السبت، 10 يناير 2026

سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام/ طبعة معهدنا

 

سَيِّدُنا إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام

قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١[سورة الصَّآفَّات] هُوَ سيدُنا إِبراهِيمُ بنُ آزَرَ -وهو تارح- بنِ نَاخُور بنِ سَارُوغ بنِ أرغو بنِ فَالَغَ بنِ غَابَلَا بنِ شَالَخَ بنِ قَينَانَ بنِ أَرفَخشَذَ بنِ سامِ بنِ نُوحٍ. واسمُ أمِّه أُمَيْلَةُ وقيل نُونَا بِنتُ كَرَنْبَا بنِ كُوثَىٰ مِن بَنِي أَرْفَخْشَدَ بنِ سَامِ بنِ نُوحٍ. وَكانَ u يُكَنَّىٰ أَبَا الضِّيفَانِ لِأَنَّهُ كان مِضيافًا كثيرَ الكرمِ لِمَن استضافَهُ. وَكَانَ بَينَ الطُّوفَانِ وَمَولِدِ إِبرَاهِيمَ أَلفٌ وَمِائَتَانِ وَثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعدَ خَلقِ آدَمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَثَلَاثِمَائَةٍ وَسَبعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.

وقَد كَانَ إِبراهِيمُ u كَغَيرِهِ مِنَ الأنبِيَاءِ مُنذُ صِغَرِهِ ونَشأَتِهِ مُسلِمًا مُؤمِنًا عَارِفًا بِرَبِّهِ مُعتَقِدًا عَقِيدَةَ التَّوحِيدِ مُنَزِّهًا رَبَّهُ عَن مُشَابَهَةِ المخلُوقَاتِ، ومُدرِكًا أَنّ هَذِهِ الأصنامَ الَّتِي يَعبُدُها قَومُهُ لا تُغنِي عَنهُم مِنَ اللهِ شَيئًا، وأَنَّها لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ لِأَنَّ الضَّارَّ والنَّافِعَ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ تعالَىٰ وَحدَه. فنَبِيُّ اللهِ إِبرَاهِيمُ u قد ءَاتَاهُ اللهُ الحُجَّةَ عَلَىٰ قَومِهِ وَجَعَلَهُ نَبِيًّا رَسُولًا، فَكَانَ عَارِفًا بِاللهِ يَعبُدُ اللهَ تَعَالَىٰ وَحدَهُ، وَيُؤمِنُ وَيَعتَقِدُ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَأَنَّهُ وَحدَهُ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ مِن غَيرِ شَكٍّ وَلا رَيبٍ، فسيدُنا إبراهيمُ u لم يَشُكَّ في وجودِ اللهِ ولا في قُدرَةِ الله، ولا عَبَدَ الشمسَ ولا القَمَرَ ولا الكَوَاكِبَ، ولَم يَبِع الأصنامَ في السوقِ لأبيهِ لأنه u مَعصُومٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ، قَالَ تَعَالَىٰ ﴿ مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧ [سورة آل عمران] .

وِلَادَةُ سيّدِنا إبراهيمَ u

كانَ أَهلُ بَابِلَ الكَلدَانِيِّونَ يَتَنَعَّمُونَ بِعَيشٍ رَغِيدٍ وَنِعَمٍ كَثِيرَةٍ أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيهِم، وَلٰكِنَّهُم مَعَ ذٰلِكَ نَسُوا فَضلَ اللهِ عَلَيهِم، وَاتَّبَعُوا الشَّيطَانَ فَعَبَدُوا الأَصنَامَ الَّتِي كَانُوا يَنحَتُونَهَا بِأَيدِيهِم، وَهِيَ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ، لا تَخلُقُ ضَرَرًا وَلا نَفعًا. وَكَانَ مَلِكُهُم نُمْرُودُ قَد طَغَىٰ وَضَلَّ حَتَّى ادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ وَأَمَرَ قَومَهُ بِعِبَادَتِهِ مِن دُونِ اللهِ U. في هٰذِهِ البِيئَةِ المُنحَرِفَةِ، وُلِدَ سَيِّدُنَا إِبرَاهيمُ u، وَكَانَ مُنذُ نُعُومَةِ أَظفَارِهِ قَد أُلْهِمَ الإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَىٰ، وَأَنَّ اللهَ لَا يُشبِهُ شَيئًا، وأَنَّهُ هُوَ خَالِقُ هٰذَا العَالَمِ بِأَسرِهِ، قالَ تعالىٰ ﴿ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١[سورة الأنبياء]. لَمَّا أرادَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ أَن يَبعَثَ إبراهيمَ u وأَن يَجعَلَهُ حُجّةً علىٰ قَومِهِ ونَبِيًّا رَسُولًا إِلَيهِم، ولم يَكُن فِيما بَين نُوحٍ وإبراهيمَ مِن نَبِيٍّ إلّا هُودٌ وصَالِحٌ عليهِمُ السّلَام. ولَمّا تَقارَبَ زَمَانُ إبراهِيمَ أَتَى المُنَجِّمونَ إلىٰ المَلِكِ نُمرودَ وقالوا له: اِعلَمْ أَنّا نَجِدُ في عِلمِنا أنَّ غُلَامًا يُولَدُ في قَريَتِكَ هٰذِه يُقالُ له إِبراهِيم، يُفارِقُ دِينَكُم ويَكسِرُ أَوثَانَكُم في شَهرِ كَذَا مِن سَنَةِ كَذَا.

فلمّا دَخَلَت السَّنَةُ الَّتِي وَصَفَ أَصحابُ النُّجومِ لِنُمرودَ، بَعَثَ إلىٰ كُلِّ امرأَةٍ حُبلَىٰ بقَريَتِه، فحَبَسَها عِندَه إلّا ما كانَ مِن أُمِّ إبراهيمَ فإِنّه لم يَعلَمْ بِحَبَلِها، وذٰلِكَ أنها كانَت جَارِيَةً لم يُعرَف الحَبَلُ في بَطنِها، فجَعَلَ هٰذا المَلِكُ الطَّاغِيَةُ لا تَلِدُ امرأةٌ غُلامًا في ذٰلِكَ الشَّهرِ مِن تِلكَ السَّنَةِ إلّا أَمَرَ بِهِ فذُبِح، فلَمّا وَجَدَت أُمُّ إِبراهيمَ u الطَّلقَ، خَرَجَت لَيلًا إلىٰ مَغَارَةٍ كانَت قَرِيبَةً مِنهَا، فَوَلَدَت فِيهَا إبراهيمَ u وأَصلَحَت مِن شَأنِه ما يُصنَعُ بالمَولُود، ثُمّ سَدَّت عَليهِ المَغارَةَ ورَجَعَت إلىٰ بَيتِها، كانَت تَزورُه وتُطَالِعُه في المَغارَةِ لِتَنظُرَ ما فَعَل. فكَانَ u يَشُبُّ في اليَومِ ما يَشُبُّ غَيرُهُ في الشَّهرِ، وكانت تأتي فتَجِدُهُ حَيًّا يَمُصُّ إِبهَامَه، فقَد جُعِلَ رِزقُ إبراهيمَ u في إِبهَامِه فِيما يَجِيئُهُ مِن مَصِّه، ولَم يَمكُثْ إبراهيمُ في المَغارَةِ إِلّا خَمسَةَ عَشَرَ شَهرًا، ثُمَّ تَرَعرَعَ وكَبُرَ واصطَفَاهُ اللهُ لِحَملِ رِسالَتِهِ وإِبَانَةِ الحقِّ ودُعاءِ قَومِهِ إلىٰ عِبادَةِ اللهِ وَحدَهُ وإلى العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ مِنَ الدَّنَسِ والشِّركِ، وإلىٰ تَركِ عِبادَةِ غيرِ اللهِ والدخولِ في دِينِ الإسلامِ الَّذِي هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِياء.

دَعوَةُ إِبرَاهِيمَ u أَبَوَيهِ لِلإِسلَام

أَوحَى اللهُ تباركَ وتعالىٰ إلىٰ إبراهيمَ بِرِسَالَةِ الإِسلَامِ، فدَعَا أَبَاهُ وأمَّهُ للإيمانِ باللهِ تعالىٰ كثيرًا وكان يتلَطّفُ بهِما ويتوَدَّدُ إِليهِما راجِيًا إسلامَهُمَا، فكان يدعو أَبَاهُ إِلَى الحَقِّ بِأَلْطَفِ عِبَارَةٍ وَأَحسَنِ إِشَارَةٍ، يُبَيِّنُ لَهُ بُطلَانَ مَا هُوَ عَلَيهِ مِن عِبَادَةِ الأَصنَامِ الَّتِي لَا تَسمَعُ دُعَاءَ عَابِدِهَا وَلَا تُبصِرُ مَكَانَهُ، فلن تُغنِيَ عَنهُ شَيئًا ولن تَفعَلَ بِهِ خَيرًا مِن رِزقٍ أَو نَصرٍ، ثُمَّ قَالَ مُنَبِّهًا عَلَىٰ مَا أَعطَاهُ اللهُ مِنَ الهُدَىٰ وَالعِلمِ النَّافِعِ، وَإِنْ كَانَ أَصغَرَ سِنًّا مِن أَبِيهِ، قال تعالى ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا٤١ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣ يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤ يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا٤٥ [مريم] ومعنىٰ«أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا» أَي مُستَقِيمًا وَاضِحًا سَهلًا حَنِيفًا، يُفضِي بِكَ إِلَى الخَيرِ في دُنيَاكَ وَأُخْرَاكَ، فَلَمَّا عَرَضَ هَذَا الرُّشْدَ عَلَيهِ، وَأَهدَىٰ هَذِهِ النَّصِيحَةَ إِلَيهِ لَم يَقبَلْهَا مِنهُ، وَلَا أَخَذَهَا عَنهُ بَل تَهَدَّدَهُ وَتَوَعَّدَهُ قَائلًا ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦[مريم] أَي وَاقطَعنِي وَأَطِل هِجْرَانِي. فَعِندَهَا قَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧ وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨[مريم] «سَلَامٌ عَلَيكَ» أَي لَا يَصِلُكَ مِنِّي مَكرُوهٌ وَلَا يَنَالُكَ مِنِّي أَذًى، بَل أَنتَ سَالِمٌ  مِن نَاحِيَتِي، وَزَادَهُ خَيرًا فَقَالَ «سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا» أَي لَطِيفًا فِي أَن هَدَانِي لِعِبَادَتِهِ وَالإِخلَاصِ لَهُ.

ومَعنَى استِغفارِ إِبراهيمَ لِأَبِيهِ أَي سَأَطلُبُ مِنَ اللهِ أَن يَغفِرَ لَكَ كَفرَكَ بالدُّخُولِ في الإِسلَامِ، أي سَأَدعُو اللهَ أن يَهدِيَكَ إلى الحَقِّ فتكونَ من المُسلِمِين، فلمَّا أَوحَى اللهُ لإبراهيمَ أنَّ أباهُ لَن يُؤمِنَ بل يَمُوتُ على الكُفرِ، تَبَرَّأَ مِنهُ، قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤[سُورَةِ التَّوبَة] تِلكَ الغِلظَةُ والاستِكبَارُ مِن أبي إبراهِيمَ لم تُقعِدهُ u وَتَمنَعهُ مِن مُتابَعَةِ دَعوَتِهِ إلى اللهِ سُبحانَهُ وتعالىٰ، ولَم تُثنِهِ عَدَمُ استجابَةِ أَبِيهِ لِنُصحِهِ عَن مُتَابَعَةِ دَعوَتِهِ لِقَومِهِ إلىٰ هَذا الدِّينِ الحَقِّ وتَركِ عِبادَةِ الكَوَاكِبِ والأصنَام.

دَعوَةُ إِبرَاهِيمَ u قَومَهُ لِلإِسلَام

سَأَلَ إبراهيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ قَومَهُ لِيُقِيمَ الحُجّةَ عَلَيهِم مُستَنكِرًا إِن كانَت الأصنامُ تَسمَعُ دُعَاءَهُم أو تَنفَعُ أو تَضُرّ، فقالوا له مَا حَكَاهُ اللهُ تعالىٰ عَنهم {قَالُوا بَل وَجَدنَا آبَاءَنَا كَذٰلِكَ يَفعَلُونَ}. فقَد سَلَّمُوا لَهُ أنَّ هٰذِهِ الأصنامَ الَّتِي يَعبُدُونَها مِن دُونِ اللهِ لا تَسمَعُ دَاعِيًا، وَلَا تَنفَعُ ولَا تَضُرُّ شَيئًا، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ لَهُم بَدِيعَ صُنعِ اللهِ تعالىٰ، وعَظِيمَ قُدرَتِهِ لِيَلمِسُوا الفَرقَ الوَاضِحَ بَينَ عِبادَتِهِ الحَقّةِ للهِ وبَينِ عِبادَتِهِم الباطِلَةِ للأصنَامِ، يَقولُ اللهُ تَعالىٰ ﴿ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠ قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١ قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢ أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣ قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤ قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١ وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢ رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣ وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤ وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥ وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦ وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧ يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩ [سورة الشعراء]. دَعَا إِبراهيمُ u قَومَهُ لِعِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ، وأَمَرَهُم بِأَن يَترُكُوا عِبَادَةَ الأَصنَامِ الَّتِي كَانُوا يَتَفَنَّنُونَ بِنَحتِهَا وتَزيِينِهَا وَيَذبَحُونَ لَهَا الذَّبَائِحَ تَقَرُّبًا إِلَيهَا، فصَارَ إبراهيمُ يُبَيِّنُ لَهُم أنَّ عِبادَتَهُم لَهَا باطلةٌ، قال تعالىٰ ﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٧٤ [الأنعام] ولٰكنَّ قومَه لَم يُطِيعوهُ بَلِ ازدَادَ تَكَبُّرُهُم وتَجَبُّرُهُم، وَعَلَىٰ رَأسِهِم مَلِكُهُمُ نُمرُودُ بنُ كُوشَ بنِ كَنعَانَ بنِ سَامِ بنِ نُوحٍ، وهو أَوَّلُ مَن مَلَكَ الأَرضَ وكانَت إِذَّاكَ سَبعةَ أَقالِيمَ بابلَ وستةً حولَها وهي الهِندُ، والصِّينُ، والتُّركُ، والرُّومُ والشَّامُ، ومِصرُ، والحِجَازُ. ولَمَّا رَأَىٰ إِبرَاهِيمُ u أَنَّهُم مَا زَالُوا مُتَعَلِّقِينَ بِعِبَادِةِ الأَصنَامِ، وأَنَّهُم لَم يَتَقَبَّلُوا الأَدِلَّةَ والبَرَاهِينَ الوَاضِحَةَ الجَلِيَّةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا، عَقَدَ النّيّةَ علىٰ أَن يَكِيدَ أصنامَهُم ويَفعَلَ بِها أَمرًا يُقِيمُ الحُجَّةَ بِهِ عَلَيهِم، لَعَلَّهُم يُفِيقُونَ مِن غَفلَتِهِمُ المُظلِمَة ويَصحُونَ مِن كَبوَتِهِمُ العَمِيقَة.

تَحطِيمُ إِبرَاهِيمَ u الأَصنَام

كَانَ مِن عَادَةِ قَومِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ أَن يُقِيمُوا لِأَنفُسِهِم عِيدًا، فَلَمَّا حَلَّ عَلَيهِم عِيدُهُم قَالُوا لِإِبرَاهِيمَ: تَعَالَ مَعَنَا، فنَظَرَ نَظرَةً في النُّجُومِ فقال «إِنّي سَقِيمٌ» أي سَأَمرَضُ لَو ذهبتُ مَعَكُم، لِأَنه u كانَ يُصَابُ بحُمَّىٰ حِينَما يَرَىٰ إِشرَاكَهُم بِاللهِ وَعِبَادَتَهُم لِغَيرِهِ سُبحَانَهُ، فَكَانَ ذٰلِكَ يُثقِلُ عَلَيهِ، فقَالَ لَهُم «إِنّي سَقِيمٌ» لِيَترُكوهُ وشَأنَه، لِأَنهُ أَرادَ التَّخَلُّفَ عَنهُم لِيَكسِرَ أَصنَامَهُم ويُقِيمَ الحُجّةَ عَلَيهِم، فقَولُه «إِنّي سَقِيمٌ» لَيسَ كَذِبًا حَقِيقِيًّا، بَل هُوَ صِدقٌ مِن حَيثُ الباطِنُ والحَقِيقَة، وإن كانَ ظاهِرُه يَقَعُ وَكَأَنَّهُ كَذِبٌ، مِثلُ التَّورِيَةِ، كَمَن دُعِيَ إلىٰ طعامٍ فَاستَحيَا فقالَ قَد أَكَلتُ ومُرادُهُ البَارِحَة.

فقال لهم u «إِنّي سَقِيمٌ» فتَوَلَّوا عَنهُ مُدبِرِينَ وخَرَجُوا لِيَحتَفِلُوا خَارِجَ المَدِينَةِ في البَسَاتِينِ وَالحَدَائِقِ، فلَمّا مَضَىٰ قَومُهُ نادَىٰ في ءَاخِرِهِم ﴿ وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ٥٧ [سورة الأنبياء] قِيلَ سَمِعَهُ بَعضُهُم، وقِيلَ قالَها خُفيَةً في نَفسِه. ثُمّ دَخَلَ إِبرَاهِيمُ u إِلَىٰ مَعبَدِ الأَصنَامِ فَإِذَا في صَدرِه بَهوٌ عَظِيمٌ وَاسِعٌ يَستَقبِلُ بابَهُ صَنَمٌ كَبِيرٌ وَعَلَىٰ يَمِينِهِ ويَسَارِهِ أَصنَامٌ صَغِيرَة، وإِذَا هُم قَد صَنَعُوا لَها طَعامًا وَضَعُوهُ أَمامَهَا قُربَانًا لَها فرَأَىٰ سَخَافَةَ عُقُولِهم، فخاطَبَ تِلكَ الأصنامَ وقالَ لَها عَلَىٰ سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والازدِرَاءِ ﴿ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١فَلَمّا لَم تُجِبْهُ قالَ أيضًا علىٰ سَبِيلِ الاحتِقارِ ﴿ مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣[سورة الصافات] فأَمسَكَ بِيَدِهِ اليُمنَىٰ فَأْسًا وأَخَذَ يَهوِي بِهِ عَلَى الأَصنَامِ الصَّغِيرَةِ يُكَسِّرُهَا ويُحَطِّمُهَا ﴿ فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨ [الأنبياء] ثُمَّ عَلَّقَ الفَأسَ في عُنُقِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، حَتَّىٰ إِذَا رَجَعَ قَومُهُ يَظهَرُ لَهُم عَجزَهَا وأَنَّها لَم تَستَطِعْ أَن تَدفَعَ عَن نَفسِهَا ما حَلَّ بِهَا من تَحطِيمٍ، فَكَيفَ تُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ القَوِيِّ القَهَّارِ.

ولَمَّا رَجَعوا مِن عِيدِهِم وَوَجَدُوا مَا حَلَّ بأَصنامِهِم بُهِتُوا واندَهَشُوا وَرَاعَهُم مَا رَأَوا في أصنَامِهِم، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩ قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠[الأنبياء] يَعنُونَ أنّهُ يَسُبُّها ويَعِيبُهَا ويَستَهزِئُ بِها وهو الَّذِي نَظُنُّ أنّهُ صَنَعَ هٰذَا بِهَا، فبَلَغَ الخَبَرُ المَلِكَ نُمرودَ ﴿ قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١[الأنبياء] وأَجمَعُوا علىٰ أَن يُحضِرُوا إِبراهيمَ ويَجمَعُوا النّاسَ لِيَشهَدُوا عَلَيهِ ويَسمَعُوا كَلَامَهُ وكانَ اجتِماعُ النّاسِ في مَكانٍ وَاحِدٍ هو مَقصِدُ إِبراهيمَ u لِيُقِيمَ عَلَيهِمُ الحُجّةَ في بُطلَانِ مَا هُم عَليه مِن دِين.

وتَقَاطَرَت الوُفُودُ وتَكَاثَرَت جُموعُ الكَافِرِينَ كُلٌّ يُرِيدُ الاقتِصَاصَ مِن إبراهيمَ نَبِيِّ اللهِ الَّذِي أَهَانَ أَصنَامَهُم واحتَقَرَها، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ u إلىٰ هٰذَا الجَمعِ الزَّاخِرِ مِنَ الكافِرِينَ أَمامَ مَلِكِهِم الجّبارِ نُمرودَ ﴿ قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢[الأنبياء] هُنَا وَجَدَ نَبِيُّ اللهِ إبراهيمُ الفُرصَةَ سَانِحَةً لِيُقِيمَ الحُجّةَ عَلَيهِم وَلِيُظهِرَ لَهم سُخْفَ مُعتَقَدِهِم وبُطلَانَ دِينِهِم ﴿ قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا ﴾ أي تَعظِيمُكُم لَهُ أَغَاظَني فَحَمَلَني ذٰلِكَ عَلَىٰ تَحطِيمِها، ثُمَّ أَسنَدَ الفِعلَ إِلَيهِ عَلَىٰ سَبيلِ المَجَازِ العَقلِيّ فَحَوَّلَ الفِعلَ إِلىٰ مَن كانَ سببًا في حُدُوثِه، وهو مِنهُ u ليسَ كَذِبًا حقيقيًّا، كما مَرَّ، وَلٰكِنَّهُم لِشِدَّةِ جَهلِهِم وكُفرِهِم لَم يَفهَمُوا مَا قَصَدَ إِلَيهِ إِبرَاهِيمُ u فَاغتَاظُوا وأَرَادُوا أَن يَنتَقِمُوا مِنهُ. وأما قولُه ﴿ فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣[الأنبياء] فقد أَرَادَ بِذٰلِكَ أَن يُبادِرُوا إلى القَولِ بأَنّها لَا تَنطِقُ، وهٰذا إِلزَامٌ لِلحُجّةِ عَلَيهِم بأَنَّ الأصنامَ جَمَادٌ لَا تَقدِرُ عَلَى النُّطقِ، وأنَّ هٰذِه الأصنامَ لا تَستَحِقُّ العِبَادَة فَهِيَ لَا تَملِكُ لَهُم نَفعًا ولا ضُرًّا ولَا تُغنِي عَنهُم شَيئًا. فَعَادُوا إلىٰ أَنفُسِهِم فِيمَا بَينَهُم بِالمَلَامَةِ، لِأَنَّهُم تَرَكُوهَا مِن غَيرِ حَافِظٍ لَها ولَا حَارِسٍ عِندَهَا، ثُمّ عَادُوا فقالوا لإبراهيمَ ما أَخبَرَ اللهُ تعالىٰ ﴿فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥[الأنبياء] أَي لَقَد عَلِمتَ يَا إبراهيمُ أَنَّ هٰذِه الأصنامَ الَّتِي نَعبُدُها لا تَنطِقُ فَكَيفَ تَطلُبُ مِنّا أَن نَسأَلَها. فَلَمّا أَقَرّوا علىٰ أَنفُسِهِم بأَنَّ أَصنَامَهُم الّتِي اتَّخذُوها ءَالِهَةً مِن دُونِ اللهِ عَاجِزَةٌ عَنِ السَّمْعِ والكَلَامِ واعتَرَفُوا أَنّها عاجِزَةٌ لا تَعلَمُ ولا تَقدِرُ ولا حَيَاةَ لها، عِندَ ذٰلِكَ أَقَامَ إِبراهِيمُ u الحُجّةَ عَلَيهِم وأَفحَمَهُم، قالَ اللهُ تعالىٰ ﴿ قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦ أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧[الأنبياء] وقالَ لَهم ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦[الصافات] عِندَ ذٰلِكَ غُلِبُوا علىٰ أَمرِهِم وأَلزَمَهُم نَبِيُّ اللهِ إِبرَاهِيمَ الحُجّةَ فلم يتَمَكّنُوا مِنَ الرَّدِّ عَلَيه.

مُناظَرَةُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ u لِلنُّمرُود

أقامَ سَيِّدُنا إبراهيمُ u الحُجّةَ علىٰ قَومِهِ بَعدَ أَن حَطّمَ أَصنامَهُم، فاغتَاظُوا مِنهُ وأَحضَرُوهُ أَمَامَ مَلِكِهِمُ النُّمرُودِ وأَشرَافِ قَومِه، وكَانَ نِمرودُ كَافِرًا جَاحِدًا لَا يَعتَرِفُ بِوُجُودِ اللهِ سُبحَانَهُ ويَدَّعِي الأُلوهِيَّةَ وَالعِيَاذُ بِالله تَعالَىٰ، وكَانَ قَومُهُ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْهِ يسَجَدُون لَهُ، فَدَخَلَ إِبرَاهِيمُ فَلَم يَسجُدْ لَهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَسجُدُ لِي؟! قَالَ «أَنَا لَا أَسجُدُ إِلَّا لِرَبِّي». فَقَالَ لَهُ نُمرُودُ: مَن رَبُّكَ؟ فَقَالَ إِبرَاهِيمُ u «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» فَقَالَ النُّمرُودُ: أَنَا أُحيِي وأُمِيتُ، ثُمَّ أَطلَقَ سَرَاحَ رَجُلٍ كَانَ سَجِينًا عِندَهُ مَحكُومًا عَلَيهِ بِالإِعدَامِ فقالَ: لَقَد أَحيَيتُهُ، ثُمَّ قَتَلَ رَجُلًا آخَرَ فقالَ: لَقَد أَمَتُّهُ، فَغَلَبَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ لَـمَّا قَالَ لَهُ «فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغرِبِ» فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، قال تعالىٰ ﴿ وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣ [سورة الأنعام] كانَ إبراهيمُ u لمّا حَاجَّ نُمرودَ ابنَ سبعَ عَشرَةَ سَنَة، قالَه القُرطُبيّ.

وأَمَامَ هٰذا البُرهانِ السَّاطِعِ وَقَفَ نِمرودُ مَبهُوتًا مَبغُوتًا في حاشِيَتِه وقَومِه، قالَ تعالى ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨[سورة البقرة].

مُحَاوَلَةُ إِحرَاقِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ u

أرَادَ أَهلُ بَابِلَ أَن يَنتَقِمُوا مِن سَيِّدِنَا إِبراهيمَ u لما كَسَّرَ أصنَامَهُم وَحَطَّمَها وأَهانَها، فلمَّا غَلَبَهُم ومَلِكَهُم بِحُجّتِه القَوِيّةِ أَرادُوا أَن يَنتَقِمُوا مِنهُ فاختَارُوا نَوعًا مِن أَشَدِّ أَنوَاعِ العَذَابِ وَهُوَ الإِحرَاقُ بِالنَّارِ، ﴿ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨[الأنبياء] ﴿ قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨ [الصافات] أَمَرَ نُمرُودُ بِجَمعِ الحَطَبِ مِن كافَّةِ أَصنَافِ الخَشَبِ لِيُوقِدُوا نارًا عَظِيمَة، حَتَّىٰ إِنَّ المَرأَةَ لَتَنذُر إِن بَلَغَت مَا تَطلُبُ لَتَحتَطِبَنَّ لِنَارِ إِبرَاهِيمَ وهٰذا يَدُلُّ علىٰ عِظَمِ الحِقدِ المُتَأَجِّجِ في صُدُورِهِم ضِدَّه. فصَارَ الكُفَّارُ يَجمَعُونَ الحَطَبَ مِن جَمِيعِ مَا يُمكِنُهُم مِنَ الأَمَاكِنِ، فَأَتَوا بِحَطَبٍ كَثِيرٍ ورَمَوهُ في حُفرَةٍ عَظِيمَةٍ وأَضرَمُوا فِيهَا النَّارَ، فٱضطَرَمَت وتَأَجَّجَت وٱلتَهَبَت، وَعَلَا لَهَا شَرَرٌ عَظِيمٌ وصَوتٌ مُخِيفٌ لَم يُرَ ولَم يُسمَعْ بِمِثلِهِ، وَكَانَ مِن شِدَّةِ ٱشتِعَالِهَا أَنَّهَا تُحرِقُ الطَّائِرَ الَّذِي يَمُرُّ فَوقَهَا.

وَكَانَ الكُفَّارُ لَا يَستَطِيعُونَ لِقُوَّةِ اللَّهَبِ أَن يَتَقَدَّمُوا مِنَ النارِ، فَأَتَىٰ إِبلِيسُ اللَّعِينُ مُتَشَكِّلًا وَعَلَّمَهُم صُنعَ المِنْجَنِيقِ الَّذِي لَم يَكُن مَعرُوفًا مِن قَبلُ، وقِيلَ إِنَّ رَجُلًا مِنهُمُ ٱسمُهُ «هِيْزَنُ» كَانَ أَوَّلَ مَن صَنَعَهُ فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الأَرضَ، ثُمَّ أَخَذَ قَومُ إِبرَاهِيمَ u يُقَيِّدُونَهُ ويُكَتِّفُونَهُ وَهُوَ يَقُولُ «لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ، لَكَ ٱلحَمدُ وَلَكَ ٱلمُلكُ لَا شَرِيكَ لَكَ».

فَلَمَّا أُلقِيَ في النَّارِ قَالَ بِلِسَانِ المُتوَكِّلِ عَلَى اللهِ «حَسبُنَا اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلِ».

وَأَعطَى اللهُ نَبِيَّهُ الخَلِيلَ مُعجِزَةً بَاهِرَةً فَلَم تُحرِقْهُ النَّارُ وَلَم تُصِبْهُ بِأَذًى وَلَا حَتَّىٰ ثِيَابَهُ، وَإِنَّمَا أَحرَقَت وِثَاقَهُ الَّذِي رَبَطُوهُ بِهِ، وذٰلِكَ لِأَنّ النّارَ لَا تُحرِقُ بذَاتِها وطَبعِهَا وإنما اللهُ يَخلُقُ الإِحرَاقَ فيها، قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ ﴿ قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩ وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠[الأنبياء]، وَكَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ عَلَىٰ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ يَنظُرُونَ هٰذَا المَنظَرَ الهَائِلَ المُخِيفَ. وَقِيلَ إنَّ إِبرَاهِيمَ لَمَّا أُلقِيَ فِي النَّارِ جَعَلَتِ الدَّوَابُّ كُلُّهَا تُطفِئُ عَنهُ إِلَّا الوَزَغُ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَنفُخُهَا عَلَيهِ لِتَقوِيَتِهَا، فَعَن أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتلِ الوَزَغِ وَقَالَ «كَانَ يَنفُخُ عَلَىٰ إِبرَاهِيمَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومُسلِمٌ وغَيرُهُما.

ثُمَّ مَكَثَ المَلِكُ نُمرُودُ أَيَّامًا لَا يَشُكُّ أَنَّ النَّارَ قَد أَكَلَت إِبرَاهِيمَ u، لٰكِنَّهُ رَأَىٰ إِبرَاهِيمَ جَالِسًا وإِلَىٰ جَنبِهِ شَخصٌ مِثلُهُ، فقَالَ لِقَومِهِ: لَقَد رَأَيتُ كَأَنَّ إِبرَاهِيمَ حَيٌّ وَلَقَد شُبِّهَ عَلَيَّ، اِبنُوا لي مِنَصَّةً عَالِيَةً لِأَرَىٰ مَا الأَمر، فَبَنَوا لَهُ مِنَصَّةً وأَشرَفَ مِنهَا، فَرَأَىٰ إِبرَاهِيمَ u جَالِسًا وإِلَىٰ جَنبِهِ شَخصٌ في صُورَتِهِ، فنَادَىٰ نُمرُودُ سَائِلًا إِبرَاهِيمَ: هَل تَستَطِيعُ الخُرُوجَ؟ فَأَجَابَهُ «نَعَم» ثُمَّ سَأَلَهُ: أَتَخشَىٰ إِن أَقَمتَ فِيهَا أَن تَضُرَّكَ؟ قال  «لَا»، وَلَمَّا خَرَجَ إِبرَاهِيمُ u وَنَجَّاهُ اللهُ تَعَالَىٰ سُئِلَ عَنِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ فَأَخبَرَ أنَّهُ مَلَكُ الظِّلِّ أَرسَلَهُ اللهُ لِيُؤنِسَهُ.

هَلَاكُ الطَّاغِيَةِ نِمرُود

وَمَعَ أنَّ نِمرُودَ ومَن تَبِعَهُ مِن قَومِهِ رَأَوا هٰذِهِ المعجزةَ الباهِرَةَ إلّا أنّهُم ظَلُّوا عَلَىٰ كُفرِهِم وعِنَادِهِم ولم يُؤمِنُوا بنَبيِّ اللهِ إبراهيمَ u، فَلقَد غَلَبَت عَلَيهِم شَقَاوَتُهُم وأَرَادُوا أن يَنتَصِرُوا لِكُفرِهِم فخُذِلُوا، إِذ سَعَوا في مُحَارَبَةَ اللهِ ورَسُولِه، ويُقَالُ إِنَّ اللهَ بَعَثَ إلىٰ نِمرودَ مَلَكًا مِنَ الملائكةِ يَأمُرُهُ بالإيمانِ باللهِ والدُّخولِ في دِينِ الإِسلَام، فَأَبَىٰ عَلَيهِ ثُمّ دَعَاهُ ثَانِيَةً فأَبَىٰ عَليهِ ثُمّ دَعاهُ الثّالِثَةَ فأَبىٰ عليه وقالَ له: اِجمَعْ جُمُوعَكَ وأَجمَعُ جمُوعِي، فحَشَدَ نُمرودُ جَيشَهُ وجُنودَه وَقتَ طُلوعِ الشَّمسِ ففَتَحَ اللهُ تَعَالَىٰ عَلَيهِ بَابًا مِنَ البَعُوضِ فَسَتَرَت عَينَ الشَّمسِ فلَم يرَوهَا وسَلَّطَ اللهُ هٰذِه الحشَراتِ عَليهِم فَأَكلَت عَسكَرَهُ وَلَم تَترُك إِلَّا العِظَامَ، وَدَخَلَت وَاحِدَةٌ مِنهَا فِي دِمَاغِ نِمرُودَ مِن مِنخَرِهِ، وَلَم يَكُن يَهدَأُ أَلَمُهُ حَتَّىٰ يُضرَبَ بِالأَحذِيَةِ والكُفوفِ المُجتَمِعَةِ إِلَىٰ أَن مَاتَ بعدَ أَربَعِينَ يَومًا، وَسَيَلقَىٰ جَزَاءَهُ العَادِلَ يَومَ القِيَامَةِ.

رُؤيَةُ إِبرَاهِيمَ u لإِحيَاءِ الطّيُورِ المَيِّتَة

قال تعالىٰ ﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠ [سورة البقرة] لَقَد كانَ نَبِيُّ اللهِ إبراهيمُ u مُفعَمَ النَّفسِ بالإيمانِ بِرَبِّهِ وعَارِفًا بِه، مُمتَلِئَ الثِّقَةِ بقُدرَةِ اللهِ وأنَّ اللهَ تعالىٰ قَادِرٌ علىٰ كُلِّ شَيءٍ لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ، وكانَ غَيرَ شَاكٍّ ولا مُرتَابٍ بِوُجُودِ اللهِ سُبحانَهُ، مُؤمِنًا بِما أُوحِيَ إِلَيهِ مِن بَعثِ النَّاسِ بَعدَ مَوتِهِم يَومَ القِيامَة، وحِسَابِهِم في الحَياةِ الأُخرَىٰ علىٰ أَعمَالِهِم ومَا قَدَّمُوا في هَذِهِ الحياةِ الدُّنيَا. ولَم يَكُن سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ u في وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ شَاكًّا في قُدرَةِ اللهِ تَعالَىٰ، بَل كَانَ مُنذُ صِغَرِهِ قَد أُلهِمَ الرُّشدَ وَالإِيمَانَ، ولَمَّا نَزَلَ عَلَيهِ الوَحيُ وَأُوتِيَ النُّبُوَّةَ وبَعَثَهُ اللهُ رَسُولًا يُعَلِّمُ النَّاسَ الإِسلَامَ، أَحَبَّ أَن يَرَىٰ نُمرُودُ وأَتبَاعُهُ إِحيَاءَ المَوتَىٰ عَلَّهُم يُؤمِنُونَ، فَدَعَا اللهَ تَعَالَىٰ قَائِلًا  «رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحيِي المَوْتَىٰ». وَقِيلَ أنَّهُ صُودِفَ مُرُورُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ u قُربَ البَحرِ، فشَاهَدَ جِيفَةَ بَهِيمَةٍ مَطرُوحَةً عَلَى الشَّاطِئ، فَإِذَا هَاجَتِ الأَموَاجُ دَفَعَتهَا إِلَى البَرِّ فَأَكَلَت مِنهَا السِّبَاعُ، وَإِذَا ذَهَبَت السِّبَاعُ جَاءَتِ الطُّيُورُ فَأَكَلَت مِنهَا ثُمَّ طَارَت، ثُمَّ إِذَا سَحَبَ المَوجُ الجِيفَةَ إِلَى البَحرِ أَكَلَت مِنهَا الأَسمَاكُ والحِيتَانُ، فَدَعَا إِبرَاهِيمُ u رَبَّهُ وَقَالَ «رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تَجمَعُ أَجزَاءَ الحَيَوَانِ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ وَحَيَوَانَاتِ البَحرِ لِيَزدَادَ يَقِينِي».

فقَولُ اللهِ تعالىٰ ﴿قَالَ أَوَلَم تُؤمِنْ قَالَ بَلَىٰ﴾ مَعنَاهُ أَنَّ إِبراهِيمَ u كانَ مُؤمِنًا ومُصَدِّقًا بِقَلبِهِ تَصدِيقًا جَازِمًا لا رَيبَ فِيهِ أَنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالىٰ قادِرٌ عَلَىٰ إِحيَاءِ المَوتَىٰ وإِعادَةِ الخَلقِ، ولٰكِنَّهُ أرَادَ أَن يَزدَادَ بَصِيرَةً ويَقِينًا، فسَأَلَ اللهَ أن يُرِيَهُ كَيفَ يُحيي المَوتَىٰ، وقولُه ﴿وَلَـٰكِن لِّيَطمَئِنَّ قَلبِي﴾ أي أنا مُؤمِنٌ غَيرُ شَاكٍّ ولا مُرتابٍ ولٰكِنْ تَاقَت نَفسي لِأَن أَرَىٰ بِعَينَيَّ لِيطمَئِنَّ قَلبي بِإجَابَةِ طَلَبي ويَزدادَ يَقِيني.

وَعِندَهَا تَحصُلُ مُعجِزَةٌ كَبِيرَةٌ بَاهِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَىٰ صِدقِ هٰذَا النَّبِيِّ العَظِيمِ، وأنَّهُ مُرسَلٌ مِن عِندِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ، إِذِ استَجَابَ اللهُ U لِدُعَاءِ إِبرَاهِيمَ u فَأَمَرَهُ أَن يَأخُذَ أَربَعَةً مِنَ الطَّيرِ مُختَلِفَةَ النُّوعِ، فَأَخَذَ دِيكًا أَحمَرَ، وحَمَامَةً بَيضَاءَ، وَطَاوُوسًا أَخضَرَ، وغُرَابًا أَسوَدَ، ثُمَّ أُمِرَ بِذَبحِهَا وإِسَالَةِ دَمِهَا وتَقطِيعِهَا قِطَعًا صغيرةً وَخَلطِ لَحُومِهَا بِبَعضِهَا مَعَ الدَّمِ وَالرِّيشِ حَتَّىٰ يَكُونَ أَعجَبَ.

ثُمَّ وَزَّعَ أَجزَاءَ هٰذَا الخَلِيطِ الغَرِيبِ عَلَىٰ سَبعَةِ جِبَالٍ، وَوَقَفَ هُوَ بِحَيثُ يَرَىٰ تِلكَ الأَجزَاءَ، وَأَمسَكَ رُؤُوسَ تِلكَ الطُّيُورِ في يَدِهِ ثُمَّ قَالَ « تَعَالَينَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَىٰ » فَتَطَايَرَت تِلكَ الأَجزَاءُ، فَجَعَلَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ u يَنظُرُ إِلَى الرِّيشِ يَطِيرُ إِلَى الرِّيشِ، والدَّمِ إِلَى الدَّمِ، وَاللَّحمِ إِلَى اللَّحمِ، وَالأَجزَاءِ مِن كُلِّ طَائِرٍ يَتَّصِلُ بَعضُهَا إِلَىٰ بَعضٍ، وَعَادَتِ الأَشلَاءُ تَتَجَمَّعُ، حَتَّىٰ قَامَ كُلُّ طَائِرٍ وَحدَهُ وَلٰكِن مِن غَيرِ رَأسٍ، لِيَكُونَ أَبلَغَ لِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ u في الرُّؤيَةِ الَّتِي سَأَلَهَا، وَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَيهَا وَسَعَت إِلَيهِ بِقُدرَةِ اللهِ مُسرِعَةً، وَصَارَ كُلُّ طَائِرٍ يَجِيءُ لِيَأخُذَ رَأسَهُ الَّذِي في يَدِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ u، فَإِذَا قَدَّمَ لَهُ رَأسًا غَيرَ رَأسِهِ لَا يَقبَلُهُ، فَإِذَا قَدَّمَ إِلَيهِ رَأسَهُ تَرَكَّبَ مَعَ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ بِقُدرَةِ اللهِ، فاللهُ عَزِيزٌ لَا يَغلِبُهُ شَيءٌ وَلَا يَمتَنِعُ عَلَيهِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ طَارَتِ الطُّيورُ كَمَا كَانَت مِن جَدِيدٍ بِإِذنِ اللهِ U، بَعدَ أَن تَحَقَّقَت مُعجِزَةٌ كَبِيرَةٌ لِنَبِيٍّ مِن أَعظَمِ الأَنبِيَاءِ قَدرًا عِندَ اللهِ تَعَالَىٰ.

هِجرَتُه u إلىٰ فِلَسطِين ودَعوَتُه عَبدَةَ الكَواكِبِ للإسلام

أَصرَّ قَومُ إِبرَاهِيمَ عَلَى الكُفرِ والضَّلَالِ، ولم يَجِد إبراهِيمُ مِنهُم إِقبالًا إلى الهُدَىٰ والإيمانِ، فأرادَ أَن يُهاجِرَ إلىٰ بَلَدٍ يَتَمَكّنُ فِيهِ مِن عِبادَةِ اللهِ ودَعوَةِ النّاسِ فيهِ إلى الإيمانِ والإسلام، عَلَّهُ يَجِدُ هُناكَ ءَاذانًا صَاغِيَةً وقُلوبًا وَاعِيَةً تَقبَلُ الحَقَّ والإِيمانَ، وتُقِرُّ بِوَحدَانِيّةِ اللهِ المَلِكِ الدَّيَّانِ مَالِكِ السَّمٰوَاتِ والأَرض، فأَمَرَهُ اللهُ بِالهِجرَةِ إِلَىٰ فِلَسطِينَ مِن بِلَادِ الشَّامِ ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩[الصّافّات] أَي إِلَىٰ حَيثُ أَمَرَني رَبِّي، أو إلىٰ حَيثُ أَتمكَّنُ فيهِ مِن عِبادَةِ رَبي U، قال تعالى ﴿ وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١[الأنبياء] فَهَاجَرَ وهَاجَرَت مَعَهُ زَوجَتُهُ السَّيِّدَةُ سَارَةُ عليها السلامُ وهي ابنَةُ عَمِّهِ، وهَاجَرَ مَعَهُ كَذٰلِكَ سَيِّدُنَا لُوطٌ u وهو ابنُ أَخِيهِ هاران، ولوطٌ بَعثَهُ اللهُ رَسُولًا إِلَىٰ أَهْلِ سَدُومَ المُؤتَفِكَةِ في أَطرَافِ الأُردُن، فتَرَكَ إِبراهِيمَ وتَوَجَّهَ إِلَيهِم.

وكانَت في هِجرَةِ إِبراهِيمَ u إلىٰ بَرِّ الشَّامِ البَرَكَةُ والنَّفعُ العَمِيمُ، فقَد وَهَبَهُ اللهُ U الذُّرِّيةَ الصَّالحةَ وجَعَلَ فِيهِمُ النُّبوَّةَ والكِتابَ. ولَمَّا بَلَغَ إبراهِيمُ وسارَةُ أَرضَ الكَنعَانِيِّينَ وَهِيَ بِلَادُ بَيتِ المَقدِسِ أَقَاما بِحَرَّانَ، وَهِيَ أَرضُ الكَشدَانِيِّينَ، وَكَانُوا يَعبُدُونَ الكَوَاكِبَ السَّبعَةَ، وَكُلُّ مَن كَانَ عَلَىٰ وَجهِ الأَرضِ في ذٰلِكَ الزَّمَنِ كَانُوا كُفَّارًا سِوَىٰ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ وَامرَأَتِهِ وَابنِ أَخِيهِ لُوطٍ عَلَيهِمُ السَّلَام.

وَكَانَ الخَلِيلُ u هُوَ الَّذِي أَزَالَ اللهُ بِهِ تِلكَ الشُّرُورَ، وَأَبطَلَ بِهِ ذَلكَ الضَّلَالَ. فَإِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ آتَاهُ رُشدَهُ فِي صِغَرِهِ وَابتَعَثَهُ رَسُولًا، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا فِي كِبَرِهِ. فكانَت مَوعِظَتُهُ في الكَوَاكِبِ لِأَهلِ حَرَّانَ فإِنّهُم كانوا يَعبُدونَها، أمّا أَهلُ بَابِلَ فكانوا يَعبُدونَ الأَصنام.

دَعَا إِبراهِيمُ u أَهلَ حَرَّانَ إِلَىٰ عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ، وأَمَرَهُم بِأَن يَترُكُوا عِبَادَةَ الكواكِبِ، فصَارَ إبراهيمُ يُبَيِّنُ لَهُم أنَّ عِبادَتَهُم لَهَا باطلةٌ فهي لا تَصلُحُ للعِبادَةِ لأنها مخلوقَةٌ واستدَلَّ علىٰ ذٰلك بكَونِها متَغَيِّرَةً مِن حالٍ إلىٰ حالٍ تَبزُغُ ثم تَأفُلُ، أي تَظهَرُ ثُمَّ تَغِيبُ، وما كانَ كَذٰلِكَ يحتاجُ إلىٰ مُخَصِّصٍ يُخصِّصُه ويَخلُقُ فيه تِلكَ الصِّفاتِ والتَّغيُّراتِ، والمحتاجُ لِغَيرِه لا يكونُ ربًّا إِلٰهًا، لأنَّ الرَّبَّ دَائِمٌ بَاقٍ لا يَتغَيَّرُ ولا يَتَطَوَّرُ، لا يَزُولُ ولَا يَمُوتُ ولا يَفنَىٰ.

ولِكَي يُفهِمهُم هٰذِهِ المعانِيَ الجليلةَ كانَ يُبَسِّطُ لَهُمُ الشَّرحَ، فلَمّا رَآهُم لَيلًا يَعبُدُونَ الكَوكَبَ -قِيلَ هُوَ الزُّهرَة- فإِذَا غَابَ وظَهَرَ القَمَرُ عَبَدُوهُ، فإِذَا وَلَّى اللَّيلُ وأَقبَلَ النَّهَارُ عَكَفُوا عَلَىٰ عِبَادَةِ الشَّمسِ، فقالَ لَهُم مُستَنكِرًا عَلَيهِم ﴿هَٰذَا رَبِّيۖ ٧٦﴾!؟ [الأنعام] أي هٰذا ليسَ رَبِّي، فَهُوَ عَلىٰ تَقدِيرِ الاستِفهَامِ الإنكَارِيِّ، فكأنَّه قالَ: أهٰذا رَبّي كما تَزعُمُونَ! كَمَن قالَ لكَ عَنِ الطّاوِلَةِ "هٰذه نافذة". فتقول مُستَنكِرًا (هٰذه نافذة!؟).

قالَ القُرطُبِيُّ "هُوَ عَلَىٰ مَعنَى الاستِفهَامِ وَالتَّوبِيخِ، مُنكِرًا لِفِعلِهِم. وَالمَعنَىٰ أَهٰذَا رَبِّي، أَوَمِثلُ هٰذَا يَكُونُ رَبًّا؟ فَحَذَفَ الهَمزَةَ. وَفِي التَّنزِيلِ ﴿أَفَئِن مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ ٣٤ [الأنبياء] أَي أَفَهُمُ الخَالِدُونَ" اﻫ.

ثُمَّ كُلَّمَا غَابَ وَاحِدٌ مِن مَعبُودَاتِهِم كانَ يَقولُ لَهُم ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦ [الأنعام] أي لا يَصلُحُ أَن يَكونَ هَذا الكَوكَبُ ربًّا لِأَنهُ يَأفُلُ ويَتغَيّر، فكَيفَ تَعتَقِدُونَ ذٰلك؟! وهُنا مَوضِعُ استِدلَالِه u أي لا أَعبُدُ المُتَغَيِّرِينَ لِأَنَّ تَغيُّرَهُم دَلِيلُ حُدُوثِهم، أَي كَونُهُم مَخلُوقِينَ، تغيُّرُهم يَدُلُّ علىٰ أنهُم مخلوقونَ لِخَالِقٍ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ، وَهُوَ رَبِّي ورَبُّكُم فاعبُدُوه، ولٰكِنْ غَلَبَت عَلَيهِم شِقوَتُهُم، وهٰذِهِ الحادِثَةُ مُفَصَّلَةٌ في سُورَةِ الأنعامِ مِن قَولِه تعالىٰ ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥ ﴾ إلىٰ قَولِه U ﴿ وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣ ﴾ فهٰذِه الحُجّةُ امتَدَحَهَا اللهُ سُبحانَهُ ونَسَبَهَا إلىٰ نفسِهِ تشريفًا للحُجَّة، وقَد كَانَت حُجّةً عَقلِيّةً، وفَيهِ جَوَازُ الاستِدلَالِ بالعَقلِ علىٰ أَحَقّيَةِ عِبادَةِ اللهِ وصِحّةِ دِينِه.

فبَيَّنَ إبراهيمُ لهم أَوّلًا أنَّ الكَوكَبَ لا يَصلُحُ للعِبَادَةِ ثم انتَقَلَ إلى القَمَرِ الَّذِي هُوَ أَقوَىٰ ضَوءًا مِنهُ وأَبهَىٰ حُسنًا، ثُمَّ انتَقَلَ إلى الشَّمسِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ الأَجرَامِ المُشَاهَدَةِ ضِيَاءً ونُورًا، فبَيَّنَ أنّها ذَاتُ حَجمٍ وحُدودٍ وأنّها مُتَغَيِّرَةٌ تُشرِقُ وتَغرُبُ وإِذَا كانَت مُتغيِّرةً فلا تَصلُحُ لِلأُلُوهِيَّة، لِأَنّها بِحاجَةٍ إلىٰ مَن يُغَيِّرُها ويَحفَظُ عَلَيهَا وُجودَها وهو اللهُ تبارك وتعالىٰ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ ومُدَبِّرُ أَمرِ هَذا العَالَم.

ولَمّا لَم يَجِد مِنهُم بُغيَتَهُ ولم يَفهَمُوا مَقصُودَه وظَلُّوا علىٰ ما كانوا عليهِ، لأنهم كانوا أصحابَ عُقولٍ سَقِيمَةٍ وقُلوبٍ مُظلِمَةٍ مُستَكبِرَة، أَيِسَ مِنهُم، فأَظهَرَ لَهم أنّهُ بَرِيءٌ مِن عِبادَةِ الشَّمسِ والقَمَرِ والكَوَاكِبِ لِأنّها لا تَصلُحُ للعِبادةِ ولا لِلرُّبُوبِيّة، وأَظهَرَ بَراءَتَهُ مِن هٰذا الإشراكِ الَّذِي وَقَعُوا بهِ وهو عِبادَةُ غَيرِ اللهِ تعالىٰ.

وأمَا إِبراهِيمُ u فهُوَ رَسُولُ اللهِ ونَبِيُّه، فقَد كانَ مُؤمِنًا عَارِفًا بِرَبِّهِ كَجَمِيعِ الأنبِيَاءِ، لا يَشُكُّ بِوُجودِ اللهِ طَرفَةَ عَين، وكانَ يَعلَمُ أَنَّ الرُّبوبِيّةَ لا تكونُ إلّا للهِ، وأنّه لَا خَالِقَ إلّا اللهُ، ولَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إلّا هو سُبحانَه، وأنّه مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وقَادِرٌ علىٰ كُلِّ شَيءٍ، وعَالِمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ونَافِذُ المَشِيئَةِ في كُلِّ شَيء. وَلَم يَكُن u كَما يُفتَرىٰ عَليهِ مِن أنّهُ مَرَّ بِفَتَرَاتٍ وَأَوقَاتٍ شَكَّ فِيهَا بِوُجودِ الله، لِأَنّ الأنبِياءَ والرُّسُلَ جَميعُهُم يَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الكُفرُ والضَّلالُ قَبلَ النُّبوَّةِ وبَعدَها، لأنّهم بُعِثُوا هُدَاةً مَهدِيِّينَ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ الخيرَ، فقبلَ أن يُنَاظِرَهُم كانَ إبراهيمُ u عالِمًا باللهِ مؤمنًا به U والدَّلِيلُ علىٰ ذٰلك مِن القُرءَانِ قَولُه تعالىٰ ﴿ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١[الأنبياء] وقولُه تعالىٰ حِكَايَةً عَن إبراهيم ﴿ إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩[سورة الأنعام] .

هِجرَتُهُ u إِلَىٰ مِصرَ وخَبَرُ فِرعَونَ وعَودَتُه إِلَى الشَّام

وبعدَ هٰذا الصَّبرِ والحِكمَةِ والأَناةِ مِن سَيدِنا إبراهيمَ u في الدَّعوَةِ إلى الحقِّ إلّا أنَّهُم لَم يُطِيعوهُ، فضَاقَت سُبُلُ العَيشِ في بِلَادِ الشَّامِ، فَرَحَلَ u مَعَ زَوجَتِهِ سَارَة إِلَىٰ مِصرَ، وَبِهَا فِرعَونُ مِنَ الفَرَاعِنَةِ الأُولَىٰ جبّارٌ كَانَ اسمُهُ سِنَانَ بنَ عِلوَانَ بنِ عُبَيدِ بنِ عَولَجَ بنِ عِملَاقَ بنِ لَاوُذَ بنِ سَامِ بنِ نُوحٍ. وَكَانَت سَارَةُ مِن أَحسَنِ النِّسَاءِ وَجهًا، وَكَانَت لَا تَعصِي إِبرَاهِيمَ شَيئًا، فَقِيلَ لِهَذا الجَبَّارِ: هَا هُنَا رَجُلٌ مَعَهُ امرَأَةٌ مِن أَحسَنِ النَّاسِ. فَأَرسَلَ إِلَيهِ فَسَأَلَهُ عَنهَا. فَقَالَ: مَن هَذِهِ؟ قَالَ «أُختِي» أَي فِي دِينِ الله. فَأَتَىٰ إبراهيمُ سَارَةَ فَقَالَ «يَا سَارَةُ لَيسَ عَلَىٰ وَجهِ الأَرضِ مُؤمِنٌ غَيرِي وَغَيرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخبَرتُهُ أَنَّكِ أُختِي فَلَا تُكَذِّبِينِي». يَعنِي لا يُوجَد على الأرضِ زَوجَينِ مُؤمِنَينِ غَيرِي وَغَيرَكِ، وَيَتَعَيَّنُ حَملُهُ عَلَىٰ هَذَا لِأَنَّ لُوطًا نَبِيٌّ u مُؤمِنٌ باللهِ وهو مِن أَهلِ زَمَانِهِما. فَلَمَّا دَخَلَت عَلَيهِ قَامَ إِلَيهَا فَأَقبَلَتْ تَتوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَتَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنّكَ تَعلَمُ أَنِّي آمَنتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحصَنتُ فَرجِيَ إِلَّا عَلَىٰ زَوجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ". قَالَ فَغَطَّ فِرعَونُ حَتَّى رَكَضَ بِرِجلِهِ. فقَالَت "اللَّهُمَّ إِن يَمُتْ يُقَلْ هِيَ قَتَلَتْهُ". قَالَ فَأُرسِلَ، فَذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: اِدعِي اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتِ اللهَ فَأُطلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثلَهَا أَو أَشَدَّ، فَقَالَ: ادعِي اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ فَأُطلِقَ فَدَعَا بَعضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَم تَأتِنِي بِإِنسَانٍ وَإِنَّمَا أَتَيتَنِي بِشَيطَانٍ. فَأَخدَمَهَا هَاجَرَ.

فَأَتَت إبراهيمَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي لِلهِ U وَيَسأَلُهُ أَن يَدفَعَ عَن أَهلِهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلَاتِه قَال لَها «مَهْيَمْ»؟ أي مَا الخَبَرُ، فَقَالَتْ "رَدَّ اللهُ كَيدَ الكَافِرِ أَوِ الفَاجِرِ فِي نَحرِهِ، وَأَخدَمَ هَاجَرَ". وَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يَقُولُ "تِلْكَ أُمُّكُم يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ". وإنَّ اللهَ U كَشَفَ الحِجَابَ فِيمَا بَينَ إِبرَاهِيمَ u وَبَينَهَا فَلَم يَزَلْ يَرَاهَا مُنذُ خَرَجَت مِن عِندِهِ إِلَىٰ أَن رَجَعَت إِلَيهِ، وَكَانَ مُشَاهِدًا لَهَا وَهِيَ عِندَ المَلِكِ، وَكَيفَ عَصَمَهَا اللهُ مِنهُ لِيَكُونَ ذٰلِكَ أَطيَبَ لِقَلبِهِ وَأَقَرَّ لِعَينِهِ وَأَشَدَّ لِطُمَأْنِينَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا لِدِينِهَا وَقَرَابَتِهَا مِنهُ وَحُسنِهَا البَاهِرِ، فَإِنَّهُ قَد قِيلَ إِنَّهُ لَم تَكُنِ امرَأَةٌ بَعدَ حَوَّاءَ إِلَىٰ زَمَانِهَا أَحسَنَ مِنهَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَلِلهِ الحَمدُ وَالمِنَّةُ. ثُمَّ إنَّ إبراهيمَ u لَم يَمكُثْ فِي مصرَ طَوِيلًا، فَعَادَ مِنهَا إِلَىٰ الأرضِ المقدّسةِ مَعَ زَوجَتِهِ وخَادِمَتِهَا هَاجَرَ الَّتِي قَدَّمَهَا لَهَا حَاكِمُ مِصرَ، وَهِيَ أَعطَتْهَا بِدَورِهَا لِإِبرَاهِيمَ، وَأَصبَحَت حَلَالًا لَهُ، وَأَنجَبَ مِنهَا إِسمَاعِيلَ u.

سَبَبُ تَسمِيَةِ إبراهِيمَ u بخَلِيلِ الله

اتّخذَ اللهُ إبراهيمَ خليلًا أي الَّذي أَحَبَّهُ واصطَفاهُ مَحبّةً تامّة، وقد جاءَ في سَبَبِ هٰذِه التّسمِيَةِ أنّ إبراهيمَ u مَضَىٰ إلىٰ خَلِيلٍ لَهُ بِمِصر، وقِيلَ بالمُوصِلِ لِيَشتَرِيَ مِن عِندِهِ طَعامًا فَلَم يَجِد صاحِبَه ، فمَلَأَ غَرائِرَهُ رَملًا وعَادَ بهِ إلىٰ أَهلِهِ فحَطَّهُ ونام؛ ففَتَحَهُ أهلُه فوَجَدُوه دَقِيقًا فصَنَعُوا مِنهُ خُبزًا، فلمّا أفاقَ وَجَدَ رائِحَةَ الخُبزِ فقال: مِن أَينَ لَكُم هٰذا؟ قالوا: مِن الّذي جِئتَ بهِ مِن عِندِ خَلِيلِكَ المَصرِي؛ فقال «بَل هُوَ مِن عِندِ خَلِيليَ اللهِ تعالىٰ» فسُمِّيَ خَلِيلُ اللهِ بذٰلك. وقيل إبراهيمُ خليلُ اللهِ علىٰ مَعنىٰ أنه فَقِيرٌ مُحتاجٌ إلى اللهِ تعالى؛ كأنّهُ الّذِي بهِ الاختِلَال، وذٰلك حِينَما رُمِيَ بالمَنجَنِيقِ وصارَ في الهَوَاءِ أَتَاهُ جِبريلُ u فقال: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قال «أمّا إِلَيكَ فَلَا، وَلٰكِنْ إِلَى الله» فَخُلَّةُ اللهِ تعالىٰ لإبراهِيمَ نُصرَتُهُ إِيّاه.

بعضٌ مِن صِفاتِه وأحوالِه u

قال رسولُ الله ﷺ في وصفِ الخليلِ إبراهيم u «وَرَأَيتُ إِبرَاهِيمَ فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شبَهًا صَاحِبُكُم» يَعني نَفسَهُ ﷺ، رواه أحمد(مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنهما).

وعَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَِّبِ رضي اللهُ عنه قالَ «كانَ إبراهيمُ ﷺ أوّلَ النّاسِ ضَيَّفَ الضَّيفَ وأوَّلَ النّاسِ اختَتَنَ وأوّلَ الناسِ قَصَّ الشّارِبَ وأوّلَ الناسِ رَأَى الشَّيبَ فقالَ «يا رَبّ ما هٰذا؟ فقالَ اللهُ تبارك وتعالىٰ {وَقَارٌ يا إبراهِيم} فقال يا رَبّ زِدنِي وَقارًا»(موطأ الإمام مالك، كتاب الجامع، باب صفة النبي ﷺ وقضايا أخرى، ما جاء في السنة في الفطرة).

وقد رَوَى الشّيخانِ عَن أبي هُرَيرَةَ عَنِ النّبيِّ ﷺ أنه قال «اخْتَتَنَ إِبرَاهِيمُ، النَّبِيُّ u وَهُو ابنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، بِالقَدُّومِ»(صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، واللّفظُ للإمامِ مُسلِم) والقَدُّوم قريةٌ بالشّامِ، وقيل آلةٌ حادَّةٌ يَستعمِلُها النَّجَّارونَ. وفي الحديثِ أنَّ الخِتانَ مِن سُنَنِ الفِطرةِ، وأنَّه يَفعَلُه الكبيرُ والصَّغيرُ.

 

ثناءُ اللهِ تعالىٰ عليه

يقولُ اللهُ تعالىٰ في الثناءِ علىٰ نَبِيّهِ إبراهيمَ الخَلِيلِ u ﴿ وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧[سورة النجم] وَفَّىٰ في جَمِيعِ مَا أُمِرَ بهِ وقَامَ بجَمِيعِ خِصَالِ الإيمانِ وشُعَبِه، وكانَ لا يَشغَلُهُ مُراعَاةُ الأَمرِ الكَبِيرِ عَنِ القِيَامِ بمَصلَحَةِ الأَمرِ القَليلِ ولا يُنسِيهِ القِيامُ بأَعباءِ المصالِحِ الكِبارِ عَنِ الصِّغار.

وقالَ سبحانَه وتعالىٰ ﴿ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠[سورة النحل] قولُه {أُمّةً} أي قُدوَةً إِمامًا مُهتَدِيًا دَاعِيًا إلى الخيرِ يُقتَدَىٰ بهِ فِيه، وقولُه {قَانِتًا للهِ} أي خَاشِعًا له في جَميعِ حالاتِه وحَركاتِه وسَكَناتِه، وقولُه تعالىٰ {حَنِيفًا} أي مَائِلًا عَنِ الأَديانِ البَاطِلَةِ إلى الدِّينِ الحقِّ وهُو الإسلام.

الإمامةُ في ذريته

قال تعالىٰ ﴿ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤[سورة البقرة] قِيلَ لَمّا وفَّىٰ إبراهيمُ u ما أَمرَهُ اللهُ بهِ مِنَ التكالِيفِ العَظيمَة، جَعَلَهُ للناسِ إمامًا يَقتَدُونَ بهِ ويَأتَمُّونَ بِهَديِه، سَأَلَ ربَّه أَن تَكُونَ هٰذِه الإمامَةُ مُتّصلَةً بِنَسَبِه وبَاقِيَةً في ذُرّيتِه فأُجِيبَ إلىٰ ما سَألَ واستُثنِيَ مِن نَيلِهَا الظّالِمون، واختُصَّ بِهَا مِن ذُرِيَتِه العُلماءُ العَامِلُونَ والصّالحونَ كما قالَ تعالىٰ ﴿ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧[سورة العنكبوت] فقِيلَ كُلُّ كِتابٍ أُنزِلَ مِنَ السّماءِ علىٰ نَبِيٍّ مِنَ الأنبياءِ بَعدَ إبراهيمَ الخليلِ فعَلىٰ واحِدٍ ذُرّيَتِه وهٰذِه مَنزِلَةٌ عالِيَةٌ ومَرتَبةٌ عَلِيَّة، وذٰلك أنه وُلِدَ لإبراهيمَ الخليلِ لِصُلبِه وَلدانِ ذَكَرانِ عَظيمانِ صارَا نَبِيَّينِ ورَسُولَينِ وهُما إسماعيلُ مِن هاجَر، ثُمّ إسحاقُ مِن سارَة، ووُلِدَ لإسحاقَ يَعقوبُ وهو إسرائِيلُ الّذي كَثُرَت في ذُرّيتِهِ النُّبوَّةُ بحَيثُ لا يَعلَمُ عَددَهُم إلّا اللهُ تبارك وتعالىٰ، حَتّى خُتِمُوا بعِيسَى ابنِ مَريَمَ عليهما السلام مِن بَنِي إسرائِيل.

وأما إسماعِيلُ u الّذي نَشَأَ في قَبيلَةِ جُرهُمَ العربيةِ وتَعَلَّمَ اللُّغَةَ العَرَبِيّةَ مِنهُم وتَزَوَّجَ مِنهُم، فلَم يُوجَد مِن سُلالَتِه مِنَ الأنبياءِ سِوَىٰ خاتَمِ المُرسَلِينَ ﷺ على الإطلاقِ وسَيِّدِهِم وسَيِّدِ الأَوّلِينَ والآخِرِينَ وهُو سيدُّنا مُحَمَّدُ بنَ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ المُطّلِبِ بنِ هَاشِمٍ القُرَشِيُّ الّذِي وُلِدَ بِمَكّةَ وهاجَرَ إلى المدِينَة، وهو الّذي يَصِلُ نَسَبُه إلى إسماعِيلَ بنِ إبراهيمَ عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ.

بعضُ الأحاديثِ النبوية فيه u

قال رَسُولُ اللهِ ﷺ «الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يُوسُفُ ابنُ يَعقُوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ -عليهم السلام-»(صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين، عن ابن عمر رضي الله عنهما) قالَ تعالىٰ ﴿ إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨[سورة ءال عمران].

وفي الحديثِ أنَّ اللهَ تعالىٰ أَعطَى النّبيَّ ﷺ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ فقال «اللَّهُمَّ اغفِر لِأُمّتِي، اللَّهُمَّ اغفِر لِأُمّتِي، وأَخَّرتُ الثالثةَ لِيَومٍ يَرغَبُ إِليَّ الخَلقُ كُلُّهُم حَتّىٰ إبراهِيمُ ﷺ»(صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه).

وفي الحديثِ كَانَ النَّبِيُّيُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَينَ وَيَقُولُ «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِن كُلِّ شَيطَانٍ وهَامَّةٍ وَمِن كُلِّ عَينٍ لَامَّةٍ»(صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلًا، عن ابن عباس رضي الله عنهما).

آزر يوم القيامة

قَالَ رَسُولُ اللهِ «يَلقَىٰ إِبرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَىٰ وَجهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ (سَوادٌ كالدُّخَانِ وغُبارٌ) فَيَقُولُ لَهُ إِبرَاهِيمُ أَلَم أَقُل لَكَ لَا تَعصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ فَاليَومَ لَا أَعصِيكَ، فَيَقُولُ إِبرَاهِيمُ يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدتَنِي أَن لَا تُخزِيَنِي يَومَ يُبعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَىٰ مِن أَبِي الأَبعَدِ (بَعيدًا عن رَحمةِ اللهِ ولُطفِه)، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنِّي حَرَّمتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبرَاهِيمُ مَا تَحتَ رِجلَيكَ فَيَنظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلقَىٰ فِي النَّارِ» رواه البخاري(صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلًا، عن أبي هريرة)، والذِّيخُ ذَكَرُ الضَّبُعِ الكثيرِ الشَّعرِ، فيَجِدُه مُتلطِّخًا بالرَّجيعِ أو بالدَّمِ، فيُؤخَذُ بقَوائمِه -وهي يَدَاه ورِجلاهُ- فيُطرَحُ في النَّارِ. قيل إنَّما ظَهَرَ له في هذه الصُّورةِ المسْتبشَعةِ؛ ليَتبرَّأَ منه، والحكمةُ في كَونِه مُسِخَ ضَبُعًا دونَ غيرِه مِن الحيوانِ أنَّ الضَّبُعَ أحمَقُ الحيوانِ، ومِن حُمْقِه أنَّه يَغفُلُ عمَّا يَجِبُ التَّيقُّظُ له، فلمَّا لم يَقبَلْ آزَرُ النَّصيحةَ مِن أشفَقِ النَّاسِ عليه، وقَبِلَ خَديعةَ الشَّيطانِ؛ أشبَهَ الضَّبُعَ الموصوفَ بالحُمقِ. وفي الحديثِ دَليلٌ على أنَّ إسلامَ الولدِ لا يَنفَعُ الوالدَ يومَ القيامةِ إذا لم يكُنْ مُسلِمًا.

واختلفَ أهلُ الحقِّ في اسمِ تارح أهو اسمٌ ثانٍ لآزرَ أبي إبراهيم أم وصفٌ له، ولٰكنهم اتّفَقوا أنّ الاسمَينِ لشَخصٍ واحدٍ، وخالَفَ في ذلك بعضُهُم فقالَ إنّ آزرَ عمُّ إبراهيمَ أو جدُّهُ لِأُمِّه، وتارَحُ هو والدُه، واحتَجّوا أنّ العَمَّ قد يُطلَقُ عليهِ اسمُ الأبِ، مُستَدِلّينَ بقولِه تعالى ﴿ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣[سورة البقرة] ومعلومٌ أنّ إسماعِيلَ كان عَمًّا لِيَعقوبَ وقد أُطلِقَ عَلَيهِ لَفظُ الأَبِ، وكَذا آزرُ عَمُّه! -بحسَبِ رَأيِهِم-.

ردَّ الفخرُ الرازيُّ(تفسير الرازي الكبير (مفاتيح الغيب) ج١٣ ص٣٣، دار الكتب العلمية بيروت، ٢٠٠٤) زَعمَهُم هذا بقولِه رحمه الله »وَاعلَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ إِنَّمَا يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيهَا لَو دَلَّ دَلِيلٌ بَاهِرٌ عَلَى أَنَّ وَالِدَ إِبرَاهِيمَ مَا كَانَ اسمُهُ آزَرَ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لَم يُوجَدِ البَتَّةَ، فَأَيُّ حَاجَةٍ تَحمِلُنَا عَلَى هَذِهِ التَّأوِيلَاتِ، وَالدَّلِيلُ القَوِيُّ عَلَى صِحَّةِ أَنَّ الأَمرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، أَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالمُشرِكِينَ كَانُوا فِي غَايَةِ الحِرصِ عَلَى تَكذِيبِ الرَّسُولِ وَإِظهَارِ بُغضِهِ، فَلَو كَانَ هَذَا النَّسَبُ كَذِبًا لَامتَنَعَ فِي العَادَةِ سُكُوتُهُم عَن تَكذِيبِهِ وَحَيثُ لَم يُكَذِّبُوهُ عَلِمنَا أَنَّ هَذَا النَّسَبَ صَحِيحٌ وَاللهُ أَعلَمُ « اﻫ.

واستَدَلّوا كذٰلِكَ بقَولِ إبراهيمَ u بعدَ أن فَرَغَ مِن بناءِ الكعبةِ ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩ رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١ [سورة إبراهيم] قالوا استِغفارُه هنا لوالِدَيهِ كان لأجلِ مَوتِهما على الإسلام، بخِلَافِ آزرَ فَقَد كَانَ تَبَيَّنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ عَدَاوَتُهُ لِلهِ تَعَالَى!

نقول وباللهِ التوفيق إنّ معنى استغفارِ إبراهيمَ لوالِدَيه لأنَّ أُمَّهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصريِّ كانَت مُؤمِنَةً، فَلَا إِشكَالَ فِي الِاستِغفَارِ لَهَا وَأَمَّا استِغفَارُهُ لِأَبِيهِ فَقَد قِيلَ إِنَّهُ كَانَ قَبلَ أَن يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ سُبحَانَهُ وَاللهُ تَعَالَى قَد حَكَى مَا قَالَهُ u فِي أَحَايِينَ مُختَلِفَةٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ u نَوَى شَرطِيَّةَ الإِسلَامِ وَالتَّوبَةَ وَإِلَيهِ ذَهَبَ ابنُ الخَازِنِ، وَقِيلَ أَرَادَ بِوَالِدِهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقِيلَ أَرَادَ بِوَالِدِهِ آدَمَ وَبِوَالِدَتِهِ حَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِكُفْرِ أُمِّهِ(تفسير الألوسي (روح المعاني) ج١٣ ص٢٤٤، دار إحياء التراث العربي).  

الصُّحُفُ الّتِي أُنزِلَت عَلىٰ إبراهيمَ u

عن أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه قَالَ قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَت صَحِيفَةُ إِبرَاهِيمَ؟ قَالَ «كَانَت أَمثَالًا كُلُّهَا، أَيُّهَا المَلِكُ المُسَلَّطُ المُبتَلَى المَغرُورُ، إِنِّي لَم أَبعَثكَ لِتَجمَعَ الدُّنيَا بَعضَهَا عَلَىٰ بَعضٍ، وَلَكِنِّي بَعَثـتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعوَةَ المَظلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَو كَانَت مِن كَافِرٍ، وَعَلَى العَاقِلِ مَا لَم يَكُن مَغلُوبًا عَلَىٰ عَقلِهِ أَن تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ، سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنعِ اللهِ، وَسَاعَةٌ يَخلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ المَطعَمِ وَالمَشرَبِ، وَعَلَى العَاقِلِ أَن لَا يَكُونَ ظَاعِنًا (مُسَافِرًا) إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَو مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ (تجارة)، أَو لَذَّةٍ فِي غَيرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى العَاقِلِ أَن يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقبِلًا عَلَىٰ شَأنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَن حَسَبَ كَلَامَهُ مِن عَمَلِهِ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعنِيهِ. رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ(صحيح ابنِ حبانَ، كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها).

وفاةُ سيدِنا إبراهيمَ u

بعد أن أَقَامَ u بأَرضِ المَقدِسِ، وَوُلِدَ لَهُ إِسمَاعِيلُ وَإِسحَاقُ، كان يَتَردَّدُ إلىٰ مَكّةَ المكرمةِ مِن حِينٍ لِآخَرَ لِيَتفقَّدَ وَلَدَهُ إِسماعِيلَ وأُمَّهُ هَاجَرَ عليهما السلام. إلىٰ أن تُوُفِّيَت السيّدةُ سَارَةُ قَبلَهُ فدَفَنَهَا إبراهيمُ u في مَغَارَةٍ بِقَريَةِ حَبرُونَ الَّتِي فِي أَرضِ كَنعَانَ وهو البَلَدُ المعروفُ اليَومَ بالخَلِيل، وَلَهَا مِنَ العُمُرِ مِائَةٌ وَسَبعٌ وَعِشرُونَ سَنَةً.

وأما هو u فقد وَرَدَ ما يَدُلُّ علىٰ أنّهُ عاشَ مِائَتَي سَنة، فعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «اختَتَنَ إِبرَاهِيمُ بِالقَدُّومِ، وَهُوَ ابنُ عِشرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَاشَ بَعدَ ذٰلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً» رَواهُ ابنُ حِبّان(صحيح ابن حبان، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق، ذكر الوقت الذي اختتن فيه إبراهيم خليل الرحمٰن). وقِيلَ عاشَ u مِائَةً وخَمسًا وسَبعِينَ سَنة. وقد وَارَاهُ ابنَاهُ إسماعِيلُ وإِسحَاقُ عليهما السلامُ الثَّرَىٰ في المغارةِ عِندَ زَوجَتِه سارَة وعِندَهُما أيضًا قَبرُ وَلَدِهِ إِسحَاقَ وَقَبرُ وَلَدِ وَلَدِهِ يَعقُوبَ فِي المَربَعَةِ الَّتِي بَنَاهَا سُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ u بِبَلَدِ حَبرُونَ، وهٰذا مُتَلَقًّى بالتّواتُرِ أُمّةً بَعدَ أُمّةٍ وجِيلًا بَعدَ جِيلٍ مِن زَمَنِ يعقوبَ إلىٰ زَمانِنا هٰذا أَنَّ قَبرَهُ بِالمَربَعَةِ تَحقِيقًا، فَأَمَّا تَعيِينُهُ مِنهَا فَلَيسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَن مَعصُومٍ، فَيَنبَغِي أَن تُرَاعَىٰ تِلكَ المَحَلَّةُ، وَأَن تُحتَرَمَ وَأَن تُجَلَّ أَن يُدَاسَ فِي أَرجَائِهَا خَشيَةَ أَن يَكُونَ قَبرُ الخَلِيلِ أَو أَحَدٍ مِن أَولَادِهِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ تَحتَهَا.

عَدَدُ المَرّاتِ الّتي ذُكِرَ فِيهَا إِبراهِيمُ u في القُرءَان

ذُكِرَت قِصّةُ إِبراهِيمَ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ القُرءَانِ الكَرِيم، تَارَةً باختِصَارٍ وتَارَةً بالتّطوِيلِ وتارَةً بذِكرِ شَأنٍ مِن شُؤُونِه، وذٰلك لأنّ سِيرَتَهُ u تَرتَبِطُ بِها سِيَرٌ أُخرَىٰ لِعَدَدٍ مِنَ الأنبياءِ كسَيِّدِنا لُوطٍ u.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم