قال المؤلف
دليل حدوث الجواهر والأعراض:
حدوث الجواهر (الجوهر الفرد): الجواهر الفردة أجزاء صغار متحيزة لا تقبل الانقسام؛ لأن انقسامها يؤذن بتكوينها من أجزاء أخرى غير متناهية، والجسم ليس مركباً من أجزاء لا نهاية لها بالفعل، فالأجسام تتناهى في تجزئتها حتى تصير أفراداً، وكل جزء لا يتجزأ فليس له طرف واحد شائع لا يتميز([54]).
وأشهر أدلة المتكلمين كما يقول السعد التفتازاني ما يلي:
1- أنه لو وضع كرة حقيقية على سطح حقيقي لم تماسّه إلا بجزء غير منقسم إذ لو ماسّته بجزأين لكان فيها خط بالفعل فلم تكن كرة حقيقية على سطح حقيقي.
2- لو كان كل عين منقسماً لا إلى نهاية لم تكن الخردلة أصغر من الجبل؛ لأن كلاً منهما غير متناهي الأجزاء، والعظم والصغر إنما هو بكثرة الأجزاء وقلتها، وذلك إنما يتصور في المتناهي.
3- أن اجتماع أجزاء الجسم ليس لذاته وإلا لما قبل الاختراق، فالله تعالى قادر على أن يخلق فيه الاختراق إلى الجزء الذي لا يتجزأ لأن الجزء الذي تنازعنا فيه إن أمكن افتراقه لزم قدرة الله تعالى عليه دفعاً للعجز، وإن لم يكن ثبت المدّعي([55]).
يذهب جمهور المتكلمين القائلين بالجوهر الفرد إلى أن الجواهر متجانسة ومتماثلة وهكذا الأجسام المكونة من الجواهر فحكمها حكم أصلها وهو أنها متجانسة ومتماثلة، فالجوهر الفرد عنصر مشترك لجميع الأجسام في العالم الطبيعي وطبيعته واحدة، وإنما يرجع التباين والاختلاف الملحوظ في الأشياء إلى ثبوت الأعراض، فاختلاف الجواهر أو اتفاقها إنما هو لما فيها من الأعراض، فما دامت الجواهر جنس واحد وهي التي تتكون باجتماعها الأجسام فكذلك الأجسام هي متجانسة أيضاً في أصلها وإنما تختلف صورها وأحكامها تبعاً لما يقوم بها من الأعراض([56]).
ومثل تجانس الجواهر وتماثلها ما يتعلق بكونها متحيزة وهو أخص صفاتها عند المتكلمين كما تقدم واستخدم هذا الأصل أيضاً لنفي وتأويل كثير من الصفات والأفعال الثابتة لله تبارك وتعالى لأن إثباتها يقتضي التحيز الذي هو من صفات المحدثات عند المتكلمين فينزه الله تعالى عنه وعموماً.
حدوث الأعراض: فالعالم ينقسم إلى أعيان وأعراض، فكل موجود ينقسم إلى جواهر وأعراض، فالأعراض تحتاج إلى ذات تقوم بها لا ينفصل عنها، وحيث أن الأعراض متغيرة، ينتج عن ذلك أنها حادثة، وكل ما قام به الحادث فهو حادث، فدل ذلك على حدوث العالم، وكل حادث لا بد له من محدث قديم لا تقوم به الأعراض، وهذا المُحدث هو الله سبحانه وتعالى([59]).
وقد نسبت هذه الطريقة لسيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال عن الكوكب: (لا أحب الآفلين) سورة الأنعام:76، أي عدم ثنائه على الذي تتعاقب عليه الأحوال، ويعتريه التغير والزوال باستحقاق الربوبية، فاستدل إبراهيم عليه السلام بتغير الأعراض على أنها غير صالحة لأن تكون صفات لله سبحانه وتعالى([60]).
وقد استدل الأشاعرة على هذا الحدوث بأكثر من آية من آيات القرآن الكريم، حيث نبه الله تعالى على هذه الفكرة بقوله: (أم خلقوا من خير شيء أم هم الخالقون) سورة الطور:35، وفسرها الإمام الإسفراييني بقوله: "معناه أم خلقوا من غير خالق، كأنه قال من غير شيء خلقهم، لما تقرر من استحالة ثبوت ما ثبت بوصف الخلق من غير خالق ولا صانع"([61]).
وقد استخدم المتكلمون في دليلهم قياس الغائب على الشاهد لإثبات أن كل فعل لا بد له من فاعل، وهذه تعد معرفة ضرورية أولية، حيث أن الثابت في الشاهد أن كل فعل له فاعل، كل حادث له محدث، وقد ذهب القاضي عبد الجبار من المعتزلة إلى أن إرجاع حدوث الأجسام إلى محدث مأخوذ من الشاهد المعاين، فيقول: "إن تصرفاتنا في الشاهد محتاجة إلينا، ومتعلقة بنا، وإنما احتاجت إلينا لحدوثها، وكل ما شركها في الحدوث وجب أن يشاركها في الاحتياج إلى محدث وفاعل، والأجسام قد شاركتها في الحدوث، فيجب احتياجها إلى محدث فاعل"([62]).
فهذا الدليل يستند إلى مبدأ السببية الفاعلة لأنه لا يتصور وجود صناعة بدون صانع، وكتابة بدون كاتب، فهو يعد منهجاً طبيعياً، تبدأ من التأمل في العالم ونظامه، باعتبار أنه فعل للخالق، ومن ثم فهو دليل يدل عليه بحيث يكون الابتداء من المخلوق، والانتهاء بالخالق([63]).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم