥) و (٣٦٩٧) ، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٦٢٧) و (٤٦٢٨)).
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ادْعِي لي أبا بكرٍ وأخاكِ حتَّى أكتبَ كتاباً، فإني أخافُ أن يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ ويقولَ قائلٌ: أنا، ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ» (أخرجه مسلم (٢٣٨٧) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو بنحوه في «صحيح البخاري» (٥٦٦٦) ، وعند مسلم: «ويقول قائل: أنا أولى») .
وعن عمرو بن العاص أنه قال: قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة». قلتُ: مِنَ الرِّجال؟ قال: «أبوها». قلتُ: ثم مَن؟ قال: «عمر» (أخرجه البخاري (٣٦٦٢) و (٤٣٥٨) ، ومسلم (٢٣٨٤) ، والترمذي (٣٨٨٥) و (٣٨٨٦) من حديث عمرو بن العاص).
وقالت امرأةٌ: إن جئتُ ولم أجِدْكَ ــ كأنها تريدُ الموتَ ــ؟ قال: «إن لم تَجِديني فَأْتِي أبا بكرٍ» (أخرجه البخاري (٣٦٥٩) و (٧٢٢٠) و (٧٣٦١) ، ومسلم (٢٣٨٦) ، والترمذي (٣٦٧٦) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه) . والأحاديث في الصِّحاح.
وقال عمر: أبو بكرٍ سيِّدُنا وأحبُّنا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (أخرجه الترمذي (٣٦٥٦) بإسناد حسن عن عائشة، عنه، بلفظ: «أبو بكر سيِّدُنا وخيرُنا وأحبُّنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» وأخرج البخاري (٣٧٥٤) عن جابر بن عبد الله قال: كان عمر رضي الله عنه يقول: «أبو بكر سيِّدُنا، وأعتَقَ سيِّدَنا») .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أنتَ صاحبي في الغارِ وصاحبي على الحَوضِ» (أخرجه الترمذي (٣٦٧٠) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٢١٢٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأخرجه الطبري ــ كما في «فتح الباري» للحافظ ابن حجر ٨: ٣١٨ ــ من حديث علي كرّم الله وجهه. وأسانيدها ضعيفة).
وقال: «لا ينبغي لِقَومٍ فيهم أبو بكرٍ أن يَؤُمَّهم غَيرُهُ» (أخرجه الترمذي (٣٦٧٣) من حديث عائشة رضي الله عنها، وإسناده ضعيف) .
وقال: «أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ، ثمَّ أبو بكر، ثمَّ عمر» (أخرجه الترمذي (٣٦٩٢) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وضعَّفه بعاصم بن عمر بن حفص العمري).
وقال صلى الله عليه وسلم بمحضرٍ من الصحابة: «وما فَضَلَكم أبو بكرٍ بكثرةِ الصِّيامِ والصَّلاة، ولكنْ فَضَلَكم بشيءٍ وُقِّرَ في قلبِهِ» (قال الحافظ العراقي في تخريج «الإحياء» ١: ١٠٠: أخرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعاً. وقال العجلوني في «كشف الخفاء» ٢: ٢٤٨: هو عند الحكيم الترمذي وأبي يعلى عن عائشة، وأحمد بن منيع عن أبي بكر، كلاهما مرفوعاً).
ولمَّا خرج من الغار قال: «أَبشِرْ يا أبا بكرٍ، فإنَّ اللهَ يَتَجَلَّى للنَّاسِ عامَّةً ولك خاصَّةً» (باطل، أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٥: ١٨٥٨، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٢: ١٩ من حديث جابر، وحَكَما عليه بالبطلان، واتَّهما به عليَّ بنَ عبدة المُكْتِبَ أحدَ رواته. ثم ذكر الخطيب أن أبا حامد أحمدَ بنَ علي بن حسنويه المقرئ سرقه من عليِّ بن عبدة فركَّب له إسناداً ورواه، قال: ولم يكن بثقة) .
والأحاديثُ الصحيحةُ الواردةُ في فضائل أبي بكر كثيرةٌ، ولا يخفى أنَّ مَن أُوتِيَ طبعاً سليماً وعقلاً مستقيماً لا حاجةَ له إلى ذلك، فإن تواتُرَ كونِهِ صِدِّيقاً يكفي مؤونة أفضليَّتِه رضي الله تعالى عنه.
ثم بعده عمرُ رضي الله تعالى عنه، فإنه قال صلى الله عليه وسلم «لو كانَ بعدي نبيٌّ لكانَ عمرُ بنُ الخطَّاب» (أخرجه الترمذي (٣٦٨٦) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه) .
وقال عليه السلام «أبو بكرٍ وعمرُ سيِّدا كُهولِ أهلِ الجنَّةِ مِنَ الأوَّلين والآخِرين إلا النَّبيِّين والمُرسَلِين» (أخرجه الترمذي (٣٦٦٥) و (٣٦٦٦) ، وابن ماجه (٩٥) من حديث علي رضي الله عنه وأخرجه الترمذي (٣٦٦٤) من حديث أنس رضي الله عنه وأخرجه ابن ماجه (١٠٠) من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه).
وقال عليه السلام «ما مِن نبيٍّ إلا وله وزيرانِ مِن أهلِ السَّماءِ ووزيرانِ مِن أهلِ الأرضِ، فأمَّا وزيراي مِن أهلِ السَّماءِ فجبرئيلُ وميكائيلُ، وأمَّا وزيراي مِن أهلِ الأرضِ فأبو بكرٍ وعمرُ» (أخرجه الترمذي (٣٦٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري. وإسناده ضعيف) .
وقال: «إنِّي لأنظُرُ إلى شياطينِ الإنسِ والجِنِّ قد فرُّوا مِن عمر» (أخرجه الترمذي (٣٦٩١) من حديث عائشة رضي الله عنها).
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني لَواقِفٌ في قومٍ فدعَوُا (تحرَّف في الأصول الخطية إلى: «في يوم قد غفر»، والمثبت من مصدر التخريج) اللهَ لعمر، وقد وُضِعَ على سريره (في الأصول الخطية: «على الأرض سريره»، والمثبت من مصدر التخريج) ، إذا رجلٌ من خلفي قد وضع مِرفَقَه على مَنكِبي يقول: يرحمُك اللهُ، إن كنتُ لأرجو أن يَجعَلَك اللهُ مع صاحِبَيك، لأني كثيراً ما كنتُ أسمَعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنتُ وأبو بكر وعمرُ، وفعلتُ وأبو بكر وعمرُ، وانطلقتُ وأبو بكر وعمرُ، ودخلتُ وأبو بكر وعمرُ، وخرجتُ وأبو بكر وعمرُ، فالتَفَتُّ فإذا عليُّ بنُ أبي طالب كرَّم اللهُ وجهَه (أخرجه البخاري (٣٦٧٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما) .
ثم بعده عثمان رضي الله تعالى عنه، هو الظاهر من مذهب أصحابنا، بخلاف ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه كان يُفضِّلُ عليَّاً على عثمان رضي الله تعالى عنهما (انظر «الفقه الأكبر» للإمام أبي حنيفة ص٦٤، و «السير الكبير» للإمام محمد بن الحسن ص٥٤٦، و «الانتقاء» لابن عبد البر ص١٦٣، و «مناقب أبي حنيفة» للموفق المكي ص٧٥ و٧٦، و «مناقبه» للكردري ص١٥٥ و٣٤٥).
وجه الظاهر قوله عليه السلام «ألا أسْتَحيي مِن رجلٍ تَستَحي منه الملائكةُ» حين سألَتْهُ عائشةُ رضي الله تعالى عنها عن تسويةِ ثيابِه وجلوسِه بدخول عثمان رضي الله تعالى عنه، ولم يفعل ذلك بدخول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما (أخرجه مسلم (٢٤٠١) من حديث عائشة رضي الله عنها) .
وقوله عليه السلام «لِكُلِّ نبيٍّ رفيقٌ، ورفيقي ــ يعني في الجنَّةِ ــ عثمانُ» (أخرجه الترمذي (٣٦٩٨) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وقال: هذا حديث غريب ليس إسناده بالقوي، وهو منقطع. وأخرجه ابن ماجه (١٠٩) من حديث أبي هريرة. وإسناده ضعيف).
وروى أبو داود (برقم (٤٦٢٩) ، وأخرجه أيضاً البخاري (٣٦٧١)) عن محمَّدِ بنِ الحنفيَّةِ أنه قال: قلتُ لأبي: أيُّ الناسِ خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: عمر. ثمَّ خشيتُ أن أقولَ: ثمَّ مَن؟ فيقول: عثمان، فقلتُ: ثمَّ أنتَ يا أبَتِ؟ فقال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين. فخشيةُ محمَّدِ بنِ الحنفيَّةِ عن قول عليٍّ: «ثمَّ عثمان» دليلٌ على أنه عرف رأيَ أبيه أنه كان يُفضِّلُ عثمانَ على نفسِه.
وفضائلُه من بين الصحابة كتجهيزِ جيشِ العُسرة، وإقامةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يدَه مقامَ يدِه في بيعةِ الرِّضوان (أما تجهيزُه رضي الله عنه جيشَ العُسرة فأخرجه البخاري تعليقاً (٢٧٧٨) ، والترمذي (٣٦٩٩) و (٣٧٠٧) ، والنسائي ٦: ٢٣٣ ـ ٢٣٦ من حديثه. وأخرجه الترمذي (٣٧٠٠) من حديث عبد الرحمن بن خباب، و (٣٧٠١) من حديث عبد الرحمن ابن سمرة. وأما إقامة النبي صلى الله عليه وسلم يده الشريفة مقام يده يوم بيعة الرضوان فأخرجه البخاري (٣٦٩٨) و (٤٠٦٦) ، والترمذي (٣٧٠٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) ، وتزويجِ النبيِّ عليه السلام ببنتَيهِ رقيَّةَ وأمِّ كلثوم منه، وجَمعِه القرآنَ، مشهورةٌ.
ثم بعده عليٌّ كرَّمَ الله وجهه، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يُحِبُّكَ إلا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضُكَ إلا مُنافِقٌ شقيٌّ» (أخرجه مسلم (٧٨) ، والترمذي (٣٧٣٦) ، وابن ماجه (١١٤) من حديثه هو رضي الله عنه) .
وقوله عليه السلام «إنَّ عليَّاً منِّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمنٍ» (أخرجه الترمذي (٣٧١٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. وأخرج البخاري (٢٧٠٠) و (٤٢٥١) ، والترمذي (٣٧١٦) من حديث البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «أنت مني وأنا منك») .
وقوله عليه السلام «أنتَ أخي في الدُّنيا والآخِرَةِ» (أخرجه الترمذي (٣٧٢٠) من حديث من حديث ابن عمر، وإسناده ضعيف).
كان عند النبيِّ عليه السلام طَيرٌ مَشوِيٌّ، فقال: «اللهُمَّ ائتِني بأحَبِّ خَلْقِكَ إليكَ يأكُلُ معي هذا الطَّيرَ»، فجاء عليٌّ رضي الله عنه فأكَلَ معه (أخرج الترمذي (٣٧٢١) ، والنسائي في «الكبرى» (٨٣٤١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وإسناده ضعيف) .
وقال صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «لأُعطِيَنَّ هذه الرَّايةَ غداً رجلاً يفتَحُ على يديه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، ويُحِبُّه اللهُ ورسولُه»، ثم أعطى الرايةَ عليَّاً رضي الله تعالى عنه (أخرجه البخاري (٢٩٤٢) و (٣٠٠٩) و (٣٧٠١) و (٤٢١٠) ، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما) .
وقد استدلَّ الإمامُ على أفضليَّتِهم بقوله تعالى: ?وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ المُقَرَّبُونَ? [الواقعة: ١٠ ــ ١١] ، ولا شكَّ أنَّ مَن كانَ أسبَقَ كان أفضَلَ.
وقوله: (ويحبُّهم كلّ مؤمنٍ تقيٍّ) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم «مَن أحَبَّهم فبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَن أبغَضَهم فبِبُغْضي أبغَضَهم» (أخرجه الترمذي (٣٨٦٢) من حديث عبد الله بن مغفل، وإسناده ضعيف) ، ولا شكَّ أنه لا يُحِبُّهم بحُبِّه عليه السلام إلا مؤمنٌ تقيٌّ، ولا يُبغِضُهم إلا منافِقٌ شقيٌّ.
ثم قيل: لا يُفضَّل أحدٌ بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلا بالعلم والتقوى. وقيل: فَضْلُ أولادِهم على ترتيب فَضْلِ آبائهم، إلا أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنهم يُفضَّلون على أولادهم لقُربِهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنهم العِترةُ الطاهرةُ والذُّرِّيَّةُ الطيِّبةُ الذين أذهَبَ اللهُ عنهم الرِّجْسَ وطهَّرَهم تطهيراً.
وإنما تصدِّى الإمامُ لبيان أفضليَّتِهم، ولم يذكر ترتيبَ خِلافتِهم، لأن ثبوت الأفضليَّة لواحدٍ منهم مُستلزِمٌ لتعيُّنه للإمامة، لأن إمامة المفضول مع وجود الفاضل لا يجوز عندهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم