قال المؤلف
أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية وهم أهل الحديث.
قال إسماعيل محمد رفعت
تحرير المصطلحات
وما هو بديهي ويجب التذكير به أن المختلفين في مسائل العقيدة الإسلامية يطلق على كل فريق منهم مصطلح «فرقة»، والمختلفين داخل الفرقة الواحدة يسمى كل فريق منهم «مذهب».
وفرقة «أهل السنة والجماعة» اشتهر فيهم 3 مذاهب في العقيدة و4 مذاهب في الفقه.
حصر مذاهب أهل السنة:
قسّم الإمام السفاريني الحنبلي (1188هـ/ 1774م) مذاهب «أهل السنة والجماعة» في مسائل العقيدة إلى 3 مذاهب:
المذهب الأشعري نسبة إلى علي بن إسماعيل ناصر الدين أبي الحسن الأشعري الحنبلي (260- 324هـ/ 874- 936م) من أحفاد الصحابي أبي موسى الأشعري (44هـ- 665م).
المذهب الماتريدي نسبة إلى محمد بن محمد بن محمود، أبي منصور الماتريدي الحنفي (333هـ/ 945م) وهو من أحفاد الصحابي أبي أيوب الأنصاري (52هـ/ 672م) ومن ألقاب الماتريدي التي تدل على عظمة مكانته: «إمام الهدى» و«مصحح عقائد المسلمين» و«رئيس أهل السنة» و«قدوة أهل السنة والاهتداء» و«رافع أعلام السنة والجماعة» و«قالع أضاليل الفتنة والبدعة».
مذهب أهل الحديث عرّفهم البعض بأنهم أصحاب الإمام مالك (179هـ/ 795م) والإمام الشافعي (204هـ/820م)، وعرّفهم ابن الشطي الحنبلي (1274هـ/ 1858م) في شرحه على العقيدة السفارينية "تبصير القانع"، فقال: «قال بعض العلماء هم أهل الحديث يعني الأثرية والأشعرية والماتريدية» فضم في تعريفه لهم المذهبين الأولين، وإن كان يفهم من اسمهم مؤخرا أنهم الذين يكتفون في مسائل الإيمان بالأحاديث والآثار المنقولة! ويخطئ البعض إذ يظن أنهم فقط أصحاب الإمام أحمد بن حنبل (241هـ/ 855م) ومر بنا أن الإمام الأشعري كان في الفقه حنبليا والإمام الماتريدي كان حنفيا.
المصطلح الجامع لمذاهب أهل السنة
والمذاهب الثلاثة المذكورة هي لفرقة واحدة؛ وكلهم أهل حديث، لأن الأشاعرة والماتريدية لم يردوا الأحاديث ولا أهملوها، فإما فوضوها وإما أولوها، وكل منهم أهل حديث، فهم فرقة واحدة يجمعهم مصطلح «أهل التنزيه» قال السفاريني في منظومته:
«فأثبتوا النصوص بالتنزيه.. من غير تعطيل ولا تشبيه» [1]، وذلك بخلاف باقي الفرق فإنهم حكموا العقول القاصرة وخالفوا المنقول؛ فصاروا أهل بدعة وضلالة.
أول من استعمل مصطلح "أهل التنزيه"
أول من استعمل مصطلح «أهل التنزيه» هو عبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب «كتاب الحيدة»، (حدود سنة 240هـ/ 854م) وقد صحب الشافعي ودرس عليه وذهب معه إلى اليمن[2].
وأول من ذكره منسوبا إليه أبو إسحاق الثعالبي (427هـ/ 1036م) في تفسيره "الكشف والبيان" فقد فسر به لفظ «العالمين» من قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: 2] فقال: «وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم أهل التنزيه من الخلق»[3].
ويراد من مصطلح «أهل التنزيه» مذاهب أهل السنة الذين لما تعرضوا للكلام في صفات الله تعالى قصدوا تنزيه الله عن مشابهة المحدثات، وتوفر عندهم هذا المقصد في كل ما ذهبوا إليه من الإثبات مع تفويض حقيقة الصفة لله أو الإثبات مع جواز التأويل، فعلى سبيل المثال في تفسيرهم صفة «اليد» من قول الله تعالى ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: 10] ذهب قوم إلى إثبات الصفة مع نفي كونها تشبه يد المحدثات تنزيها لله عن مشابهة الخلائق قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: 11] والمحدثات يقصدون بها المخلوقات، وتوصف المخلوقات بالمحدثة لكونها لم يثبت لها القِدم الأزلي الذي لا أول له، الثابت لله تبارك وتعالى، فالله -جل جلاله- لا أول له ولا بداية.
وقسموا الموجودات إلى قديم وحادث، وأشاروا إلى الله -تعالى وتقدس- بالقديم الذي لم يزل، وعُرف أصحاب هذا المذهب بأهل الحديث أو أهل الأثر؛ ولا يخفى أنهم أرادوا تنزيه الباري -جل شأنه- عن مشابهة كل ما سواه.
وذهب آخرون إلى نفس ما ذهب إليه أهل الحديث ولكنهم رأوا من بلاغة اللغة العربية أنه قد يفهم من لفظ الصفة معنى غير المراد من معناه الحقيقي الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى الأصلي وهو ما أطلق عليه في علم التوحيد مصطلح «التأويل»، وفي علم البلاغة «الكناية»، فأجازوا تأويل صفة اليد بالقدرة ولم يقولوا بوجوب تأويل الصفات، بل أثبتوا أن لله يدا ليست كيد المحدثات كما قال أهل الحديث، لكنهم أجازوا أن يضاف لها معنى «القدرة» لما لم يجدوا في النصوص النقلية قرينة مانعة من هذا التأويل ورأوا أن القرآن أنزله الله بلسان العرب ودلالة ألفاظه بحسب معانيه العربية ﴿إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: 2] وهم بهذا لم يخرجوا عن المألوف في لغة العرب ولا الذي كان مفهوما في عصر التنزيل ولم يمنع منه نص، وأصحاب هذا المذهب هم الماتريدية والأشاعرة، ولتصديهم للرد على باقي الفرق المخالفة للتنزيه كانوا ضمن الكلاميين الذين لزمهم هذا الوصف لكثرة قولهم: الكلام في كذا، في بداية مباحثهم العقدية! ولكن تميز -الماتريدية والأشاعرة- عن باقي الفرق الكلامية بعدم الانحراف عن إرادة التنزيه! فاستحق أهل المذهبين وصف «أهل التنزيه».
التقليد بين مذاهب الفقه والعقيدة
يعرف «التقليد» بأنه: "أخذ مذهب الغير من غير أن يعلم دليله الذي اقتضاه وأوجب القول به"[4]، وكما أن في المسلمين بحسب اختلافهم الفقهي الآن لا يوجد فيهم حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي إلا وله تقليد لمذهب الآخر منهم في إحدى مسائل الفروع، فكذلك الشأن في مسائل العقيدة لن تجد أشعريا ولا ماتريديا إلا وله ميل لمذهب غير مذهبه في مسألة ما في الاعتقاد، وهذا واقع في المحققين من أهل الفقه والعقيدة وفي المعاصرين منهم أشهر وأوضح.
هل المذاهب بدعة في الدين؟
تجد من يقول إن هذه المذاهب -سواء في العقيدة أو الفقه- بدعة لم تكن في عهد الرسول ولا الصحابة، والحق أن التوجهات الخلافية كانت موجودة من الناحيتين النظرية والواقعية، حتى في عهد الرسول ولكن من دون نسبة لمذهب، تماما كما كانت القراءات القرآنية موجودة من دون نسبة إلى إمام أو راو، فعن ابن عمر قال: «قال النبي لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي، فلم يعنف واحدا منهم»[5].
وكذلك الشأن في القرآن الكريم، فالقراءات المتواترة عشر، لكل قارئ راويان ولكل راو طريقان، فتصبح روايات القرآن الكريم 20 رواية بـ40 طريقا، وكما أن الخلاف في القراءات والروايات والطرق خلاف تنوع، فإنك تستطيع أن تقول كذلك في الخلاف بين المذاهب العقدية والفقهية لأهل السنة والجماعة؛ فليس اختلافهم اختلاف تضاد.
وخلاف المذاهب العقدية والفقهية عند أهل السنة منحصر في اجتهادات لا يسع عالم أن يكفر مخالفه فيها، وإنما وقع الخلاف فيها لتحرير ومعرفة الأصوب من الصواب والأحسن من الحسن؛ لأن كل أهل السنة داخلون باعتقادهم في الفرقة الناجية التي في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال رسول الله فيه «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة»، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»[15]، وفي رواية «من كان على ما أنا عليه، وأصحابي من لم يمار في دين الله، ومن لم يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب غفر له» ثم قال: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا». قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولا يمارون في دين الله، ولا يكفرون أحدا من أهل التوحيد بذنب»[16] و«لما سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يماروا في الدين، ولم يجادلوا، وحذروا المسلمين المراء والجدال، وأمروهم بالأخذ بالسنن، وبما كان عليه الصحابة، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله تعالى»[17].
المراجع
[1] السفاريني: العقيدة السفارينية = الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية.
[2] أخبار فخ لأحمد بن سهل الرازي ص75؛ مناقب الشافعي للبيهقي 2/ 328.
[3] تفسير الثعالبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن 1/ 111.
[4] الحافظ البرماوي (763- 831 ه): الفوائد السنية في شرح الألفية 5/ 2258.
[5] متفق عليه: صحيح البخاري 2/ 15 ط السلطانية؛ صحيح مسلم 3/ 1391 ت عبد الباقي.
[8] أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية 4/ 381.
[14] ابن حجر: فتح الباري لابن حجر 2/ 531.
[15] سنن الترمذي 5/ 26 ت شاكر.
[16] المعجم الكبير للطبراني 8/ 152، 153.
[17] الشريعة للآجري 1/ 434.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم