السبت، 17 يناير 2026

حل ألفاظ متن أبي شجاع / نبيل الشريف

حَلُّ أَلْفَاظِ مَتْنِ الْغَايَةِ وَالتَّقْرِيبِ

الْمَعْرُوفِ بِمَتْنِ أَبِى شُجَاعٍ فِى الْفِقْهِ الشَّافِعِىِّ

 

عمله نَبِيل الشَّرِيف


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم

 

     الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ كِتَابَ حَلِّ أَلْفَاظِ مَتْنِ الْغَايَةِ وَالتَّقْرِيبِ الْمَعْرُوفِ بِمَتْنِ أَبِى شُجَاعٍ هُوَ كِتَابٌ مُخْتَصَرٌ فِى الْفِقْهِ الشَّافِعِىِّ نَافِعٌ جِدًّا فَهُوَ مُقَدِّمَةٌ حَسَنَةٌ تُسَهِّلُ لِلطَّالِبِ الِازْدِيَادَ فِى الْعِلْمِ لِلِانْتِقَالِ بَعْدَ إِتْقَانِ الْمُخْتَصَرَاتِ لِلْمُتَوَسِّطَاتِ ثُمَّ بَعْدَ إِتْقَانِهَا للتَّوَسُّعَ فِى فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ. وَيَتَمَيَّزُ هَذَا الْكِتَابُ بِسُهُولَةِ عِبَارَاتِهِ فَإِنَّ كِتَابَ الْغَايَةِ وَالتَّقْرِيبِ لِلْقَاضِى أَبِى شُجَاعٍ أَحْمَدَ بنِ الْحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ الأَصْفَهَانِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ انْتَشَرَ وَرَاجَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ طُلَّابِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ لِذَلِكَ عَمِلْنَا عَلَى حَلِّ أَلْفَاظِهِ لِيَسْهُلَ عَلَى الطَّالِبِ دَرْسُهُ رَاجِينَ الْمَوْلَى تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ لَنَا ذُخْرًا عِنْدَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ الْقَبُولَ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الطُّلَّابَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.


     قَالَ الْقَاضِى أَبُو شُجَاعٍ أَحْمَدُ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ الأَصْفَهَانِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

     (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ) أَىْ أَبْتَدِأُ كِتَابِى هَذَا بِقَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ مُتَبَرِّكًا بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ وَأُثْنِى عَلَى اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا بِقَوْلِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَىِ الْمَالِكِ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ) الْمُرْسَلِ إِلَى كَافَّةِ الْعَالَمِينَ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ (وَ)عَلَى (ءَالِهِ الطَّاهِرِينَ) مِنَ الشِّرْكِ وَهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ أَىْ عَلِىٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ (وَ)عَلَى (صَحَابَتِهِ) الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ (أَجْمَعِينَ).

     ثُمَّ بَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ سَبَبَ تَأْلِيفِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ (سَأَلَنِى بَعْضُ الأَصْدِقَاءِ حَفِظَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَعْمَلَ) كِتَابًا (مُخْتَصَرًا فِى الْفِقْهِ) أَىْ فِى الأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ (عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ) مُحَمَّدِ ابْنِ إِدْرِيسَ (الشَّافِعِىِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ فِى غَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَنِهَايَةِ الإِيجَازِ لِيَقْرُبَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ دَرْسُهُ) أَىْ حَتَّى يَتَيَسَّرَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَلَّمَ فُرُوعَ الْفِقْهِ أَنْ يَدْرُسَهُ عَلَى شَيْخٍ (وَيَسْهُلَ عَلَى الْمُبْتَدِئِ حِفْظُهُ) أَىْ اسْتِحْضَارُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ (وَ)سَأَلَنِى هَذَا الصَّدِيقُ (أَنْ أُكْثِرَ) فِيهِ (مِنَ التَّقْسِيمَاتِ) لِلأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ (وَحَصْرِ الْخِصَالِ) الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ أَىْ ضَبْطِهَا بِالْعَدَدِ وَبَيَانِهَا (فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ طَالِبًا لِلثَّوَابِ) مِنَ اللَّهِ (رَاغِبًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى التَّوْفِيقِ لِلصَّوَابِ) أَىْ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَنِى عَلَى إِتْمَامِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ وَأَنْ يُوَفِّقَنِى لِلصَّوَابِ (إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أَىْ مُحْسِنٌ إِلَيْهِمْ وَعَلِيمٌ بِأَحْوَالِهِمْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ.

 

(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)

 

     أَىْ كِتَابٌ يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَالطَّهَارَةُ هِىَ فِعْلُ مَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاةُ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ وَقِيلَ الطَّهَارَةُ هِىَ رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إِزَالَةُ نَجَسٍ أَوْ مَا فِى مَعْنَاهُمَا أَوْ عَلَى صُورَتِهِمَا فَتَشْمَلُ الْوَاجِبَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ. فَالَّذِى فِى مَعْنَى رَفْعِ الْحَدَثِ التَّيَمُّمُ وَالَّذِى فِى مَعْنَى إِزَالَةِ النَّجَسِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ وَالَّذِى عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الَّتِى ارْتَفَعَ بِهَا الْحَدَثُ وَالَّذِى عَلَى صُورَةِ إِزَالَةِ النَّجَسِ الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الَّتِى أُزِيلَتْ بِـهَا النَّجَاسَةُ.

     وَأَمَّا (الْمِيَاهُ الَّتِى يَجُوزُ بِهَا التَّطْهِيرُ) أَىْ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهَا فَهِىَ (سَبْعُ مِيَاهٍ مَاءُ السَّمَاءِ) أَىِ النَّازِلُ مِنْهَا وَهُوَ الْمَطَرُ (وَمَاءُ الْبَحْرِ وَمَاءُ الـنَّهْرِ وَمَاءُ الْبِئْرِ وَمَاءُ الْعَيْنِ) أَىِ الْمَاءُ النَّابِعُ مِنَ الأَرْضِ (وَمَاءُ الـثَّلْجِ وَمَاءُ الْـبَرَدِ) أَىِ الْمَاءُ الْحَاصِلُ مِنْ ذَوَبَانِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.

     (ثُمَّ الْمِيَاهُ) مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ (عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ) أَحَدُهَا (طَاهِرٌ) فِى نَفْسِهِ (مُطَهِّرٌ) لِغَيْرِهِ (غَيْرُ مَكْرُوهٍ) اسْتِعْمَالُهُ فِى الْبَدَنِ (وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ) أَمَّا الْمُقَيَّدُ بِقَيْدٍ لازِمٍ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَمَاءِ الْوَرْدِ فَلا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ (وَ)الْقِسْمُ الثَّانِى (طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ مَكْرُوهٌ) اسْتِعْمَالُهُ فِى الْبَدَنِ لا فِى الثَّوْبِ (وَهُوَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ) أَىِ الْمُسَخَّنُ بِتَأْثِيرِ الشَّمْسِ فِيهِ فِى إِنَاءٍ مُنْطَبِعٍ أَىْ مَطْرُوقٍ بِالْمَطَارِقِ كَالنُّحَاسِ لِأَنَّ الشَّمْسَ تَفْصِلُ مِنْهُ زُهُومَةً تَعْلُو الْمَاءَ وَالزُّهُومَةُ أَجْزَاءٌ تَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ كَالرَّغْوَةِ تُؤَثِّرُ فِى الْبَدَنِ فَإِذَا بَرَدَ الْمَاءُ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ. وَيُكْرَهُ شَدِيدُ السُّخُونَةِ وَالْبُرُودَةِ أَىْ بِلا عُذْرٍ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ أَىْ إِتْمَامَهُ (وَ)الْقِسْمُ الثَّالِثُ (طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَهُوَ الْمَاءُ) الْقَلِيلُ (الْمُسْتَعْمَلُ) فِى رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ إِزَالَةِ نَجَسٍ إِذَا طَهُرَ الْمَحَلُّ بِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَزِدْ وَزْنُهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ بَعْدَ اعْتِبَارِ مَا يَتَشَرَّبُهُ الْمَغْسُولُ مِنَ الْمَاءِ (وَ)الْمَاءُ (الْمُتَغَـيِّرُ) لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (بِمَا خَالَطَهُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ) كَالْحِبْرِ وَالسُّكَّرِ وَالْعِطْرِ بِأَنْ كَانَ تَغَيُّرُهُ يَمْنَعُ إِطْلاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ. أَمَّا الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِطَاهِرٍ مُجَاوِرٍ لَهُ كَالْعُودِ الصُّلْبِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ وَإِنْ تَغَيَّرَ كَثِيرًا وَكَذَلِكَ الْمُتَغَيِّرُ بِمُخَالِطٍ يَشَقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ كَطِينٍ أَوْ طُحْلُبٍ وَكَذَا الْمُتَغَيِّرُ بِمَا فِى مَقَرِّهِ أَوْ مَمَرِّهِ كَكِبْرِيتٍ وَالْمُتَغَيِّرُ بِطُولِ الْمُكْثِ (وَ)الْقِسْمُ الرَّابِعُ (مَاءٌ نَجِسٌ) أَىْ مَتَنَجِّسٌ (وَهُوَ) الْمَاءُ الْقَلِيلُ (الَّذِى حَلَّتْ) أَىْ وَقَعَتْ (فِيهِ نَجَاسَةٌ) غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا كَبَوْلٍ (وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ) كَثِيرًا أَىْ (قُلَّتَيْنِ) فَأَكْثَرَ (فَتَغَيَّرَ) بِالنَّجَاسَةِ أَمَّا إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ. وَمِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ مَا يَمْلَأُ حُفْرَةً مُرَبَّعَةً طُولُهَا ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ وَكَذَلِكَ عَرْضُهَا وَعُمْقُهَا وَهُمَا نَحْوُ مِائَتَىْ لِيتْرٍ.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَمَا لا يَطْهُرُ.

     (وَجُلُودُ الْمَيْتَةِ) كُلُّهَا (تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ إِلَّا جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ. وَالْمَيْتَةُ كُلُّ حَيَوَانٍ زَالَتْ حَيَاتُهُ إِلَّا الْمَأْكُولَ الْمُذَكَّى. وَيُدْبَغُ الْجِلْدُ بِشَىْءٍ حِرِّيفٍ أَىْ لَذَّاعٍ طَاهِرٍ كَعَفْصٍ أَوْ نَجِسٍ كَذَرْقِ الْحَمَامِ فَتُزَالُ بِهِ فُضُولُ الْجِلْدِ مِمَّا يُعَفِّنُهُ مِنْ دَمٍ وَلَحْمٍ وَصُوفٍ وَشَعَرٍ. (وَعَظْمُ الْمَيْتَةِ) وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا وَظِلْفُهَا أَىْ أَسْفَلُ رِجْلِهَا (وَشَعَرُهَا نَجِسٌ إِلَّا الآدَمِىَّ) فَإِنَّ شَعَرَهُ طَاهِرٌ كَمَيْتَتِهِ.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مِنَ الأَوَانِى.

     (وَلا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) فِى أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِمَا مِنَ الأَوَانِى) أَىْ أَوَانِى غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ كَانَتْ نَفِيسَةً كَإِنَاءِ يَاقُوتٍ. وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَىِ اقْتِنَاءُ أَوَانِيهِمَا بِلا اسْتِعْمَالٍ.

     (فَصْلٌ) فِى السِّوَاكِ وَهُوَ مَا يُسْتَاكُ بِهِ مِنْ أَرَاكٍ وَنَحْوِهِ.

     (وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ فِى كُلِّ حَالٍ) لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلا يُكْرَهُ (إِلَّا بَعْدَ الـزَّوَالِ لِلصَّائِمِ) أَىْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَثَبَتَ فِى حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَاكَ بَعْدَ الظُّهْرِ وَهُوَ صَائِمٌ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ حَتَّى فِى هَذِهِ الْحَالِ (وَهُوَ فِى ثَلاثَةِ مَوِاضِعَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا) مِنْ غَيْرِهَا وَهِىَ (عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ مِنْ أَزْمٍ) أَىْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ (وَغَيْرِهِ) كَأَكْلِ ذِى رِيحٍ كَرِيهٍ (وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الـنَّوْمِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاةِ) وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِى مَوَاضِعَ أُخْرَى كَالْوُضُوءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ. وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِيَمِينِهِ وَيَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الأَيْمَنِ مِنْ فَمِهِ إِلَى نِصْفِهِ ثُمَّ مِنَ الْجَانِبِ الأَيْسَرِ إِلَى نِصْفِهِ وَأَنْ يُمِرَّهُ عَلَى سَقْفِ حَلْقِهِ إِمْرَارًا لَطِيفًا وَعَلَى كَرَاسِىِّ أَضْرَاسِهِ. وَمِنْ فَوَائِدِ السِّوَاكِ أَنَّهُ يُطَهِّرُ الْفَمَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُضَاعِفُ الأَجْرَ وَيُبَيِّضُ الأَسْنَانَ وَيُسَاعِدُ فِى إِخْرَاجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا وَيُذَكِّرُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيُسَاعِدُ عَلَى خُرُوجِ الرُّوحِ وَيُقَوِّى الذَّكَاءَ وَالْبَصَرَ وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ الرِّزْقِ بِإِذْنِ اللَّهِ.

     (فَصْلٌ) فِى فُرُوضِ الْوُضُوءِ.

     الْوُضُوءُ هُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِى أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِالنِّيَّةِ. (وَفُرُوضُ الْوُضُوْءِ سِتَّةٌ الـنِّيَّةُ) عِنْدَ غَسْلِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ (وَغَسْلُ الْوَجْهِ) أَىْ ظَاهِرِهِ وَحَدُّهُ طُولًا مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ عِنْدَ غَالِبِ النَّاسِ إِلَى الذَّقَنِ وَمِنْ وَتِدِ الأُذُنِ إِلَى وَتِدِ الأُذُنِ عَرْضًا (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) وَمَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَأَظَافِرَ (وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ) وَلَوْ شَعْرَةً فِى حَدِّهِ (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) أَىِ الْقَدَمَيْنِ (مَعَ الْكَعْبَيْنِ) وَمَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَأَظَافِرَ وَشُقُوقٍ (وَالتَّرْتِيبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) أَىْ تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى ذَكَرْنَاهُ.

     (وَسُنَنُهُ) أَىِ الْوُضُوءِ (عَشْرُ خِصَالٍ الـتَّسْمِيَةُ) أَوَّلَهُ أَىْ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ) إِلَى الْكُوعَيْنِ أَمَّا إِذَا تَرَدَّدَ فِى طُهْرِهِمَا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهُمَا ثَلاثًا (قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ) الَّذِى فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ) وَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِثَلاثِ غُرَفٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ (وَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ) أَىْ مَسْحُ الـرَّأْسِ كُلِّهِ (وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وبَاطِنِهِمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ) بِأَنْ يُمِرَّ سَبَّابَتَيْهِ عَلَى مَعَاطِفِ الأُذُنَيْنِ وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَيُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِى صِمَاخَيْهِ وَهُمَا خَرْقَا الأُذُنَيْنِ وَيُلْصِقَ كَفَّيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِهِمَا (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ) أَىِ الْكَثِيفَةِ بِإِدْخَالِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ مِنْ أَسْفَلِهَا (وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ) بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهَا فِى كُلِّ غَسْلَةٍ (وَ)تَخْلِيلُ أَصَابِعِ (الـرِّجْلَيْنِ) بِخِنْصِرِ الْيَدِ الْيُسْرَى (وَتَقْديِمُ الْيُمْنَى) مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (عَلَى الْيُسْرى وَالطَّهَارَةُ ثَلاثًا ثَلاثًا وَالْمُوَالاةُ) أَىْ غَسْلُ الْعُضْوِ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ الْعُضْوُ الَّذِى قَبْلَهُ.

     (فَصْلٌ) فِى الِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنِ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ بَعْدَ نَحْوِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.

     (وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ مِنْ) خُرُوجِ (الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) بِالْمَاءِ إِلَى أَنْ يَطْهُرَ الْمَحَلُّ أَوْ بِمَسْحِهِ ثَلاثَ مَسَحَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى أَنْ يَنْقَى الْمَحَلُّ وَإِنْ بَقِىَ الأَثَرُ بِقَالِعٍ طَاهِرٍ جَامِدٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ كَحَجَرٍ أَوْ مِنْدِيلِ وَرَقٍ أَوْ قُمَاشٍ. (وَالأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَنْجِىَ) أَوَّلًا (بِالأَحْجَارِ) حَتَّى لا يُبَاشِرَ عَيْنَ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ (ثُمَّ يُتْبِعَهَا بِالْمَاءِ) لِيُزِيلَ الأَثَرَ وَلا كَرَاهَةَ إِذَا اسْتَنْجَى بِالأَحْجَارِ فَقَطْ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى. (وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ) الْمُسْتَنْجِى (عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ يُنْقِى بِهِنَّ الْمَحَلَّ) فَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ زِيدَ عَلَيْهَا (فَإِذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالأَثَرَ.

     (وَ)عَلَى مُرِيدِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ (يَجْتَنِبَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا فِى الصَّحْرَاءِ) أَىْ فِى الْبَرِّيَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ سَاتِرٌ مُرْتَفِعٌ قَدْرَ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ وَقَرِيبٌ مِنْهُ ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ. (وَ)يَنْبَغِى أَنْ يَجْتَنِبَ (الْبَوْلَ) وَالْغَائِطَ (فِى الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَتَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ وَفِى الطَّرِيقِ) الْمَسْلُوكِ لِلنَّاسِ (وَ)فِى مَوْضِعِ (الظِّلِّ) صَيْفًا وَمَوْضِعِ الشَّمْسِ شِتَاءً (وَ)فِى (الـثُّقْبِ) فِى الأَرْضِ.

     (وَلا) يَنْبَغِى أَنْ (يَتَكَلَّمَ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) أَىْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ حَالَ خُرُوجِ الْبَوْلِ أَوِ الْغَائِطِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَلا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَلا يَسْتَدْبِرَهُمَا) لِأَنَّهُ خِلافُ الأَوْلَى.

     (فَصْلٌ) فِى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.

     (وَالَّذِى يَنْقُضُ الْوُضُوْءَ) أَىْ يُبْطِلُهُ (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مَا خَرَجَ مِنْ) أَحَدِ (السَّبِيلَيْنِ) الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ مُعْتَادًا كَانَ الْخَارِجُ كَبَوْلٍ أَوْ نَادِرًا كَدَمٍ نَجِسًا كَانَ كَمَذْىٍ أَوْ طَاهِرًا كَدُودٍ إِلَّا الْمَنِىَّ فَإِنَّ خُرُوجَهُ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ (وَالـنَّوْمُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُتَمَكِّنِ) أَمَّا نَوْمُ قَاعِدٍ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنْ مَقَرِّهِ كَأَرْضٍ أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ فَلا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. (وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ جُنُونٍ) أَوْ إِغْمَاءٍ (وَلَمْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) أَىْ لَمْسُ بَشَرَةِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ الَّتِى تُشْتَهَى وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَالِغَةً. وَالْمُرَادُ بِالْمَحْرَمِ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَجْلِ نَسَبٍ كَالأُمِّ أَوْ رَضَاعٍ كَالأُخْتِ مِنَ الرَّضَاعِ أَوْ مُصَاهَرَةٍ كَأُمِّ الزَّوْجَةِ. (وَمَسُّ فَرْجِ الآدَمِىِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا (بِبَاطِنِ الْكَفِّ) بِلا حَائِلٍ (وَ)كَذَا يَنْقُضُ (مَسُّ حَلْقَةِ دُبُرِهِ). وَلا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وُقُوعُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْبَدَنِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ.

     (فَصْلٌ) فِى مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ.

     وَالْغُسْلُ هُوَ سَيَلانُ الْمَاءِ عَلَى جَـمِيعِ الْبَدَنِ بِنِيَّةٍ مَـخْصُوصَةٍ (وَالَّذِى يُوجِبُ الْغُسْلَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ ثَلاثَةٌ تَشْتَرِكُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالـنِّسَاءُ وَهِىَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) أَىْ مَوْضِعِ خِتَانِ الرَّجُلِ وَمَوْضِعِ خِتَانِ الْمَرْأَةِ أَىْ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ وَهِىَ رَأْسِ الذَّكَرِ وَلَيْسَ مُجَرَّدَ اللَّمْسِ بِدُونِ إِدْخَالٍ (وَإِنْزَالُ الْمَنِىِّ) أَىْ خُرُوجُ الْمَنِىِّ فِى نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ كَتَفْكِيرٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ (وَالْمَوتُ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَكُنْ شَهِيدَ مَعْرَكَةٍ (وَثَلاثَةٌ) أُخْرَى تُوجِبُ الْغُسْلَ (تَخْتَصُّ بِهَا الـنِّسَاءُ وَهِىَ الْحَيْضُ) وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ (وَالـنِّفَاسُ) وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَلَدِ وَأَقَلُّهُ قَدْرُ بَزْقَةٍ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا وَغَالِبُهُ أَرْبَعُونَ وَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ مِنَ النِّفَاسِ هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ (وَالْوِلادَةُ) بِلا بَلَلٍ أَىْ مِنْ غَيْرِ خُرُوجِ دَمٍ.

     (فَصْلٌ) فِى فُرُوضِ الْغُسْلِ.

     (وَفَرَائِضُ الْغُسْلِ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ الـنِّيَّةُ) أَىْ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الأَكْبَرِ أَوْ نَحْوُهَا مِنَ النِّيَّاتِ الْمُجْزِئَةِ كَأَنْ يَنْوِىَ فَرْضَ الْغُسْلِ أَوِ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ (وَإِزَالَةُ الـنَّجَاسَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ) وَرَجَّحَ النَّوَوِىُّ الِاكْتِفَاءَ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ عَنِ الْحَدَثِ وَعَنِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَكَذَا الْعَيْنِيَّةِ الَّتِى تُزَالُ عَيْنُهَا وَأَوْصَافُهَا بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الشَّعَرِ) ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ (وَ)إِلَى ظَاهِرِ (الْبَشَرَةِ) وَلا يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى دَاخِلِ الْعَيْنِ وَالْفَمِ وَالأَنْفِ.

     (وَسُنَنُهُ) أَىِ الْغُسْلِ (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الـتَّسْمِيَةُ) أَوَّلَهُ أَىْ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ (وَالْوُضُوءُ قَبْلَهَ) أَوْ بَعْدَهُ يَنْوِى بِهِ الْمُغْتَسِلُ سُنَّةَ الْغُسْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ وَإِلَّا نَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ (وَ)الدَّلْكُ وَهُوَ (إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى) مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ مِنَ (الْجَسَدِ وَتَقْديِمُ الْيُمْنَى) مِنْ جِهَتَىْ بَدَنِهِ (عَلَى الْيُسْرَى) فَيَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ ثُمَّ مَا أَدْبَرَ مِنْهُ ثُمَّ شِقَّهَ الأَيْسَرَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ ثُمَّ مَا أَدْبَرَ مِنْهُ.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ الِاغْتِسَالاتِ الْمَسْنُونَةِ.

     (وَالِاغْتِسَالاتُ الْمَسْنُونَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ) غُسْلًا (غُسْلُ الْجُمُعَةِ) لِمَنْ يَقْصِدُ حُضُورَهَا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَطْعِ الرَّائِحَةِ لِأَنْ لَّا يُؤْذِىَ بِهَا مَنْ يُجَاوِرُهُ وَوَقْتُهُ مِنَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَتَرْكُهُ بِلا عُذْرٍ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً (وَ)غُسْلُ (الْعِيدَيْنِ) الْفِطْرِ وَالأَضْحَى وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ (وَالِاسْتِسْقَاءِ) أَىْ طَلَبِ السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ أَوْ قِلَّتِهِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِإِرَادَةِ الصَّلاةِ لِمَنْ يُصَلِّيهَا مُنْفَرِدًا وَبِإِرَادَةِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا لِمَنْ يُصَلِّيهَا جَمَاعَةً (وَالْخُسُوفِ) لِلْقَمَرِ (وَالْكُسُوفِ) لِلشَّمْسِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِأَوَّلِهِمَا (وَالْغُسْلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا (وَ)غُسْلُ (الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ) إِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ حَالَ كُفْرِهِ وَإِلَّا وَجَبَ (وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا) إِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ (وَالْغُسْلُ عِنْدَ الإِحْرَامِ) أَىْ قَبْلَهُ لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) لِمُحْرِمٍ وَحَلالٍ (وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) فِى التَّاسِعِ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْفَجْرِ وَلِلْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فِى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ الْمَبِيتِ بِهَا فِى لَيْلَةِ الْعِيدِ (وَ)أَمَّا الْغُسْلُ (لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ) نَفْسِهِ فَلا يُسَنُّ وَالْقَوْلُ بِسُنِّيَّتِهِ ضَعِيفٌ (وَ)يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِرَمْىِ الْجِمَارِ الـثَّلاثِ) فِى كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْفَجْرِ (وَ)أَمَّا الْغُسْلُ (لِلطَّوَافِ) أَىْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ فَلا يُعَدُّ مَسْنُونًا عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ (وَ)يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِدُخُولِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ) وَتُوجَدُ اغْتِسَالاتٌ مَسْنُونَةٌ أُخْرَى تَرَكَهَا صَاحِبُ الْمَتْنِ.

     (فَصْلٌ) فِى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.

     (وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ) فِى الْوُضُوءِ لا فِى الْغُسْلِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ (بِثَلاثَةِ شَرَائِطَ) وَهِىَ (أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) أَىْ بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا (وَأَنْ يَكُونَا سَاتِرَيْنِ لِمَحَلِّ الْغَسْلِ مِنَ القَدَمَيْنِ) مَعَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ غَيْرِ الأَعْلَى فَلَوْ كَانَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ لا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا. وَالْمُرَادُ بِالسَّاتِرِ الَّذِى يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ لا مَانِعُ الرُّؤْيَةِ (وَأَنْ يَكُونَا مِمَّا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْىِ عَلَيْهِمَا) أَىْ أَنْ يَكُونَا قَوِيَّيْـنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْىِ عَلَيْهِمَا لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ فِى حَوَائِجِهِ. وَيُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُمَا فَلا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ نَجِسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ. (وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ) سَفَرَ قَصْرٍ (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ) الْمُتَّصِلَةِ بِهِنَّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ أَمْ تَأَخَّرَتْ وَالْعَاصِى بِسَفَرِهِ كَالْمُقِيمِ. (وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ) تُحْسَبُ (مِنْ حِينِ يُحْدِثُ) أَىْ مِنَ انْقِضَاءِ الْحَدَثِ (بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ) لا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ أَوِ الْمَسْحِ (فَإِنْ مَسَحَ فِى الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ) قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِىَ مُدَّةُ الْحَضَرِ (أَوْ مَسَحَ فِى السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ) أَىْ رَجَعَ إِلَى مَحَلِّ إِقَامَتِهِ قَبْلَ مُضِىِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ).

     (وَيَبْطُلُ الْمَسْحُ) عَلَى الْخُفَّيْنِ (بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ بِخَلْعِهِمَا) أَوْ خَلْعِ أَحَدِهِمَا أَوْ خُرُوجِ الْخُفِّ عَنْ صَلاحِيَةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ كَتَخَرُّقِهِ (وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ) أَىْ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَهِىَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ وَثَلاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ (وَ)طُرُوءِ (مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ) كَجَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ.

     (فَصْلٌ) فِى التَّيَمُّمِ.

     التَّيَمُّمُ هُوَ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةِ مَخْصُوصَةٍ (وَشَرَائِطُ) جَوَازِ (الـتَّيَمُّمِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) وَفِى نُسْخَةٍ (خَمْسُ خِصَالٍ) أَحَدُهَا (وُجُودُ الْعُذْرِ) كَفَقْدِ الْمَاءِ (بِسَفَرٍ) أَوْ حَضَرٍ أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِسَبَبِ (مَرَضٍ وَ)الثَّانِى (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلاةِ) فَلا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا (وَ)الثَّالِثُ (طَلَبُ الْمَاءِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ وَلا مَعَ رُفْقَتِهِ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فِى حَدِّ الْقُرْبِ فَيُعَدُّ فَاقِدًا لِلْمَاءِ حِسًّا وَحَدُّ الْقُرْبِ قُدِّرَ بِنَحْوِ نِصْفِ فَرْسَخٍ وَهُوَ مَسَافَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ مِتْرٍ تَقْرِيبًا. أَمَّا إِنْ عَلِمَ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِى حَدِّ الْقُرْبِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فَلا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ فِى حَدِّ الْغَوْثِ وَهُوَ مَسَافَةُ ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ. فَإِنْ كَانَ فِى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ يَنْظُرُ فِى الْجِهَاتِ الأَرْبَعِ وَإِلَّا يَتَرَدَّدُ فِى هَذِهِ الْجِهَاتِ إِلَى مَسَافَةِ ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ. فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَبْعُدُ عَنْهُ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ فَلا يَجِبُ طَلَبُهُ وَيَصِحُّ تَيَمُّمُهُ. (وَ)الرَّابِعُ (تَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِهِ) كَأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ أَوْ عَدُوٌّ (وَ)يُوجَدُ فِى بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ زِيَادَةٌ وَهِىَ (إِعْوَازُهُ بَعْدَ الطَّلَبِ) أَىِ احْتِيَاجُهُ إِلَيْهِ كَأَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِشُرْبِهِ أَوْ لِشُرْبِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ وَهُوَ الَّذِى لا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْحِصَانِ (وَ)الْخَامِسُ (الـتُّرَابُ الطَّاهِرُ) أَىِ الطَّهُورُ (الَّذِى لَهُ غُبَارٌ) يَعْلَقُ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ (فَإِنْ خَالَطَهُ جِصٌّ أَوْ رَمْلٌ) لا غُبَارَ لَهُ (لَمْ يُجْزِ) التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ التُّرَابِ إِلَى الْعُضْوِ.

     (وَفَرَائِضُهُ) أَىْ فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) وَفِى بَعْضِ النُّسَخِ (أَرْبَعُ خِصَالٍ الـنِّيَّةُ) أَىْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ فَرْضِ الصَّلاةِ لا التَّيَمُّمِ (وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) وَتَجِبُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ (وَالـتَّرْتِيبُ) فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَسْحِ الْوَجْهِ عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ.

     (وَسُنَنُهُ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ الـتَّسْمِيَةُ وتَقْدِيمُ الْـيُمْنَى) مِنَ الْيَدَيْنِ (عَلَى الْيُسْرَى وَالْمُوَالاةُ) أَىْ بِتَقْدِيرِ التُّرَابِ مَاءً. (وَالَّذِى يُبْطِلُ الـتَّيَمُّمَ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ) وَهُوَ الْحَدَثُ (وَرُؤْيَةُ الْمَاءِ فِى غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ) فَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِى الصَّلاةِ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ أَمَّا لَوْ رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِى الصَّلاةِ فَإِنْ كَانَ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فِى مَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَإِلَّا فَلا (وَالرِّدَّةُ) وَهِىَ الْكُفْرُ.

     (وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ) جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهُوَ مَنْ وَضَعَ سَاتِرًا عَلَى مَوْضِعِ الْعِلَّةِ وَكَانَ يَضُرُّهُ رَفْعُهُ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ إِمَّا بِزِيَادَةِ الْمَرَضِ أَوْ بِتَأَخُّرِ الشِّفَاءِ يَغْسِلُ الصَّحِيحَ وَ(يَمْسَحُ عَلَيْهَا) بِالْمَاءِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الْمَوْضِعِ الصَّحِيحِ الَّذِى مَنَعَتِ الْجَبِيرَةُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَيْهِ (وَيَتَيَمَّمُ) بِالتُّرَابِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الْمَوْضِعِ الْعَلِيلِ (وَيُصَلِّى وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) أَىْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلاةِ (إِنْ كَانَ وَضَعَهَا) أَىِ الْجَبِيرَةَ (عَلَى طُهْرٍ) فِى غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ كَالرِّجْلِ أَمَّا إِنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ وَأَمَّا إِنْ وَضَعَهَا عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ كَالْيَدِ فَيَجِبُ إِعَادَةُ الصَّلاةِ بَعْدَ إِزَالَتِهَا. (وَيَتَيَّمَمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ وَيُصَلِّى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ الـنَّوَافِلِ).

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ النَّجَاسَاتِ وَإِزَالَتِهَا. وَالنَّجَاسَةُ هِىَ كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَعَ سُهُولَةِ تَمْيِيزِهَا لا لِحُرْمَتِهَا كَمَيْتَةِ ءَادَمِىٍّ وَلا لِاسْتِقْذَارِهَا كَمَنِىٍّ وَلا لِضَرَرِهَا فِى بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ كَسُمٍّ وَنَبَاتٍ مُضِرٍّ.

     (وَكُلُّ مَائِعٍ خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ) أَىِ الْخَارِجُ الرَّطْبُ مِنَ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ كَبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ أَوْ مَذْىٍ أَوْ وَدْىٍ (نَجِسٌ إِلَّا الْمَنِىَّ) مِنْ ءَادَمِىٍّ أَوْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ.

     (وَغَسْلُ جَمِيعِ الأَبْوَالِ وَالأَرْوَاثِ وَاجِبٌ) فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً وَهِىَ الَّتِى يُدْرَكُ لَهَا لَوْنٌ أَوْ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ كَنُقْطَةِ دَمٍ عَلَى ثَوْبٍ فَتُزَالُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ يَذْهَبَ حَجْمُهَا وَأَوْصَافُهَا أَمَّا إِنْ كَانَتْ حُكْمِيَّةً وَهِىَ الَّتِى لا يُدْرَكُ لَهَا لَوْنٌ أَوْ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ كَبَوْلٍ جَفَّ وَذَهَبَتْ أَوْصَافُهُ فَتُزَالُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (إِلَّا بَوْلَ الصَّبِىِّ) الذَّكَرِ (الَّذِى) لَهُ مِنَ الْعُمُرِ دُونَ السَّنَتَيْنِ وَ(لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ) إِلَّا اللَّبَنَ أَىِ الْحَلِيبَ (فَإِنَّهُ يَطْهُرُ) مَوْضِعُهُ (بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) بِحَيْثُ يَعُمُّهُ الْمَاءُ وَيَغْمُرُهُ (وَلا يُعْفَى عَنْ شَىْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا الْيَسِيرَ مِنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ) فَيُعْفَى عَنْهُمَا فِى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ (وَ)كَذَلِكَ (مَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ الَّذِى لا يَسِيلُ دَمُهُ عِنْدَ شَقِّ عُضْوٍ مِنْهُ كَذُبَابٍ وَنَمْلٍ (إِذَا وَقَعَ فِى الإِنَاءِ وَمَاتَ فِيهِ فَإِنَّهُ لا يُنَجِّسُهُ).

     (وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ إِلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا) مَعَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ (وَالْمَيْتَةُ) وَهِىَ كُلُّ حَيَوَانٍ زَالَتْ حَيَاتُهُ إِلَّا الْمَأْكُولَ الْمُذَكَّى (كُلُّهَا نَجِسَةٌ إِلَّا) مَيْتَةَ (السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَالآدَمِىِّ) فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ.

     (وَيُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) بِمَاءٍ طَهُورٍ (إِحْدَاهُنَّ) مَمْزُوجَةٌ (بِالتُّرَابِ) الطَّهُورِ بِحَيْثُ يَتَكَدَّرُ بِهِ الْمَاءُ وَالْغَسَلاتُ الَّتِى تُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَأَوْصَافَهَا تُعَدُّ غَسْلَةً وَاحِدَةً (وَيُغْسَلُ) الإِنَاءُ (مِنْ سَائِرِ) أَىْ بَاقِى (النَّجَاسَاتِ مَرَّةً تَأْتِى عَلَيْهِ) أَىْ تَعَمُّهُ (وَالثَّلاثُ أَوْلَى) مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاحِدَةِ.

     (وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرُ) الْمُتَّخَذَةُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ (بِنَفْسِهَا) أَىْ صَارَتْ خَلًّا (طَهُرَتْ وَإِنْ تَخَلَّلَتْ بِطَرْحِ شَىْءٍ فِيهَا لَمْ تَطْهُرْ) لِأَنَّ الْخَلَّ يَتَنَجَّسُ عِنْدَئِذٍ بِالْمَطْرُوحِ الَّذِى كَانَ تَنَجَّسَ بِالْخَمْرِ.

     (فَصْلٌ) فِى الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ.

     (وَيَخْرُجُ مِنَ الْفَرْجِ) أَىْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ (ثَلاثَةُ دِمَاءٍ) دَمُ (الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ فَالْحَيْضُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ) مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ (عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْوِلادَةِ وَلَوْنُهُ أَسْوَدُ مُحْتَدِمٌ لَذَّاعٌ) وَالْمُرَادُ أَنَّ الأَسْوَدَ مِنْ أَلْوَانِهِ وَالْمُحْتَدِمُ هُوَ الَّذِى اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ فَصَارَ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ وَاللَّذَّاعُ هُوَ الْمُؤْلِمُ (وَالنِّفَاسُ هَوَ) الدَّمُ (الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلادَةِ) أَىْ عَقِبَ فَرَاغِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ (وَالِاسْتِحَاضَةُ) أَىْ دَمُهَا (هُوَ) الدَّمُ (الْخَارِجُ فِى غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ والنِّفَاسِ).

     (وَأَقَلُّ) مُدَّةِ (الْحَيْضِ) زَمَنًا (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيهَا (وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَحْظَةٌ) أَىْ زَمَنٌ يَسِيرٌ (وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا) بِلَيَالِيهَا وَغَالِبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ) الْفَاصِلِ (بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ).

     (وَأَقَلُّ زَمَنٍ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ) قَمَرِيَّةٍ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَأَقَلُّ الْحَمْلِ) زَمَنًا (سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَغَالِبُهُ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ).

     (وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ) وَالنُّفَسَاءِ (ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ) فَرْضًا كَانَا أَوْ نَفْلًا (وَقِرَاءَةُ) شَىْءٍ مِنَ (القُرءَانِ) بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ لا بِقَصْدِ الذِّكْرِ (وَمَسُّ الْمُصْحَفِ) أَىْ مَسُّ وَرَقِهِ وَجِلْدِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَحَوَاشِيهِ (وَحَمْلُهُ) وَلَوْ بِحَائِلٍ كَالْحَقِيبَةِ (وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ) أَىِ الْمُكْثُ وَالتَّرَدُّدُ فِيهِ (وَالطَّوَافُ) بِالْكَعْبَةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (وَالْوَطْءُ) أَىْ تَمْكِينُ الزَّوْجِ مِنَ الْجِمَاعِ وَلَوْ بِحَائِلٍ (وَ)تَمْكِينُهُ مِنَ (الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) بِلا حَائِلٍ.

     (وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الصَّلاةُ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (وَقِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ) سِرًّا أَوْ جَهْرًا أَمَّا إِذَا أَجْرَاهُ عَلَى قَلْبِهِ فَهَذَا جَائِزٌ لَيْسَ حَرَامًا (وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَالطَّوَافُ) بِالْكَعْبَةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (وَاللُّبْثُ فِى الْمَسْجِدِ) أَىِ الْمُكْثُ فِيهِ وَكَذَا التَّرَدُّدُ.

     (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ) حَدَثًا أَصْغَرَ (ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ الصَّلاةُ وَالطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ) وَيُمَكَّنُ الصَّبِىُّ الْمُمَيِّزُ مِنْ مَسِّهِ وَحَمْلِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لِلدِّرَاسَةِ وَالتَّعَلُّمِ فِيهِ لِنَفْسِهِ.

 

(كِتَابُ الصَّلاةِ)

 

     الصَّلاةُ هِىَ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ (وَالصَّلاةُ الْمَفْرُوضَةُ خَمْسٌ) لِحَدِيثِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ وَهِىَ (الظُّهْرُ) أَىْ صَلاتُهُ (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ) أَىْ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِمَيْلِ الظِّلِّ عَنْ خَطِّ الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَءَاخِرُهُ) أَىْ ءَاخِرُ وَقْتِهِ (إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ) أَىْ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ بِقَدْرِ طُولِ الشَّىْءِ غَيْرَ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ إِنْ وُجِدَ. وَظِلُّ الِاسْتِوَاءِ هُوَ ظِلُّ الشَّىْءِ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ فِى وَسَطِ السَّمَاءِ.

     (وَالْعَصْرُ) أَىْ صَلاتُهُ (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا) بِإِنْتِهَاءِ وَقْتِ الظُّهْرِ أَىْ بِحُصُولِ (الزِّيَادَة عَلَى ظِلِّ الْمِثْلِ) أَىْ إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّىْءِ مِثْلَهُ زِيَادَةً عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ. وَلِلْعَصْرِ خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ وَهُوَ أَدَائُهَا فِى أَوَّلِ وَقْتِهَا وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ وَأَشَارَ لَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ (وَءَاخِرُهُ فِى الِاخْتِيَارِ إِلَى ظِلِّ الْمِثْلَيْنِ) أَىْ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّىْءِ مِثْلَيْهِ غَيْرَ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ وَوَقْتُ الْجَوَازِ بِلا كَرَاهَةٍ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ وَهُوَ مِنَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ فَقَطْ وَقَدْ جَمَعَ الْمُؤَلِّفُ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فِى قَوْلِهِ (وَفِى الْجَوَازِ) إِلَى اقْتِرَابِ (غُرُوبِ الشَّمْسِ) بِحَيْثُ يَسَعُ الصَّلاةَ فَقَطْ وَوَقْتُ تَحْرِيمٍ وَهُوَ مَا بَعْدَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَىْ بِحَيْثُ لا يَكْفِى الْوَقْتُ لِإِدْرَاكِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ.

     (وَالْمَغْرِبُ) أَىْ صَلاتُهُ (وَوَقْتُهَا وَاحِدٌ) لَيْسَ فِيهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ وَكَرَاهَةٍ (وَهُوَ غُرُوبُ) كَامِلِ قُرْصِ (الشَّمْسِ) وَيُعْرَفُ غُرُوبُهَا إِذَا حَالَ حَائِلٌ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ عَنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالأَبْنِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ وَإِقْبَالِ الْعَتَمَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَ)يَمْتَدُّ وَقْتُهَا (بِمِقْدَارِ مَا يُؤَذِّنُ وَيَتَوَضَّأُ) أَوْ يَتَيَمَّمُ (وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَيُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُصَلِّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ) الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ فَإِنِ انْقَضَى الْمِقْدَارُ الْمَذْكُورُ خَرَجَ وَقْتُهَا عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ أَمَّا الرَّاجِحُ فَهُوَ أَنَّ وَقْتَهَا يَمْتَدُّ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ.

     (وَالْعِشَاءُ) أَىْ صَلاتُهُ (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا غَابَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ) أَمَّا الْبَلَدُ الَّذِى لا يَغِيبُ فِيهِ الشَّفَقُ فَوَقْتُ الْعِشَاءِ فِى حَقِّ أَهْلِهِ أَنْ يَمْضِىَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ زَمَنٌ يَغِيبُ فِيهِ شَفَقُ أَقْرَبِ الْبِلادِ إِلَيْهِمْ. وَلِلْعِشَاءِ وَقْتَانِ الأَوَّلُ اخْتِيَارٌ وَأَشَارَ لَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ (وَءَاخِرُهُ فِى الِاخْتِيَارِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) وَالثَّانِى جَوَازٌ وَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَفِى الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى) أَىِ الصَّادِقِ وَهُوَ  بَيَاضٌ مُعْتَرِضٌ فِى الأُفُقِ الشَّرْقِىِّ يَكُونُ فِى أَوَّلِهِ حُمْرَةٌ تَشْتَدُّ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.

     (وَالصُّبْحُ) أَىْ صَلاتُهُ (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِى) أَىِ الصَّادِقِ. وَلِلصُّبْحِ خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ أَىْ أَحْسَنُ وَقْتٍ تُصَلَّى فِيهِ الصُّبْحُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِهَا وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ أَىْ ثَوَابُ الصَّلاةِ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا بَعْدَهُ وَأَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَءَاخِرُهُ فِى الِاخْتِيَارِ إِلَى الإِسْفَارِ) أَىِ الإِضَاءَةِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ النَّاظِرُ الْقَرِيبَ مِنْهُ وَوَقْتُ جَوَازٍ وَأَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَفِى الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَىْ وَقْتُ جَوَازٍ بِلا كَرَاهَةٍ إِلَى اشْتِدَادِ الْحُمْرَةِ وَمِنْهُ بِكَرَاهَةٍ إِلَى أَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ فَقَطْ وَهَذَا قَبْلَ الشُّرُوقِ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا وَوَقْتُ تَحْرِيمٍ وَهُوَ الَّذِى لا يَسَعُ الصَّلاةَ.

     (فَصْلٌ) فِى شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلاةِ.

     (وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ الإِسْلامُ) فَلا تَجِبُ الصَّلاةُ عَلَى الْكَافِرِ الأَصْلِىِّ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ فِى الدُّنْيَا أَىْ لا يُؤْمَرُ بِأَدَائِهَا فِى الدُّنْيَا لَكِنْ يُعَاقَبُ فِى الآخِرَةِ عَلَى تَرْكِهَا كَمَا يُعَاقَبُ عَلَى كُفْرِهِ وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إِذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِى الإِسْلامِ أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ (وَالْبُلُوغُ) فَلا تَجِبُ عَلَى الصَّبِىِّ لَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْوَلِىِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهَا بَعْدَ تَمَامِ سَبْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ عَلَى الْفَوْرِ إِنْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ (وَالْعَقْلُ) فَلا تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ (وَهُوَ حَدُّ التَّكْلِيفِ) أَىْ مَدَارُ التَّكْلِيفِ بِالصَّلاةِ عَلَى هَذِهِ الثَّلاثَةِ وَشَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَلا تَجِبُ الصَّلاةُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ.

     (وَالصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَاتُ) الَّتِى تُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ (خَمْسٌ الْعِيدَانِ) أَىْ صَلاةُ عِيدِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى (وَالْكُسُوفَانِ) أَىْ صَلاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ (وَ)صَلاةُ (الِاسْتِسْقَاءِ)  عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ أَوْ قِلَّتِهِ. وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِى التَّرَاوِيحِ فِى رَمَضَانَ.

     (وَالصَّلَوَاتُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ) أَىِ الرَّوَاتِبُ (سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَكْعَتَا الْفَجْرِ) وَهِىَ رَاتِبَةُ الصَّبْحِ وَتُصَلَّى قَبْلَ الْفَرْضِ وَرَاتِبَةُ الظُّهْرِ (وَ)هِىَ (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ) وَيُسَنُّ زِيَادَةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِىِّ مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ (وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَثَلاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) يَنْوِى بِالرَّكْعَتَيْنِ رَاتِبَةَ الْعِشَاءِ وَبِالْوَاحِدَةِ الْوِتْرَ. وَأَقَلُّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ وَلا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ.

      (وَثَلاثُ نَوَافِلَ) غَيْرُ تَابِعَةٍ لِلْفَرَائِضِ (مُؤَكَّدَاتٌ) أَىْ أَكَّدَ الشَّرْعُ فِعْلَهَا وَهِىَ (صَلاةُ اللَّيْلِ) وَيُقَالُ لَهَا التَّهَجُّدُ وَهِىَ أَفْضَلُ صَلاةٍ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ يُصَلِّيهَا الْمُؤْمِنُ بَعْدَ نَوْمٍ وَالأَفْضَلُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ يَنْوِى بِهِمَا قِيَامَ اللَّيْلِ (وَصَلاةُ الضُّحَى) وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا ثَمَانِيَةٌ عِنْدَ الأَكْثَرِ يَنْوِى بِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الضُّحَى وَوَقْتُهَا مِنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ أَىْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ (وَصَلاةُ التَّرَاوِيحِ) وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَهِىَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ يَنْوِى بِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا سُنَّةَ التَّرَاوِيحِ أَمَّا قِيَامُ رَمَضَانَ فَهِىَ ثَمَانُ رَكَعَاتٍ يَنْوِى بِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا قِيَامَ رَمَضَانَ وَيُوتِرُ بَعْدَهَا بِثَلاثٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ تَهَجُّدٌ يُصَلِّيهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ فَيَجْعَلُ الْوِتْرَ بَعْدَهُ.

     (فَصْلٌ) فِى شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ. وَالشَّرْطُ هُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعَمَلِ وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ.

     (وَشَرَائِطُ الصَّلاةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا خَمْسَةُ أَشْيَاءَ طَهَارَةُ الأَعْضَاءِ مِنَ الْحَدَثِ) الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ وَالطَّهَارَةُ عَنِ (النَّجَسِ) الَّذِى لا يُعْفَى عَنْهُ فِى الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَحْمُولِ (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ بِلِبَاسٍ طَاهِرٍ) أَىْ بِمَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ وَالشَّعَرِ. وَعَوْرَةُ الذَّكَرِ فِى الصَّلاةِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَعَوْرَةُ الأُنْثَى الْحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ (وَالْوُقُوفُ عَلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ) أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُ بَدَنِ الْمُصَلِّى أَوْ لِبَاسِهِ يُلاقِى نَجَاسَةً فِى قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَلا تَصِحُّ صَلاتُهُ (وَالْعِلْمُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ) أَىْ وَقْتِ الصَّلاةِ إِمَّا يَقِينًا بِالْمُرَاقَبَةِ الْعِيَانِيَّةِ وَإِمَّا ظَنًّا بِعَلامَةٍ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا كَالِاعْتِمَادِ عَلَى صِيَاحِ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ لِمَعْرِفَةِ دُخُولِ وَقْتِ الصُّبْحِ. وَيُعْرَفُ دُخُولُ الْوَقْتِ بِقَوْلِ الثِّقَةِ أَوْ بِسَمَاعِ أَذَانِهِ (وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) وَهِىَ الْكَعْبَةُ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَهَا بِصَدْرِهِ فِى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَبِمُعْظَمِ بَدَنِهِ فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَيَجُوزُ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) فِى الصَّلاةِ (فِى حَالَتَيْنِ فِى) قِتَالٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ عِنْدَ (شِدَّةِ الْخَوْفِ) فَرْضًا كَانَتِ الصَّلاةُ أَوْ نَفْلًا (وَفِى) صَلاةِ (النَّافِلَةِ فِى السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ) أَىِ الدَّابَّةِ فَيَجُوزُ لِمُسَافِرٍ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ قَصِيرًا أَنْ يُصَلِّىَ النَّفْلَ صَوْبَ مَقْصِدِهِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَرْكَانِ الصَّلاةِ. وَالرُّكْنُ مَا كَانَ جُزْءًا مِنَ الصَّلاةِ وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ إِلَّا بِهِ.

     (وَأَرْكَانُ الصَّلاةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رُكْنًا) بِعَدِّ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ رُكْنًا وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لا يُعَدُّ رُكْنًا (النِّيَّةُ) بِالْقَلْبِ وَهِىَ أَنْ يَقْصِدَ فِعْلَ الصَّلاةِ وَيُعَيِّنَ ذَاتَ السَّبَبِ كَالِاسْتِسْقَاءِ أَوْ ذَاتَ الْوَقْتِ كَالْعَصْرِ وَتَجِبُ الْفَرْضِيَّةُ فِى الْفَرْضِ وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ (وَالْقِيَامُ) فِى الْفَرْضِ وَلَوْ صَلاةَ جِنَازَةٍ (مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ) وَهِىَ أَنْ يَقُولَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ اللَّهُ أَكْبَر. وَيُشْتَرَطُ فِى التَّكْبِيرِ أَنْ لا يَمُدَّ الْبَاءَ وَأَنْ لا يُبْدِلَ هَمْزَةَ أَكْبَر بِالْوَاوِ. وَمَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ أَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ قَدْرًا وَعَظَمَةً لا حَجْمًا لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ (وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ءَايَةٌ مِنْهَا) فَيَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدَاتِ أَىْ يُشْتَرَطُ ابْتِدَاؤُهَا بِالْبَسْمَلَةِ وَلا بُدَّ أَنْ يَأْتِىَ بِالتَّشْدِيدَاتِ الأَرْبَعَ عَشْرَةَ الَّتِى فِيهَا وَيُشْتَرَطُ مُوَالاتُهَا بِأَنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ بِلا عُذْرٍ وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهَا بِأَنْ يَأْتِىَ بِهَا عَلَى نَظْمِهَا الْمَعْرُوفِ وَإِخْرَاجُ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا فَلَوْ أَسْقَطَ حَرْفًا أَوْ تَشْدِيدَةً أَوْ أَبْدَلَ حَرْفًا مِنْهَا بِحَرْفٍ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ (وَالرُّكُوعُ) وَيَحْصُلُ بِأَنْ يَنْحَنِىَ الْمُصَلِّى بِحَيْثُ تَبْلُغُ رَاحَتَا يَدَيْهِ رُكْبَتَيْهِ مَعَ اعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ) وَهِىَ سُكُونُ كُلِّ عَظْمٍ مَكَانَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ هُوِيِّهِ لِلرُّكُوعِ وَبَيْنَ رَفْعِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ (وَالرَّفْعُ) مِنَ الرُّكُوعِ (وَ)هُوَ (الِاعْتِدَالُ) أَىْ عَوْدُ الرَّاكِعِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ وَالسُّجُودُ) مَرَّتَيْنِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ بِأَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مَكْشُوفَةً وَمُتَثَاقِلًا بِهَا أَىْ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ تَحْتَ رَأْسِهِ قُطْنٌ لَانْكَبَسَ وَأَنْ يَكُونَ مُنَكِّسًا لِرَأْسِهِ أَىْ بِحَيْثُ يَجْعَلُ دُبُرَهُ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ وَأَنْ يَضَعَ شَيْئًا وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَمِنْ بُطُونِ كَفَّيْهِ وَمِنْ بُطُونِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ عَلَى الأَرْضِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْشُوفَةً (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ) أَىِ السُّجُودِ (وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) فِى كُلِّ رَكْعَةٍ (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ وَالْجُلُوسُ الأَخِيرُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ) وَأَقَلُّهُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِين أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه وَأَكْمَلُهُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّه السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِين أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه (وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ فِيهِ) أَىْ فِى الْجُلُوسِ الأَخِيرِ وَأَقَلُّهَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَكْمَلُهَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ مُحَمَّد كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد (وَالتَّسْلِيمَةُ الأُولَى) أَىْ قَوْلُ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَأَكْمَلُهُ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ (وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ) مَعَ الشُّرُوعِ فِى التَّسْلِيمَةِ الأُولَى وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لا تَجِبُ (وَتَرْتِيبُ الأَرْكَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ).

     (وَسُنَنُهَا) أَىِ الصَّلاةِ (قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا شَيْئَانِ الأَذَانُ) وَهُوَ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ لِلإِعْلامِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ (وَالإِقَامَةُ) وَهِىَ ذِكْرُ مَخْصُوصٌ لِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ.

     (وَ)سُنَنُها الَّتِى تُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ (بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا شَيْئَانِ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ) وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ (وَ)دُعَاءُ (الْقُنُوتِ فِى) اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلاةِ (الصُّبْحِ) وَلَفْظُهُ اللَّهُمَّ اهْدِنِى فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِى فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِى فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِى فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِى شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِى وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. وَتُسَنُّ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ بَعْدَهُ (وَ)يُسَنُّ الْقُنُوتُ (فِى) اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ صَلاةِ (الْوِتْرِ فِى النِّصْفِ الثَّانِى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ).

     (وَهَيْئَاتُهَا) أَىْ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا وَلا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ (خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ) إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ بِحَيْثُ تُحَاذِى أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أَعْلَى أُذُنَيْهِ وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتَىْ أُذُنَيْهِ وَرَاحَتَا يَدَيْهِ مَنْكِبَيْهِ (وَ)رَفْعُ الْيَدَيْنِ (عِنْدَ الرُّكُوعِ وَ)عِنْدَ (الرَّفْعِ مِنْهُ وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ) أَىْ وَضْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ وَفَوْقَ سُرَّتِهِ (وَالتَّوَجُّهُ) أَىْ قَوْلُ الْمُصَلِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيُقَالُ لَهُ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ (وَالِاسْتِعَاذَةُ) أَىْ قَوْلُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ (وَالْجَهْرُ فِى مَوْضِعِهِ) وَهُوَ الصُّبْحُ وَأَوَّلُ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ وَالْخُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالتَّرَاوِيحُ وَوِتْرُ رَمَضَانَ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ (وَالإِسْرَارُ فِى مَوْضِعِهِ) أَىْ فِى غَيْرِ مَا ذُكِرَ (وَالتَّأْمِينُ) أَىْ قَوْلُ ءَامِين عَقِبَ الْفَاتِحَةِ وَيَجْهَرُ بِهِ فِى الْجَهْرِيَّةِ (وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ فِى رَكْعَتَىِ الصُّبْحِ وَالرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (وَالتَّكْبِيرَاتُ عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ) أَىْ عِنْدَ الْهُوِىِّ لِلرُّكُوعِ وَعِنْدَ الْهُوِىِّ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ (وَقَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه) عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا وَمَعْنَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه تَقَبَّلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ وَجَازَاهُ عَلَيْهِ وَقَوْلُ (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْد) إِذَا اسْتَوَى قَائِمًا (وَالتَّسْبِيحُ فِى الرُّكُوعِ) وَأَدْنَى الْكَمَالِ فِيهِ سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيم ثَلاثًا (وَ)التَّسْبِيحُ فِى (السُّجُودِ) وَأَدْنَى الْكَمَالِ فِيهِ سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى ثَلاثًا (وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ فِى الْجُلُوسِ) لِلتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَالأَخِيرِ (يَبْسُطُ) يَدَهُ (الْيُسْرَى) بِحَيْثُ تُحَاذِى رُؤُوسُ أَصَابِعِهَا الرُّكْبَةَ (وَيَقْبِضُ) يَدَهُ (الْيُمْنَى) أَىْ أَصَابِعَهَا (إِلَّا الْمُسَبِّحَةَ) مِنَ الْيُمْنَى فَلا يَقْبِضُهَا بَلْ يَضَعُهَا عَلَى طَرَفِ الإِبْهَامِ ثُمَّ يَرْفَعُهَا وَيَحْنِيهَا قَلِيلًا عِنْدَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ وَلا يُـحَرِّكُهَا (وَالِافْتِرَاشُ فِى جَمِيعِ الْجَلَسَاتِ) كَجُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ الْـيُسْرَى جَاعِلًا ظَهْرَهَا لِلأَرْضِ وَيَنْصِبُ قَدَمَهُ الْيُمْنـَى وَيَضَعُ بِالأَرْضِ أَطْرَافَ أَصَابِعِهَا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ (وَالتَّوَرُّكُ فِى الْجَلْسَةِ الأَخِيرَةِ) أَىْ فِى الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ فَيَجْلِسُ بِحَيْثُ يُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَرْضِ وَيَنْصِبُ قَدَمَهُ الْيُمْنـَى وَيَضَعُ بِالأَرْضِ أَطْرَافَ أَصَابِعِهَا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيُخْرِجُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ (وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ) وَيُسَنُّ الِابْتِدَاءُ بِهَا مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ وَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْجَانِبِ الأَيْسَرِ.

     (فَصْلٌ) فِى الأُمُورِ الَّتِى تُخَالِفُ فِيهَا الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِى الصَّلاةِ.

     (وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ فَالرَّجُلُ يُجَافِى) أَىْ يُبَاعِدُ (مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَيُقِلُّ) أَىْ يَرْفَعُ (بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ فِى السُّجُودِ وَيَجْهَرُ فِى مَوْضِعِ الْجَهْرِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا نَابَهُ) أَىْ أَصَابَهُ (شَىْءٌ فِى الصَّلاةِ سَبَّحَ) فَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ بِقَصْدِ الذِّكْرِ لا بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ فَإِنْ قَصَدَ التَّنْبِيهَ فَقَطْ أَوْ أَطْلَقَ بَطَلَتْ صَلاتُهُ (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ.

     (وَ)أَمَّا (الْمَرْأَةُ) فَإِنَّهَا (تَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ) فَتُلْصِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا فِى السُّجُودِ وَتَضُمُّ مِرْفَقَيْهَا لِجَنْبَيْهَا فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَتَخْفِضُ صَوْتَهَا) فِى الْجَهْرِيَّةِ إِنْ صَلَّتْ (بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ الأَجَانِبِ وَإِذَا نَابَهَا شَىْءٌ فِى الصَّلاةِ صَفَّقَتْ) بِضَرْبِ بَطْنِ كَفِّهَا الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا الْيُسْرَى (وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ) فِى الصَّلاةِ (عَوْرَةٌ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) وَالأَمَةُ كَالرَّجُلِ أَىْ عَوْرَتُهَا فِى الصَّلاةِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا.

     (فَصْلٌ) فِى مُبْطِلاتِ الصَّلاةِ.

     (وَالَّذِى يُبْطِلُ الصَّلاةَ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا الْكَلامُ الْعَمْدُ) فَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلامِ النَّاسِ عَمْدًا أَىْ مَعَ ذِكْرِ أَنَّهُ فِى الصَّلاةِ وَلَوْ بِحَرْفَيْنِ أَوْ بِحَرْفٍ مُفْهِمٍ لَهُ مَعْنًى بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِلَّا أَنْ نَسِىَ أَنَّهُ فِى الصَّلاةِ وَكَانَ الْكَلامُ قَلِيلًا أَوْ كَانَ جَاهِلًا بِحُرْمَةِ الْكَلامِ فِى الصَّلاةِ فَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ (وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ الْمُتَوَالِى) وَهُوَ مَا يَسَعُ قَدْرَ رَكْعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ وَقِيلَ ثَلاثُ حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ كَثَلاثِ خَطَوَاتٍ (وَالْحَدَثُ) الأَصْغَرُ وَالأَكْبَرُ (وَحُدُوثُ النَّجَاسَةِ) فَإِنْ لاقَى بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ نَجَسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ أَوْ لاقَى مَحْمُولَهُ كَرِدَاءٍ يَضَعُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَهُ حَالًا كَأَنْ وَقَعَ عَلَى رِدَائِهِ وَكَانَ رَطْبًا فَأَلْقَى الرِّدَاءَ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ وَقَعَ عَلَى ثَوْبِهِ وَكَانَ يَابِسًا فَأَزَالَهُ بِنَفْضِ ثَوْبِهِ لا بِيَدِهِ أَوْ كُمِّهِ (وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ) بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِ مُمَيِّزٍ غَيْرِهِ أَمَّا إِذَا كَشَفَهَا الرِّيحُ فَسَتَرَهَا فَوْرًا لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ (وَتَغْيِيرُ النِّيَّةِ) كَأَنْ نَوَى قَطْعَ الصَّلاةِ أَوْ عَلَّقَ قَطْعَهَا عَلَى حُصُولِ شَىْءٍ (وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يَنْحَرِفَ عَنْهَا بِصَدْرِهِ (وَالأَكْلُ وَالشُّرْبُ) وَلَوْ قَلِيلًا إِلَّا أَنْ نَسِىَ أَنَّهُ فِى الصَّلاةِ وَكَانَ أَكْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ قَلِيلًا كَحَبَّةِ سِمْسِمٍ أَوْ نُقْطَةِ مَاءٍ فَلا تَبْطُلُ (وَالْقَهْقَهَةُ) أَىِ الضَّحِكُ وَالْمُرَادُ خُرُوجُ حَرْفَيْنِ مَعَهُ (وَالرِّدَّةُ) وَهِىَ قَطْعُ الإِسْلامِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ.

     (فَصْلٌ) فِى عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ وَأَرْكَانِهَا.

     (وَرَكَعَاتُ الْفَرَائِضِ) أَىِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (فِيهَا أَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ سَجْدَةً وَأَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَةً وَتِسْعُ تَشَهُّدَاتٍ وَعَشْرُ تَسْلِيمَاتٍ وَمِائَةٌ وَثَلاثٌ وَخَمْسُونَ تَسْبِيحَةً وَجُمْلَةُ الأَرْكَانِ فِى الصَّلاةِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُونَ رُكْنًا فِى الصُّبْحِ ثَلاثُونَ وَفِى الْمَغْرِبِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رُكْنًا وَفِى) الصَّلاةِ (الرُّبَاعِيَّةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ رُكْنًا).

     (وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِى الْفَرِيضَةِ) بِالْمَرَّةِ أَوْ كَانَتْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عَادَةً فِى قِيَامِهِ (صَلَّى جَالِسًا) وَالِافْتِرَاشُ فِى الْجُلُوسِ أَفْضَلُ وَيَكُونُ رُكُوعُهُ بِأَنْ يُحَاذِىَ رَأْسُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ (وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْجُلُوسِ صَلَّى مُضْطَجِعًا) عَلَى جَنْبِهِ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الِاضْطِجَاعِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ وَمُقَدَّمِ بَدَنِهِ.

     (فَصْلٌ وَالْمَتْرُوكُ مِنَ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ فَرْضٌ) أَىْ رُكْنٌ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (وَسُنَّةٌ) كَالتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَدُعَاءِ الْقُنُوتِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ فِى التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَالصَّلاةِ عَلَى الآلِ فِى التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ (وَهَيْئَةٌ) لا تُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ كَالتَّسْبِيحَاتِ فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّكْبِيرَاتِ عِنْدَ الْهُوِىِّ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَالْفَرْضُ) أَىِ الرُّكْنُ لا بُدَّ مِنَ الإِتْيَانِ بِهِ وَ(لا يَنُوبُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ بَلْ إِنْ ذَكَرَهُ) وَهُوَ فِى الصَّلاةِ أَتَى بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصَلَ إِلَى مِثْلِهِ وَإِلَّا أَتَى بِرَكْعَةٍ أَمَّا إِذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ (وَالزَّمَانُ قَرِيبٌ) أَىْ وَلَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ (أَتَى بِهِ) وَلَوِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ أَوْ تَكَلَّمَ (وَبَنَى عَلَيْهِ) مَا بَقِىَ مِنَ الصَّلاةِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) نَدْبًا.

     (وَالسُّنَّةُ) إِنْ تَرَكَهَا الْمُصَلِّى (لا يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ لَكِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا) إِنْ تَرَكَهَا كَأَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ عَامِدًا وَكَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلاتُهُ (وَالْهَيْئَةُ) كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ (لا يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ تَرْكِهَا وَلا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا) سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (وَإِذَا شَكَّ) الْمُصَلِّى (فِى عَدَدِ مَا أَتَى بِهِ مِنَ الرَّكَعَاتِ) كَأَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا (بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ الأَقَلُّ) وَأَتَى بِرَكْعَةٍ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) نَدْبًا وَلا يَعْمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ لَهُ إِلَّا إِذَا بَلَغَ الْقَائِلُونَ لَهُ عَدَدَ التَّوَاتُرِ فَيَأْخُذُ عِنْدَئِذٍ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْيَقِينَ.

     (وَسُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ) وَهُوَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلاةِ (وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلامِ) وَيُشْرَعُ إِذَا تَرَكَ رُكْنًا سَهْوًا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ أَوْ تَرَكَ دُعَاءَ الْقُنُوتِ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ أَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ أَوْ شَكَّ فِى عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ.

     (فَصْلٌ) فِى الأَوْقَاتِ الَّتِى تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاةُ الَّتِى لا سَبَبَ لَهَا وَلا تَنْعَقِدُ.

     (وَخَمْسَةُ أَوْقَاتٍ لا يُصَلَّى فِيهَا إِلَّا صَلاةٌ لَهَا سَبَبٌ) مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا كَالْفَائِتَةِ أَوْ مُقَارِنٌ لَهَا كَصَلاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَهَذِهِ الأَوْقَاتُ هِىَ (بَعْدَ) أَدَاءِ (صَلاةِ الصُّبْحِ) أَىْ فَرْضِهِ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعِنْدَ) ابْتِدَاءِ طُلُوعِهَا (حَتَّى تَتَكَامَلَ وَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ) فِى رَأْىِ الْعَيْنِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا (وَإِذَا اسْتَوَتِ) الشَّمْسُ أَىْ صَارَتْ فِى وَسَطِ السَّمَاءِ (حَتَّى تَزُولَ) أَىْ حَتَّى تَمِيلَ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ وَقْتٌ قَصِيرٌ لا يَسَعُ الصَّلاةَ لَكِنْ إِذَا كَبَّرَ فِيهِ لا تَنْعَقِدُ صَلاتُهُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَلا تُكْرَهُ الصَّلاةُ فِيهِ وَ(بَعْدَ) أَدَاءِ (صَلاةِ الْعَصْرِ) أَىْ فَرْضِهِ (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) بِكَمَالِهَا (وَ)يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُصَلِّىَ النَّفْلَ الْمُطْلَقَ (عِنْدَ الْغُرُوبِ) أَىْ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ (حَتَّى يَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا). وَيُسْتَثْنَى حَرَمُ مَكَّةَ فَلا تُكْرَهُ الصَّلاةُ فِيهِ فِى هَذِهِ الأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ.

     (فَصْلٌ) فِى صَلاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ.

     (وَصَلاةُ الْجَمَاعَةِ) فِى الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَالْجَمَاعَةُ فِى الْجُمُعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ وَتُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ (وَ)يَجِبُ (عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِىَ) الْجَمَاعَةَ أَوِ (الِائْتِمَامَ) بِالإِمَامِ أَىِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ (دُونَ الإِمَامِ) فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِى غَيْرِ نَحْوِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَنْوِىَ الإِمَامَةَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ نِيَّةُ الإِمَامَةِ لِنَيْلِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ.

     (وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالْبَالِغُ بِالْمُرَاهِقِ) وَالْمُرَادُ بِالْمُرَاهِقِ هُنَا الْمُمَيِّزُ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ (وَ)كَذَلِكَ (لا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَلا قَارِئٍ بِأُمِّىٍّ) أَىْ لا تَصِحُّ قُدْوَةُ مَنْ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِمَنْ لا يُحْسِنُ قِرَاءَتها كَأَنْ كَانَ يُخِلُّ بِحَرْفٍ مِنْهَا أَوْ تَشْدِيدَةٍ.

     وَمِنْ شُرُوطِ الْقُدْوَةِ اجْتِمَاعُ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِى مَكَانٍ وَاحِدٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَأَىُّ مَوْضِعٍ صَلَّى فِى الْمَسْجِدِ بِصَلاةِ الإِمَامِ فِيهِ) أَىْ إِنْ كَانَا فِى مَسْجِدٍ وَصَلَّى الْمَأْمُومُ مُقْتَدِيًا بِإِمَامِهِ فِى أَىِّ مَكَانٍ فِى الْمَسْجِدِ (وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلاتِهِ) أَىْ عَالِمٌ بِانْتِقَالاتِ إِمَامِهِ كَأَنْ كَانَ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعَ صَوْتَهُ (أَجْزَأَهُ) أَىْ كَفَاهُ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ (مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ) فِى الْمَوْقِفِ وَالْعِبْرَةُ بِالتَّقَدُّمِ بِعَقِبِ الرِّجْلِ فِى الْقَائِمِ أَىْ مُؤَخَّرِ قَدَمِهِ. أَمَّا لَوْ قَارَنَ الإِمَامَ فِى الْمَوْقِفِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ فَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ. (وَإِنْ صَلَّى) الإِمَامُ (فِى الْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ) وَكَانَ الْمَأْمُومُ (قَرِيبًا مِنْهُ) أَىْ مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لَمْ تَزِدِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْمَأْمُومِ وَءَاخِرِ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا (وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلاتِهِ) أَىْ عَالِمٌ بِانْتِقَالاتِ إِمَامِهِ (وَلا حَائِلَ هُنَاكَ) أَىْ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ حَائِلٌ يَمْنَعُ الْمُرُورَ إِلَى الإِمَامِ أَوْ رُؤْيَتَهُ (جَازَ) الِاقْتِدَاءُ بِهِ. أَمَّا إِنْ كَانَا فِى مَكَانٍ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ لا تَزِيدَ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا وَأَنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ.

     (فَصْلٌ) فِى قَصْرِ الصَّلاةِ وَجَمْعِهَا.

     (وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ) بَعْدَ مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ بَلَدِهِ (قَصْرُ الصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ) الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ إِلَى رَكْعَتَيْنِ (بِخَمْسِ شَرَائِطَ) وَهِىَ (أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) سَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا أَمَّا السَّفَرُ فِى مَعْصِيَةٍ فَلا يُتَرَخَّصُ فِيهِ بِقَصْرٍ أَوْ جَمْعٍ (وَأَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) أَىْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا وَهِىَ نَحْوُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ كِيلُو مِتْرًا عَلَى قَوْلٍ (وَأَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ) أَىْ أَنْ تَكُونَ صَلاتُهُ أَدَاءً أَمَّا الْفَائِتَةُ فِى السَّفَرِ فَيَجُوزُ قَصْرُهَا فِيهِ (وَأَنْ يَنْوِىَ الْقَصْرَ) لِلصَّلاةِ (مَعَ الإِحْرَامِ) أَىْ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْقَصْرِ مُقَارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ (وَأَنْ لا يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ) أَىْ أَنْ لا يُصَلِّىَ قَصْرًا مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُصَلِّى صَلاةً تَامَّةً.

     (وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ) سَفَرًا طَوِيلًا (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِى وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِى وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ) أَىْ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا. وَيُشْتَرَطُ لِجَمْعِ التَّقْدِيمِ أَنْ يَبْدَأَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَبِالْمَغْرِبِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَأَنْ يَنْوِىَ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ إِلَى الظُّهْرِ فِى صَلاةِ الظُّهْرِ أَوْ تَقْدِيمَ الْعِشَاءِ إِلَى الْمَغْرِبِ فِى صَلاةِ الْمَغْرِبِ وَالْمُوَالاةُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ أَىْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِأَنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ. وَالْفَاصِلُ الطَّوِيلُ هُوَ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَيُشْتَرَطُ لِجَمْعِ التَّأْخِيرِ أَنْ يَنْوِىَ تَأْخِيرَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ فِى وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَنْ يَنْوِىَ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ فِى وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَيُسَنُّ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَالْمُوَالاةُ بَيْنَهُمَا وَلا يَجِبُ.

     (وَيَجُوزُ لِلْحَاضِرِ) أَىِ الْمُقِيمِ (فِى) حَالِ (الْمَطَرِ) إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ أَن يُصَلِّىَ جَمَاعَةً فِى مَسْجِدٍ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا) أَىْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَىْ (فِى وَقْتِ الأُولَى مِنْهُمَا) لِمَشَقَّةِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلاةِ الثَّانِيَةِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ إِذَا كَانَ الْمَطَرُ يَبُلُّ الثَّوْبَ وَلا يُوجَدُ عِنْدَهُ شَىْءٌ يَقِيهِ الْبَلَلَ وَكَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا عَنِ الْمَسْجِدِ. وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَطَرِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِى الصَّلاةِ الأُولَى وَعِنْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْهَا وَبَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَعِنْدَ الدُّخُولِ فِى الثَّانِيَةِ.  

     (فَصْلٌ) فِى صَلاةِ الْجُمُعَةِ.

     (وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ سَبْعُ خِصَالٍ) مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا وَهِىَ (الإِسْلامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالصِّحَّةُ وَالِاسْتِيطَانُ) أَىِ الإِقَامَةُ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا وَلا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الأَصْلِىِّ أَىْ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ فِى الدُّنْيَا وَالصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ وَالأُنْثَى وَالْمُسَافِرِ وَالْمَعْذُورِ بِعُذْرٍ يُبِيحُ لَهُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ كَالْمَرَضِ الَّذِى يَشُقُّ مَعَهُ الذَّهَابُ إِلَى مَكَانِ الْجَمَاعَةِ.

     (وَشَرَائِطُ) صِحَّةِ (فِعْلِهَا) أَىِ الْجُمُعُةِ (ثَلاثَةٌ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدُ) الَّذِى تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ (مِصْرًا) أَىْ مَدِينَةً (أَوْ قَرْيَةً) فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لا تَجِبُ عَلَىَ أَهْلِ الْخِيَامِ (وَأَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ) مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ وَهُمُ الذُّكُورُ الأَحْرَارُ الْمُكَلَّفُونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ فِى بَلَدِ الْجُمُعَةِ وَلا يُفَارِقُونَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ (وَأَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ) أَىْ وَقْتُ الظُّهْرِ (بَاقِيًا) فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ أَرْكَانَ الْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلاةِ صَلَّوْهَا ظُهْرًا (فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ) أَىْ تَيَقَّنُوا خُرُوجَهُ أَوْ رَجَحَ عِنْدَهُمْ خُرُوجُهُ (أَوْ عُدِمَتِ الشُّرُوطُ) وَهُمْ فِى الصَّلاةِ كَأَنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ مَعَ الإِمَامِ ثُمَّ انْتَقَضَ وُضُوءُ أَحَدِهِمْ فَنَقَصَ الْعَدَدُ عَنِ الأَرْبَعِينَ (صُلِّيَتْ ظُهْرًا) أَىْ أَتَمُّوهَا ظُهْرًا. أَمَّا لَوْ شَكُّوا فِى خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلاةِ وَهُمْ فِيهَا أَتَمُّوهَا جُمُعَةً.

     (وَفَرَائِضُهَا) أَىْ شُرُوطُهَا (ثَلاثَةٌ) وَهِىَ شُرُوطٌ أُخْرَى لِصِحَّتِهَا (خُطْبَتَانِ) قَبْلَهَا (يَقُومُ) الْخَطِيبُ (فِيهِمَا) إِنْ قَدَرَ (وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) قَدْرَ الطُّمَأْنِينَةِ وُجُوبًا وَقَدْرَ سُورَةِ الإِخْلاصِ نَدْبًا (وَأَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِى جَمَاعَةٍ).

     وَأَرْكَانُ الْخُطْبَتَيْنِ حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى فِيهِمَا وَقِرَاءَةُ ءَايَةٍ مُفْهِمَةٍ فِى إِحْدَاهُمَا وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِى الثَّانِيَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْخَطِيبِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَعَنِ النَّجَاسَةِ الَّتِى لا يُعْفَى عَنْهَا فِى الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ الَّذِى يُلاقِى بَدَنَهُ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْخُطْبَتَيْنِ الْمُوَالاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَرْكَانِهِمَا وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلاةِ وَأَنْ تَكُونَ أَرْكَانُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَنْ يَسْمَعَ أَرْكَانَهُمَا الأَرْبَعُونَ.

     (وَهَيْئَاتُهَا) أَىْ مُسْتَحَبَّاتُهَا (أَرْبَعُ خِصَالٍ الْغُسْلُ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ (وَتَنْظِيفُ الْجَسَدِ) بِإِزَالَةِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ مِنْهُ (وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ) لِقَوْلِهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ فَإِنَّهَا خَيْرُ الثِّيَابِ (وَأَخْذُ الظُّفْرِ) أَىْ قَصُّهُ إِذَا طَالَ (وَالتَّطَيُّبُ) لِلرَّجُلِ وَأَطْيَبُ الطِّيبِ الْمِسْكُ. وَيُسْتَحَبُّ قَصُّ الشَّارِبِ بِحَيْثُ تَظْهَرُ حُمْرَةُ شَفَتَيْهِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ. (وَيُسْتَحَبُّ) التَّبْكِيرُ إِلَى الصَّلاةِ وَ(الإِنْصَاتُ) وَهُوَ السُّكُوتُ مَعَ الإِصْغَاءِ لِلْخَطِيبِ (فِى وَقْتِ الْخُطْبَةِ) فَإِنْ تَكَلَّمَ بِلا عُذْرٍ فَلا ثَوَابَ لَهُ فِى صَلاتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ وَمَنْ لَغَا فَلا جُمُعَةَ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ شَىْءٌ مِنَ الثَّوَابِ الْقَلِيلِ. (وَمَنْ دَخَلَ) الْمَسْجِدَ (وَالإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) بِنِيَّةِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (ثُمَّ يَجْلِسُ) وَلا يُصَلِّى صَلاةً غَيْرَهَا لا فَرْضًا وَلا نَفْلًا.

     (فَصْلٌ) فِى صَلاةِ الْعِيدَيْنِ.

     (وَصَلاةُ الْعِيدَيْنِ) أَىْ عِيدِ الْفِطْرِ وَهُوَ الْيَوْمُ الأَوَّلُ مِنْ شَوَّالٍ وَعِيدِ الأَضْحَى وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ). وَيُسَنُّ أَنْ تُصَلَّى جَمَاعَةً وَيُنَادَى لَهَا الصَّلاةُ جَامِعَةٌ وَلا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلا يُقَامُ. وَمَنْ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ كَرَكْعَتَىْ سُنَّةِ الْفَجْرِ مُنْفَرِدًا بِدُونِ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ صَحَّتْ صَلاتُهُ. وَتُسَنُّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ إِلَى الصَّلاةِ مُتَزَيِّنَةً أَوْ مُتَطَيِّبَةً لِقَوْلِهِ ﷺ لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ أَىْ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ.

     وَوَقْتُ الصَّلاةِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ أَىْ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ بَعْدَ الشُّرُوقِ (وَهِىَ رَكْعَتَانِ يُكَبِّرُ) نَدْبًا (فِى الأُولَى) بَعْدَ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ (سَبْعًا) أَىْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ (سِوَى تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ) يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى جَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةَ ق (وَ)يُكَبِّرُ (فِى الثَّانِيَةِ) قَبْلَ التَّعَوُّذِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (خَمْسًا) أَىْ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ (سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ) وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْقَمَرِ (وَيَخْطُبُ) نَدْبًا (بَعْدَهُمَا) أَىِ الرَّكْعَتَيْنِ (خُطْبَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِى) ابْتِدَاءِ (الأُولَى تِسْعًا وَفِى) ابْتِدَاءِ (الثَّانِيَةِ سَبْعًا). وَلا يُشْتَرَطُ الْقِيَامُ فِيهِمَا وَلا الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا بَلْ يُسَنُّ.

     وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلُ أَنْ يُبَكِّرَ لِصَلاةِ الْعِيدِ ويُسَنُّ الْخُرُوجُ مَشْيًا اتِّبَاعًا لِلنَّبِىِّ ﷺ يَغْدُو مِنْ طَرِيقٍ وَيَعُودُ مِنْ أُخْرَى.

     (وَيُكَبِّرُ) نَدْبًا (مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ) أَىْ عِيدِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى وَيَسْتَمِرُّ هَذَا التَّكْبِيرُ (إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الإِمَامُ فِى الصَّلاةِ وَ)أَمَّا (فِى) عِيدِ (الأَضْحَى) فَيُسَنُّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُكَبِّرَ (خَلْفَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ) وَخَلْفَ النَّوَافِلِ (مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ ءَاخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلاثِ). وَصِيغَةُ التَّكْبِيرِ هِىَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْد. اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَه صَدَقَ وَعْدَه وَنَصَرَ عَبْدَه وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَه. وَتُسَنُّ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ بَعْدَهُ.

     (فَصْلٌ) فِى صَلاةِ الْخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ.

     وَخُسُوفُ الْقَمَرِ وَكُسُوفُ الشَّمْسِ ظُلْمَةٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ (وَصَلاةُ الْكُسُوفِ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفِ لِلْقَمَرِ سُنَّةٌ مَؤَكَّدَةٌ فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ) أَىْ لا يُشْرَعُ قَضَاءُهَا (وَيُصَلِّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ) كَسُنَّةِ الصُّبْحِ وَالأَكْمَلُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِى الصَّلاةِ أَنْ يَقْرَأَ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ يَتَعَوَّذَ وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَمَا بَعْدَهَا ثُمَّ يَرْكَعَ وَيَعْتَدِلَ ثُمَّ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ ثَانِيًا ثُمَّ يَرْكَعَ رُكُوعًا ثَانِيًا ثُمَّ يَعْتَدِلَ ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّىَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِقِيَامَيْنِ وَقِرَاءَتَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ وَاعْتِدَالَيْنِ وَسُجُودَيْنِ أَىْ (فِى كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَرُكُوعَانِ يُطِيلُ التَّسْبِيحَ فِيهِمَا دُونَ السُّجُودِ) فَلا يُطَوِّلُهُ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يُطَوِّلُهُ (وَيَخْطُبُ بَعْدَهُمَا) أَىِ الرَّكْعَتَيْنِ (خُطْبَتَيْنِ) كَخُطْبَتَىِ الْجُمُعَةِ فِى الأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ يَحُثُّ النَّاسَ فِيهِمَا عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ وَلا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ وَلا الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ (وَيُسِرُّ) بِالْقِرَاءَةِ (فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ وَيَجْهَرُ فِى خُسُوفِ الْقَمَرِ). وَيَفُوتُ وَقْتُ صَلاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِالِانْجِلاءِ أَوْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ كَاسِفَةً وَيَفُوتُ وَقْتُ خُسُوفِ الْقَمَرِ بِالِانْجِلاءِ أَوْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.

     (فَصْلٌ) فِى صَلاةِ الِاسْتِسْقَاءِ لِطَلَبِ السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ.

     (وَصَلاةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَسْنُونَةٌ) عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ أَوْ قِلَّتِهِ (فَيَأْمُرُهُمُ الإِمَامُ) وَنَحْوُهُ نَدْبًا (بِالتَّوْبَةِ) مِنَ الذُّنُوبِ لِأَنَّهُ لا يَنْزِلُ بَلاءٌ عَامٌّ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلا يُرْفَعُ إِلَّا بِتَوْبَةٍ (وَالصَّدَقَةِ) أَىْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا سَبَبٌ لِرَفْعِ الْبَلاءِ (وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ) لِأَنَّ هَذَا مِنَ التَّوْبَةِ (وَمُصَالَحَةِ الأَعْدَاءِ) أَىِ الَّذِينَ عَادَاهُمْ وَكَانَتْ مُعَادَاتُهُ لَهُمْ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ (وَصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) فَإِذَا أَمَرَهُمْ بِالصِّيَامِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصُومُوا (ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِى الْيَوْمِ الرَّابِعِ) وَالأَفْضَلُ أَنْ يَخْرُجُوا صِيَامًا غَيْرَ مُتَطَيِّبِينَ وَلا مُتَزَيِّنِينَ زِيَادَةً فِى التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ (فِى ثِيَابٍ بِذْلَةٍ) أَىْ ثِيَابِ الْعَمَلِ (وَاسْتِكَانَةٍ) أَىْ خُشُوعٍ (وَتَضَرُّعٍ) أَىْ تَذَلُّلٍ وَخُضُوعٍ لِلَّهِ (وَيُصَلِّى بِهِمُ) الإِمَامُ (رَكْعَتَيْنِ كَصَلاةِ الْعِيدَيْنِ) فِى الْكَيْفِيَّةِ (ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَهُمَا) نَدْبًا خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَىِ الْعِيدَيْنِ بِلا تَكْبِيرَاتٍ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى تِسْعًا وَفِى الثَّانِيَةِ سَبْعًا بِلَفْظِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِى لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ (وَيُحَوِّلُ) الْخَطِيبُ (رِدَاءَهُ) اسْتِحْبَابًا (فَيَجْعَلُ) يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَ(أَعْلاهُ أَسْفَلَهُ) وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ (وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ) فَإِذَا أَسَرَّ الْخَطِيبُ فى الدُّعَاءِ أَسَرُّوا وَإِذَا جَهَرَ أَمَّنُوا عَلَى دُعَائِهِ (وَ)يُكْثِرُ مِنَ (الِاسْتِغْفَارِ) وَيَقْرَأُ الآيَةَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ (وَيَدْعُو بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلا تَجْعَلْهَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلا مَحْقٍ وَلا بَلاءٍ وَلا هَدْمٍ وَلا غَرَقٍ) فَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ وَتَضَرَّرُوا قَالَ (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ) أَىِ التِّلالِ (وَالآكَامِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا) وَتَكْمِلَةُ الدُّعَاءِ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا) أَىْ مَطَرًا يُعِينُنَا (هَنِيئًا) أَىْ لا ضَرَرَ فِيهِ وَلا تَعَبَ (مَرِيئًا) أَىِ اجْعَلْ عَاقِبَتَهُ مَحْمُودَةً (مَرِيعًا) أَىْ مَطَرًا يَجْعَلُ الأَرْضَ خِصْبٍةً (سَحًّا) أَىْ شَدِيدَ الْوَقْعِ عَلَى الأَرْضِ وَلَيْسَ مَطَرًا خَفِيفًا (عَامًّا) أَىْ يَعُمُّ الْبِلادَ كُلَّهَا (غَدَقًا) أَىْ مَطَرًا كَثِيرًا (طَبَقًا) أَىْ يُغَطِّيهَا (مُجَلِّلًا) أَىْ يَعُمُّ الْبِلادَ خَيْرُهُ وَيَعُمُّ الْعِبَادَ نَفْعُهُ (دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ) أَىِ الْيَائِسِينَ (اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلادِ مِنَ الْجَهْدِ) أَىِ الْمَشَقَّةِ (وَالْجُوعِ وَالضَّنْكِ) أَىِ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ (مَا لا نَشْكُو إِلَّا إِلَيْكَ اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا) أَىْ لَمْ تَزَلْ غَفَّارًا (فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا) أَىْ تَدُرُّ الْمَطَرَ بِكَثْرَةٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ.

     (وَيَغْتَسِلُ) أَوْ يَتَوَضَّأُ نَدْبًا (فِى الْوَادِى إِذَا سَالَ) مَاؤُهُ (وَيُسَبِّحُ لِلرَّعْدِ) فَيَقُولُ سُبْحَانَ الَّذِى يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ. وَالرَّعْدُ مَلَكٌ يَضْرِبُ السَّحَابَ بِمِخْرَاقٍ (وَ)إِذَا رَأَى (الْبَرْقَ) قَالَ سُبْحَانَ الَّذِى يُرِى عِبَادَهُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا.

     (فَصْلٌ) فِى صَلاةِ الْخَوْفِ.

     (وَصَلاةُ الْخَوْفِ) سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِىُّ فِى الْمَجْمُوعِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ (عَلَى) ذِكْرِ (ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ) وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَكَثْرَةٌ (فَيُفَرِّقُهُمُ الإِمَامُ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ تَقِفُ فِى وَجْهِ الْعَدُوِّ) تَحْرُسُهُمْ (وَفِرْقَةٌ) تَقِفُ (خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِالْفِرْقَةِ الَّتِى خَلْفَهُ رَكْعَةً ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَقُومَ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَنْوِى مُفَارَقَتَهُ (وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا) ثُمَّ تُسَلِّمُ (وَتَمْضِى إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ) لِتَحْرُسَ (وَتَجِىءُ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى) الَّتِى كَانَتْ تَحْرُسُ (فَيُصَلِّى) الإِمَامُ (بِهَا رَكْعَةً) فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ تُفَارِقُهُ بِلا نِيَّةٍ (وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا ثُمَّ) تَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ مَعَ الإِمَامِ وَ(يُسَلِّمُ بِهَا) الإِمَامُ.

     (وَالثَّانِى أَنْ يَكُونَ) الْعَدُوُّ (فِى جِهَةِ الْقِبْلَةِ) وَلا يُوجَدُ مَا يَسْتُرُهُ عَنْ أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمُونَ كَثْرَةٌ (فَيَصُفُّهُمُ الإِمَامُ صَفَّيْنِ وَيُحْرِمُ بِهِمْ) ثُمَّ يَقْرَأُ وَيَرْكَعُ وَيَعْتَدِلُ بِهِمْ جَمِيعًا (فَإِذَا سَجَدَ) الإِمَامُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى (سَجَدَ مَعَهُ أَحَدُ الصَّفَيْنِ) سَجْدَتَيْنِ (وَوَقَفَ الصَّفُّ الآخَرُ يَحْرُسُهُمْ فَإِذَا رَفَعَ) الإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ الثَّانِى رَكَعُوا أَىِ الَّذِينَ فِى الصَّفِّ الثَّانِى وَاعْتَدَلُوا ثُمَّ (سَجَدُوا) سَجْدَتَيْنِ (وَلَحِقُوهُ). وَيَتَشَهَّدُ الإِمَامُ بِالصَّفَيْنِ وَيُسَلِّمُ بِهِمْ.

     (وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ فِى شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْتِحَامِ الْحَرْبِ) فَلا يَتَمَكَّنُ الْمُقَاتِلُ مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ أَوِ النُّزُولِ عَنِ الدَّابَّةِ (فَيُصَلِّى كَيْفَ أَمْكَنَهُ رَاجِلًا) أَىْ مَاشِيًا (أَوْ رَاكِبًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لَهَا) وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.

     (فَصْلٌ) فِى اللِّبَاسِ.

     (وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ) الَّذِى تُخْرِجُهُ الدُّودَةُ لِأَنَّهُ لا يَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ (وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ) أَىْ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالتَّحَلِّى بِحُلِىِّ الذَّهَبِ وَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَّخِذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ (وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ) لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالتَّحَلِّى بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَحِلُّ إِلْبَاسُ الصَّبِىِّ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ مَا لَمْ يَبْلُغْ (وَقَلِيلُ الذَّهَبِ وَكَثِيرُهُ) أَىِ اسْتِعْمَالُهُمَا (فِى التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الثَّوْبِ إِبْرَيْسَمًا) أَىْ حَرِيرًا (وَبَعْضُهُ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا جَازَ لُبْسُهُ مَا لَمْ يَكُنِ الإِبْرَيْسَمُ غَالِبًا) أَىْ أَكْثَرَ وَزْنًا.

     (فَصْلٌ) فِى غَسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ.

     اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَغْمِيضُ عَيْنَىِ الْمَيِّتِ لِئَلَّا تَبْقَى مَفْتُوحَتَيْنِ فَيَقْبُحَ مَنْظَرُهُ وَأَنْ يُقَالَ حَالَ إِغْمَاضِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ تُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَبْقَى فَمُهُ مَفْتُوحًا فَتَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ. (وَيَلْزَمُ فِى الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ غَيْرِ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) تَجِبُ وُجُوبًا كِفَائِيًّا (غَسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ). أَمَّا الْكَافِرُ الْمُرْتَدُّ وَالْكَافِرُ الأَصْلِىُّ غَيْرُ الذِّمِّىِّ فَلا يَجِبُ لَهُمَا شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الذِّمِّىُّ وَهُوَ الَّذِى يَدْفَعُ الْجِزْيَةَ فَيَجِبُ لَهُ تَكْفِينٌ وَدَفْنٌ إِنْ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ أَهْلُ مِلَّتِهِ وَلا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ. (وَاثْنَانِ لا يُغَسَّلانِ وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا) وَهُمَا (الشَّهِيدُ فِى مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ) أَىْ مَنْ مَاتَ فِى قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُ لا يُغَسَّلُ إِبْقَاءً لِأَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَوَّلاهُ بِرَحْمَتِهِ فَأَغْنَاهُ عَنْ دُعَاءِ الْمُصَلِّينَ (وَالسِّقْطُ) الْمَيِّتُ وَهُوَ (الَّذِى) وُلِدَ وَ(لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا) وَلا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ أُخْرَى مِنْ أَمَارَاتِ الْحَيَاةِ كَالتَّنَفُّسِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ إِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ خِلْقَةُ ءَادَمِىٍّ وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِ أَمَّا إِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ خِلْقَةُ ءَادَمِىٍّ فَيُسَنُّ لَفُّهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ.

     (وَيُغْسَلُ الْمَيِّتُ وِتْرًا) أَىْ يُسَنُّ غَسْلُهُ ثَلاثًا وَأَقَلُّ غَسْلِ الْمَيِّتِ تَعْمِيمُ جَمِيعِ بَدَنِهِ مَرَّةً بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ (وَ)يُسَنُّ (أَنْ يَكُونَ فِى أَوَّلِ غَسْلِهِ سِدْرٌ) أَىْ وَرَقُ سِدْرٍ مَطْحُونٌ (وَيَكُونَ فِى ءَاخِرِهِ) أَىْ فِى ءَاخِرِ غَسْلَةٍ (شَىْءٌ) قَلِيلٌ (مِنْ كَافُورٍ) لا يُغَيِّرُ الْمَاءَ لِأَنَّ رَائِحَتَهُ تَطْرُدُ هَوَامَّ الأَرْضِ. فَيُغْسَلُ الْمَيِّتُ بِمَاءٍ فِيهِ سِدْرٌ ثُمَّ بِمَاءٍ ثُمَّ بِمَاءٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ كَافُورٍ ثُمَّ بِمَاءٍ فِيهِ سِدْرٌ ثُمَّ بِمَاءٍ ثُمَّ بِمَاءٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ كَافُورٍ ثُمَّ بِمَاءٍ فِيهِ سِدْرٌ ثُمَّ بِمَاءٍ ثُمَّ بِمَاءٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ كَافُورٍ.

     (وَيُكَفَّنُ فِى ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ) وَأَقَلُّ الْكَفَنِ سَاتِرٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ إِلَّا رَأْسَ مُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَوَجْهَ مُحْرِمَةٍ فَلا يَجُوزُ سَتْرُهُمَا وَثَلاثُ لَفَائِفَ لِمَنْ تَرَكَ تَرِكَةً زَائِدَةً عَلَى دَيْنِهِ وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَصْلًا فَإِنْ أَوْصَى بِتَرْكِ تَكْفِينِهِ بِالثَّلاثِ فَالْوَاجِبُ فِى حَقِّهِ مَا يَسْتُرُ الْبَدَنَ. وَالأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ إِزَارٌ ثُمَّ خِمَارٌ ثُمَّ قَمِيصٌ فَوْقَهَا لِفَافَتَانِ.

     (وَ)مَنْ أَرَادَ الصَّلاةَ عَلَى الْمَيِّتِ (يُكَبِّرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ الأُولَى وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ بَعْدَ الثَّانِيَةِ) وُجُوبًا وَأَقَلُّهَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ (وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ) اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَالأَكْمَلُ أَنْ يَقُولَ (اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ خَـرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا) أَىْ رَاحَتِهَا وَسُرُورِهَا (وَسَعَتِهَا) إِلَى ضِيقِ الْقَبْرِ (وَمَـحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لاقِيهِ) أَىْ وَمَا هُوَ سَيَلْقَاهُ فِى قَبْرِهِ (كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُـحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا اللَّهُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ بِكَ) أَىْ نَزَلَ فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى يَجْرِى مَا فِيهِ بِأَمْرِكَ (وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) أَىْ لا يَصِيرُ الإِنْسَانُ إِلَى مَنْ هُوَ أَكْرَمُ مِنْكَ (وَأَصبَحَ فَقِيـرًا) أَىْ مُحْتَاجًا (إِلَى رَحـمَتِكَ وَأَنْتَ غَنِىٌّ عَنْ عَذَابِهِ) أَىْ لا حَاجَةَ لَكَ فِى عَذَابِهِ (وَقَدْ جِئْنَاكَ) أَىْ تَوَجَّهْنَا إِلَيْكَ (رَاغِبِينَ إِلَيْكَ شُفَعَاءَ لَهُ) أَىْ نَدْعُوكَ وَنَسْأَلُكَ وَنَشْفَعُ لَهُ (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُـحْسِنًا فَزِدْ فِى إِحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) أَىِ اغْفِرْ لَهُ (وَلَقِّهِ بِرَحْـمَتِكَ رِضَاكَ) أَىِ ارْحَمْهُ وَارْضَ عَنْهُ (وَقِـهِ فِتنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ) أَىْ ثَبِّتْهُ عِنْدَ السُّؤَالِ فِى الْقَبْرِ وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ (وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ) أَىْ وَسِّعْ قَبْرَهُ (وَجَافِ) أَىْ أَبْعِدِ (الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ وَلَقِّهِ بِرَحْـمَتِكَ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ) أَىِ اجْعَلْهُ ءَامِنًا مِنْ عَذَابِكَ بِرَحْمَتِكَ (حَتَّى تَبْعَثَهُ ءَامِنًا إِلَى جَنَّتِكَ) أَىْ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ وَيَكُونَ عِنْدَ الْبَعْثِ ءَامِنًا إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ (بِرَحْـمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِـمِينَ وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِى الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ وَيُسَلِّمُ بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ) مَرَّتَيْنِ.

     (وَيُدَفْنُ فِى لَحْدٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) بِوَجْهِهِ وَصَدْرِهِ أَىْ يُسَنُّ أَنْ يُحْفَرَ فِى أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ الَّذِى مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ رِخْوَةً أَىْ لَيِّنَةً فَيُشَقُّ لَهُ شَقٌّ فِى وَسَطِهَا كَالنَّهْرِ (وَيُسَلُّ) الْمَيِّتُ أَىْ يُخْرَجُ مِنَ النَّعْشِ (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ وَيَقُولُ الَّذِى يُلْحِدُهُ) أَىْ يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ (بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ (وَيُضْجَعُ) الْمَيِّتُ (فِى الْقَبْرِ بَعْدَ أَنْ يُعَمَّقَ) الْقَبْرُ قَدْرَ (قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ وَيُسَطَّحُ الْقَبْرُ) نَدْبًا أَىْ يُجْعَلُ مُسْتَوِيًا (وَلا يُبْنَى) عَلَيْهِ أَىْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ دُفِنَ فِى أَرْضِهِ أَمَّا إِنْ دُفِنَ فِى مَقْبَرَةٍ مَوْقُوفَةٍ فَحَرَامٌ (وَلا يُجَصَّصُ) أَىْ يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِالْجِصِّ. (وَلا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ) أَىْ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ (وَلا شَقِّ ثَوْبٍ وَيُعَزَّى أَهْلُهُ) نَدْبًا (إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ دَفْنِهِ) وَيُقَالُ فِى تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ أَىْ جَعَلَ أَجْرَكَ عَظِيمًا وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ أَىْ جَعَلَ صَبْرَكَ حَسَنًا وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ. (وَلا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِى قَبْرٍ) وَاحِدٍ أَىْ يُكْرَهُ ذَلِكَ (إِلَّا لِحَاجَةٍ).

 

(كِتَابُ الزَّكَاةِ)

 

     أَىْ هَذَا كِتَابٌ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ. وَالزَّكَاةُ شَرْعًا اسْمٌ لِمَا يُخْرَجُ عَنْ مَالٍ أَوْ بَدَنٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهِىَ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾.

     وَ(تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَهِىَ الْمَوَاشِى) وَالْمُرَادُ بِهَا الأَنْعَامُ (وَالأَثْمَانُ) وَالْمُرَادُ بِهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (وَالزُّرُوعُ) أَىْ مَا كَانَ مِنْهَا قُوتًا وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ (وَالثِّمَارُ) وَالْمُرَادُ بِهَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ (وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ) كَالثِّيَابِ وَالْخَيْلِ لِمَنْ يَتْجَرُ بِهَا.

     (فَأَمَّا الْمَوَاشِى فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِى ثَلاثَةِ أَجْنَاسٍ مِنْهَا وَهِىَ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَشَرَائِطُ وُجُوبِهَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ) وَهِىَ (الإِسْلامُ) فَلا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِىٍّ أَىْ لا يُطَالَبُ بِأَدَائِهَا وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ أَمَّا الْكَافِرُ الْمُرْتَدُّ فَالرَّاجِحُ فِى مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ أَنَّ مَالَهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ تَبَيَّنَ بَقَاءُ مِلْكِهِ أَمَّا إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ وَصَارَ فَيْئًا مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ فَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ (وَالْحُرِّيَّةُ) فَلا زَكَاةَ عَلَى رَقِيقٍ (وَالْمِلْكُ التَّامُّ) أَمَّا الْمِلْكُ الضَّعِيفُ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ الَّذِى تَشَارَطَ مَعَ سَيِّدِهِ عَلَى مَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ إِذَا دَفَعَهُ لَهُ صَارَ حُرًّا فَلا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلزَّوَالِ إِذْ لِلْعَبْدِ اسْقَاطُ عَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ فَيَصِيرُ مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ (وَالنِّصَابُ) وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِى تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ (وَالْحَوْلُ) أَىْ مُرُورُ سَنَةٍ قَمَرِيَّةٍ ابْتِدَاءً مِنْ تَمَامِ النِّصَابِ (وَالسَّوْمُ) وَهُوَ أَنْ يَرْعَاهَا مَالِكُهَا أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ فِى مَرْعًى لا مَالِكَ لَهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ. وَأَنْ لا تَكُونَ الأَنْعَامُ عَامِلَةً فَالْعَامِلَةُ فِى نَحْوِ الْحَرْثِ لا زَكَاةَ فِيهَا.

     (وَأَمَّا الأَثْمَانُ فَشَيْئَانِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الإِسْلامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْمِلْكُ التَّامُّ وَالنِّصَابُ وَالْحَوْلُ) أَمَّا الْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ فَلا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا حَوَلانُ الْحَوْلِ. وَالْمَعْدِنُ هُوَ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ الْمُسْتَخْرَجَانِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى خُلِقَا فِيهِ وَالرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ الْمَدْفُونَانِ قَبْلَ بِعْثَةِ النَّبِىِّ ﷺ.

     (وَأَمَّا الزُّرُوعُ) الْمُقْتَاتَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ أَىِ الَّتِى يَتَّخِذُهَا النَّاسُ قُوتًا أَيَّامَ الرَّخَاءِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالأَرُزِّ وَالْحِمَّصِ وَالْفُولِ وَالْعَدَسِ (فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَزْرَعُهُ الآدَمِيُّونَ) فَمَنْ زَرَعَ حَبًّا يَمْلِكُهُ أَوْ حَمَلَهُ الْهَوَاءُ فَنَبَتَ بِنَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ (وَأَنْ تَكُونَ قُوتًا) أَىْ مَا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ (مُدَّخَرًا) أَىْ صَالِحًا لِلِادِّخَارِ وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ (وَأَنْ يَكُونَ نِصَابًا وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لا قِشْرَ عَلَيْهَا) وَهِىَ ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ بِصَاعِ النَّبِىِّ ﷺ وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ هُوَ الْحَفْنَةُ بِكَفَّىْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ. وَيُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِى إِكْمَالِ النِّصَابِ إِنِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَكَانَ الْحَصَادُ فِى عَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ حَصَادَىِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى دُونَ اثْنَىْ عَشَرَ شَهْرًا وَلا عِبْرَةَ بِابْتِدَاءِ الزَّرْعِ وَلا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ ءَاخَرَ لِإِتْمَامِ النِّصَابِ كَالشَّعِيرِ مَعَ الْحِنْطَةِ.

     (وَأَمَّا الثِّمَارُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِى شَيْئَيْنِ مِنْهَا ثَمَرَةُ النَّخْلِ) وَهِىَ التَّمْرُ (وَثَمَرَةُ الْكَرْمِ) وَهِىَ الْعِنَبُ وَتُخْرَجُ زَكَاتُهُمَا تَمْرًا وَزَبِيبًا. (وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا أَرْبَعُ خِصَالٍ) وَفِى نُسْخَةٍ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ (الإِسْلامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْمِلْكُ التَّامُّ وَالنِّصَابُ).

     (وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ) أَىْ مَا يُقْتَنَى مِنَ الْعُرُوضِ لِغَرَضِ التِّجَارَةِ عَدَا الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِى الأَثْمَانِ) وَلا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ إِلَّا ءَاخِرَ الْحَوْلِ. وَالتِّجَارَةُ هِىَ تَقْلِيبُ الْمَالِ لِغَرَضِ الِاسْتِرْبَاحِ.

     (فَصْلٌ) فِى نِصَابِ الإِبِلِ.

     (وَأَوَّلُ نِصَابِ الإِبِلِ خَمْسٌ وَفِيهَا شَاةٌ) أَىْ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَكْمَلَتْ سَنَةً أَوْ أَسْقَطَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ أَىْ أُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ أَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ (وَفِى عَشْرٍ شَاتَانِ وَفِى خَمْسَةَ عَشَرَ ثَلاثُ شِيَاهٍ وَفِى عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَفِى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ مِنَ الإِبِلِ) أَكْمَلَتْ سَنَةً فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِى إِبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَيَكْفِى ابْنُ لَبُونٍ وَهُوَ الذَّكَرُ مِنَ الإِبِلِ أَكْمَلَ سَنَتَيْنِ (وَفِى سِتٍّ وَثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) أَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ (وَفِى سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) أَكْمَلَتْ ثَلاثَ سِنِينَ (وَفِى إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) أَكْمَلَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ (وَفِى سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِى إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ وَفِى مِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِى كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ).

     (فَصْلٌ) فِى نِصَابِ الْبَقَرِ.

     (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْبَقَرِ ثَلاثُونَ وَ)يَجِبُ (فِيهَا تَبِيعٌ) ذَكَرٌ مِنَ الْبَقَرِ أَكْمَلَ سَنَةً وَيُجْزِئُ تَبِيعَةٌ أُنْثَى (وَ)يَجِبُ (فِى أَرْبَعِينَ) مِنَ الْبَقَرِ (مُسِنَّةٌ) وَهِىَ الأُنْثَى مِنَ الْبَقَرِ أَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ (وَعَلَى هَذَا أَبَدًا فَقِسْ) فَيَجِبُ فِى سِتِّينَ تَبِيعَانِ وَفِى ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ.

     (فَصْلٌ) فِى نِصَابِ الْغَنَمِ.

     (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ) وَتَجِبُ (فِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ) أَكْمَلَتْ سَنَةً أَوْ أَسْقَطَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا (أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنَ الْمَعْزِ) أَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ (وَفِى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ وَفِى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلاثُ شِيَاهٍ وَفِى أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ فِى كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) وَمَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ عَفْوٌ لا تَزِيدُ الزَّكَاةُ بِهِ كَمَا فِى الإِبِلِ وَالْبَقَرِ.

     (فَصْلٌ) فِى خُلْطَةِ الْمَاشِيَةِ.

     (وَالْخَلِيطَانِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ) الشَّخْصِ (الْوَاحِدِ) فَمَالُهُمَا كَمَالِ الشَّخْصِ الْمُنْفَرِدِ فِى النِّصَابِ وَالْقَدْرِ الْمُخْرَجِ فَإِذَا حَصَلَتِ الْخُلْطَةُ وَكَانَ الْمَجْمُوعُ نِصَابًا أَخْرَجُوا جَمِيعًا كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِهَذَا الْمَالِ شَخْصًا وَاحِدًا (بِشَرَائِطَ سَبْعَةٍ) وَهِىَ (إِذَا كَانَ الْمُرَاحُ وَاحِدًا) وَهُوَ مَأْوَى الْمَاشِيَةِ لَيْلًا (وَالْمَسْرَحُ وَاحِدًا) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِى تُجْمَعُ فِيهِ الْمَاشِيَةُ قَبْلَ سَوْقِهَا إِلَى الْمَرْعَى (وَ)يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ (الْمَرْعَى) وَالرَّاعِى (وَاحِدًا وَالْفَحْلُ) الَّذِى يَطْرُقُ الْمَاشِيَةَ (وَاحِدًا) فِى حَالِ كَوْنِ الْجِنْسِ وَاحِدًا (وَالْمَشْرَبُ وَاحِدًا) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِى تَشْرَبُ مِنْهُ الْمَاشِيَةُ كَعَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ (وَالْحَالِبُ) الَّذِى يَحْلُبُ الْمَاشِيَةَ (وَاحِدًا) وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ أَمَّا الْقَوْلُ الرَّاجِحُ فَهُوَ أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ (وَ)أَمَّا (الْحَلَبُ) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِى تُحْلَبُ فِيهِ الْمَاشِيَةُ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ (وَاحِدًا).

     (فَصْلٌ) فِى نِصَابِ النَّقْدَيْنِ وَهُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.

     (وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا) مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ غرَامًا وَثَمَانُمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسَبْعُونَ جُزْءًا مِنْ أَلْفٍ مِنَ الْغرَامِ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُونَ غرَامًا مِنْ عِيَارِ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ غرَامًا مِنْ عِيَارِ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ غرَامًا مِنْ عِيَارِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ (وَفِيهِ) أَىْ فِى نِصَابِ الذَّهَبِ (رُبْعُ الْعُشْرِ وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَفِيمَا زَادَ) عَلَى النِّصَابِ (بِحِسَابِهِ) وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ يَسِيرًا. (وَنِصَابُ الْوَرِقِ) أَىِ الْفِضَّةِ (مِائَتَا دِرْهَمٍ وَفِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَهُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَفِيمَا زَادَ) عَلَى الْمِائَتَيْنِ (بِحِسَابِهِ) وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ يَسِيرًا. (وَلا يَجِبُ فِى الْحُلِىِّ الْمُبَاحِ زَكَاةٌ) أَمَّا الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ كَالَّذِى تَتَّخِذُهُ الْمَرْأَةُ خَلْخَالًا وَزْنُهُ مِائَتَا مِثْقَالٍ أَوِ الَّذِى يَتَّخِذُهُ الرَّجُلُ وَالْمَكْرُوهُ هُوَ كَالَّذِى عِنْدَهُ أَوَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ أُلْصِقَ بِهَا قِطَعُ فِضَّةٍ كَبِيرَةٌ لِحَاجَةٍ عَلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ.

     (فَصْلٌ) فِى مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ.

     (وَنِصَابُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَهِىَ) ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ أَىْ أَلْفٌ وَمِائَتَا مُدٍّ وَهَذَا التَّعْبِيرُ أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ صَاحِبِ الْمَتْنِ (أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِىِّ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْكَيْلِ لا بِالْوَزْنِ (وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ) تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ (وَفِيهَا إِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ السَّمَاءِ) وَهُوَ الْمَطَرُ (أَوِ السَّيْحِ) وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِى عَلَى الأَرْضِ (الْعُشْرُ وَإِنْ سُقِيَتْ بِدُولابٍ) يُدِيرُهُ حَيَوَانٌ (أَوْ نَضْحٍ) أَىْ بِنَقْلِ الْمَاءِ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ بِنَحْوِ حَيَوَانٍ (نِصْفُ الْعُشْرِ).

     (فَصْلٌ) فِى زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ.

     (وَتُقَوَّمُ عُرُوضُ التِّجَارَةِ عِنْدَ) ءَاخِرِ (الْحَوْلِ بِمَا اشْتُرِيَتْ بِهِ) مِنَ النَّقْدَيْنِ أَىِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِذَهَبٍ قُوِّمَتْ بِالذَّهَبِ وَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِفِضَّةٍ قُوِّمَتْ بِالْفِضَّةِ وَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِغَيْرِهِمَا قُوِّمَتْ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ أَىِ الأَكْثَرِ رَوَاجًا فِى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِى ذَلِكَ الْبَلَدِ نَقْدَ الذَّهَبِ قُوِّمَتْ بِالذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ نَقْدَ الْفِضَّةِ قُوِّمَتْ بِالْفِضَّةِ. فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْبِضَاعَةِ ءَاخِرَ الْحَوْلِ نِصَابًا أَىْ قِيمَةُ الْبِضَاعَةِ الَّتِى عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ النَّاسِ لِلْبِضَاعَةِ بِسِعْرِ الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ صَاحِبِ الْبِضَاعَةِ لَهَا وَقِيمَةُ الْبِضَاعَةِ الَّتِى بَاعَهَا وَقَبَضَ ثَمَنَهَا وَقِيمَةُ الْبِضَاعَةِ الَّتِى بَاعَهَا وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا (وَيُخْرِجُ مِنْ ذَلِكَ رُبْعَ الْعُشْرِ) وَلا يُجْزِئُ إِخْرَاجُ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ وَلَوْ عُمْلَةً وَرَقِيَّةً. أَمَّا مَا يَصْرِفُهُ الإِنْسَانُ مِنَ الْمَالِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ لِحَاجَاتِهِ وَحَاجَاتِ أَهْلِهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ هَذِهِ الْبَضَائِعِ لِلِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا أَوْ لُبْسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَدْخُلُ فِى الْحِسَابِ عِنْدَ الزَّكَاةِ.

     (وَمَا اسْتُخْرِجَ مِنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُخْرَجُ مِنْهُ رُبْعُ الْعُشْرِ فِى الْحَالِ) بَعْدَ تَنْقِيَتِهِ مِنَ التُّرَابِ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا (وَمَا يُوجَدُ مِنَ الرِّكَازِ) وَهُوَ الدَّفِينُ الْجَاهِلِىُّ (فَفِيهِ الْخُمُسُ) إِنْ بَلَغَ نِصَابًا.

     (فَصْلٌ) فِى زَكَاةِ الْفِطْرِ.

     (وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ الإِسْلامِ) فَلا تُدْفَعُ الزَّكَاةُ عَنْ كَافِرٍ (وَبِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) أَىْ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ فَلا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ كَوِلادَةِ طِفْلٍ أَوْ مِلْكِ مَالٍ أَوْ إِسْلامِ شَخْصٍ (وَوُجُودِ الْفَضْلِ) أَىْ إِذَا فَضَلَ مَا يُخْرِجُهُ لِلْفِطْرَةِ (عَنْ) دَيْنِهِ وَلَوْ مُؤَجَّلًا وَعَنْ كِسْوَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَ(قُوتِهِ) وَكِسْوَةِ وَمَسْكَنِ (وَقُوتِ عِيَالِهِ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ) أَىْ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ.

     (وَيُزَكِّى) الشَّخْصُ (عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) كَزَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ وَوَالِدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَأَوْلادِهِ غَيْرِ الْبَالِغِينَ (صَاعًا مِنْ) غَالِبِ (قُوتِ الْبَلَدِ) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (وَقَدْرُهُ) أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّىْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْيَدَيْنِ وَهُوَ (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِىِّ) مِنَ الْعَدَسِ وَوَزْنُ الصَّاعِ مِنَ الْقَمْحِ أَلْفٌ وَسَبْعُمَائَةِ غرَامٍ تَقْرِيبًا وَلا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ دَفْعُ الْقِيمَةِ بِالْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ. أَمَّا فِى الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ فَمِقْدَارُهَا نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ وَهُوَ نَحْوُ أَلْفَيْنِ وَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ غرَامًا مِنَ الْقَمْحِ وَيَصِحُّ دَفْعُ الْقِيمَةِ بِالْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ وَالصَّاعُ الْمُعْتَبَرُ فِى الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ هُوَ الصَّاعُ الْعِرَاقِىُّ وَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُهُ عَنِ الصَّاعِ الْحِجَازِىِّ. وَلا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَبِى حَنِيفَةَ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ زَوْجَتِهِ.

     (فَصْلٌ) فِى مُسْتَحِقِّى الزَّكَاةِ.

     (وَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلَى الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾). وَالْفَقِيرُ هُوَ الَّذِى لا يَجِدُ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ. وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِى يَجِدُ نِصْفَ كِفَايَتِهِ وَلا يَجِدُ تَمَامَهَا. وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا هُمُ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ الْخَلِيفَةُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لِأَخْذِ الزَّكَوَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْوَالِ وَدَفْعِهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ هُمْ كَالَّذِينَ أَسْلَمُوا وَكَانَوا وُجَهَاءَ فِى قَوْمِهِمْ وَيُرْجَى بِإِعْطَائِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ أَنْ يُسْلِمَ أَمْثَالُهُمْ. وَالرِّقَابُ هُمُ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَتَشَارَطُوا مَعَ أَسْيَادِهِمْ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا لَهُمْ مَبْلَغًا مِنَ الْمَالِ لِيَصِيرُوا أَحْرَارًا لِأَنَّ الإِسْلامَ حَثَّ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. وَالْغَارِمُونَ هُمْ كَالَّذِينَ اسْتَدَانُوا مَالًا وَصَرَفُوهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيُعْطَوْا مِنَ الزَّكَاةِ قَدْرَ دَيْنِهِمْ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَعَجَزَوا عَنْ وَفَائِهِ. وَمَعْنَى وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ الْمُتَطَوِّعُونَ لِلْجِهَادِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّ عَمَلٍ خَيْرِىٍّ. وَابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الْمُسَافِرُ الَّذِى لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ لِلْوُصُولِ إِلَى مَقْصِدِهِ فَيُعْطَى مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ (وَإِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ) أَىْ أَنَّهُ إِنْ فُقِدَ بَعْضُ الأَصْنَافِ وَوُجِدَ الْبَعْضُ صُرِفَتِ الزَّكَاةُ إِلَيْهِمْ وَلا تُنْقَلُ إِلَى بَلَدٍ ءَاخَرَ (وَلا يَقْتَصِرُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) مِنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ أَىْ أَقَلُّ عَدَدٍ يُدْفَعُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ ثَلاثَةُ أَشْخَاصٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ (إِلَّا الْعَامِلَ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا إِنْ حَصَلَتْ بِهِ الْكِفَايَةُ وَاخْتَارَ جَمْعٌ مِنْ أَتْبَاعِ الشَّافِعِىِّ جَوَازَ دَفْعِ زَكَاةِ وَاحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ أَبِى حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ. (وَخَمْسَةٌ لا يَجُوزُ دَفْعُهَا) أَىِ الزَّكَاةِ (إِلَيْهِمْ الْغَنِىُّ بِمَالٍ) يَمْلِكُهُ (أَوْ كَسْبٍ) أَىْ حِرْفَةٍ يَعْرِفُهَا وَيَجِدُ بِهَا كِفَايَتَهُ (وَالْعَبْدُ) غَيْرُ الْمُكَاتَبِ (وَبَنُو هَاشِمِ) بنِ عَبْدِ مَنَافٍ (وَبَنُو الْمُطَّلِبِ) بنِ عَبْدِ مَنَافٍ. (وَمَنْ تَلْزَمُ الْمُزَكِّى نَفَقَتُهُ) كَزَوْجَتِهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ الْفُقَرَاءِ (لا يَدْفَعُهَا) أَىِ الزَّكَاةَ (إِلَيْهِمْ بِاسْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلا تُدْفَعُ لِلْكَافِرِ).

 

(كِتَابُ الصِّيَامِ)

 

     أَىْ هَذَا كِتَابٌ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ وَهُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ مَعَ النِّيَّةِ. وَالصِّيَامُ فِى رَمَضَانَ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

     (وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصِّيَامِ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ) وَفِى بَعْضِ النُّسَخِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الإِسْلامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ) فَلا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْكَافِرِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ فِى الدُّنْيَا وَلا يَجِبُ عَلَى الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَاجِزِ عَنِ الصَّوْمِ.

     (وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ أَرْبَعُ خِصَالٍ النِّيَّةُ) بِالْقَلْبِ (وَالتَّبْيِيتُ) أَىْ إِيقَاعُ النِّيَّةِ لَيْلًا إِنْ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا. وَكَمَالُ النِّيَّةِ أَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيْتُ صَوْمَ يَوْمِ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَة إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى وَالِاحْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الأَجْرِ مِنَ اللَّهِ (وَالإِمْسَاكُ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ) أَمَّا مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ زَوْجَته فِى نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَالإِمْسَاكُ عَنْ (تَعَمُّدِ الْقَىْءِ) فَإِنْ غَلَبَهُ الْقَىْءُ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ مَا لَمْ يَبْلَعْ شَيْئًا مِنْ رِيقِهِ الْمُتَنَجِّسِ.

     (وَالَّذِى يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ مَا وَصَلَ عَمْدًا إِلَى الْجَوْفِ أَوِ الرَّأْسِ) مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ أَىْ تَجَاوَزَ مَخْرَجَ الْحَاءِ مِنْ حَلْقِهِ أَوْ تَجَاوَزَ الْخَيْشُومَ وَهُوَ مُنْتَهَى الأَنْفِ (وَالْحُقْنَةُ) وَهِىَ دَوَاءٌ يُحْقَنُ بِهِ الْمَرِيضُ (مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) وَهُمَا الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ أَمَّا مَا جَاوَزَ الإِحْلِيلَ وَهُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ فَفِيهِ خِلافٌ فِى مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لا يُفَطِّرُ (وَالْقَىْءُ عَمْدًا وَالْوَطْءُ عَامِدًا فِى الْفَرْجِ) وَلَوْ دُبُرًا (وَالإِنْزَالُ) أَىْ إِنْزَالُ الْمَنِىِّ (عَنْ مُبَاشَرَةٍ) بِغَيْرِ جِمَاعٍ بِنَحْوِ الْيَدِ أَمَّا خُرُوجُهُ بِالِاحْتِلامِ فَلا يُفَطِّرُ (وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْجُنُونُ) وَلَوْ لَحْظَةً وَالإِغْمَاءُ كُلَّ النَّهَارِ (وَالرِّدَّةُ) أَىِ الْكُفْرُ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقَوْلِ كَسَبِّ اللَّهِ أَوِ الْفِعْلِ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَيْطَانٍ أَوِ الِاعْتِقَادِ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ لَهُ شَكْلٌ أَوْ حَجْمٌ أَوْ أَنَّهُ يَسْكُنُ مَكَانًا أَوْ جِهَةً أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ وَيَنْزِلُ حَقِيقَةً وَيَصْعَدُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِى الرِّدَّةِ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ أَنْ يَرْجِعَ فَوْرًا إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَيْسَ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ وَأَنْ يَقْضِىَ هَذَا الْيَوْمَ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ فَوْرًا.

     (وَيُسْتَحَبُّ فِى الصَّوْمِ) وَلَوْ نَفْلًا (ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) بَعْدَ التَّأَكُّدِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ (وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَتَرْكُ الْهُجْرِ) أَىِ الْفُحْشِ (مِنَ الْكَلامِ) الَّذِى لا يَصِلُ إِلَى حَدِّ الْمَعْصِيَةِ.

     (وَيَحْرُمُ صِيَامُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ الْعِيدَانِ) أَىْ عِيدُ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى (وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةِ) الَّتِى تَلِى يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى (وَيُكْرَهُ) تَحْرِيمًا (صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ) أَىْ يَوْمِ الثَّلاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إِذَا أَخْبَرَ مَنْ لا يَثْبُتُ الصِّيَامُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالْفَسَقَةِ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلالَ لَيْلَتَهُ (إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ) أَوْ لِقَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ.

     (وَمَنْ وَطِئَ) أَىْ جَامَعَ فِى نَهَارِ رَمَضَانَ (عَامِدًا فِى الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ) الإِثْمُ وَ(الْقَضَاءُ) بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ فَوْرًا (وَالْكَفَّارَةُ) وَهِىَ عَلَى الرَّجُلِ لا عَلَى الْمَرْأَةِ. (وَ)الْكَفَّارَةُ (هِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَإِنْ أَفْطَرَ فِى أَثْنَائِهِ يَوْمًا وَلَوْ بِعُذْرٍ اسْتَأْنَفَ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَوْ فَقِيرًا سِتِّينَ مُدًّا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ كَالْقَمْحِ وَالْمُدُّ مِلْءُ الْكَفَّيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ.

     (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) فَائِتٌ (أُطْعِمَ عَنْهُ) وُجُوبًا مِنْ تَرِكَتِهِ (لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ) مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَلا يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوِ الْقَرِيبُ مِنْهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ الْجَدِيدُ أَمَّا فِى الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ فَإِمَّا أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ أَوْ يَصُومَ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَالْقَوْلُ الْقَدِيمُ هُوَ الرَّاجِحُ. وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ فَأَخَّرَ صِيَامَهُ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ ءَاخَرُ بِلا عُذْرٍ وَتَتَكَرَّرُ الْفِدْيَةُ بِتَكَرُّرِ السِّنِين.

     (وَالشَّيْخُ) الْعَاجِزُ عَنِ الصِّيَامِ لِكِبَرِ سِنٍّ وَالْمَرِيضُ الَّذِى لا يُرْجَى شِفَاؤُهُ (إِنْ عَجَزَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (عَنِ الصَّوْمِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا) مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ الْفِدْيَةِ بَعْدَ فَجْرِ كُلِّ يَوْمٍ وَفِى لَيْلَتِهِ السَّابِقَةِ لَهُ. (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِنْ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا) الضَّرَرَ (أَفْطَرَتَا) كَأَنْ عَلِمَتِ الْحَامِلُ أَوِ الْمُرْضِعُ أَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بَعْدَ أَنْ جَرَّبَتْ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا أَمَّا مُجَرَّدُ الْحَمْلِ فَلَيْسَ عُذْرًا لِلْفِطْرِ (وَ)وَجَبَ (عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ) وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا) أَىْ خَافَتِ الْحَامِلُ إِسْقَاطَ الْوَلَدِ وَخَافَتِ الْمُرْضِعُ قِلَّةَ اللَّبَنِ (أَفْطَرَتَا وَ)وَجَبَ (عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) أَىِ الْفِدْيَةُ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ) مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَهُوَ بِالْوَزْنِ (رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِىِّ) وَتُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَيَصِحُّ لِوَاحِدٍ. (وَالْمَرِيضُ) الَّذِى يُرْجَى شِفَاؤُهُ إِنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ (وَالْمُسَافِرُ) قَبْلَ الْفَجْرِ سَفَرًا طَوِيلًا فِى غَيْرِ مَعْصِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ (يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ).

     (فَصْلٌ) فِى الِاعْتِكَافِ فِى الْمَسْجِدِ وَهُوَ شَرْعًا إِقَامَةٌ بِمَسْجِدٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

     (وَالِاعْتِكَافُ) فِى الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا لِعُذْرٍ (سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ) فِى كُلِّ وَقْتٍ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِأَجْلِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (وَلَهُ شَرْطَانِ النِّيَّةُ) كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيْتُ الِاعْتِكَافَ فِى الْمَسْجِدِ لِلَّهِ تَعَالَى (وَاللُّبْثُ) أَىِ الْبَقَاءُ مُدَّةً (فِى الْمَسْجِدِ) وَهُوَ الْمَكَانُ الْمَوْقُوفُ لِلصَّلاةِ. وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ الإِسْلامُ وَالْعَقْلُ وَالطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثِ الأَكْبَرِ فَلا يَصِحُّ اعْتِكَافُ كَافِرٍ وَمَجْنُونٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَجُنُبٍ.

     (وَلا يَخْرُجُ) الْمُعْتَكِفُ (مِنَ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ) كَغُسْلِ وَاجِبٍ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (أَوْ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ) أَىْ كَانَ الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ كَحَيْضٍ (أَوْ مَرَضٍ لا يُمْكِنُ الْمُقَامُ مَعَهُ) أَىْ يَشُقُّ مَعَهُ الإِقَامَةُ فِى الْمَسْجِدِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ نَفْلًا فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَتَى شَاءَ.

     (وَيَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِالْوَطْءِ) أَىِ الْجِمَاعِ أَوِ الْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ إِذَا أَنْزَلَ وَبِالرِّدَّةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.

 

(كِتَابُ الْحَجِّ) وَالْعُمْرَةِ

 

     أَىْ هَذَا كِتَابٌ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْحَجُّ قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِأَدَاءِ عِبَادَةٍ مَعْلُومَةٍ وَالْعُمْرَةُ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ لِأَدَاءِ عِبَادَةٍ مَعْلُومَةٍ. وَالْحَجُّ فَرْضٌ بِالإِجْمَاعِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى فَرْضِيَتِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ فَرْضٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سُنَّةٌ.

     (وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ) وَهِىَ (الإِسْلامُ) فَلا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْكَافِرِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ فِى الدُّنْيَا وَلا يَصِحُّ مِنْهُ (وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ) فَلا يَجِبُ عَلَى الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ. وَيَصِحُّ حَجُّ الطِّفْلِ وَلَوْ كَانَ ابْنَ سَنَةٍ فَيُحْرِمُ وَلِيُّهُ عَنْهُ وَيُشْهِدُهُ الْمَشَاهِدَ. وَلا تَثْبُتُ حَجَّةُ الإِسْلامِ إِلَّا بِأَدَائِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ (وَالِاسْتِطَاعَةُ وَ)شَرْطُ حُصُولِهَا (وُجُودُ الزَّادِ) الَّذِى يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِقَامَتِهِ وَإِيَّابِهِ (وَ)وُجُودُ (الرَّاحِلَةِ) أَىِ الْمَرْكُوبِ فَالرَّجُلُ إِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ مَكَّةَ أَىْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ أَىْ مَسَافَةُ يَوْمَيْنِ مَشْيًا فَلا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَرْكُوبَ أَمَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِىٌّ عَلَى الْمَشْىِ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِلا رَاحِلَةٍ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلا تُعَدُّ مُسْتَطِيعَةً إِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَرْكُوبَ. وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إِنَّمَا يَجِبَانِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ بِمَا يُوصِلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَيَرُدُّهُ إِلَى وَطَنِهِ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ أَىْ إِذَا وَجَدَ مَالًا زَائِدًا عَلَى دَيْنِهِ وَلَوْ مُؤَجَّلًا وَمَسْكَنِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْجَرًا وَكِسْوَتِهِ اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِقَامَتِهِ وَإِيَّابِهِ. (وَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ) أَىْ أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ ءَامِنَةً فَلَوْ لَمْ يَأْمَنِ الشَّخْصُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ (وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ) أَىْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَكْفِيهِ لِلوُصُولِ إِلَى مَكَّةَ. وَيُشْتَرَطُ فِى حَقِّ الْمَرْأَةِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَنْ تَجِدَ مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا يُسَافِرُ مَعَهَا أَوْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ وَلَوِ امْرَأَةً وَاحِدَةً فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ وَحْدَهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ.

     (وَأَرْكَانُ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ) مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لا يَصِحُّ حَجُّهُ وَهِىَ (الإِحْرَامُ مَعَ النِّيَّةِ) أَىْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِى عَمَلِ الْحَجِّ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيْتُ الْحَجَّ وَأَحْرَمْتُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) بِأَنْ يَكُونَ فِى أَرْضِ عَرَفَةَ بَيْنَ زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعِ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ إِلَى فَجْرِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيُجْزِئُ بِأَىِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَةَ وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا (وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ) أَىِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ أَنْ يَدُورَ الْحَاجُّ حَوْلَ الْكَعْبَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ. وَشُرُوطُ الطَّوَافِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَأَنْ يَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ لا يَسْتَقْبِلُهَا وَلا يَسْتَدْبِرُهَا وَأَنْ يَكُونَ سَبْعًا يَقِينًا وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَعَنِ النَّجَاسَةِ غَيْرِ الْمَعْفُوِ عَنْهَا فَلا يَصِحُّ الطَّوَافُ مَعَ الْحَدَثِ أَوِ النَّجَاسَةِ (وَالسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافٍ وَأَنْ يَبْتَدِئَ بِالصَّفَا وَيَنْتَهِىَ بِالْمَرْوَةِ وَأَنْ يَكُونَ سَبْعًا وَيُحْسَبُ ذَهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً وَعَوْدُهُ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى وَلا تُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ. وَيَصِحُّ السَّعْىُ فِى الْمَسْعَى الْقَدِيمِ وَهُوَ الأَقْرَبُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَلا يَصِحُّ فِى الْمَسْعَى الْجَدِيدِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ خَارِجَ حُدُودِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَرْضًا فَلْيُتَنَبَّهْ. وَمِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ لِلذَّكَرِ وَأَقَلُّهُ إِزَالَةُ ثَلاثِ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ وَالتَّقْصِيرُ لِلأُنْثَى وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ. وَالْحَلْقُ هُوَ اسْتِئْصَالُ الشَّعَرِ بِالْمُوسَى وَهُوَ أَفْضَلُ لِلذَّكَرِ أَمَّا التَّقْصِيرُ فَهُوَ أَخْذُ شَىْءٍ مِنَ الشَّعَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْصَالٍ. وَالتَّرْتِيبُ فِى مُعْظَمِ الأَرْكَانِ فَرْضٌ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الإِحْرَامِ عَلَى الْكُلِّ وَتَقْدِيمُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عَلَى الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ وَتَقْدِيمُ الطَّوَافِ عَلَى السَّعْىِ.

     (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الإِحْرَامُ) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمِيقَاتِ (وَالطَّوَافُ وَالسَّعْىُ وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ) أَىْ بِعَدِّهِمَا رُكْنًا (فِى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) وَهُوَ الرَّاجِحُ وَكَذَا التَّرْتِيبُ فِى جَمِيعِ الأَرْكَانِ.

     (وَوَاجِبَاتُ الْحَجِّ غَيْرُ الأَرْكَانِ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ) مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لا يَفْسُدُ حَجُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمٌ وَفِدْيَةٌ وَهِىَ (الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِى عَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُحْرَمَ مِنْهُ. وَمِيقَاتُ الْمَكِّىِّ لِلْحَجِّ مَكَّةُ أَمَّا مِيقَاتُهُ لِلْعُمْرَةِ فَهُوَ مَا كَانَ خَارِجَ حُدُودِ حَرَمِ مَكَّةَ كَالتَّنْعِيمِ. وَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِىُّ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ فَلا يَصِحُّ الإِحْرَامُ لِلْحَجِّ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ شَهْرِ شَوَّالٍ وَقَبْلَ فَجْرِ لَيْلَةِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ أَمَّا الْعُمْرَةُ فَتَصِحُّ فى كُلِّ وَقْتٍ (وَرَمْىُ)   جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيَبْقَى وَقْتُهُ إِلَى ءَاخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَرَمْىُ (الْجِمَارِ الثَّلاثِ) الصُّغْرَى وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِى كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يَبْدَأُ بِالصُّغْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ يَخْتِمُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلَهُ تَأْخِيرُ رَمْىِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى إِلَى الثَّالِثِ (وَالْحَلْقُ) أَوِ التَّقْصِيرُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ رُكْنٌ وَأَقَلُّهُ إِزَالَةُ ثَلاثِ شَعَرَاتٍ مِنَ الرَّأْسِ حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ قَصًّا.

     (وَسُنَنُ الْحَجِّ سَبْعٌ الإِفْرَادُ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ) وَلَيْسَ فِيهِ ذَبْحٌ (وَالتَّلْبِيَةُ) وَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْهَرَ بِهَا أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُسِرُّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ الأَجَانِبِ فَيَقُولُ ثَلاثًا لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك (أَىْ أُطِيعُكَ طَاعَةً بَعْدَ طَاعَةٍ) لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْك لا شَرِيكَ لَك ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ (وَطَوَافُ الْقُدُومِ) فَيُسَنُّ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا أَنْ يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ تَحِيَّةً لِلْبَيْتِ وَهَذَا لِغَيْرِ الْمَتَمَتِّعِ وَالْمَكِّىِّ وَالْمُعْتَمِرِ (وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ) أَىْ مُرُورُهُ فِى شَىْءٍ مِنْ أَرْضِهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَلَوْ لَحْظَةً وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَمَنْ تَرَكَهُ عَلَيْهِ دَمٌ (وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ) أَىْ أَنْ يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الطَّوَافِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا لَيْلًا وَيُسِرُّ نَهَارًا (وَالْمَبِيتُ بِمِنًى) أَىْ أَنْ يَكُونَ فِى أَرْضِ مِنًى مُعْظَمَ اللَّيْلِ أَىْ لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَالثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) سَبْعَ مَرَّاتٍ عِنْدَ إِرَادَةِ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ وَالْقَوْلُ بِسُنِّيَتِهِ مَرْجُوحٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ (وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ عِنْدَ) إِرَادَةِ (الإِحْرَامِ عَنِ الْمَخِيطِ) مِنَ الثِّيَابِ أَىْ مَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِسَبَبِ خِيَاطَةٍ كَقَمِيصٍ طَوِيلٍ أَوْ سِرْوَالٍ (وَ)يُسَنُّ أَنْ (يَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ).

     (فَصْلٌ) فِى مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.

     (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ لُبْسُ الْمَخِيطِ) أَىْ مَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ بِسَبَبِ خِيَاطَةٍ كَسِرْوَالٍ (وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ) أَوْ بَعْضِهِ (مِنَ الرَّجُلِ) بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا كَعِمَامَةٍ (وَ)تَغْطِيَةُ (الْوَجْهِ) أَوْ بَعْضِهِ (مِنَ الْمَرْأَةِ) بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا وَلُبْسُ قُفَّازٍ وَهُوَ شَىْءٌ يُعْمَلُ لِلْكَفِّ لِيَقِيَهَا مِنَ الْبَرْدِ (وَتَرْجِيلُ شَعَرِهِ) أَىْ دَهْنُ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِمَا يُسَمَّى دُهْنًا كَزَيْتٍ (وَحَلْقُهُ) أَىْ إِزَالَةُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ (وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (وَالطِّيبُ) أَىِ اسْتِعْمَالُ طِيبٍ فِى مَلْبُوسٍ أَوْ بَدَنٍ كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَفِيهِ فِدْيَةٌ أَمَّا مَنْ كَانَ نَاسِيًا لِلإِحْرَامِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَى التَّطَيُّبِ أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (وَقَتْلُ الصَّيْدِ) أَىْ صَيْدِ مَأْكُولٍ بَرِّىٍّ وَحْشِىٍّ كَالنَّعَامَةِ وَالضَّبُعِ بِخِلافِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْبَحْرِىِّ وَالْمُسْتَأْنِسِ وَكُلِّ حَيَوَانٍ مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فَلا يَحْرُمُ اصْطِيَادُهُ (وَعَقْدُ النِّكَاحِ) فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكِحُ (وَالْوَطْءُ) أَىِ الْجِمَاعُ (وَالْمُبَاشَرَةُ) بِشَهْوَةٍ كَلَمْسٍ أَوْ تَقْبِيلٍ بِشَهْوَةٍ أَمَّا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلا يَحْرُمُ (وَفِى جَمِيعِ ذَلِكَ) أَىْ فِى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ (الْفِدْيَةُ إِلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ) لا فِدْيَةَ فِيهِ وَ(لا يَنْعَقِدُ) أَىْ لا يَصِحُّ. وَالْفِدْيَةُ فِى الطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَلُبْسِ شَىْءٍ يُحِيطُ بِالْبَدَنِ بِخِيَاطَةٍ وَإِزَالَةِ ثَلاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلاثَةِ أَظْفَارٍ أَوْ أَكْثَرَ وَالْجِمَاعِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ وَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ كَالتَّقْبِيلِ بِشَهْوَةٍ ذَبْحُ شَاةٍ أَوِ التَّصَدُّقُ بِثَلاثَةِ ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ وَهِىَ اثْنَتَا عَشْرَةَ حَفْنَةً بِكَفَّىْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ أَوْ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (وَلا يُفْسِدُهُ) أَىِ الْحَجَّ (إِلَّا الْوَطْءُ فِى الْفَرْجِ) أَىِ الْجِمَاعُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ أَىْ قَبْلَ فِعْلِ اثْنَيْنِ مِنْ ثَلاثَةٍ طَوَافِ الْفَرْضِ وَرَمْىِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (وَ)إِذَا أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ (لا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ) بَلْ يَمْضِى فِيهِ وَلا يَقْطَعُهُ ثُمَّ يَقْضِى فِى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ. أَمَّا الْجِمَاعُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ فَلا يُفْسِدُ الْحَجَّ لَكِنَّهُ حَرَامٌ وَفِيهِ فِدْيَةٌ.

     (وَمَنْ) أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ (فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا بَيْنَ زَوَالِ شَمْسِ التَّاسِعِ وَفَجْرِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ (تَحَلَّلَ) مِنْ حَجِّهِ (بِعَمَلِ عُمْرَةٍ) بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ لا بِنِيَّةِ أَدَاءِ عُمْرَةٍ (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْىُ) أَىْ الدَّمُ فِى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ.

     (وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا) يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْحَجِّ كَطَوَافِ الْفَرْضِ (لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ) أَىْ يَبْقَى مُحْرِمًا (حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ) وَلا يَجْبُرُهُ دَمٌ أَىْ ذَبْحُ شَاةٍ (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ عَلَيْهِ إِثْمٌ وَ(لَزِمَهُ الدَّمُ) أَىْ ذَبْحُ شَاةٍ (وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً) مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ (لَمْ يَلْزَمْهُ بِتَرْكِهَا شَىْءٌ).

     (فَصْلٌ) فِى أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِى الإِحْرَامِ.

     (وَالدِّمَاءُ) الْوَاجِبَةُ (فِى الإِحْرَامِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) أَىْ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ (أَحَدُهَا الدَّمُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِ نُسُكٍ) كَأَنْ تَرَكَ الإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَوِ اعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ (وَهُوَ) أَىْ هَذَا الدَّمُ (عَلَى التَّرْتِيبِ) لا عَلَى التَّخْيِيرِ فَيَجِبُ أَوَّلًا (شَاةٌ) تُجْزِئُ فِى الأُضْحِيَّةِ (فَإِذَا لَمْ يَجِدْ) شَاةً يَذْبَحُهَا (فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثَلاثَةٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) وَلا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ.

     (وَالثَّانِى الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْحَلْقِ) أَىْ حَلْقِ الرَّأْسِ وَإِزَالَةِ ثَلاثِ شَعَرَاتٍ وَثَلاثَةِ أَظْفَارٍ وَلُبْسِ الْمُحِيطِ وَالْمُبَاشَرَةِ (وَالتَّرَفُّهِ) بِالتَّطَيُّبِ وَالدَّهْنِ (وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ) إِمَّا (شَاةٌ) تُجْزِئُ فِى الأُضْحِيَّةِ (أَوْ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَوِ التَّصَدُّقُ بِثَلاثَةِ ءَاصُعٍ عَلَى سِتَّةِ) فُقَرَاءَ أَوْ (مَسَاكِينَ) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ يُجْزِئُ فِى الْفِطْرَةِ.

     (وَالثَّالِثُ الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالإِحْصَارِ فَيَتَحَلَّلُ) الْمُحْصَرُ وَهُوَ الَّذِى مُنِعَ مِنْ إِكْمَالِ طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ أَىْ يَنْوِى التَّحَلُّلَ مِنَ النُّسُكِ بِسَبَبِ الإِحْصَارِ (وَيُهْدِى) أَىْ يَذْبَحُ (شَاةً) بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ حَيْثُ أُحْصِرَ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الذَّبْحِ أَطْعَمَ قِيمَةَ الشَّاةِ قَمْحًا فَإِنْ عَجَزَ صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ مِائَةَ مُدٍّ صَامَ مِائَةَ يَوْمٍ.

     (وَالرَّابِعُ الدَّمُ الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ) فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ (إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ) مِنَ النَّعَمِ أَىِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (أَخْرَجَ الْمِثْلَ) أَىِ الأَقْرَبَ شَبَهًا بِهِ (مِنَ النَّعَمِ) أَىْ يَذْبَحُ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ فَيَجِبُ فِى النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ مِنَ الإِبِلِ وَفِى بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِى ظَبْىٍ ذَكَرٌ مِنَ الْمَعْزِ وَفِى ظَبْيَةٍ أُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ وَفِى غَزَالٍ صَغِيرٍ مَعْزٌ صَغِيرٌ (أَوْ قَوَّمَهُ) أَىْ قَوَّمَ الْمِثْلَ طَعَامًا (وَأَخْرَجَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا) مِنْ جِنْسِ مَا يُجْزِئُ فِى الْفِطْرَةِ وَهُوَ الْقَمْحُ (وَتَصَدَّقَ بِهِ) عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ (أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا). (وَ)أَمَّا (إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لا مِثْلَ لَهُ) مِنَ النَّعَمِ (أَخْرَجَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا) وَتَصَدَّقَ بِهِ (أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا).

     (وَالْخَامِسُ الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْوَطْءِ) أَىِ الْجِمَاعِ (وَهُوَ) عَلَى الرَّجُلِ لا عَلَى الْمَرْأَةِ (عَلَى التَّرْتِيبِ) فَيَجِبُ أَوَّلًا (بَدَنَةٌ) مِنَ الإِبِلِ أَتَمَّتْ خَمْسَ سِنِينَ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ) أَتَمَّتْ سَنَتَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَسَبْعُ) جِذَاعٍ (مِنَ الْغَنَمِ) إِنْ كَانَتْ ضَأْنًا أَوْ سَبْعُ ثَنِيَّاتٍ إِنْ كَانَتْ مَعْزًا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ) عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَلا يُجْزِئُهُ الْهَدْىُ وَلا الإِطْعَامُ) عِنْدَئِذٍ (إِلَّا بِالْحَرَمِ) وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ أَنْ يَدْفَعَ الْهَدْىَ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاكِينَ أَوْ فُقَرَاءَ (وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ).

     (وَلا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ) أَىْ حَرَمِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَلا قَطْعُ شَجَرِهِ) أَوْ قَلْعُهُ (وَالْمُحِلُّ) أَىْ غَيْرُ الْمُحْرِمِ (وَالْمُحْرِمُ فِى ذَلِكَ) أَىْ فِى حُرْمَةِ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَقَطْعِ نَبَاتِهِمَا (سَوَاءٌ). وَتَزِيدُ مَكَّةُ عَلَى الْمَدِينَةِ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِى الصَّيْدِ وَالنَّبَاتِ فَلا فِدْيَةَ فِى صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَقَطْعِ نَبَاتِهَا. وَحَدُّ حَرَمِ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ جَبَلِ عَيْرٍ وَجَبَلِ ثَوْرٍ.

 


 

(كِتَابُ الْبُيُوعِ)

 

     أَىْ هَذَا كِتَابٌ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلاتِ كَالْقِرَاضِ وَالرَّهْنِ وَالإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا. وَالْبَيْعُ هُوَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ كَبَيْتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ كَتَمْلِيكِ حَقِّ الْبِنَاءِ عَلَى سَطْحٍ بِثَمَنٍ مَالِىٍّ بِإِذْنٍ شَرْعِىٍ فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْهِبَةُ وَالإِعَارَةُ وَالإِجَارَةُ فَلا تُسَمَّى بَيْعًا. وَكُلُّ بَيْعٍ حَلالٌ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وَأَرْكَانُ الْبَيْعِ سِتَّةٌ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ وَثَمَنٌ وَمُثْمَنٌ وَإِيجَابٌ وَقَبُولٌ كَقَوْلِ بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا فَيَقُولُ اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا. وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ صِحَّةَ الْمُعَاطَاةِ فِى الْبَيْعِ أَىِ التَّعَاقُدِ بِلا لَفْظٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِى مَا كَانَتْ قِيمَتُهُ هَيِّنَةً عِنْدَ النَّاسِ كَالْخُبْزِ وَالْقَمْحِ لا كَالْبَيْتِ أَوِ الأَرْضِ.

     (وَالْبُيُوعُ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ) أَىْ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ (بَيْعُ عَيْنٍ مُشَاهَدَةٍ) أَىْ مَرْئِيَّةٍ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ (فَجَائِزٌ) بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَبِيعِ طَاهِرًا وَمُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مُعْتَبَرَةً فِى الشَّرْعِ وَمَقْدُورًا عَلَى تَسَلُّمِهِ بِلا كُلْفَةٍ كَبِيرَةٍ وَأَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ وِلايَةٌ بِمِلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ كَوَكَالَةٍ (وَبَيْعُ شَىْءٍ مَوْصُوفٍ فِى الذِّمَّةِ فَجَائِزٌ إِذَا وُجِدَتْ) فِى الْمَبِيعِ (الصِّفَةُ عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ) أَىْ بَيْعُ شَىْءٍ فِى الذِّمَّةِ غَيْرِ مُشَاهَدٍ مَوْصُوفٍ كَأَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ عَبْدًا صِفَتُهُ كَذَا مَعْنَاهُ الْتَزَمْتُ لَكَ فِى ذِمَّتِى عَبْدًا هَذِهِ صِفَتُهُ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِى اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا (وَبَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ) عَنِ الرُّؤْيَةِ (لَمْ تُشَاهَدْ) أَىْ لَمْ يَرَهَا الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا (فَلا يَجُوزُ) وَلا يَصِحُّ بَيْعُهَا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهَا مَعَ كَوْنِهَا مُعَيَّنَةً كَأَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ سَيَّارَتِى الَّتِى فِى الْمَوْقِفِ وَلَمْ يَرَهَا الْمُشْتَرِى. أَمَّا إِنْ شُوهِدَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَرَهَا الْمُتَعَاقِدَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَتْ لا تَتَغَيَّرُ غَالِبًا فِى الْمُدَّةِ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وَالشِّرَاءِ صَحَّ الْعَقْدُ أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ تَتَغَيَّرُ فِى هَذِهِ الْمُدَّةِ فَلا يَصِحُّ الْعَقْدُ إِلَّا بِرُؤْيَتِهَا مَرَّةً أُخْرَى.

     (وَيَصِحُّ بَيْعُ كُلِّ طَاهِرٍ) مِنَ الأَعْيَانِ (مُنْتَفَعٍ بِهِ) انْتِفَاعًا مُبَاحًا (مَمْلُوكٍ) مِنَ الْعَاقِدِ أَوْ لَهُ عَلَيْهِ وِلايَةٌ كَأَنْ يَكُونَ وَلِىَّ يَتِيمٍ أَوْ وَكِيلًا عَنِ الْمَالِكِ أَمَّا مَا لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ الْمِلْكِ فَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالإِنْسَانِ الْحُرِّ وَالأَرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِى لا مَالِكَ لَهَا (وَلا يَصِحُّ بَيْعُ عَيْنٍ نَجِسَةٍ) كَخَمْرٍ أَوْ مُتَنَجِّسَةٍ لا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا كَزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ (وَلا) بَيْعُ (مَا لا يُنْتَفَعُ بِهِ) مَنْفَعَةً مُعْتَبَرَةً شَرْعًا كَبَيْعِ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ أَوِ الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ كَلُعَبِ الأَطْفَالِ.

     (فَصْلٌ) فِى الرِّبَا.

     يَحْرُمُ الرِّبَا فِعْلُهُ وَأَكْلُهُ وَأَخْذُهُ وَكِتَابَتُهُ وَشَهَادَتُهُ فَيَشْتَرِكُ فِى الإِثْمِ ءَاخِذُ الرِّبَا وَدَافِعُهُ وَكَاتِبُ الْعَقْدِ وَشَاهِدُهُ وَالَّذِى يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ الَّذِى يَصِلُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّبَا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ءَاكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ.

     (وَالرِّبَا فِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) يَحْصُلُ فِى بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ بِغَيْرِ تَقَابُضٍ أَوْ مَعَ تَأْجِيلِ الْقَبْضِ (وَ)أَمَّا الرِّبَا فِى (الْمَطْعُومَاتِ) فَإِنَّهُ يَحْصُلُ فِى بَيْعِ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ كَقَمْحٍ بِشَعِيرٍ بِغَيْرِ تَقَابُضٍ أَوْ مَعَ تَأْجِيلِ الْقَبْضِ كَأَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الْقَمْحَ بِهَذَا الشَّعِيرِ عَلَى أَنْ أُعْطِيَكَ إِيَّاهُ بَعْدَ يَوْمٍ.

     (وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَلا الْفِضَّةِ) بِالْفِضَّةِ (كَذَلِكَ إِلَّا مُتَمَاثِلًا) أَىْ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا وَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا (نَقْدًا) أَىْ حَالًّا بِلا تَأْجِيلٍ مَعَ التَّقَابُضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَلا يَجُوزُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مِنْ جِنْسِهِ كَشَعِيرٍ بِشَعِيرٍ مَعَ اخْتِلافِ الْكَمِّيَّةِ فَعَنْ مَعْمَرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَكَانَ طَعَامَنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

     (وَلا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا ابْتَاعَهُ) أَىْ بَيْعُ مَا اشْتَرَاهُ (حَتَّى يَقْبِضَهُ) وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا يُنْقَلُ كَالسَّيَّارَةِ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ وَبِالْمُنَاوَلَةِ فِيمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالثَّوْبِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى أَىْ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ.

     (وَلا) يَجُوزُ بَيْعُ (اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) الْحَىِّ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ هَذَا اللَّحْمِ أَوْ غَيْرِهِ.

     (وَيَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا) أَىْ مَعَ اخْتِلافِ الْوَزْنِ إِذَا كَانَ (نَقْدًا) أَىْ حَالًّا بِلا تَأْجِيلٍ وَتَمَّ التَّقَابُضُ فِى مَجْلِسِ التَّعَاقُدِ (وَكَذَلِكَ الْمَطْعُومَاتُ لا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهَا بِمِثْلِهِ إِلَّا مُتَمَاثِلًا) أَىْ مَعَ التَّسَاوِى بِالْكَيْلِ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهَا) أَىِ الْمَطْعُومَاتِ (بِغَيْرِهِ مُتَفَاضِلًا) أَىْ مَعَ اخْتِلافِ الْكَمِّيَّةِ إِذَا كَانَ (نَقْدًا) أَىْ حَالًّا بِلا تَأْجِيلٍ وَحَصَلَ التَّقَابُضُ.

     (وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ) كَبَيْعِ الْمَجْهُولِ كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَوْ مَا لا قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَبَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ بَيْتٍ مَغْصُوبٍ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْخِيَارِ. وَالْخِيَارُ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَخِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.

     (وَالْمُتَبَايِعَانِ) بَعْدَ إِجْرَاءِ الْعَقْدِ (بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) أَىْ لَهُمَا الْخِيَارُ فِى فَسْخِ الْعَقْدِ مَا دَامَا فِى الْمَجْلِسِ لِقَوْلِهِ ﷺ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (وَلَهُمَا) أَىِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا إِذَا رَضِىَ الآخَرُ (أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ) لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا (إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) وَتُحْسَبُ الْمُدَّةُ مِنَ الشَّرْطِ لا مِنَ افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.

     (وَإِذَا وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ) تَنْقُصُ بِهِ قِيمَتُهُ وَكَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْقَبْضِ (فَلِلْمُشْتَرِى رَدُّهُ) فَوْرَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ فَإِنْ أَخَّرَ بِلا عُذْرٍ سَقَطَ حَقُّهُ فِى الرَّدِّ.

     (وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا) أَىْ لا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرِ الشَّجَرِ بِلا شَرْطِ الْقَطْعِ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِ صَلاحِ الثَّمَرِ.

     (وَلا) يَجُوزُ (بَيْعُ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ) حَالَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا (رَطْبًا) كَبَيْعِ رُطَبٍ بِرُطَبٍ أَوْ عِنَبٍ بِعِنَبٍ لِعَدَمِ تَمَاثُلِهِمَا بَعْدَ الْجَفَافِ (إِلَّا اللَّبَنَ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ قَبْلَ تَجْبِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ رَطْبًا.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ السَّلَمِ وَهُوَ بَيْعُ شَىْءٍ مَوْصُوفٍ فِى الذِّمَّةِ بِلَفْظِ السَّلَمِ أَوِ السَّلَفِ. وَلا بُدَّ فِيهِ مِنْ صِيغَةِ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوعِ كَأَنْ يَقُولَ أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِى كَيْلِ قَمْحٍ صِفَتُهُ كَذَا فَيَقُولُ قَبِلْتُ.

     (وَيَصِحُّ السَّلَمُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا) إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ (فِيمَا تَكَامَلَ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ) أَىْ يَصِحُّ السَّلَمُ فِى شَىْءٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ وَهِىَ (أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ) أَىْ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِأَوْصَافٍ تُمَيِّزُهُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ وَتَنْتَفِى بِوَصْفِهِ الْجَهَالَةُ فِيهِ (وَأَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ غَيْرُهُ) أَمَّا الْمُخْتَلِطُ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ لا يُعْلَمُ مِقْدَارُهَا كَالْغَالِيَةِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ مُرَكَّبٌ مِنْ وَرْدٍ وَمِسْكٍ وَعُودٍ فَلا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ فَلا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ (وَ)قَوْلُهُ (لَمْ تَدْخُلْهُ النَّارُ لِإِحَالَتِهِ) أَىْ يُشْتَرَطُ أَنْ لا تَدْخُلَهُ النَّارُ لِأَنَّهَا تُحَوِّلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَيَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ لِاخْتِلافِ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ فَلا يَصِحُّ السَّلَمُ فِى الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ الْمَشْوِىِّ (وَأَنْ لا يَكُونَ مُعَيَّنًا) بَلْ دَيْنًا فِى الذِّمَّةِ فَلا يَصِحُّ السَّلَمُ فِى الْمُعَيَّنِ كَأَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِى هَذَا الْكَيْلِ مِنَ الْقَمْحِ (وَ)أَنْ (لا) يَكُونَ (مِنْ مُعَيَّنٍ) كَأَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الدِّرْهَمَ فِى صَاعٍ مِنَ الْقَمْحِ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ لِأَنَّهُ كَالْمُعَيَّنِ.

     (ثُمَّ لِصِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ ثَمَانِيَةُ شَرَائِطَ) وَفِى بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَصِحُّ السَّلَمُ بِثَمَانِيَةِ شَرَائِطَ وَهُوَ أَنْ يَصِفَهُ بَعْدَ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِى يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ) أَىْ أَنَّ الشَّرْطَ فِى الْمُسْلَمِ فِيهِ وَهُوَ الْمَبِيعُ أَنْ يَصِفَهُ وَصْفًا يَنْفِى الْجَهَالَةَ عَنْهُ وَأَنْ يَذْكُرَ الصِّفَاتِ الَّتِى تُؤَثِّرُ فِى ثَمَنِهِ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهُ وَنَوْعَهُ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ مَالًا فِى شَاةٍ فَلا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ هَلْ يُرِيدُ شَاةً ذَكَرًا أَوْ شَاةً أُنْثَى لِأَنَّ ثَمَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ ثَمَنَ الأُنْثَى (وَأَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِمَا يَنْفِى الْجَهَالَةَ عَنْهُ) أَىْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا. (وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ذَكَرَ وَقْتَ مَحِلِّهِ) أَىْ وَقْتَ حُلُولِ أَجَلِهِ أَىْ إِنْ كَانَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الأَجَلُ مَعْلُومًا (وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فِى الْغَالِبِ) أَىْ أَنْ لا يَكُونَ وُجُودُهُ نَادِرًا (وَأَنْ يَذْكُرَ مَوْضِعَ قَبْضِهِ) أَىْ مَحَلَّ تَسْلِيمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ أَوْ كَانَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا وَكَانَ فِى نَقْلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إِلَى مَحَلِّ الْعَقْدِ مُؤْنَةٌ أَىْ مَشَقَّةٌ وَكُلْفَةٌ مَالِيَّةٌ (وَأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ) أَىْ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ (مَعْلُومًا) بِرُؤْيَتِهِ إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ بِوَصْفِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِى تَنْفِى الْجَهَالَةَ عَنْهُ إِنْ كَانَ فِى الذِّمَّةِ (وَأَنْ يَتَقَابَضَا) أَىْ أَنْ يَقْبِضَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ وَهُوَ الْبَائِعُ رَأْسَ الْمَالِ فِى مَجْلِسِ الْعَقْدِ (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) أَىْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا (وَأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ نَاجِزًا لا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ) أَىْ يُشْتَرَطُ فِى عَقْدِ السَّلَمِ لِصِحَّتِهِ أَنْ لا يَدْخُلَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ بِخِلافِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِى عَقْدِ السَّلَمِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الرَّهْنِ وَهُوَ جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ كَدَارٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ أَىْ مَرْبُوطَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا الدَّيْنُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ رَهَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِالْمَبْلَغِ الَّذِى لَكَ عَلَىَّ فَلا يَتَصَرَّفُ بِهَا صَاحِبُهَا بِحَيْثُ تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ الدَّيْنَ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ.

     وَأَرْكَانُ الرَّهْنِ خَمْسَةٌ رَاهِنٌ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَمُرْتَهِنٌ وَهُوَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ وَمَرْهُونٌ وَهُوَ الْعَيْنُ الْمَرْهُونَةُ وَمَرْهُونٌ بِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ وَصِيغَةٌ أَىْ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ. وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فَلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا. (وَ)أَمَّا الْمَرْهُونُ فَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ (كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ) مِنَ الأَعْيَانِ (جَازَ رَهْنُهُ فِى الدُّيُونِ) لا فِى الأَعْيَانِ (إِذَا اسْتَقَرَّ ثُبُوتُهَا فِى الذِّمَّةِ) أَىْ إِذَا لَزِمَتْ كَالأُجْرَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ كَانَتْ ءَايِلَةً إِلَى اللُّزُومِ كَالثَّمَنِ فِى مُدَّةِ الْخِيَارِ.

     (وَلِلرَّاهِنِ) الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ بِغَيْرِ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِتْلافٍ لَهُ وَبِغَيْرِ مَا يَنْقُصُ قِيمَتَهُ وَلَهُ (الرُّجُوعُ فِيهِ) أَىِ الرَّهْنِ بِأَنْ يَفْسَخَ عَقْدَهُ (مَا لَمْ يَقْبِضْهُ) الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ مِمَّنْ يَصِحُّ إِقْبَاضُهُ لَزِمَ الرَّهْنُ وَامْتَنَعَ عَلَى الرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ. أَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلَوْ بِدُونِ رِضَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ مِنْ جِهَتِهِ.

     (وَ)الرَّهْنُ أَىِ الْمَرْهُونُ إِذَا وُضِعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ (لا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ) إِذَا تَلِفَ (إِلَّا بِالتَّعَدِّى) أَىْ إِلَّا إِذَا قَصَّرَ فِى حِفْظِهِ وَلا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَىْءٌ مِنَ الدَّيْنِ.

     (وَإِذَا قَبَضَ) الْمُرْتَهِنُ (بَعْضَ الْحَقِّ) الَّذِى لَهُ (لَمْ يَخْرُجْ) أَىْ لَمْ يَنْفَكَّ (شَىْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْبِضَ جَمِيعَهُ) أَىْ جَمِيعَ الْحَقِّ الَّذِى عَلَى الرَّاهِنِ.

     (فَصْلٌ) فِى الْحَجْرِ وَهُوَ شَرْعًا مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِى الْمَالِ.

     (وَالْحَجْرُ عَلَى سِتَّةٍ) أَىْ سِتَّةٌ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ بِالتَّصَرُّفِ فِى مَالِهِمْ (الصَّبِىُّ) الَّذِى لَمْ يَبْلُغْ فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُ فِى مَالِهِ بِحَسَبِ مَصْلَحَتِهِ (وَالْمَجْنُونُ) الَّذِى لا يَعْقِلُ (وَالسَّفِيهُ) أَىْ غَيْرُ الْمُصْلِحِ لِدِينِهِ وَمَالِهِ (الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ) أَىْ يَصْرِفُ مَالَهُ فِى الْحَرَامِ أَوْ يُغْبَنُ غَبْنًا فَاحِشًا فِى الْمُعَامَلاتِ. (وَ)مِمَّنْ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ بِالتَّصَرُّفِ فِى مَالِهِمْ (الْمُفْلِسُ) وَهُوَ الشَّخْصُ (الَّذِى ارْتَكَبَتْهُ الدُّيُونُ) أَىْ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ وَكَانَ دَيْنُهُ الْحَالُّ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (وَالْمَرِيضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ) أَىْ الْمَرِيضُ بِمَرَضٍ كَثِيرًا مَا يَمُوتُ الْمُصَابُ مِنْهُ عَاجِلًا كَالإِسْهَالِ الْمُتَتَابِعِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ فِى الْوَصَايَا وَالْعَطَايَا (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) أَىْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ لِأَجْلِ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَأْكُلُ كُلَّ التَّرِكَةِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِى كُلِّ مَالِهِ (وَالْعَبْدُ) الْمَمْلُوكُ (الَّذِى لَمْ يُؤَذْنْ لَهُ فِى التِّجَارَةِ) أَىْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلا شِرَائُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ.

     (وَتَصَرُّفُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ) فَلا يَصِحُّ مِنْهُمْ بَيْعٌ وَلا شِرَاءٌ وَلا هِبَةٌ أَمَّا السَّفِيهُ فَيَصِحُّ طَلاقُهُ وَلا يَصِحُّ نِكَاحُهُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.

     (وَتَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ يَصِحُّ فِى ذِمَّتِهِ) كَأَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فِى ذِمَّتِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ إِذَا أَعْلَمَ الْبَائِعَ بِحَالِهِ فَقَبِلَ أَنْ يَبِيعَهُ (دُونَ أَعْيَانِ مَالِهِ) لِأَنَّ مَالَهُ كُلَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الدَّائِنِينَ.

     (وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ) بِمَرَضٍ مَخُوفٍ (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ بَعْدِهِ) فَإِنْ أَوْصَى الْمَرِيضُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفٌ عَلَى رِضَا الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لا قَبْلَهُ.

     (وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ) الْمَمْلُوكِ الَّذِى لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِى التِّجَارَةِ لا يَصِحُّ فَإِنْ كَانَ عَيْنُ الْمَالِ مَا زَالَ مَوْجُودًا يَرُدُّهُ أَىْ يَرُدُّ مَا اشْتَرَاهُ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ. وَأَمَّا إِذَا تَلِفَ (يَكُونُ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ إِذَا عَتَقَ) أَىْ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ.

     وَيَرْتَفِعُ حَجْرُ الإِفْلاسِ بِفَكِّ الْحَاكِمِ لَهُ وَحَجْرُ الْجُنُونِ بِزَوَالِهِ وَحَجْرُ الصِّغَرِ بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ وَحَجْرُ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ بِالصِّحَّةِ وَحَجْرُ السَّفَهِ عَمَّنْ بَلَغَ سَفِيهًا بِرُشْدِهِ وَحَجْرُ الرِّقِّ بِرَفْعِ السَّيِّدِ لَهُ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الصُّلْحِ.

     وَهُوَ عَقْدٌ يَحْصُلُ بِهِ صُلْحٌ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ يَدَّعِى أَحَدُهُمَا حَقًّا عَلَى الآخَرِ وَيُصَالِحُهُ عَنْ حَقِّهِ بِشَىْءٍ لِإِنْهَاءِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ عَاقِدَانِ وَهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ وَمُصَالَحٌ عَنْهُ وَمُصَالَحٌ عَلَيْهِ كَأَنْ تَنَازَعَا عَلَى بَيْتٍ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِى أَنَّهُ لَهُ ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَقَالَ لِلآخَرِ صَالِحْنِى عَنْ بَيْتِكَ بِكَذَا فَقَالَ صَالَحْتُكَ عَنْ بَيْتِى بِكَذَا جَازَ.

     (وَ)لا (يَصِحُّ الصُّلْحُ) إِلَّا (مَعَ الإِقْرَارِ) أَىِ اعْتِرَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُدَّعِى (فِى الأَمْوَالِ وَ)كَذَا (مَا يُفْضِى) أَىْ يُؤَدِّى (إِلَيْهَا) كَأَنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ ظُلْمًا فَصَالَحَهُ الآخَرُ مِنَ الْقِصَاصِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ بِأَنْ قَالَ لَهُ صَالَحْتُكَ مِنَ الْقِصَاصِ بِكَذَا مِنَ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ.

     (وَهُوَ) أَىِ الصُّلْحُ (نَوْعَانِ إِبْرَاءٌ) عَنْ دَيْنٍ (وَمُعَاوَضَةٌ) عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (فَالإِبْرَاءُ) أَىْ صُلْحُهُ (اقْتِصَارُهُ مِنْ حَقِّهِ) أَىْ دَيْنِهِ (عَلَى بَعْضِهِ) فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ نِصْفِ الدَّيْنِ الَّذِى عَلَيْهِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ كَأَنْ قَالَ لَهُ صَالَحْتُكَ مِنَ الأَلْفِ الَّتِى لِى عَلَيْكَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا فَقَالَ الآخَرُ قَبِلْتُ صَحَّ الصُّلْحُ. (وَلا يَجُوزُ فِعْلُهُ) وَفِى نُسْخَةٍ (تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ) أَىْ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الصُّلْحِ بِنَوْعَيْهِ عَلَى شَرْطٍ كَقَوْلِهِ إِنْ رَبِحَتْ تِجَارَتِى فَقَدْ صَالَحْتُكَ مِنْ دَيْنِى الَّذِى لِى عَلَيْكَ عَلَى نِصْفِهِ.

     (وَ)أَمَّا (الْمُعَاوَضَةُ) أَىْ صُلْحُهَا (فَهُوَ عُدُولُهُ عَنْ حَقِّهِ) إِنْ كَانَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا (إِلَى غَيْرِهِ) كَأَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ بَيْتًا فَأَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ وَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى مُعَيَّنٍ كَأَنْ قَالَ لَهُ صَالَحْتُكَ مِنْ بَيْتِكَ هَذَا عَلَى أَرْضِى الْفُلانِيَّةِ فَيَقُولُ قَبِلْتُ ذَلِكَ (وَيَجْرِى عَلَيْهِ) أَىْ عَلَى هَذَا الصُّلْحِ (حُكْمُ الْبَيْعِ) كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَعَدَمِ التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

     (وَيَجُوزُ لِلإِنْسَانِ) الْمُسْلِمِ (أَنْ يُشْرِعَ) أَىْ يُخْرِجَ مِنْ بَيْتِهِ (رَوْشَنًا) كَسَقِيفَةٍ (فِى) هَوَاءِ (طَرِيقٍ نَافِذٍ) بِشَرْطِ أَنْ (لا يَتَضَرَّرَ الْمَارُّ بِهِ وَلا يَجُوزُ) إِشْرَاعُ الرَّوْشَنِ (فِى الدَّرْبِ) أَىِ الطَّرِيقِ غَيْرِ النَّافِذِ (الْمُشْتَرَكِ إِلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ) فِيهِ. وَالشُّرَكَاءُ فِى الدَّرْبِ هُمُ الَّذِينَ بَابُ دُورِهِمْ إِلَى الدَّرْبِ وَيَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمُ الِانْتِفَاعَ مِنْ بَابِ دَارِهِ إِلَى رَأْسِ الدَّرْبِ.

     (وَ)يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ فِى الدَّرْبِ إِذَا سَدَّ بَابَ دَارِهِ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا جَدِيدًا أَىْ (يَجُوزُ) لَهُ (تَقْدِيمُ الْبَابِ) إِلَى رَأْسِ الدَّرْبِ (فِى الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ) وَلَوْ بِدُونِ إِذْنِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ حَقِّهِ فَجَازَ بِلا إِذْنٍ فَإِنْ لَمْ يَسُدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ فَلِلشُّرَكَاءِ مَنْعُهُ (وَلا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أَىِ الْبَابِ إِلَى جِهَةِ ءَاخِرِ الدَّرْبِ وَإِنْ سُدَّ الْبَابُ الْقَدِيمُ (إِلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ) الَّذِينَ بَابُ دُورِهِمْ أَبْعَدُ عَنْ رَأْسِ الدَّرْبِ مِنَ الْبَابِ الْقَدِيمِ فَإِذَا لَمْ يَأْذَنُوا لَهُ فَصَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ مُقَابِلَ أَنْ يَأْذَنُوا لَهُ صَحَّ.

     (فَصْلٌ) فِى الْحَوَالَةِ وَهِىَ نَقْلُ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَأَرْكَانُ الْحَوَالَةِ خَمْسَةٌ مُحِيلٌ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِلْمُحِيلِ وَمُحْتَالٌ وَهُوَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحِيلِ وَدَيْنٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَمِنَ الْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَصِيغَةٌ كَأَنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ عَلَى بَكْرٍ أَلْفُ دُولارٍ وَلِبَكْرٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفُ دُولارٍ فَيَقُولُ بَكْرٌ لِزَيْدٍ أَحَلْتُكَ بِهَذِهِ الأَلْفِ الَّتِى لَكَ عَلَىَّ عَلَى عَمْرٍو فَيَقُولُ زَيْدٌ قَبِلْتُ. وَلا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَنْ لا دَيْنَ عَلَيْهِ.

     (وَشَرَائِطُ الْحَوَالَةِ أَرْبَعَةٌ رِضَا الْمُحِيلِ) لا رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لا يُشْتَرَطُ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ، وَصِيغَةٌ وَهِىَ إِيجَابُ الْمُحِيلِ (وَقَبُولُ الْمُحْتَالِ) بِالإِحَالَةِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَقَوْلِ أَحَلْتُكَ بِالدَّيْنِ الَّذِى لَكَ عَلَىَّ عَلَى فُلانٍ (وَكَوْنُ الْحَقِّ مُسْتَقِرًّا فِى الذِّمَّةِ) أَىْ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لازِمًا أَوْ ءَايِلًا إِلَى اللُّزُومِ (وَاتِّفَاقُ مَا فِى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فِى الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْحُلُولِ وَالـتَّأْجِيلِ) أَىْ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الدَّيْنِ الَّذِى عَلَى الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ وَكَذَا نَوْعُهُ وَاحِدًا وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا كَأَنْ يَكُونَ دَيْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرَ صِيعَانِ قَمْحٍ مِصْرِىٍّ مُؤَجَّلًا وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ حُلُولِ أَجَلِهِمَا وَاحِدًا. 

     (وَ)فَائِدَةُ الْحَوَالَةِ أَنَّهَا (تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيلِ) أَىْ يَبْرَأُ الْمُحِيلُ مِنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ وَهُوَ صَاحِبُ الدَّيْنِ.

     (فَصْلٌ) فِى الضَّمَانِ وَهُوَ الْتِزَامُ دَفْعِ مَا فِى ذِمَّةِ الْغَيْرِ مِنَ الْمَالِ. وَأَرْكَانُ الضَّمَانِ خَمْسَةٌ ضَامِنٌ وَهُوَ الَّذِى الْتَزَمَ دَفْعَ مَا فِى ذِمَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَالِ وَمَضْمُونٌ لَهُ وَهُوَ الدَّائِنُ وَمَضْمُونٌ عَنْهُ وَهُوَ الْمَدِينُ أَىْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَمَضْمُونٌ وَهُوَ الدَّيْنُ الْمُسْتَحَقُ وَصِيغَةٌ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ كَضَمِنْتُ دَيْنَكَ الَّذِى عَلَى فُلانٍ. وَشَرْطُ الضَّامِنِ أَنْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ مِنْهُ فَلا يَصِحُّ ضَمَانُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.

     (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِى الذِّمَّةِ) أَىِ اللَّازِمَةِ أَوِ الآيِلَةِ إِلَى اللُّزُومِ (إِذَا عُلِمَ قَدْرُهَا) وَجِنْسُهَا وَصِفَتُهَا. أَمَّا الدُّيُونُ الْمَجْهُولَةُ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ صِفَةً فَلا يَصِحُّ ضَمَانُهَا.

     (وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ) أَىِ الدَّيْنِ (مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنَ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ) أَىْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَا) أَىْ إِذَا اكْتَمَلَتْ أَرْكَانُهُ وَشُرُوطُهُ. (وَإِذَا غَرِمَ الضَّامِنُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ) لِيَأْخُذَ مِنْهُ مَا دَفَعَ (إِذَا كَانَ) كُلٌّ مِنَ (الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ) أَىْ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ (بِإِذْنِهِ) أَىْ بِإِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَكَذَا إِذَا أَذِنَ فِى الضَّمَانِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِى الْقَضَاءِ بِخِلافِ مَا إِذَا ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلا يَرْجِعُ.

     (وَلا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ) كَأَنْ يَقُولَ بِعْ فُلانًا سَيَّارَتَكَ وَعَلَىَّ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِجَهْلِهِ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ. (وَ)لا يَصِحُّ ضَمَانُ (مَا لَمْ يَجِبْ إِلَّا دَرَكَ) أَىْ تَبِعَةَ (الْمَبِيعِ) فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ بِأَنْ يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِى الثَّمَنَ إِنْ طَلَعَ الْمَبِيعُ لِوَاحِدٍ ثَالِثٍ أَوْ يَضْمَنَ لِلْبَائِعِ الْمَبِيعَ إِنْ طَلَعَ الثَّمَنُ لِوَاحِدٍ ثَالِثٍ كَأَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِى بَعْدَ الْعَقْدِ ضَمِنْتُ لَكَ عُهْدَةَ الثَّمَنِ أَوْ دَرَكَ الثَّمَنِ أَوْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ ضَمِنْتُ لَكَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ أَوْ دَرَكَ الْمَبِيعِ.

     (فَصْلٌ) فِى ضَمَانِ الْبَدَنِ وَيُسَمَّى كَفَالَةَ الْبَدَنِ.

     (وَالْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ) أَىِ التَّكَفُّلُ بِإِحْضَارِ شَخْصٍ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ عِنْدَ الِاسْتِدْعَاءِ (جَائِزَةٌ) أَىْ صَحِيحَةٌ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْكَفِيلِ لِلْمَكْفُولِ وَالْمَكْفُولِ لَهُ وَالْكَفِيلُ هُوَ الَّذِى يَكْفَلُ إِحْضَارَ الْمَكْفُولِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ عِنْدَ اسْتِدْعَائِهِ بِأَنْ يَقُولَ كَفِلْتُ إِحْضَارَ فُلانٍ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَمَّا الْمَكْفُولُ لَهُ فَهُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَيُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَكْفُولِ وَرِضَاهُ أَىْ رِضَا الْمَكْفُولِ بِالْكَفَالَةِ وَهَذَا (إِذَا كَانَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ) أَىْ بِبَدَنِهِ (حَقٌّ لِآدَمِىٍّ) كَقِصَاصٍ أَوْ حَدِّ قَذْفٍ. أَمَّا حَقُّ اللَّهِ فَلا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ فِيهِ فَلا يَصِحُّ التَّكَفُّلُ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ نَحْوُ حَدِّ سَرِقَةٍ وَحَدِّ خَمْرٍ وَحَدِّ زِنًى.

     وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ مِنَ الْكَفَالَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ فِى الْمَكَانِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ يَمْنَعُ وُصُولَ صَاحِبِ الْحَقِّ إِلَيْهِ.

     (فَصْلٌ) فِى الشَّرِكَةِ وَهِىَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِى شَىْءٍ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى جِهَةِ الشُّيُوعِ أَىْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ حِصَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ. وَأَرْكَانُ الشَّرِكَةِ عَاقِدَانِ وَمَالانِ وَصِيغَةٌ.

     (وَلِلشَّرِكَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ) وَهِىَ (أَنْ تَكُونَ) الشَّرِكَةُ (عَلَى نَاضٍّ) أَىْ مَسْكُوكٍ (مِنَ) النَّقْدِ أَىِ (الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) وَتَصِحُّ فِى غَيْرِهَا كَالتِّبْرِ وَهُوَ الذَّهَبُ غَيْرُ الْمَضْرُوبِ وَالْحُلُىِّ وَالسَّبَائِكِ وَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ لِأَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ أَمَّا فِى نَحْوِ الْقُمَاشِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ فَلا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنِ الأُخْرَى وَلَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً وَإِنِ اتَّحَدَ جِنْسُهَا (وَأَنْ يَتَّفِقَا) أَىِ الْمَالَيْنِ (فِى الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ) وَالصِّفَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَا قَدْرًا فَلا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِخَلْطِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَلا بِخَلْطِ حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ وَحِنْطَةٍ حَمْرَاءَ (وَأَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ) قَبْلَ الْعَقْدِ حِسًّا بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزَانِ عِنْدَ الْعَاقِدَيْنِ. أَمَّا لَوِ اشْتَرَيَا شَيْئًا مَعًا عَلَى الشُّيُوعِ كَأَنِ اشْتَرَيَا خَرُوفًا صَارَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ (وَأَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ) بَعْدَ خَلْطِ الْمَالَيْنِ (فِى التَّصَرُّفِ) كَأَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلآخَرِ أَذِنْتُ لَكَ بِالتَّصَرُّفِ فِى حِصَّتِى فَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لِشَرِيكِهِ فَلا يَبِيعُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالدَّيْنِ وَلا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَلا يُسَافِرُ بِالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ إِلَّا بِإِذْنٍ (وَ)يُشْتَرَطُ فِى الشَّرِكَةِ (أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ) قِيمَةِ كُلٍّ مِنَ (الْمَالَيْنِ) لا عَلَى قَدْرِ الْمِكْيَالِ أَوِ الْوَزْنِ.

     وَالشَّرِكَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَلَيْسَ لازِمًا (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ. وَمَتَى مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِىَ عَلَيْهِ (بَطَلَتِ) الشَّرِكَةُ كَغَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ.

     (فَصْلٌ) فِى الْوَكَالَةِ وَهِىَ شَرْعًا تَفْوِيضُ شَخْصٍ إِلَى غَيْرِهِ تَصَرُّفًا عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ لِيَفْعَلَهُ حَالَ حَيَاتِهِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ مُوَكِّلٌ وَوَكِيلٌ أَىْ مُوَكَّلٌ وَمُوَكَّلٌ فِيهِ وَصِيغَةٌ. وَيَكْفِى اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالرِّضَا مِنَ الآخَرِ كَقَوْلِ الْمُوَكِّل وَكَّلْتُكَ فِى كَذَا. وَيُشْتَرَطُ فِى الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَا بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ فَلا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ مِنْ صَبِىٍّ وَمَجْنُونٍ. (وَكُلُّ مَا جَازَ لِلإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِيهِ) بِنَفْسِهِ (جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ) فِيهِ غَيْرَهُ (أَوْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ) عَنْ غَيْرِهِ فَلا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِى بَيْعِ أَرْضٍ مَوَاتٍ وَلا تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ غَيْرَهُ فِى عَقْدِ نِكَاحٍ.

     (وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ) مِنَ الطَّرَفَيْنِ (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ) أَوْ جُنُونِ أَوْ إِغْمَاءِ (أَحَدِهِمَا).

     (وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ فِيمَا يَقْبِضُهُ) بِالْوَكَالَةِ (وَفِيمَا يَصْرِفُهُ) بِهَا أَىْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فَيُصَدَّقُ بِدَعْوَى التَّلَفِ. (وَلا يَضْمَنُ) الْوَكِيلُ (إِلَّا بِالتَّفْرِيطِ) فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ أَىْ إِلَّا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ كَأَنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ أَوْ سَلَّمَ الثَّمَنَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ أَوْ وَضَعَ الْمَالَ فِى مَكَانٍ ثُمَّ نَسِيَهُ.

     (وَلا يَجُوزُ) لِلْوَكِيلِ وَكَالَةً مُطْلَقَةً وَهِىَ الَّتِى لَمْ تُقَيَّدْ بِثَمَنٍ أَوْ حُلُولٍ أَوْ أَجَلٍ أَوْ نَقْدٍ (أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِىَ إِلَّا بِثَلاثَةِ شَرَائِطَ) وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يُقَالَ بِثَلاثِ شَرَائِطَ وَهِىَ أَنْ لا يَبِيعَ (بِثَمَنٍ) أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ (الْمِثْلِ) وَلا يَبِيعَ بِثَمَنٍ وَثَمَّ رَاغِبٌ بِأَزَيْدَ (وَأَنْ يَكُونَ) ثَمَنُ الْمِثْلِ (نَقْدًا) أَىْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ (بِنَقْدِ الْبَلَدِ) الَّذِى يَتَعَامَلُ بِهِ أَهْلُهَا وَالرَّاجِحُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ النَّقْدِ الَّذِى يَتَعَامَلُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ كَالْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ. (وَلا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ) أَىْ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ وَلَوْ بِسِعْرِ الْمِثْلِ (وَلا يُقِرُّ) الْوَكِيلُ (عَلَى مُوَكِّلِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ الْوَكِيلُ عَنْ مُوَكِّلِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَلَوْ وَكَّلَ شَخْصًا فِى خُصُومَةٍ لا يُقِرُّ عَلَيْهِ ولا يُبْرِأُ مِن دَيْنٍ لَهُ وَلا يُصَالِحُ عَنْهُ لِأَنَّ الإِذْنَ فِى الْخُصُومَةِ لا يَقْتَضِى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

     وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِى عَقْدِ الرَّهْنِ وَالْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ وَالشَّرِكَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ أَىْ يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ إِنْسَانًا أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ. وَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِى الْقِرَاضِ وَالإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَالصُّلْحِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الإِقْرَارِ وَهُوَ شَرْعًا إِخْبَارُ الشَّخْصِ بِثُبُوتِ حَقٍّ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ فُلانٌ لَهُ عَلَىَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ مُقِرٌّ وَمُقَرٌّ لَهُ وَمُقَرٌّ بِهِ أَىْ مَا يُقِرُّ بِهِ وَصِيغَةٌ.

     (وَالْمُقَرُّ بِهِ ضَرْبَانِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى) كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ (وَحَقُّ الآدَمِىِّ) وَهُوَ قِسْمَانِ مَالٌ كَعَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ وَعُقُوبَةٌ كَحَدِّ الْقَذْفِ لِشَخْصٍ (فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ) فَيَجُوزُ لِمَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الإِقْرَارِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مِنْ أَنَّ رَجُلًا يُسَمَّى مَاعِزًا جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ عَلَىَّ الْحَدَّ فَقَدْ زَنَيْتُ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ (وَحَقُّ الآدَمِىِّ لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ) أَىْ لا يُقْبَلُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ حَقِ الِآدَمِىِّ.

     (وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الإِقْرَارِ إِلَى ثَلاثَةِ شُرُوطٍ) وَهِىَ (الْبُلُوغُ) فَلا يَصِحُّ إِقْرَارُ الصَّبِىِّ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ (وَالْعَقْلُ) فَلا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (وَالِاخْتِيَارُ) فَلا يَصِحُّ إِقْرَارُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. (وَإِنْ كَانَ) الإِقْرَارُ (بِمَالٍ اعْتُبِرَ فِيهِ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ الرُّشْدُ) أَىْ أَنْ لا يَكُونَ الْمُقِرُّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَيَجْمَعُ الأَرْبَعَةَ قَوْلُكَ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ.

     (وَإِذَا أَقَرَّ) الشَّخْصُ (بِمَجْهُولٍ) كَقَوْلِهِ فُلانٌ لَهُ عَلَىَّ مَالٌ كَثِيرٌ (رُجِعَ إِلَيْهِ فِى بَيَانِهِ) أَىْ يَثْبُتُ هَذَا الإِقْرَارُ وَيُطَالَبُ بِتَفْسِيرِهِ وَأَىُّ شَىْءٍ يُعَدُّ مَالًا أَوْ لا يُعَدُّ مَالًا لَكِنْ يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ كَكَلْبِ صَيْدٍ يُفَسِّرُهُ بِهِ يُقْبَلُ مِنْهُ.

     (وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِى الإِقْرَارِ) كَأَنْ يَقُولَ زَيْدٌ لَهُ عَلَىَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلاثَةً (إِذَا وَصَلَهُ بِهِ) أَىْ إِذَا وَصَلَ الْمُسْتَثْنَى بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِأَنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَهما بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (وَهُوَ) أَىِ الإِقْرَارُ (فِى حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ) وَلَوْ مَخُوفًا (سَوَاءٌ) أَىْ يُقْبَلُ الإِقْرَارُ فِى الْحَالَيْنِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْعَارِيَّةِ وَهِىَ إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِشَىْءٍ مَجَّانًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ وَمُعَارٌ وَصِيغَةٌ.

     وَشَرْطُ الْمُعِيرِ أَنْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ لِأَنَّ الإِعَارَةَ تَبَرُّعٌ بِالْمَنْفَعَةِ وَأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَنْفَعَةِ مَا يُعِيرُهُ كَالْمُسْتَأْجِرِ فَلا تَصِحُّ الإِعَارَةُ مِمَّنْ لا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ كَصَبِىٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ. وَمَنْ لا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ كَمُسْتَعِيرٍ لا تَصِحُّ إِعَارَتُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُعِيرِ. وَشَرْطُ الْمُسْتَعِيرِ صِحَّةُ قَبُولِهِ التَّبَرُّعَ فَلا تَصِحُّ إِعَارَةٌ لِصَبِىٍّ وَمَجْنُونٍ. وَشَرْطُ الْمُعَارِ كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ انْتِفَاعًا مُبَاحًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَلا يَصِحُّ إِعَارَةُ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْمِزْمَارِ وَالْكُوبَةِ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ أَوْ إِعَارَةُ مَطْعُومٍ لِلأَكْلِ أَوِ الشَّمْعَةِ لِلإضَاءَةِ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا يَكُونُ بِذَهَابِ عَيْنِهَا.

     (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ) انْتِفَاعًا مُبَاحًا (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ جَازَتْ إِعَارَتُهُ إِذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ) أَىْ فَوَائِدُهُ (ءَاثَارًا) كَسُكْنَى الدَّارِ أَوْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنَافِعَ إِذَا كَانَتْ أَعْيَانًا لَمْ تَصِحَّ الإِعَارَةُ كَإِعَارَةِ الشَّاةِ لِلَبَنِهَا وَالشَّجَرَةِ لِثَمَرِهَا وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ خِلافُهُ (وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةُ مُطْلَقًا) أَىْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ كَأَعَرْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ (وَمُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ) كَأَعَرْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا. وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ عَنِ الإِعَارَةِ فِى كُلٍّ مِنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ مَتَى شَاءَ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ (وَهِىَ) أَىِ الْعَارِيَّةُ (مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا) أَىْ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِى حِفْظِهَا أَمَّا إِذَا أَتْلَفَهَا بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ كَأَنِ اسْتَعَارَ قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ سَنَتَيْنِ فَبَلِىَ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْغَصْبِ وَهُوَ الِاسْتِيلاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ يَكُونُ الْحَقُّ مَالًا كَبَيْتٍ أَوْ مَنْفَعَةً كَمَحَلِّ مَنْ قَعَدَ فِى مَسْجِدٍ أَوِ اخْتِصَاصًا كَكَلْبٍ نَافِعٍ لِلْحِرَاسَةِ أَوِ الصَّيْدِ.

     (وَمَنْ غَصَبَ مَالًا لِأَحَدٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ) فَوْرًا لِمَالِكِهِ (وَ)لَزِمَهُ (أَرْشُ نَقْصِهِ) أَىْ غُرْمُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ لا بِسَبَبِ رُخْصِ سِعْرِهِ (وَ)لَزِمَهُ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ فَإِنْ تَلِفَ) الْمَغْصُوبُ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهِ إِلَى يَوْمِ تَلَفِهِ وَ(ضَمِنَهُ) الْغَاصِبُ (بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ) مَوْجُودٌ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (أَوْ) ضَمِنَهُ (بِقِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ) أَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ مَوْجُودٌ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَيَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ إِذَا اخْتَلَفَتْ (أَكْثَرَ مَا كَانَتْ) أَىْ يُنْظَرُ إِلَى أَعْلَى قِيمَةٍ لَهُ (مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ) وَالْعِبْرَةُ فِى الْقِيمَةِ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِى الْبَلَدِ أَىِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الشُّفْعَةِ وَهِىَ حَقُّ تَمَلُّكِ الشَّخْصِ حِصَّةَ شَرِيكِهِ قَهْرًا بَعْدَ أَنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ فَإِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ مَثَلًا فِى أَرْضٍ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِغَيْرِ شَرِيكِهِ ثَبَتَ لِشَرِيكِهِ حَقُّ تَمَلُّكِ الْمَبِيعِ قَهْرًا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتِهِ. وَأَرْكَانُ الشُّفْعَةِ ثَلاثَةٌ شَفِيعٌ وَهُوَ الآخِذُ وَمَشْفُوعٌ مِنْهُ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ وَمَشْفُوعٌ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ أَمَّا الصِّيغَةُ فَلا تُعَدُّ رُكْنًا فِى اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ.

     (وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ) أَىْ ثَابِتَةٌ لِلشَّرِيكِ (بِالْخُلْطَةِ) أَىْ خُلْطَةِ الشُّيُوعِ وَهِىَ الَّتِى لا يَتَمَيَّزُ فِيهَا مِلْكُ أَحَدِهِمَا عَنْ مِلْكِ الآخَرِ كَأَنْ مَاتَ شَخْصٌ وَتَرَكَ أَرْضًا لِوَلَدَيْهِ فَصَارَا شَرِيكَيْنِ فِى الأَرْضِ (دُونَ) خُلْطَةِ (الْجِوَارِ) فَالْجَارُ غَيْرُ الشَّرِيكِ لا شُفْعَةَ لَهُ. وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (فِيمَا يَنْقَسِمُ) أَىْ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَلا يَبْطُلُ نَفْعُهُ بِالْقِسْمَةِ كَطَاحُونٍ كَبِيرٍ يُمْكِنُ جَعْلُهُ طَاحُونَيْنِ (دُونَ مَا لا يَنْقَسِمُ) كَطَاحُونٍ صَغِيرٍ يَبْطُلُ نَفْعُهُ بِالْقِسْمَةِ فَلا شُفْعَةَ فِيهِ.

     (وَ)تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (فِى كُلِّ مَا لا يُنْقَلُ مِنَ الأَرْضِ كَالْعَقَارِ) أَىِ الْبِنَاءِ (وَغَيْرِهِ) كَالشَّجَرِ الأَخْضَرِ تَبَعًا لِلأَرْضِ (بِالثَّمَنِ الَّذِى وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ) فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا كَحَبٍّ أَوْ نَقْدٍ يَدْفَعُ قَدْرَهُ أَوْ كَانَ مُتَقَوِّمًا كَثَوْبٍ فَيَدْفَعُ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْبَيْعِ (وَهِىَ) أَىِ الشُّفْعَةُ بِمَعْنَى طَلَبِهَا تَكُونُ (عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بَطَلَتْ) أَىْ إِنْ أَخَّرَ طَلَبَ الشُّفْعَةِ بِلا عُذْرٍ فَاتَهُ طَلَبُهَا.

     (وَإِذَا تَزَوَّجَ) الشَّرِيكُ (امْرَأَةً عَلَى شِقْصٍ) أَىْ قِطْعَةِ أَرْضٍ أَىْ كَانَ مَهْرُهَا حِصَّتَهُ مِنَ الأَرْضِ (أَخَذَهُ) أَىْ أَخَذَ (الشَّفِيعُ) الشِّقْصَ (بِمَهْرِ الْمِثْلِ) أَىْ يَدْفَعُ لَهَا قِيمَةَ مَهْرِ مِثْلِهَا. (وَإِنْ كَانَ الشُّفَعَاءُ جَمَاعَةً اسْتَحَقُّوهَا) أَىِ الشُّفْعَةَ (عَلَى قَدْرِ الأَمْلاكِ) أَىْ عَلَى قَدْرِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْقِرَاضِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الْمَالِ لِشَخْصٍ لِيَعْمَلَ فِيهِ فِى التِّجَارَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُشْتَرَكًا. وَأَرْكَانُ الْقِرَاضِ سِتَّةٌ مَالِكٌ وَعَامِلٌ وَعَمَلٌ وَرِبْحٌ وَصِيغَةٌ وَمَالٌ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَالِغًا عَاقِلًا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الصِّيغَةِ الإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَفْظًا كَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاتْجَرْ بِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَنَا مُنَاصَفَةً فَيَقُولَ لَهُ الآخَرُ قَبِلْتُ. وَشَرْطُ الْعَمَلِ أَنْ يَكُونَ تِجَارَةً وَأَنْ لا يَكُونَ مُضَيَّقًا كَخُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ فِيهِ فِى شِرَاءِ اللَّآلِئِ الْكِبَارِ. وَشَرْطُ الْمَالِ بَيَّنَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلِلْقِرَاضِ أَرْيَعَةُ شُرُوطٍ) وَهِىَ (أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ) أَىْ مَسْكُوكٍ (مِنَ) النَّقْدِ أَىِ (الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) الْخَالِصَةِ فَلا يَصِحُّ الْقِرَاضُ عَلَى تِبْرٍ وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ اللَّذَانِ لَمْ يُنَقَّيَا أَوْ حُلِىٍّ أَوْ سَبَائِكَ أَوْ عُمْلَةٍ وَرَقِيَّةٍ (وَأَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الْمَالِ) أَىِ الْمَالِكُ (لِلْعَامِلِ فِى التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا) أَىْ أَنْ لا يُضَيِّقَ التَّصَرُّفَ عَلَى الْعَامِلِ كَقَوْلِهِ لا تَشْتَرِ شَيْئًا حَتَّى تُشَاوَرَنِى (أَوْ فِيمَا) أَىْ فِى التَّصَرُّفِ فِى شَىْءٍ (لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ غَالِبًا) فَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ شِرَاءَ شَىْءٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ كَالْخَيْلِ الْبُلْقِ وَهِىَ الَّتِى فِيهَا سَوَادٌ وَبَيَاضٌ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا نَادِرَةُ الْوُجُودِ (وَأَنْ يَشْرِطَ لَهُ) أَىْ لِلْعَامِلِ (جُزْءًا مَعْلُومًا مِنَ الرِّبْحِ) كَنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ وَإِذَا قَالَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَنَا صَحَّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ.

     (وَ)يُشْتَرَطُ فِى الْعَقْدِ (أَنْ لا يُقَدَّرَ بِمُدَّةٍ) مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ قَارَضْتُكَ سَنَةً وَأَنْ لا يُعَلَّقَ بِحُصُولِ شَىْءٍ كَقَوْلِهِ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ قَارَضْتُكَ.

     وَمَالُ الْقِرَاضُ أَمَانَةٌ فِى يَدِ الْعَامِلِ (وَ)حِينَئِذٍ (لا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ) فِى مَالِ الْقِرَاضِ (إِلَّا بِعُدْوَانٍ) أَوْ تَفْرِيطٍ فِيهِ أَىْ لا يَضْمَنُ الْعَامِلُ إِلَّا إِذَا اعْتَدَى كَأَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ عَمْدًا أَوْ قَصَّرَ فِى حِفْظِهِ.

     (وَإِذَا حَصَلَ) فِى مَالِ الْقِرَاضِ (رِبْحٌ وَخُسْرَانٌ جُبِرَ الْخُسْرَانُ بِالرِّبْحِ) أَىْ يُعَوَّضُ لِلْمَالِكِ الْخُسْرَانُ مِنَ الرِّبْحِ كَأَنِ اشْتَرَى بِضَاعَةً بِثَلاثِمِائَةٍ ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهَا بِمِائَتَيْنِ ثُمَّ رَخُصَ السِّعْرُ فَبَاعَ النِّصْفَ الثَّانِىَ بِمِائَةٍ فَهُنَا يُجْبَرُ خُسْرَانُ الْخَمْسِينَ بِرِبْحِ الْخَمْسِينَ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شَىْءٌ. أَمَّا إِذَا اشْتَرَى الْبِضَاعَةَ بِثَلاثِمِائَةٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِمِائَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ شَىْءٌ وَلا يُطَالَبُ بِشَىْءٍ.

     وَالْقِرَاضُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَلَيْسَ لازِمًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ وَيَنْفَسِخُ الْقِرَاضُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ وَالإِغْمَاءِ. وَإِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ لَزِمَ الْعَامِلَ اسْتِيفَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ رَأْسِ الْمَالِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً إِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِذَلِكَ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْمُسَاقَاةِ وَهِىَ مُعَامَلَةُ شَخْصٍ عَلَى شَجَرٍ لِيَتَعَهَّدَهُ بِنَحْوِ سَقْىٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ قَدْرٌ مَعْلُومٌ مِنْ ثَمَرِهِ. وَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ عَاقِدَانِ وَعَمَلٌ وَثَمَرٌ وَصِيغَةٌ وَمَوْرِدُ عَمَلٍ وَهُوَ الشَّجَرُ. أَمَّا الصِّيغَةُ فَهِىَ إِيجَابٌ مِنَ الْمَالِكِ وَقَبُولٌ مِنَ الْعَامِلِ لَفْظًا كَأَنْ يَقُولَ الْمَالِكُ سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بِنِصْفِ الثَّمَرِ فَيَقُولَ الْعَامِلُ قَبِلْتُ.

     (وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى) شَجَرَتَىِ (النَّخْلِ وَالْكَرْمِ) أَىِ الْعِنَبِ لا عَلَى غَيْرِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ مَغْرُوسًا مُعَيَّنًا مَرْئِيًّا مِنْهُمَا وَلَمْ يَبْدُ صَلاحُ ثَمَرِهِ أَىْ لَمْ يَبْلُغْ حَالَةً يُقْصَدُ لِلأَكْلِ فِيهَا (وَلَهَا) أَىْ لِلْمُسَاقَاةِ (شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَدِّرَهَا) الْمَالِكُ (بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ) يُثْمِرُ فِيهَا الشَّجَرُ عَادَةً (وَالثَّانِى أَنْ يُعَيِّنَ) الْمَالِكُ (لِلْعَامِلِ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنَ الثَّمَرَةِ) كَنِصْفِهَا أَوْ ثُلُثِهَا (ثُمَّ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ عَمَلٌ) يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ وَهُوَ مَا (يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الثَّمَرَةِ) كَسَقْىِ النَّخْلِ وَتَلْقِيحِهِ وَتَنْقِيَةِ مَجْرَى الْمَاءِ مِنْ نَحْوِ الطِّينِ (فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ) أَمَّا الآلاتُ الَّتِى يَحْتَاجُهَا الْعَامِلُ فَهِىَ عَلَى الْمَالِكِ (وَعَمَلٌ) لا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ وَهُوَ مَا (يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الأَرْضِ) كَحَفْرِ الأَنْهَارِ (فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) أَىْ مَالِكِ الشَّجَرِ.

     وَعَقْدُ الْمُسَاقَاةِ لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالإِجَارَةِ. فَإِذَا مَاتَ مَالِكُ الأَشْجَارِ فِى أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ تَنْفَسِخِ الْمُسَاقَاةُ بَلْ يَسْتَمِرُّ الْعَامِلُ عَلَى شُغْلِهِ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنَ الثِّمَارِ. أَمَّا لَوْ مَاتَ الْعَامِلُ وَكَانَتِ الْمُسَاقَاةُ مُسَاقَاةَ عَيْنٍ أَىْ شَرَطَ الْمَالِكُ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ هُوَ بِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ كَانْهِدَامِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الإِجَارَةِ وَهِىَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ عَاقِدَانِ أَىْ مُؤْجِرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ وَصِيغَةٌ وَمَنْفَعَةٌ وَأُجْرَةٌ. وَشَرْطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ وَعَدَمُ الإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَىْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَأَنْ لا يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَى الإِجَارَةِ. وَالصِّيغَةُ إِيجَابٌ كَآجَرْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ إِلَى شَهْرٍ بِكَذَا وَقَبُولٌ كَاسْتَأْجَرْتُهُ إِلَى شَهْرٍ بِكَذَا. (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ) عَقِبَ الْعَقْدِ (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) كَاسْتِئْجَارِ دَارٍ لِلسُّكْنَى وَدَابَّةٍ لِلرُّكُوبِ (صَحَّتْ إِجَارَتُهُ إِذَا قُدِّرَتْ مَنْفَعَتُهُ) أَىْ إِذَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ مُقَدَّرَةً (بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ بِمُدَّةٍ) كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِلْبِنَاءِ شَهْرًا (أَوْ عَمَلٍ) كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِى هَذَا الثَّوْبَ قَمِيصًا وَلا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِى الثَّوْبَ بِيَوْمَيْنِ.

     (وَإِطْلاقُهَا) أَىِ الإِجَارَةِ بِلا ذِكْرِ حُلُولِ أُجْرَةٍ أَوْ تَأْجِيلِهَا (يَقْتَضِى تَعْجِيلَ الأُجْرَةِ) فَيَسْتَحِقُّهَا بِمُجَرَّدِ إِجْرَاءِ الْعَقْدِ (إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ) فِيهَا (التَّأْجِيلُ) فَتَكُونُ الأُجْرَةُ مُؤَجَّلَةً.

     (وَلا تَبْطُلُ) الإِجَارَةُ (بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) أَىِ الْمُؤْجِرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَلا بِمَوْتِهِمَا أَيْضًا بَلْ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا وَيَقُومُ وَارِثُ الْمُسْتَأْجِرِ مَقَامَهُ فِى اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. (وَتَبْطُلُ) الإِجَارَةُ (بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ) كَأَنِ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا ثُمَّ انْهَدَمَ كُلُّهُ أَوِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ثُمَّ مَاتَتْ.

     (وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيرِ) أَىْ لا يَضْمَنُ الأَجِيرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ إِذَا تَلِفَتْ (إِلَّا بِعُدْوَانٍ) أَوْ تَفْرِيطٍ فِيهَا كَأَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَحَمَّلَ عَلَيْهَا أَحْجَارًا فَمَاتَتْ أَوْ أَخَذَهَا إِلَى مَكَانٍ ثُمَّ تَرَكَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْجَعَالَةِ وَهِىَ الْتِزَامُ شَخْصٍ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ عِوَضًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ مَنْ بَنَى لِى حَائِطًا صِفَتُهُ كَذَا فَلَهُ مِائَةُ دُولارٍ أَوْ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ كَقَوْلِهِ مَنْ رَدَّ عَبْدِىَ الآبِقَ فَلَهُ مِائَتَىْ دُولارٍ. وَأَرْكَانُ الْجَعَالَةِ أَرْبَعَةٌ عَمَلٌ وَجُعْلٌ وَهُوَ الْعِوَضُ وَصِيغَةٌ مِنَ الْجَاعِلِ وَعَاقِدٌ أَىْ جَاعِلٌ وَمَجْعُولٌ لَهُ. وَالْعَمَلُ الْمَجْهُولُ الَّذِى لا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ كَرَدِّ الْعَبْدِ الآبِقِ يَصِحُّ فِى الْجَعَالَةِ أَمَّا الَّذِى يُمْكِنُ ضَبْطُهُ كَبِنَاءِ حَائِطٍ فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَأَنْ يَذْكُرَ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَارْتِفَاعَهُ وَمَا يُبْنَى بِهِ. أَمَّا الْجُعْلُ وَهُوَ الْعِوَضُ الَّذِى الْتَزَمَهُ الْجَاعِلُ فِى ذِمَّتِهِ فَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا فِى مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَكِنْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَا فِى الْبَيْعِ فَلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا أَوْ نَجِسًا كَكَلْبٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ. أَمَّا الصِّيغَةُ فَلا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاعِلِ دَالَّةً عَلَى الإِذْنِ فِى الْعَمَلِ بِالْعِوَضِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ أَمَّا الْمَجْعُولُ لَهُ فَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْبَلَ بِاللَّفْظِ. وَأَمَّا الْعَاقِدُ فَجَاعِلٌ وَمَجْعُولٌ لَهُ وَالْجَاعِلُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ أَىْ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَالْمَجْعُولُ لَهُ وَهُوَ الْعَامِلُ قَدْ يَكُونُ مُعَيَّنًا كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِبَكْرٍ رُدَّ لِى حِمَارِى وَلَكَ كَذَا وَقَدْ لا يَكُونُ مُعَيَّنًا كَقَوْلِ الْقَائِلِ مَنْ رَدَّ لِى حِمَارِى فَلَهُ كَذَا. وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ التَّعْيِينِ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ أَهْلًا لِلْعَمَلِ. 

     (وَالْجَعَالَةُ جَائِزَةٌ) أَىْ عَقْدُهَا جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طَرَفِ الْجَاعِلِ وَطَرَفِ الْمَجْعُولِ لَهُ الْمُعَيَّنِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنَ الْعَمَلِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ الْجَاعِلَ مَا الْتَزَمَهُ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِى الْعَمَلِ وَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ فَلا شَىْءَ لَهُ أَمَّا إِنْ فَسَخَ الْجَاعِلُ فَيَلْزَمُهُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْقَدْرِ الَّذِى عَمِلَهُ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَنْفَعَتَهُ.

     (وَهِىَ) أَىِ الْجَعَالَةُ (أَنْ يَشْتَرِطَ فِى رَدِّ ضَالَّتِهِ) مَثَلًا (عِوَضًا مَعْلُومًا فَإِذَا رَدَّهَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْعِوَضَ الْمَشْرُوطَ) لَهُ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُزَارَعَةِ.

     الْمُخَابَرَةُ هِىَ عَمَلُ الْعَامِلِ فِى أَرْضِ الْمَالِكِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ أَمَّا الْمُزَارَعَةُ فَهِىَ عَمَلُ الْعَامِلِ فِى أَرْضِ الْمَالِكِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ وَكِلاهُمَا عَقْدٌ فَاسِدٌ.

     (وَ)بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ (إِذَا دَفَعَ) شَخْصٌ (إِلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا) أَىْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ أَرْضَهُ (وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ رَيْعِهَا) كَثُلُثِ الْغَلَّةِ (لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ. لَكِنْ إِذَا تَمَّ الزَّرْعُ وَالْحَصَادُ وَكَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ لِلْمَالِكِ دَفْعُ أُجْرَةِ مِثْلِ أَرْضِهِ أَمَّا إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ دَفْعُ أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ.

     وَالْمُخَابَرَةُ وَالْمُزَارَعَةُ عَقْدَانِ فَاسِدَانِ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَجُوزُ إِذَا كَانَتْ تَابِعَةً لِلْمُسَاقَاةِ وَعَسُرَ إِفْرَادُ النَّخْلِ أَوِ الْعِنَبِ بِالسُّقْيَا بِشَرْطِ تَقَدُّمِ لَفْظِ الْمُسَاقَاةِ فِى الْعَقْدِ فَيَقُولُ مَثَلًا سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا النّخْلِ بِرُبْعِ ثَمَرِهِ وَزَارَعْتُكَ عَلَى هَذَا الْبَيَاضِ بِنِصْفِ الْغَلَّةِ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ وَاحِدًا فِى الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ فَلا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا سَاقَيْتُكَ وَزَارَعْتُ أَخَاكَ.

     (وَإِنْ أَكْرَاهَا) أَىْ ءَاجَرَ أَرْضَهُ (بِذَهَبٍ) كَعِشْرِينَ دِينَارًا (أَوْ فِضَّةٍ) كَمِائَتَىْ دِرْهَمٍ (أَوْ شَرَطَ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا فِى ذِمَّتِهِ) أُجْرَةً كَخَمْسِينَ وِسْقًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ أَلْفَىْ دُولارٍ (جَازَ) وَكَانَ ذَلِكَ إِجَارَةً صَحِيحَةً.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَهِىَ الأَرْضُ الَّتِى لا مَالِكَ لَهَا وَلا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ. وَتُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ أَىْ بِتَهْيِأَتِهَا لِلانْتِفَاعِ بِهَا كَزِرَاعَتِهَا أَوْ السَّكَنِ فِيهَا أَوْ جَعْلِهَا زَرِيبَةً لِلْمَاشِيَةِ.

     (وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ جَائِزٌ) بَلْ يُسَنُّ (بِشَرْطَيْنِ) أَحَدُهُمَا (أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِى مُسْلِمًا) وَالثَّانِى (أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ حُرَّةً) أَىْ (لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّىٍّ. فَإِذَا أَحْيَا الْمُسْلِمُ أَرْضًا مَوَاتًا مَلَكَهَا أَمَّا الْكَافِرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنَ الْمَوَاتِ فِى بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.

     (وَصِفَةُ الإِحْيَاءِ) الَّتِى يَثْبُتُ بِهَا الْمُلْكُ هُوَ (مَا كَانَ فِى الْعَادَةِ عِمَارَةً لِلْمُحْيَا) فَإِنْ أَرَادَ الْمُحْيِى إِحْيَاءَ الْمَوَاتِ مَسْكَنًا فَيُشْتَرَطُ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ مِنَ الأَرْضِ بِبِنَاءِ حِيطَانِهَا وَسَقْفِ بَعْضِهَا وَنَصْبِ بَابٍ وَإِنْ أَرَادَ إِحْيَائَهَا مَزْرَعَةً فَيُشْتَرَطُ جَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا لِبَيَانِ حُدُودِهَا وَتَسْوِيَةُ الأَرْضِ وَحَرْثُهَا وَتَرْتِيبُ الْمَاءِ لَهَا بِشَقِّ سَاقِيَةٍ أَوْ حَفْرِ قَنَاةٍ إِنْ لَمْ يَكْفِهَا مَاءُ الْمَطَرِ وَإِنْ أَرَادَ إِحْيَائَهَا بُسْتَانًا فَيُشْتَرَطُ جَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا أَوْ تَحْوِيطُهَا إِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ وَغَرْسُ الشَّجَرِ فِيهَا بِحَيْثُ تُسَمَّى بُسْتَانًا.

     (وَيَجِبُ) عَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِى مِلْكِهِ أَوْ فِى أَرْضٍ مَوَاتٍ لِيَتَمَلَّكَهَا أَوْ لِيَنْتَفِعَ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَمَلُّكٍ (بَذْلُ الْمَاءِ) أَىْ إِعْطَاءُهُ لِغَيْرِهِ مَجَّانًا (بِثَلاثِ شَرَائِطَ) وَهِىَ (أَنْ يَفْضُلَ) أَىْ أَنْ يَزِيدَ الْمَاءُ (عَنْ حَاجَتِهِ) الآنِيَّةِ (وَأَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ) لِلشُّرْبِ إِمَّا (لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَهِيمَتِهِ) الْمُحْتَرَمَةِ وَهِىَ الَّتِى لا يَجُوزُ قَتْلُهَا كَالْحِصَانِ أَوْ لِسَقْىِ مَاشِيَتِهِ أَمَّا إِذَا كَانَ يَحْتَاجُهُ غَيْرُهُ لِزَرْعِهِ أَوْ شَجَرِهِ فَلا يَجِبُ عَلَى مَالِكِ الْمَاءِ بَذْلُهُ وَإِنْ أَدَّى إِلَى تَلَفِهِ (وَأَنْ يَكُونَ) الْمَاءُ فِى مَقَرِّهِ أَمَّا الْمَأْخُوذُ مِنْهُ فَلا يَجِبُ بَذْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ (مِمَّا يُسْتَخْلَفُ فِى بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ) وَالْمُسْتَخْلَفُ هُوَ الَّذِى إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَىْءٌ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْوَقْفِ وَهُوَ عَطِيَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّمْلِيكِ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا انْتِفَاعًا مُبَاحًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا وَلا يُتَصَرَّفُ فِيهَا إِلَّا عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ كَأَرْضٍ أَوْ دَارٍ. وَالْمُسْلِمُ إِذَا وَقَفَ شَيْئًا لا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْعُهُ أَوْ هِبَتُهُ وَلا لِلْوَرَثَةِ اقْتِسَامُهُ مَعَ التَّرِكَةِ. وَأَرْكَانُ الْوَقْفِ أَرْبَعَةٌ وَاقِفٌ وَمَوْقُوفٌ وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ فَإِذَا قَالَ وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَالْمَوْقُوفُ هُوَ الدَّارُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ هُمُ الْمَسَاكِينُ. وَشَرْطُ الْوَاقِفِ صِحَّةُ عِبَارَتِهِ وَتَبَرُّعِهِ أَىْ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ مُعْتَبَرًا فَإِذَا قَالَ وَقَفْتُ يُعْتَبَرُ كَلامُهُ فَلا يَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ. وَشَرْطُ الْمَوْقُوفِ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ فَلا يَصِحُّ وَقَفْتُ فَرَسًا لِكَوْنِهِ فِى الذِّمَّةِ وَلا كَلْبًا لِكَوْنِهِ لا يُتَمَلَّكُ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَصِحَّ تَمَلُّكُهُ فَلا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْلِ أَىْ مَا فِى بَطْنِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ لا يَتَمَلَّكُ. وَلا بُدَّ مِنْ صِيغَةٍ يَصِيرُ بِهَا الشَّىْءُ وَقْفًا كَوَقَفْتُ هَذِهِ الأَرْضَ مَسْجِدًا أَوْ وَقَفْتُ هَذِهِ الْمَدْرَسَةَ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرْعِىِّ.

     (وَالْوَقْفُ جَائِزٌ بِثَلاثِ شَرَائِطَ) وَهِىَ (أَنْ يَكُونَ) الْمَوْقُوفُ (مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ) انْتِفَاعًا مُبَاحًا (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) فَلا يَصِحُّ وَقْفُ مَا يَحْرُمُ كَآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا لا تَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمَطْعُومِ (وَأَنْ يَكُونَ) الْوَقْفُ (عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ) غَيْرِ مَعْدُومٍ يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَ، مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَلا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَصْلٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ كَوَقَفْتُ هَذَا الْبَيْتَ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِى ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. (وَ)اشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ بَعْدَ الأَصْلِ الْمَوْجُودِ عَلَى (فَرْعٍ لا يَنْقَطِعُ) أَىْ دَائِمٍ فَلا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مُنْقَطِعِ الآخِرِ كَوَقَفْتُ هَذَا الْبَيْتَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلادِهِ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَصِحُّ (وَأَنْ لا يَكُونَ) الْوَقْفُ (فِى مَحْظُورٍ) أَىْ مُحَرَّمٍ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْوَقْفِ أَنْ لا يَكُونَ مُؤَقَّتًا كَوَقَفْتُ بَيْتِىَ هَذَا سَنَةً وَأَنْ لا يَكُونَ مُعَلَّقًا كَقَوْلِهِ إِذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ بَيْتِىَ هَذَا عَلَى الْفُقَرَاءِ.

     (وَهُوَ) أَىِ الْوَقْفُ يُصْرَفُ (عَلَى) حَسَبِ (مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ) فِيهِ (مِنْ تَقْدِيمٍ) لِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ (وَتَأْخِيرِ) الْبَعْضِ الآخَرِ كَوَقَفْتُ بَيْتِىَ هَذَا عَلَى أَوْلادِى ثُمَّ عَلَى أَوْلادِهِمْ (وَتَسْوِيَةٍ) كَوَقَفْتُ كَذَا عَلَى أَوْلادِى بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ (وَتَفْضِيلٍ) لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَوَقَفْتُ كَذَا عَلَى أَوْلادِى لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.    

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْهِبَةِ وَهِىَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ بِلا عِوَضٍ. وَأَرْكَانُ الْهِبَةِ أَرْبَعَةٌ وَاهِبٌ وَمَوْهُوبٌ لَهُ وَمَوْهُوبٌ وَصِيغَةٌ. وَشَرْطُ الْوَاهِبِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَا يَهَبُهُ وَأَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِى مَالِهِ. وَشَرْطُ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَوْنُهُ أَهْلًا لِتَمَلُّكِ الْمَوْهُوبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا وَأَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئًا يَصِحُّ وَيَقْبَلُ لَهُ وَلِيُّهُ فَيَدْخُلُ هَذَا الشَّىْءُ فِى مِلْكِ الطِّفْلِ. (وَ)الْقَاعِدَةُ أَنَّ (كُلَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ) وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا أَوْ نَجِسًا أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ ضَالًّا كَدَابَّةٍ أَوْ عَبْدًا ءَابِقًا لا تَجُوزُ هِبَتُهُ. أَمَّا الصِّيغَةُ فَهِىَ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ كَقَوْلِ الْقَائِلِ وَهَبْتُ هَذَا لَكَ فَيَقُولُ الآخَرُ قَبِلْتُهُ.

     (وَلا تَلْزَمُ الْهِبَةُ) أَىْ لا تَصِيرُ لازِمَةً وَلا تُمْلَكُ (إِلَّا بِالْقَبْضِ) بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فَإِذَا وَهَبَ شَخْصٌ ءَاخَرَ كِتَابًا لا يَدْخُلُ فِى مِلْكِهِ إِلَّا إِذَا قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فَإِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوِ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِ الْهِبَةِ لَمْ تَنْفَسِخْ وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِى الْقَبْضِ وَالإِقْبَاضِ فَإِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فَيَقْبِضُهَا فَإِذَا قَبَضَهَا دَخَلَتْ فِى مِلْكِهِ وَإِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فَإِذَا أَقْبَضَهُ دَخَلَتْ فِى مِلْكِهِ. أَمَّا إِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَاهِبِ لَمْ يَمْلِكْهَا وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا إِذَا تَلِفَتْ (وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) بِإِذْنِ الْوَاهِبِ دَخَلَتْ فِى مِلْكِهِ وَ(لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا) أَبًا أَوْ أُمًّا وَإِنْ عَلا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِى هِبَتِهِ. (وَإِذَا أَعْمَرَ) شَخْصًا (بَيْتًا) كَقَوْلِهِ أَعْمَرْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ أَىْ جَعَلْتُهُ لَكَ عُمُرَكَ (أَوْ أَرْقَبَهُ) إِيَّاهُ كَقَوْلِهِ أَرْقَبْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ أَىْ إِنْ مِتَّ قَبْلِى عَادَ لِى وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّ لَكَ فَقَبِلَ وَقَبَضَ صَحَّتِ الْهِبَةُ فِى كِلَيْهِمَا وَ(كَانَ) الْبَيْتُ (لِلْمُعْمَرِ أَوْ لِلْمُرْقَبِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ).

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ اللُّقَطَةِ وَهِىَ مَا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ فِى نَحْوِ شَارِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَلا يُعْرَفُ مَالِكُهُ. وَأَرْكَانُهَا ثَلاثَةٌ الْتِقَاطٌ وَلاقِطٌ وَمُلْتَقَطٌ.

     وَ(إِذَا وَجَدَ) شَخْصٌ (لُقَطَةً فِى) أَرْضٍ (مَوَاتٍ) أَوْ طَرِيقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (فَلَهُ أَخْذُهَا) بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا أَوْ حِفْظِهَا (وَ)لَهُ (تَرْكُهَا) وَلَكِنْ (أَخْذُهَا أَوْلَى) مِنْ تَرْكِهَا (إِنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ الْقِيَامِ بِهَا) أَىْ إِنْ كَانَ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَجِبُ عِنْدَ أَخْذِهَا فَإِذَا أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا سَنَةً (وَإِذَا أَخَذَهَا) بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا (وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ سِتَّةَ أَشْيَاءَ) فِيهَا (وِعَاءَهَا) كَجِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ (وَعِفَاصَهَا) وَهُوَ الْجِلْدُ الَّذِى عَلَى رَأْسِ الْقَارُورَةِ (وَوِكَائَهَا) وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِى تُرْبَطُ بِهِ (وَجِنْسَهَا) كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَصِفَتَهَا إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مُكَسَّرَةً (وَعَدَدَهَا) إِنْ كَانَ يُضْبَطُ قَدْرُهَا بِالْعَدَدِ (وَوَزْنَهَا) إِنْ كَانَ يُضْبَطُ بِالْوَزْنِ كَدِرْهَمٍ وَأَنْ يَعْرِفَ نَوْعَهَا كَلِيرَةٍ عُثْمَانِيَّةٍ أَوْ إِنْكِلِيزِيَّةٍ (وَ)يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَنْ (يَحْفَظَهَا) لِمَالِكِهَا (فِى حِرْزِ مِثْلِهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ.

     (ثُمَّ إِذَا أَرَادَ) الْمُلْتَقِطُ (تَمَلُّكَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً) ابْتِدَاءً مِنْ يَوْمِ التَّعْرِيفِ بِنِيَّةِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ فِى مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ كَالأَسْوَاقِ وَالْمَقَاهِى وَ(عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ صَلَوَاتِ الْجَمَاعَةِ (وَ)يَجِبُ التَّعْرِيفُ (فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى وَجَدَهَا فِيهِ). وَيُعَرِّفُ فِى الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَىِ النَّهَارِ ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فِى الأُسْبُوعِ الثَّانِى ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يَتِمَّ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ ثُمَّ فِى كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ إِلَى ءَاخِرِ السَّنَةِ. وَيَنْبَغِى أَنْ يُبَيِّنَ زَمَنَ وِجْدَانِ اللُّقَطَةِ.

     (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا) بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً (كَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا) إِنْ وَجَدَهَا فِى غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ (بِشَرْطِ الضَّمَانِ) لِمَالِكِهَا إِنْ ظَهَرَ. وَيُشْتَرَطُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى التَّمَلُّكِ كَتَمَلَّكْتُ هَذِهِ اللُّقَطَةَ. فَإِنْ تَمَلَّكَهَا ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً رَدَّهَا إِلَيْهِ أَمَّا إِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مِثْلَهَا إِنْ كَانَ لَهَا مِثْلٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلُّكِ لَهَا إِنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً كَالْخَرُوفِ.

     (وَاللُّقَطَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ) أَىْ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا مَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ) كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ (فَهَذَا حُكْمُهُ) عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْحِفْظِ وَالتَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ (وَالثَّانِى مَا لا يَبْقَى) عَلَى الدَّوَامِ بَلْ يَفْسُدُ (كَالطَّعَامِ الرَّطْبِ) فَمَنْ وَجَدَ رُطَبًا لا يَتَتَمَّرُ أَىْ لا يَصِيرُ تَمْرًا أَوْ عِنَبًا لا يَتَزَبَّبُ أَىْ لا يَصِيرُ زَبِيبًا (فَهُوَ مُخَيَّرٌ) بِحَسَبِ مَصْلَحَةِ الْمَالِكِ (بَيْنَ أَكْلِهِ) بَعْدَ تَمَلُّكِهِ (وَغُرْمِهِ) أَىْ غُرْمِ بَدَلِهِ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ (أَوْ بَيْعِهِ) بِثَمَنِ الْمِثْلِ (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ. وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَبِيعَ سَنَةً بِنِيَّةِ تَمَلُّكِ ثَمَنِهِ (وَالثَّالِثُ مَا يَبْقَى بِعِلاجٍ كَالرُّطَبِ) الَّذِى يَتَتَمَّرُ وَالْعِنَبِ الَّذِى يَتَزَبَّبُ (فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ) لِلْمَالِكِ (مِنْ بَيْعِهِ) بِثَمَنِ الْمِثْلِ (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ إِنْ أَرَادَ التَّمَلُّكَ (أَوْ تَجْفِيفِهِ وَحِفْظِهِ) إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ (وَالرَّابِعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ كَالْحَيَوَانِ وَهُوَ ضَرْبَانِ) أَحَدُهُمَا (حَيَوَانٌ لا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ) مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَذِئْبٍ وَفَهْدٍ (فَهُوَ) كَشَاةٍ وَعِجْلٍ فَإِنْ وُجِدَ فِى الصَّحْرَاءِ جَازَ الْتِقَاطُهُ وَالْمُلْتَقِطُ (مُخَيَّرٌ) بِالنَّظَرِ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمَالِكِ (بَيْنَ) أُمُورٍ ثَلاثَةٍ (أَكْلِهِ) إِنْ كَانَ مَأْكُولًا بَعْدَ تَمَلُّكِهِ فِى الْحَالِ (وَغُرْمِ ثَمَنِهِ أَوْ تَرْكِهِ) عِنْدَهُ (وَالتَّطَوُّعِ بِالإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ أَوْ تَمَلُّكِ ثَمَنِهِ بَعْدَ سَنَةٍ. (وَ)الثَّانِى (حَيَوَانٌ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ) مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ أَىْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ صِغَارَ السِّبَاعِ عَنْهُ بِقُوَّتِهِ كَإِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ بِشِدَّةِ عَدْوِهِ كَأَرْنَبٍ أَوْ غَزَالٍ أَىْ مَمْلُوكَيْنِ (فَإِنْ وَجَدَهُ فِى الصَّحْرَاءِ تَرَكَهُ) وَحَرُمَ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ أَمَّا لِلْحِفْظِ فَيَجُوزُ (وَ)أَمَّا (إِنْ وَجَدَهُ فِى الْحَضَرِ) أَىْ فِى الْعُمْرَانِ (فَهُوَ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأَشْيَاءِ الثَّلاثَةِ فِيهِ) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَكْلُهُ لِسُهُولَةِ بَيْعِهِ فِى الْحَضَرِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ اللَّقِيطِ وَهُوَ صَبِىُّ مُلْقًى وَلا كَافِلَ لَهُ مِنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا وَقَدْ يَكُونُ صَبِيَّةً. وَالْمَجْنُونُ وَلَوْ بَالِغًا حُكْمُهُ كَحُكْمِ الصَّبِىِّ الْمُلْقَى. وَأَرْكَانُ اللَّقْطِ الشَّرْعِىِّ ثَلاثَةٌ لَقْطٌ أَىْ أَخْذٌ وَلَقِيطٌ وَلاقِطٌ.

     (وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) وَنَحْوِهَا كَبَابِ مَسْجِدٍ (فَأَخْذُهُ وَتَرْبِيَتُهُ وَكَفَالَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) فَإِنْ لَمْ يَلْتَقِطْهُ أَحَدٌ أَثِمَ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِهِ وَيَجِبُ عَلَى اللَّاقِطِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْتِقَاطِهِ وَلَوْ كَانَ اللَّاقِطُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ (وَلا يُقَرُّ) أَىْ لا يُتْرَكُ اللَّقِيطُ (إِلَّا بِيَدِ أَمِينٍ) وَلْو أُنْثَى أَمَّا لَوْ كَانَ اللَّاقِطُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ عَبْدًا مَمْلُوكًا فَلا يَصِحُّ اللَّقْطُ وَيُأْخَذُ اللَّقِيطُ مِنْهُ (فَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ) أَىِ اللَّقِيطِ (مَالٌ) كَدَارٍ أَوْ خَيْمَةٍ وُجِدَ فِيهَا وَلا يُعْرَفُ لَهَا مُسْتَحِقٌّ أَوْ دَابَّةٍ مَشْدُودَةٍ بِهِ أَوْ دَنَانِيرَ عَلَيْهِ (أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ) أَوْ مَأْذُونُهُ (مِنْهُ) وَلا يُنْفِقُ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ) أَىِ اللَّقِيطِ (مَالٌ فَنَفَقَتُهُ) مِنَ مَالِ الْوَقْفِ الْمُخَصَّصِ لِلإِنْفَاقِ عَلَى اللَّقْطَى فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَنَفَقَتُهُ (فِى بَيْتِ الْمَالِ).

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ وَهِىَ إِيدَاعُ شَىْءٍ عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبِهِ لِحِفْظِهِ.

     وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ عَيْنٌ مُودَعَةٌ وَمُودِعٌ وَمُودَعٌ وَصِيغَةٌ كَقَوْلِ الْقَائِلِ احْفَظْ هَذَا عِنْدَكَ وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ وَلَوْ بِقَبْضِهِ وَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظٌ.

     (وَالْوَدِيعَةُ) أَىِ الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ (أَمَانَةٌ) فِى يَدِ الْمُودَعِ (وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا) أَىْ أَخْذُهَا لِحِفْظِهَا (لِمَنْ قَامَ بِالأَمَانَةِ فِيهَا) بِأَنْ قَدَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَوَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ أَمَّا مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا بِأَنْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَكَانًا يُعَدُّ حِرْزًا لَهَا تُحْفَظُ فِيهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا وَلَوْ كَانَ أَمِينًا وَأَمَّا مَنْ قَدَرَ عَلَى حِفْظِهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ أَىْ خَشِىَ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ قَبُولُهَا. (وَلا يَضْمَنُ) الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ إِذَا تَلِفَتْ (إِلَّا بِالتَّعَدِّى) أَىِ التَّقْصِيرِ فِى حِفْظِهَا كَأَنْ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ بِلا إِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ وَلا عُذْرَ لَهُ (وَقَوْلُ الْمُودَعِ مَقْبُولٌ فِى رَدِّهَا) أَىِ الأَمَانَةِ (عَلَى الْمُودِعِ) أَىْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ عِنْدَ الْقَاضِى إِذَا حَلَفَ عَلَى رَدِّ الأَمَانَةِ لِلْمُودِعِ وَلا يُطَالِبُهُ الْقَاضِى أَنْ يَأْتِىَ بِشُهُودٍ. (وَ)يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَىِ الْمُودَعِ (أَنْ يَحْفَظَهَا) أَىِ الْوَدِيعَةَ (فِى حِرْزِ مِثْلِهَا) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ (وَإِذَا طُولِبَ) الْمُودَعُ (بِهَا فَلَمْ يُخْرِجْهَا) أَىْ أَخَّرَ إِعْطَائَهَا لِلْمُودِعِ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ) بَدَلَهَا.

 

(كِتَابُ الْفَرَائِضِ) وَالْوَصَايَا

 

     أَىْ هَذَا كِتَابٌ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَحْكَامِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ الَّتِى حَثَّ النَّبِىُّ عَلَى تَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِىِّ أَنَّهُ قَالَ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِمُّوهَا النَّاسَ وَفِى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ (أَىْ يَنْعَدِمُ بِمَوْتِ أَهْلِهِ) وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِى الْفَرِيضَةِ فَلا يَجِدَانِ مَنْ يَقْضِى فِيهَا وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ وَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَأَنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفْقَدُ فِى الأَرْضِ حَتَّى لا يَكَادُ يُوجَدُ.  

     وَأَسْبَابُ الإِرْثِ ثَلاثَةٌ الْقَرَابَةُ وَالزَّوْجِيَّةُ وَالْعَتَاقَةُ. وَالَّذِينَ يَرِثُونَ بِالْقَرَابَةِ يَرِثُونَ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ وَالَّذِينَ يَرِثُونَ بِالنِّكَاحِ يَرِثُونَ بِالْفَرْضِ فَقَطْ وَالَّذِينَ يَرِثُونَ بِالْعَتَاقَةِ يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ فَقَطْ. فَالَّذِى يَرِثُ بِالْفَرْضِ لَهُ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ جَاءَ ذِكْرُهُ فِى الْقُرْءَانِ أَمَّا الَّذِى يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ فَلَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ فَإِمَّا أَنْ يَرِثَ كُلَّ التَّرِكَةِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ أَهْلِ الْفُرُوضِ أَوْ يَرِثَ مَا بَقِىَ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ أَنْ تُوَزَّعَ السِّهَامُ عَلَى أَهْلِ الْفُرُوضِ وَطَرِيقَةُ التَّوْرِيثِ بِالتَّعْصِيبِ أَنَّ الأَقْرَبَ يَحْجُبُ الأَبْعَدَ. فَالِابْنُ يَحْجُبُ ابْنَ الِابْنِ فَلا يَرِثُ وَالأَبُ يَحْجُبُ الْجَدَّ فَلا يَرِثُ وَالأُمُّ تَحْجُبُ الْجَدَّةَ فَلا تَرِثُ وَالِابْنُ يَحْجُبُ الإِخْوَةَ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ فَلا يَرِثُونَ وَالأَبُ يَحْجُبُ الإِخْوَةَ فَلا يَرِثُونَ.

     وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْفُرُوضِ أَىْ أَكْثَرُ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ هُمُ الإِنَاثُ وَأَكْثَرُ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ هُمُ الذُّكُورُ.

     (وَالْوَارِثُونَ) أَىِ الَّذِينَ يَرِثُونَ (مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ الِابْنُ) أَىِ ابْنُ الْمَيِّتِ (وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ) عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الِابْنِ (وَالأَبُ) أَىْ أَبُو الْمَيِّتِ (وَالْجَدُّ) أَىْ أَبُ الأَبِ (وَإِنْ عَلا) عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الأَبِ (وَالأَخُ) الشَّقِيقُ وَلِلأَبِ وَلِلأُمِّ (وَابْنُ الأَخِ) الشَّقِيقِ وَلِلأَبِ (وَإِنْ تَرَاخَى) كَابْنِ ابْنِ الأَخِ فَإِنَّهُ يَرِثُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الأَخِ وَابْنِ الأَخِ (وَالْعَمُّ) الشَّقِيقُ أَىْ أَخُ الأَبِ مِنْ حِهَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَالْعَمُّ لِلأَبِ أَىْ أَخُ الأَبِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ فَقَطْ (وَابْنُ الْعَمِّ) الشَّقِيقِ وَلِلأَبِ (وَإِنْ تَبَاعَدَا) كَعَمِّ أَبِ الْمَيِّتِ وَعَمِّ جَدِّ الْمَيِّتِ وَابْنِ عَمِّ أَبِ الْمَيِّتِ وَابْنِ عَمِّ جَدِّهِ (وَالزَّوْجُ) يَرِثُ مِنْ زَوْجَتِهِ (وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ) يَرِثُ مَنْ أَعْتَقَهُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ. وَالْوَارِثُونَ مِنَ الرِّجَالِ يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ إِلَّا أَرْبَعَةً وَهُمُ الأَبُ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ إِذَا كَانَ الِابْنُ مَوْجُودًا أَوِ ابْنُ الِابْنِ وَكَذَلِكَ الْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِ الأَبِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ إِذَا كَانَ الِابْنُ مَوْجُودًا أَوِ ابْنُ الِابْنِ وَمِمَّنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ أَيْضًا الأَخُ لِأُمٍّ وَالزَّوْجُ.

     وَالِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ مِنْ أَسْفَلِ النَّسَبِ وَالأَبُ وَالْجَدُّ مِنْ أَعْلَى النَّسَبِ أَمَّا الأَخُ وَابْنُ الأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ فَهُمْ مِنْ حَوَاشِى النَّسَبِ لَيْسُوا مِنَ الأُصُولِ وَلا مِنَ الْفُرُوعِ.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   

     (وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ الْبِنْتُ) أَىْ بِنْتُ الْمَيِّتِ (وَبِنْتُ الِابْنِ) أَىْ بِنْتُ ابْنِ الْمَيِّتِ (وَالأُمُّ) أَىْ أُمُّ الْمَيِّتِ (وَالْجَدَّةُ) أَىْ أُمُّ الأُمِّ وَأُمُّ الأَبِ (وَالأُخْتُ) أَىْ أُخْتُ الْمَيِّتِ الشَّقِيقَةُ وَالأُخْتُ لِأَبٍ وَالأُخْتُ لِأُمٍّ (وَالزَّوْجَةُ) تَرِثُ مِنْ زَوْجِهَا (وَالْمَوْلاةُ الْمُعْتِقَةُ) تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَتْهُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ. وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ يَرِثْنَ بِالْفَرْضِ إِلَّا الْمَوْلاةَ الْمُعْتِقَةَ فَإِنَّهَا تَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ.

     وَالْمُطَلَّقَةُ طَلاقًا رَجْعِيًّا إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ انْتِهَاءِ عِدَّتِهَا فَإِنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ طَلاقًا بَائِنًا أَوِ الْمُخْتَلِعَةُ وَهِىَ الَّتِى خَالَعَهَا زَوْجُهَا فَلا تَرِثُ مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ.

     (وَمَنْ لا يَسْقُطُ) مِنَ الْوَرَثَةِ (بِحَالٍ خَمْسَةٌ) لا يَحْرِمُهُمْ أَحَدٌ مِنَ الإِرْثِ (الزَّوْجَانِ) أَىِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ (وَالأَبَوَانِ) أَىِ الأَبُ وَالأُمُّ (وَوَلَدُ الصُّلْبِ) أَىْ مَنْ خَرَجَ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.

     (وَمَنْ لا يَرِثُ بِحَالٍ سَبْعَةٌ الْعَبْدُ) وَيَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (وَ)الْعَبْدُ (الْمُدَبَّرُ) وَهُوَ الَّذِى عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ كَأَنْ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ (وَأُمُّ الْوَلَدِ) وَهِىَ الأَمَةُ الَّتِى وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا (وَ)الْعَبْدُ (الْمُكَاتَبُ) وَهُوَ الَّذِى عَمِلَ عَقْدًا مَعَ سَيِّدِهِ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ لَهُ مَبْلَغًا مِنَ الْمَالِ صَارَ حُرًّا لا يَرِثُ قَرِيبَهُ الْمَيِّتَ مَا دَامَ عَبْدًا (وَ)لا يَرِثُ (الْقَاتِلُ) مِنْ مَقْتُولِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ بِضَرْبٍ لِمَصْلَحَةٍ كَالأَبِ إِنْ ضَرَبَ ابْنَهُ لِتَأْدِيبِهِ فَمَاتَ (وَ)لا يَرِثُ (الْمُرْتَدُّ) قَرِيبَهُ (وَ)لا يَرِثُ (أَهْلُ مِلَّتَيْنِ) مِلَّةِ الإِسْلامِ وَمِلَّةِ الْكُفْرِ فَلا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ أَىِ الْقَرِيبَانِ.

     أَمَّا النَّبِىُّ فَيَرِثُ وَلا يُوَرِّثُ لِقَوْلِهِ نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ.

     (وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ الأَبُ ثُمَّ أَبُوهُ ثُمَّ الأَخُ لِلأَبِ وَالأُمِّ ثُمَّ الأَخُ لِلأَبِ ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لِلأَبِ ثُمَّ الْعَمُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ) وَيُقَدَّمُ الْعَمُّ الشَّقِيقُ عَلَى الْعَمِّ لِلأَبِ (ثُمَّ ابْنُهُ) كَذَلِكَ أَىِ ابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِلأَبِ (فَإِذَا عُدِمَتِ الْعَصَبَاتُ) مِنَ النَّسَبِ وَالْمَيِّتُ مُعْتَقٌ أَىْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ (فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ) يَرِثُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْتِقُ فَعَصَبَتُهُ يَرِثُونَ. وَالْعَصَبَاتُ أَىِ الأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ. وَالَّذِينَ يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ هُمْ رِجَالٌ إِلَّا الْمَوْلاةَ الْمُعْتِقَةَ فَهِىَ أُنْثَى.

     (فَصْلٌ) فِى الْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ وَبَيَانِ مُسْتَحِقِّيهَا.

     (وَالْفُرُوضُ) أَىِ الْحِصَصُ (الْمُقَدَّرَةُ) الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا (فِى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سِتَّةٌ) وَهِىَ (النِّصْفُ وَ)نِصْفُ النِّصْفِ وَهُوَ (الرُّبُعُ وَ)نِصْفُ الرُّبُعِ وَهُوَ (الثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَ)نِصْفُ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ (الثُّلُثُ وَ)نِصْفُ الثُّلُثِ وَهُوَ (السُّدُسُ).

     (فَالنِّصْفُ فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (خَمْسَةٍ) مِنَ الْوَرَثَةِ (الْبِنْتُ) الْوَاحِدَةُ أَىْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ فَإِنَّهَا تَرِثُ النِّصْفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ فَتَرِثُ الْبِنْتُ بِالتَّعْصِيبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ هِىَ تَرِثُ الثُّلُثَ وَهُوَ يَرِثُ الثُّلُثَيْنِ (وَبِنْتُ الِابْنِ) الْوَاحِدَةُ أَىْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَلا ابْنٌ وَلا ابْنُ ابْنٍ فَإِنَّهَا تَرِثُ النِّصْفَ (وَالأُخْتُ) الْوَاحِدَةُ (مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ) وَهِىَ الأُخْتُ الشَّقِيقَةُ فَإِنَّهَا تَرِثُ النِّصْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَخٌ شَقِيقٌ وَلا وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَلا وَلَدُ ابْنٍ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَلا أَبٌ وَلا أَبُ أَبٍ (وَ)كَذَلِكَ (الأُخْتُ) الْوَاحِدَةُ (مِنَ الأَبِ) إِذَا مَاتَتْ أُخْتُهَا فَإِنَّهَا تَرِثُ مِنْهَا النِّصْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَخٌ ذَكَرٌ وَلا وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَلا وَلَدُ ابْنٍ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَلا أَبٌ وَلا أَبُ أَبٍ وَلا أَخٌ شَقِيقٌ وَلا أُخْتٌ شَقِيقَةٌ (وَالزَّوْجُ إِذَا لَمْ يَكُنْ) مَعَهُ (وَلَدٌ) لِلزَّوْجَةِ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (وَلا وَلَدُ ابْنٍ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى.

     (وَالرُّبُعُ فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (اثْنَيْنِ) مِنَ الْوَرَثَةِ (الزَّوْجُ) أَىْ إِذَا مَاتَتْ زَوْجَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ طَلَّقَهَا طَلاقًا رَجْعِيًّا وَلَمْ تَنْتَهِ عِدَّتُهَا (مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) أَىْ إِذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ أَوْ بِنْتٌ أَوِ ابْنُ ابْنٍ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ (وَهُوَ) أَىِ الرُّبُعُ (فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (الزَّوْجَةِ) وَالزَّوْجَتَيْنِ (وَالزَّوْجَاتِ) إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ (مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) أَىْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ولا وَلَدُ ابْنٍ. فَإِنْ كُنَّ زَوْجَتَيْنِ اشْتَرَكَتَا فِى الرُّبُعِ وَإِنْ كُنَّ زَوْجَاتٍ اشْتَرَكْنَ فِى الرُّبُعِ أَىْ يُقْسَمُ الرُّبُعُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ.

     (وَالثُّمُنُ فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (الزَّوْجَةِ) أَوِ الزَّوْجَتَيْنِ (أَوِ الزَّوْجَاتِ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) أَىْ إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ أَوْ بِنْتٌ أَوِ ابْنُ ابْنٍ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ. فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً وَاحِدَةً كَانَ الثُّمُنُ لَهَا أَمَّا إِنْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَيُقْسَمُ الثُّمُنُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ.

     (وَالثُّلُثَانِ فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (أَرْبَعَةٍ) مِنَ الْوَرَثَةِ (الْبِنْتَيْنِ) أَىْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ (وَبِنْتَىِ الِابْنِ) إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَلا ابْنُ ابْنٍ (وَالأُخْتَيْنِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ) أَىْ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ أَبًا وَلا أَوْلادًا وَلا أَوْلادَ ابْنٍ (وَالأُخْتَيْنِ مِنَ الأَبِ) أَىْ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ أُخْتًا شَقِيقَةً وَلا أَبًا وَلا أَوْلادًا وَلا أَوْلادَ ابْنٍ. وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ إِخْوَةٌ ذُكُورٌ أَمَّا إِنْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخٌ ذَكَرٌ فَإِنَّهُنَّ يَرِثْنَ بِالتَّعْصِيبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.

     (وَالثُّلُثُ فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (اثْنَيْنِ) مِنَ الْوَرَثَةِ (الأُمُّ إِذَا لَمْ تُحْجَبْ) حَجْبَ نُقْصَانٍ لِحِصَّتِهَا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ أَىْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلا وَلَدُ ابْنٍ وَلا جَمْعٌ مِنَ الإِخْوَةِ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ (وَهُوَ) أَىِ الثُّلُثُ (لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ مِنْ وَلَدِ الأُمِّ) أَىْ يَقْتَسِمُونَ الثُّلُثَ بِالتَّسَاوِى عِنْدَ عَدَمِ الأَبِ وَإِنْ عَلا وَالْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ.

     (وَالسُّدُسُ فَرْضُ) أَىْ نَصِيبُ (سَبْعَةٍ) مِنَ الْوَرَثَةِ (الأُمُّ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) أَىْ إِذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ (أَوْ مَعَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَهُوَ) أَىِ السُّدُسُ نَصِيبٌ (لِلْجَدَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الأُمِّ وَلِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ) الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ بِنْتَ الصُّلْبِ تَرِثُ النِّصْفَ فَيَبْقَى لِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ فَإِنْ تَعَدَّدَتْ بِنْتُ الصُّلْبِ بِأَنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَتُحْجَبُ بِنْتُ الِابْنِ فَلا تَرِثُ (وَهُوَ) أَىِ السُّدُسُ (لِلأُخْتِ مِنَ الأَبِ مَعَ الأُخْتِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ) لِأَنَّ حِصَّةَ الأُخْتَيْنِ مَعًا الثُّلُثَانِ وَحِصَّةَ الأُخْتِ الشَّقِيقَةِ النِّصْفُ فَيَبْقَى السُّدُسُ لِلأُخْتِ مِنَ الأَبِ فَإِنْ تَعَدَّدَتِ الشَّقِيقَةُ بِأَنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَتُحْجَبُ الأُخْتُ مِنَ الأَبِ فَلا تَرِثُ (وَهُوَ) أَىِ السُّدُسُ (فَرْضُ الأَبِ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ أَبًا وَبِنْتًا فَتَرِثُ الْبِنْتُ النِّصْفَ وَيَرِثُ الأَبُ بِالْفَرْضِ السُّدُسَ وَالْبَاقِى بِالتَّعْصِيبِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ ذَكَرٍ إِلَى الْمَيِّتِ. (وَفَرْضُ الْجَدِّ) الْوَارِثِ وَهُوَ أَبُ الأَبِ (عِنْدَ عَدَمِ الأَبِ) السُّدُسُ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ (وَهُوَ فَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الأُمِّ) أَىْ إِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ أَخًا مِنَ الأُمِّ أَوْ أُخْتًا مِنَ الأُمِّ وَلَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ وَرِثَ السُّدُسَ.

     (وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ بِالأُمِّ) فَقَطْ إِلَّا إِذَا كُنَّ لِأَبٍ فَيَسْقُطْنَ بِهِ (وَ)يَسْقُطُ (الأَجْدَادُ بِالأَبِ) فَلا يَرِثُ الْجَدُّ بِوُجُودِ الأَبِ. (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الأُمِّ) أَىِ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ لِأُمٍّ فَلا يَرِثُ (مَعَ) وُجُودِ (أَرْبَعَةٍ الْوَلَدِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَ)مَعَ (وَلَدِ الِابْنِ) كَذَلِكَ (وَمَعَ الأَبِ وَالْجَدِّ). (وَيَسْقُطُ الأَخُ لِلأَبِ وَالأُمِّ مَعَ ثَلاثَةٍ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَالأَبِ). (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الأَبِ) إِنْ كَانَ أَخًا لِأَبٍ أَوْ أُخْتًا لِأَبٍ (بِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ) الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَالأَبِ (وَبِالأَخِ لِلأَبِ وَالأُمِّ) وَهُوَ الأَخُ الشَّقِيقُ.

     (وَأَرْبَعَةٌ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ) أَىْ يَرِثُونَ مَعَ أَخَوَاتِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (الِابْنُ) يُعَصِّبُ الْبِنْتَ (وَابْنُ الِابْنِ) يُعَصِّبُ بِنْتَ الِابْنِ (وَالأَخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ) يُعَصِّبُ الأُخْتَ مِنْهُمَا (وَالأَخُ مِنَ الأَبِ) يُعَصِّبُ الأُخْتَ مِنَ الأَبِ أَمَّا الأَخُ مِنَ الأُمِّ فَلا يُعَصِّبُ أُخْتَهُ بَلْ لَهُمَا الثُّلُثُ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ.

     (وَأَرْبَعَةٌ يَرِثُونَ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ وَهُمُ الأَعْمَامُ وَبَنُو الأَعْمَامِ وَبَنُو الأَخِ وَعَصَبَاتُ الْمَوْلَى) الْمُعْتِقِ وَهُمُ الذُّكُورُ أَمَّا أَخَوَاتُهُمْ فَهُمْ مِنْ ذَوِى الأَرْحَامِ فَلا يَرِثُونَ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْوَصِيَّةِ وَهِىَ مَا يُوصِى بِهِ الإِنْسَانُ أَنْ يُعْمَلَ بِمَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَأَرْكَانُ الْوَصِيَّةِ أَرْبَعَةٌ مُوصٍ وَمُوصًى لَهُ وَمُوصًى بِهِ وَصِيغَةٌ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ كَأَوْصَيْتُ لِفُلانٍ بِكَذَا أَوْ كِنَايَةٍ بِنِيَّةِ كَأَعْطُوا فُلانًا بَعْدَ مَوْتِى كَذَا فَإِذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنًا أَىْ شَخْصًا بِعَيْنِهِ فَيُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا كَأَوْصَيْتُ بِرُبُعِ مَالِى لِلْفُقَرَاءِ فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ. (وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ) كَالْوَصِيَّةِ بِمَا فِى ضَرْعِ الْبَهَائِمِ مِنَ اللَّبَنِ (وَالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ) كَالْوَصِيَّةِ بِثَمَرِ الشَّجَرَةِ قَبْلَ وُجُودِهِ. أَمَّا مَا لا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ كَخَمْرٍ وَكَلْبٍ عَقُورٍ أَىْ مُؤْذٍ فَلا يَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِهِ بِخِلافِ النَّجِسِ الَّذِى يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَكَلْبِ صَيْدٍ فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِهِ.

     (وَهِىَ) أَىِ الْوَصِيَّةُ (مِنَ الثُّلُثِ) أَىْ ثُلُثِ مَالِ الْمُوصِى وَقْتَ الْمَوْتِ فَلا تَصِحُّ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (فَإِنْ زَادَ) عَلَى الثُّلُثِ (وُقِفَ) الزَّائِدُ (عَلَى إِجَازَةِ) أَىْ قَبُولِ (الْوَرَثَةِ) وَلا يَلْزَمُهُمْ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِى الزَّائِدِ.

     (وَلا يَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ) وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ (إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِى الْوَرَثَةِ).

     وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ الْمُوصِى بِقَوْلِهِ (وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ) مُخْتَارٍ حُرٍّ وَلا تَصِحُّ مِنْ صَبِىٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ وَعَبْدٍ.

     ثُمَّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ الْمُوصَى لَهُ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا بِقَوْلِهِ (لِكُلِّ مُتَمَلِّكٍ) أَىْ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَمْلِكَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنًا بَلْ جِهَةٌ عَامَّةٌ فَالشَّرْطُ أَنْ لا تَكُونَ هَذِهِ الْجِهَةُ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ.

     (وَ)تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) كَقَوْلِ الْمُوصِى أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِى فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ.

     (وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ) أَىِ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَقِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا وَرِعَايَةِ الأَطْفَالِ الصِّغَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (إِلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ) أَىْ يُشْتَرَطُ فِى الْمُوصَى إِلَيْهِ (الإِسْلامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالأَمَانَةُ) أَىِ الْعَدَالَةُ.

 

(كِتَابُ النِّكَاحِ)

 

     أَىْ هَذَا كِتَابٌ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَالنِّكَاحُ شَرْعًا عَقْدٌ يُبِيحُ الْوَطْءَ أَىِ الْجِمَاعَ بِلَفْظِ الإِنْكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ أَوْ تَرْجَمَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أَىْ فِى النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَبِيتِ ﴿فَوَاحِدَةً﴾.

     (وَالنِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ) أَىْ إِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ لِلْوَطْءِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلَفِ الزِّوَاجِ مِنْ مَهْرٍ حَالٍّ وَنَفَقَةِ يَوْمِ النِّكَاحِ وَكِسْوَةِ فَصْلٍ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (أَىْ وِقَاءٌ لَهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِى الْحَرَامِ).

     (وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ) فِى النِّكَاحِ (بَيْنَ أَرْبَعِ حَرَائِرَ) فِى وَقْتٍ وَاحِدٍ (وَ)يَجُوزُ (لِلْعَبْدِ) أَنْ يَجْمَعَ (بَيْنَ اثْنَتَيْنِ) مُسْلِمَتَيْنِ حُرَّتَيْنِ أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ.

     (وَلا يَنْكِحُ الْحُرُّ أَمَةً) لِغَيْرِهِ (إِلَّا بِشَرْطَيْنِ عَدَمُ) قُدْرَتِهِ عَلَى (صَدَاقِ الْحُرَّةِ) أَوْ عَدَمُ رِضَاهَا بِهِ أَوْ فَقْدُهَا فِى بَلَدِهِ مَعَ عَجْزِهِ عَنِ السَّفَرِ إِلَيْهَا (وَخَوْفُ الْعَنَتِ) أَىِ الزِّنَى وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الأَمَةُ الَّتِى يَنْكِحُهَا مُسْلِمَةً.

     (وَنَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَضْرُبٍ) أَىْ أَنْوَاعٍ (أَحَدُهَا نَظَرُهُ إلى) غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ (أَجْنَبِيَّةٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) أَىْ لِغَيْرِ عُذْرٍ (فَغَيْرُ جَائِزٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أَىْ مَوَاضِعَ الزِّينَةِ مِنَ الْبَدَنِ كَالْمَوَاضِعِ الَّتِى يَكُونُ فِيهَا الْحَلَقُ فِى الأُذُنِ وَالْخَلْخَالُ فِى الرِّجْلِ وَالسِّوَارُ فِى الْيَدِ وَالْعِقْدُ فِى الصَّدْرِ ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أَىْ إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا بِلا شَهْوَةٍ.

     (وَالثَّانِى نَظَرُهُ) أَىْ نَظَرُ الرَّجُلِ (إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ) الَّتِى تَحِلُّ لَهُ (فَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ) إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ (إِلَى مَا عَدَا الْفَرْجِ مِنْهُمَا) وَالصَّحِيحُ جَوَازُ نَظَرِهِ إِلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إِنْ كَانَ بِلا حَاجَةٍ.

     (وَالثَّالِثُ نَظَرُهُ إِلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) بِنَسَبٍ كَأُمِّهِ أَوْ رَضَاعٍ كَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَوْ مُصَاهَرَةٍ كَأُمِّ زَوْجَتِهِ (أَوْ أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ فَيَجُوزُ) بِلا شَهْوَةٍ (فِيمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) أَمَّا إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَحْرُمُ وَلَوْ بِلا شَهْوَةٍ.

     (وَالرَّابِعُ النَّظَرُ لِأَجْلِ النِّكَاحِ فَيَجُوزُ) لِلرَّجُلِ بَلْ يُسَنُّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ الأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا إِذَا قَصَدَ خِطْبَتَهَا.

     (وَالْخَامِسُ النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ فَيَجُوزُ) لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ (إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَحْتَاجُ إِلَيْهَا) مِنَ الأَجْنَبِيَّةِ فِى حَالِ عَدَمِ وُجُودِ امْرَأَةٍ تُدَاوِيهَا.

     (وَالسَّادِسُ النَّظَرُ) أَىْ نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَحْتَاجُ إِلَيْهَا مِنَ الأَجْنَبِيَّةِ (لِلشَّهَادَةِ) عَلَى زِنَاهَا (أَوْ) وِلادَتِهَا أَوْ إِرْضَاعِهَا فَجَائِزٌ أَمَّا النَّظَرُ (لِلْمُعَامَلَةِ) كَبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَيَجُوزُ) لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ (إِلَى الْوَجْهِ) مِنْهَا (خَاصَّةً).

     (وَالسَّابِعُ النَّظَرُ إِلَى الأَمَةِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهَا) أَىْ عِنْدَ إِرَادَةِ شِرَائِهَا (فَيَجُوزُ) النَّظَرُ بِلا شَهْوَةٍ (إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَحْتَاجُ إِلَى تَقْلِيبِهَا) وَلا يَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا. وَلا يَجُوزُ مَسُّهَا بِلا حَائِلٍ.

     (فَصْلٌ) فِيمَا لا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ.

     يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَلِىٌّ وَشَاهِدَانِ وَزَوْجَانِ وَصِيغَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَىْ عَدْلٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. أَمَّا الصِّيغَةُ فَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الإِنْكَاحِ أَوْ تَرْجَمَتِهِ وَلا بُدَّ مِنَ الْقَبُولِ كَأَنْ يَقُولَ الْوَلِىُّ زَوَّجْتُكَ فُلانَةَ فَيَقُولَ الزَّوْجُ قَبِلْتُ زِوَاجَهَا وَلا يَكْفِى أَنْ يَقُولَ قَبِلْتُ بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَقُولَ قَبِلْتُ زِوَاجَهَا. وَيُشْتَرَطُ فِى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَلالًا غَيْرَ مُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ لا يَنْكِحُ مُحْرِمٌ وَلا يُنْكَحُ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ خَالِيَةً مِنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ لِغَيْرِ الزَّوْجِ.

     (وَلا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ إِلَّا بِوَلِىٍّ عَدْلٍ) عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ الْمَشْهُورِ (وَ)لا يَصِحُّ إِلَّا بِحُضُورِ (شَاهِدَىْ عَدْلٍ وَيَفْتَقِرُ الْوَلِىُّ وَالشَّاهِدَانِ إِلَى سِتَّةِ شَرَائِطَ الإِسْلامُ) فَلا يَكُونُ وَلِىُّ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ كَافِرًا (وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْعَدَالَةُ) فَلا يَكُونُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَالْفَاسِقُ أَوْلِيَاءَ فِى النِّكَاحِ وَلا شُهُودًا عَلَى الْعَقْدِ (إِلَّا أَنَّهُ لا يَفْتَقِرُ نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ إِلَى إِسْلامِ الْوَلِىِّ وَلا) يَفْتَقِرُ (نِكَاحُ الأَمَةِ إِلَى عَدَالَةِ السَّيِّدِ). وَالْعَدْلُ هُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِى اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَلا يُكْثِرُ مِنَ الصَّغَائِرِ بِحَيْثُ تَزِيدُ عَلَى طَاعَاتِهِ وَتَخَلَّقَ بِأَخْلاقِ أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَاجْتَنَبَ خَوَارِمَ الْمُرُوءَةِ كَتَطْيِيرِ الْحَمَامِ وَالإِكْثَارِ مِنَ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا عَارِفًا بِلُغَةِ الْعَقْدِ أَىْ بِمَعْنَى الصِّيغَةِ وَلا يُشْتَرَطُ فِى الْوَلِىِّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا.

     (وَأَوْلَى الْوُلاةِ) أَىْ أَحَقُّ الأَوْلِيَاءِ بِالتَّزْوِيجِ (الأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الأَبِ ثُمَّ الأَخُ لِلأَبِ وَالأُمُّ) أَىِ الأَخُ الشَّقِيقُ (ثُمَّ الأَخُ لِلأَبِ ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لِلأَبِ وَالأُمِّ ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لِلأَبِ ثُمَّ الْعَمُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ) أَىِ الْعَمُّ الشَّقِيقُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلأَبِ (ثُمَّ ابْنُهُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ) أَىِ ابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِلأَبِ (فَإِذَا عُدِمَتِ الْعَصَبَاتُ) مِنَ النَّسَبِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِى الأَصْلِ أَمَةً مَمْلُوكَةً (فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ) يُزَوِّجُهَا إِذَا كَانَ ذَكَرًا (ثُمَّ عَصَبَاتُهُ) أَىْ أَقَارِبُهُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ (ثُمَّ الْحَاكِمُ) فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ عِنْدَ فَقْدِ الأَوْلِيَاءِ.

     ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِى بَيَانِ أَحْكَامِ الْخِطْبَةِ فَقَالَ (وَلا يَجُوزُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ) عَنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِىٍّ أَىْ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا كَلامًا صَرِيحًا أَنَّهُ رَاغِبٌ فِى الزِّوَاجِ مِنْهَا كَقَوْلِ أُرِيدُ زِوَاجَكِ وَيَحْرُمُ جَوَابُهَا بِالْقَبُولِ. (وَيَجُوزُ) إِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاقٍ رَجْعِىٍّ (أَنْ يُعَرِّضَ) لَهَا بِالْخِطْبَةِ (وَيَنْكِحُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عَدَّتِهَا) أَىْ أَنْ يَقُولَ كَلامًا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ الزِّوَاجَ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ رُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ أَوْ أَنْتِ جَمِيلَةٌ.

     (وَالنِّسَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ثِيِّبَاتٍ وَأَبْكَارٍ) وَالثَّيِّبُ هِىَ مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَطْءٍ حَلالٍ أَوْ حَرَامٍ وَالْبِكْرُ هِىَ الَّتِى لَمْ تَزُلْ بَكَارَتُهَا بِوَطْءٍ أَوْ وُلِدَتْ بِلا بَكَارَةٍ أَوْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ (فَالْبِكْرُ يَجُوزُ لِلأَبِ) إِنْ كَانَ عَدْلًا (وَالْجَدِّ) أَبِ الأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الأَبِ (إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ) بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلِيِّهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ لا تَخْفَى عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهَا وَلا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ عَدَاوَةٌ وَلَوْ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ وَأَنْ لا يُزَوِّجَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كُفْئًا لَهَا وَشَرْطُ الْكَفَاءَةِ عَدَمُ وُجُودِ عَيْبٍ فِيهِ يُبِيحُ فَسْخَ النِّكًاحِ وَالْحُرِّيَّةُ فَلا يَكُونُ الْعَبْدُ كُفْئًا لِحُرَّةٍ وَالنَّسَبُ فَلا يَكُونُ الْعَجَمِىُّ كُفْئًا لِعَرَبِيَّةٍ وَلا غَيْرُ الْقُرَشِىِّ لِقُرَشِيَّةٍ وَلا غَيْرُ الْهَاشِمِىِّ وَالْمُطَّلِبِىِّ لِهَاشِمِيَّةٍ وَمُطَّلِبِيَّةٍ وَالصَّلاحُ فَلا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفْئًا لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ وَالْحِرْفَةُ فَلا يَكُونُ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ كُفْئًا لِبِنْتِ الْقَاضِى أَوِ الْعَالِمِ. وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ الْمُكَلَّفَةِ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا وَيَكْفِى سُكُوتُهَا فِى ذَلِكَ. (وَالثَّيِّبُ لا يَجُوزُ) لِوَلِيِّهَا (تَزْوِيجُهَا إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَإِذْنِهَا) الصَّرِيحِ وَلا يُعْتَبَرُ سُكُوتُهَا إِذْنًا فِى النِّكَاحِ خِلافًا لِلْبِكْرِ.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا.

     الْمَحْرَمُ هِىَ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَجْلِ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّصِّ) الْقُرْءَانِىِّ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَبْعٌ بِالنَّسَبِ وَهِىَ الأُمُّ وَإِنْ عَلَتْ وَالْبِنْتُ وَإِنْ سَفَلَتْ وَالأُخْتُ) الشَّقِيقَةُ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ (وَالْخَالَةُ) وَتَشْمَلُ خَالَةَ الأَبِ أَوِ الأُمِّ (وَالْعَمَّةُ) وَتَشْمَلُ عَمَّةَ الأَبِ أَوِ الأُمِّ (وَبِنْتُ الأَخِ) الشَّقِيقِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَبَنَاتُ أَوْلادِهِ (وَبِنْتُ الأُخْتِ) الشَّقِيقَةِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَبَنَاتُ أَوْلادِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَﺑَﻨَﺎتُ ﺍﻟﺄَﺥِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.

     (وَاثْنَانِ) يَحْرُمْنَ (بِالرَّضَاعِ) أَىْ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ (الأُمُّ الْمُرْضِعَةُ) وَهِى مَنْ أَرْضَعَتْكَ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ أَوْ أَرْضَعَتْ أَبًا مِنْ رَضَاعٍ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ وَلَدَك أَىْ أَرْضَعَتْ أُمَّكَ أَوْ أَبَاكَ (وَالأُخْتُ بِالرَّضَاعِ) فَمَنِ ارْتَضَعَ مِنَ امْرَأَةٍ صَارَ جَمِيعُ بَنَاتِهَا أَخَوَاتٍ لَهُ مِنَ الرَّضَاعِ، وَبِنْتُ ابْنِ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ، وَبِنْتُ بِنْتِ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ، وَأُخْتُ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ، وَخَالَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ، وَعَمَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ، وَبِنْتُ أَخِ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ، وَبِنْتُ أُخْتِ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَرْضَعَتْكَ. فَالسَّبْعُ الْمُحَرَّمَةُ بِالنَّسَبِ تَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﷺ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ.

     (وَأَرْبَعٌ) يَحْرُمْنَ (بِالْمُصَاهَرَةِ أُمُّ الزَّوْجَةِ) وَإِنْ عَلَتْ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فَتَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ عَلَى التَّأْبِيدِ سَوَاءٌ دَخَلَ الزَّوْجُ بِالزَّوْجَةِ أَمْ لا (وَالرَّبِيبَةُ) وَهِىَ بِنْتُ الزَّوْجَةِ مِنَ النَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ إِذَا دَخَلَ بِالأُمِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّنْ نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإِنْ بَانَتِ الأُمُّ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ تَحْرُمِ الْبِنْتُ عَلَيْهِ (وَزَوْجَةُ الأَبِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ مَهْمَا عَلا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الأَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (وَزَوْجَةُ الِابْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ مَهْمَا سَفَلَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الِابْنُ.

     (وَوَاحِدَةٌ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ) فَقَطْ (وَهِىَ أُخْتُ الزَّوْجَةِ) فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَأُخْتِهَا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أَمَّا إِنْ بَانَتِ الأُولَى مِنْهُ أَوْ مَاتَتْ حَلَّتِ الثَّانِيَةُ لَهُ. وَكَذَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَخَالَتِهَا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ.

     (وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) كَمَا تَقَدَّمَ.

     ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِى بَيَانِ الْعُيُوبِ الَّتِى تُبِيحُ فَسْخَ النِّكَاحِ فَقَالَ (وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ) أَىِ الزَّوْجَةُ (بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ بِالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ) وَهُوَ عِلَّةٌ يَحْمَرُّ مِنْهَا الْعُضْوُ ثُمَّ يَسْوَدُّ ثُمَّ يَتَقَطَّعُ ثُمَّ يَتَنَاثَرُ وَالْغَالِبُ حُصُولُهُ فِى الْوَجْهِ وَالأَطْرَافِ (وَالْبَرَصِ) وَهُوَ بَيَاضٌ فِى الْجِلْدِ يُذْهِبُ دَمَ الْجِلْدِ وَمَا تَحْتَهُ مِنَ اللَّحْمِ (وَالرَّتَقِ) وَهُوَ انْسِدَادُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِلَحْمٍ (وَالْقَرَنِ) وَهُوَ انْسِدَادُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِعَظْمٍ.

     (وَيُرَدُّ الرَّجُلُ) أَىِ الزَّوْجُ (بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ بِالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَ)بِوُجُودِ (الْجَبِّ) وَهُوَ قَطْعُ الذَّكَرِ (وَ)بِوُجُودِ (الْعُنَّةِ) أَىِ الْعَجْزِ عَنِ الْجِمَاعِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ الرَّفْعُ فَوْرًا إِلَى الْقَاضِى عِنْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهَا كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْمَهْرِ وَهُوَ مَالٌ يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ بِالنِّكَاحِ أَوِ الْوَطْىءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ رَوَاهُ البُخَارِىُّ. وَكُلُّ مَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مَبِيعًا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا لَهَا.

     (وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ فِى) عَقْدِ (النِّكَاحِ فَإِنْ لَمْ يُسَمَّ) الْمَهْرُ فِى الْعَقْدِ (صَحَّ الْعَقْدُ) بِلا مَعْصِيَةٍ. فَإِذَا قَالَتِ الْبِنْتُ الْبَالِغَةُ الرَّشِيدَةُ لِوَلِيِّهَا زَوِّجْنِى بِلا مَهْرٍ فَقَالَ الْوَلِىُّ لِلرَّجُلِ زَوَّجْتُكَ بِنْتِى هَذِهِ بِلا مَهْرٍ صَحَّ تَفْوِيضُهَا (وَوَجَبَ الْمَهْرُ) فِيهِ (بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ أَنْ يَفْرِضَهُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ) أَىْ أَنْ يُقَدِّرَ لَهَا مَهْرًا تَقْبَلُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا (أَوْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ) عَلَى الزَّوْجِ إِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنَ الْفَرْضِ فَيَفْرِضُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ حَالًّا (أَوْ يَدْخُلَ بِهَا فَيَجِبُ) لَهَا (مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْوَطْءِ. (وَلَيْسَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ وَلا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ) وَيُسَنُّ أَنْ لا يَنْقُصَ عَنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ خَالِصَةٍ وَأَنْ لا يَزِيدَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ خَالِصٍ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ) كَتَعْلِيمِ الْقُرْءَانِ أَوْ سُورَةٍ مِنْهُ فَيَصِحُّ جَعْلُ الْمَهْرِ تَعْلِيمَ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ تَعْلِيمَ حِرْفَةٍ كَخِيَاطَةٍ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَعْلُومًا فَلا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الْوَلِىُّ لِلزَّوْجِ زَوَّجْتُكَ بِنْتِى بِبَيْتٍ مِنْ بُيُوتِكَ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ فَاسِدٍ كَمَهْرٍ مَجْهُولٍ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَصَحَّ الْعَقْدُ. وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا أَىِ الْحَالَّ مِنْهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِىِّ مَتَى مَا جَامَعَهَا لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالْمُؤَجَّلِ إِلَّا إِذَا أَجْرَى الْعَقْدَ وَكَانَ الِاتِّفَاقُ أَنْ يُؤَخَّرَ إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ مَثَلًا فَلا تُطَالِبُ بِهِ حَتَّى تَمْضِىَ الْمُدَّةُ. وَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ أَمَّا إِنْ كَانَ عَيْنًا فَيَعُودُ لَهُ النِّصْفُ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْوَلِيمَةِ وَهِىَ كُلُّ طَعَامٍ يُقَدَّمُ لِفَرَحٍ.

     (وَالْوَلِيمَةُ عَلَى الْعُرْسِ مُسْتَحَبَّةٌ) اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ وَالسَّوِيقُ هُوَ أَنْ يُدَقَّ الشَّعِيرُ بَعْدَ تَحْمِيصِهِ. وَأَقَلُّ الْوَلِيمَةِ لِلْقَادِرِ شَاةٌ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا بِشَاةٍ وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ عَوْفٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا تَزَوَّجَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَيَدْخُلُ وَقْتُ الْوَلِيمَةِ بِالْعَقْدِ وَالأَفْضَلُ فِعْلُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُولِمْ عَنْ نِسَائِهِ إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. (وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا) أَىِ الْوَلِيمَةِ (وَاجِبَةٌ) إِذَا كَانَ الدَّاعِى مُسْلِمًا (إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) كَوُجُودِ مُنْكَرٍ لا يَزُولُ بِحُضُورِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الضَّرْبِ بِآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دُعِىَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا وَفِى رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أَمَّا الأَكْلُ مِنْهَا فَيُسْتَحَبُّ لِلْمُفْطِرِ وَلا يَجِبُ. وَأَمَّا الإِجَابَةُ لِسَائِرِ الْوَلائِمِ غَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ فَمُسْتَحَبَّةٌ. وَلَوِ اعْتَذَرَ الْمَدْعُوُّ إِلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ فَرَضِىَ بِتَخَلُّفِهِ زَالَ الْوُجُوبُ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ عُذْرًا فِى تَرْكِ الإِجَابَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمَ فَرْضٍ. وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَعَتِ النِّسَاءَ فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فِى الرِّجَالِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ.

     وَالْقَسْمُ هُوَ الْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى الْمَبِيتِ وَالنُّشُوزُ هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الزَّوْجِ بِنَحْوِ السَّفَرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ وَالْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ بِلا إِذْنِهِ بِلا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ وَمَنْعِهِ حَقَّهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَلا عُذْرَ لَهَا.

     (وَالتَّسْوِيَةُ فِى الْقَسْمِ) أَىِ الْمَبِيتِ (بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبَةٌ) فَلَوْ بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الدَّوْرِ فَوْرًا لِلْبَاقِيَاتِ أَمَّا لَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَبِتْ عِنْدَهُنَّ لَمْ يَأْثَمْ لِأَنَّ الْمَبِيتَ حَقُّهُ فَلَهُ تَرْكُهُ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ إِتْمَامِ الدَّوْرِ. أَمَّا النَّاشِزُ فَيَسْقُطُ حَقُّهَا فِى الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَلا تُقْبَلُ صَلاتُهَا أَىْ لا ثَوَابَ لَهَا فِى صَلاتِهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً عَلَى النُّشُوزِ. وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى مَسْكَنٍ وَاحِدٍ إِلَّا إِذَا كُنَّ يَرْضَيْنَ بِذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَتَانِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ قُرْعَةً فَيَبْدَأُ بِالْمَبِيتِ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا.

     (وَلا يَدْخُلُ) الزَّوْجُ فِى النَّهَارِ التَّابِعِ لِلَّيْلَةِ (عَلَى غَيْرِ الْمَقْسُومِ لَهَا) أَىْ غَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) وَالْحَاجَةُ هِىَ كَعِيَادَتِهَا إِذَا مَرِضَتْ وَكَأَخْذِ مَتَاعٍ وَوَضْعِهِ وَتَسْلِيمِ نَفَقَةٍ وَأَمَّا فِى اللَّيْلِ فَيَحْرُمُ الدُّخُولُ فِيهِ عَلَى غَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَشِدَّةِ طَلْقٍ أَوْ مَرَضٍ مَخُوفٍ.

     (وَإِذَا أَرَادَ) الزَّوْجُ (السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ) أَىْ عَمِلَ قُرْعَةً (وَخَرَجَ) أَىْ سَافَرَ (بِالَّتِى تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ) وَالأَصْلُ فِى ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتَهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ.

     (وَإِذَا) كَانَ لِلزَّوْجِ دَوْرٌ ثُمَّ (تَزَوَّجَ) امْرَأَةً (جَدِيدَةً خَصَّهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ) مُتَوَالِيَاتٍ (إِنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَلاثِ) لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ (إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا).

     (وَإِذَا خَافَ) الزَّوْجُ (نُشُوزَ الْمَرْأَةِ) بِأَنْ ظَهَرَتْ مُقَدِّمَاتُهُ كَأَنْ وَجَدَ مِنْهَا إِعْرَاضًا وَعُبُوسًا بَعْدَ لُطْفٍ وَطَلاقَةِ وَجْهٍ أَوْ صَارَتْ تُكَلِّمُهُ بِكَلامٍ خَشِنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُكَلِّمُهُ بِلِينٍ (وَعَظَهَا) بِلا هَجْرٍ وَلا ضَرْبٍ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا اتَّقِى اللَّهِ وَلا تَفْعَلِى ذَلِكَ حَتَّى لا تَقَعِى فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ (فَإِنْ أَبَتْ) بَعْدَ الْوَعْظِ (إِلَّا النُّشُوزَ هَجَرَهَا) فِى الْفِرَاشِ أَىْ تَرَكَ جِمَاعَهَا (فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ) أَىْ أَصَرَّتْ عَلَى النُّشُوزِ (هَجَرَهَا وَضَرَبَهَا) ضَرْبَ تَأْدِيبٍ لَهَا إِذَا أَفَادَ الضَّرْبُ فِى ظَنِّهِ. وَالصَّحِيحُ عَدَمُ التَّرْتِيبِ فِى الثَّلاثِ بَلْ إِذَا حَصَلَ النُّشُوزُ جَازَ الْوَعْظُ وَالْهَجْرُ وَالضَّرْبُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ نُشُوزُهَا (وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ قَسْمُهَا) أَىْ دَوْرُهَا فِى الْمَبِيتِ (وَنَفَقَتُهَا) وَكِسْوَةُ الْفَصْلِ فَإِنْ تَابَتْ رَجَعَ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا لِمَا يَلِى مِنْ يَوْمٍ وَكِسْوَتُهَا لِمَا يَلِى مِنْ فَصْلٍ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الْخُلْعِ.

     وَالْخُلْعُ فُرْقَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ كَأَنْ تَقُولَ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا خَالِعْنِى عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَقُولَ لَهَا خَالَعْتُكِ عَلَى ذَلِكَ فَيَنْفَسِخُ عَقْدُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِرِضَاهَا ثُمَّ تَدْفَعُ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِى خُلُقٍ وَلا دِينٍ وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِى الإِسْلامِ (أَىْ أَخَافُ عَلَى نَفْسِى أَنْ لا أُؤَدِىَّ حُقُوقَ زَوْجِى فَأَقَعُ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ صِرْنَا فِى الإِسْلامِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ (هَذِهِ الْحَدِيقَةُ كَانَ أَعْطَاهَا إِيَّاهَا مَهْرًا) فَقَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ الْقَدِيمُ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ طَلاقًا فَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَهُوَ يَنْفَعُ لِمَنْعِ وُقُوعِ الطَّلاقِ الْمُعَلَّقِ فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ إِنْ ذَهَبْتِ إِلَى بَيْتِ فُلانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا، فَإِذَا خَالَعَهَا زَوْجُهَا بِقَصْدِ الْفَسْخِ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ تَصِيرُ الزَّوْجَةُ بِالْخُلْعِ بَائِنًا ثُمَّ يَعْمَلُ عَقْدًا جَدِيدًا بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ وَلِىٍّ كَمَا يَفْعَلُ الْحَنَفِيَّةُ مَعَ وُجُودِ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّ الْخُلْعَ عِنْدَهُمْ يُعْتَبَرُ طَلاقًا فَلا يَنْفَعُ لِمَنْعِ وُقُوعِ الطَّلاقِ الْمُعَلَّقِ.

     (وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ) مَقْصُودٍ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ (وَتَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا وَلا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) أَىْ لا يَسْتَطِيعُ إِرْجَاعَهَا إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِرِضَاهَا. وَالْمُخْتَلِعَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَأَمَّا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَعِدَّتُهَا ثَلاثَةُ أَطْهَارٍ إِذَا كَانَتْ تَحِيضُ وَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ إِذَا كَانَتْ لا تَحِيضُ وَالْحَامِلُ عِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْحَمْلِ. وَيَجِبُ لِلْمُخْتَلِعَةِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ.

     (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِى الطُّهْرِ وَفِى الْحَيْضِ) وَلا يَحْرُمُ بِخِلافِ الطَّلاقِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِى حَالِ الْحَيْضِ (وَلا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلاقُ) أَىْ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الْمُخْتَلِعَةَ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْخُلْعِ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الطَّلاقِ وَهُوَ شَرْعًا حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ.

     وَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِ الطَّلاقِ التَّكْلِيفُ وَالِاخْتِيَارُ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ مِنَ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا مَنْ تَعَدَّى بِالسُّكْرِ كَأَنْ تَعَمَّدَ شُرْبَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ حَتَّى غَابَ عَقْلُهُ فَطَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَقَعَ الطَّلاقُ. وَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِ الطَّلاقِ قَصْدُ اللَّفْظِ وَمَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ اللَّفْظَ كَأَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ أَوْ تَلَفَّظَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَقَعْ. وَالطَّلاقُ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَلا مُحَرَّمًا وَلا مَنْدُوبًا وَلا مُبَاحًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاقُ رَوَاهُ الْحَاكِمُ. أَمَّا طَلاقُ الزَّوْجَةِ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَلَيْسَ مَكْرُوهًا بَلْ فِيهِ ثَوَابٌ إِنْ كَانَتْ تَارِكَةً لِلصَّلاةِ. وَإِذَا أَمَرَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ وَلَدَهُ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْفِسْقِ كَالزِّنَى أَوْ كَانَتْ تُؤْذِى وَالِدَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمَا غَمٌّ شَدِيدٌ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا.

      (وَالطَّلاقُ ضَرْبَانِ) أَىْ نَوْعَانِ (صَرِيحٌ) أَىْ أَلْفَاظُهُ صَرِيحَةٌ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الطَّلاقِ (وَكِنَايَةٌ) أَىْ أَلْفَاظُهُ تَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وَغَيْرَهُ (فَالصَّرِيحُ ثَلاثَةُ أَلْفَاظٍ) أَنْتِ (الطَّلاقُ وَ)أَنْتِ (الْفِرَاقُ وَ)أَنْتِ (السَّرَاحُ) وَالرَّاجِحُ أَنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ الثَّلاثَةَ كِنَايَةٌ أَمَّا الصَّرِيحَةُ فَهِىَ كَطَلَّقْتُكِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ فَارَقْتُكِ أَوْ أَنْتَ مُفَارَقَةٌ أَوْ سَرَّحْتُكِ أَوْ أَنْتَ مُسَرَّحَةٌ. (وَلا يَفْتَقِرُ صَرِيحُ الطَّلاقِ إِلَى النِّيَّةِ) أَىْ لا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ بَلْ يَقَعُ الطَّلاقُ بِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى الطَّلاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلا يَقَعُ طَلاقُهُ إِلَّا إِذَا نَوَى الطَّلاقَ.

     (وَالْكِنَايَةُ كُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الطَّلاقَ وَغَيْرَهُ) كَقَوْلِهِ اسْتَتِرِى أَوِ الْحَقِى بِأَهْلِكِ (وَيَفْتَقِرُ) فِى وُقُوعِهِ (إِلَى النِّيَّةِ) فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلا. وَلَفْظُ الطَّلاقِ الصَّرِيحِ كَطَلَّقْتُ زَوْجَتِى إِذَا كُتِبَ فَهُوَ كِنَايَةٌ فَلا يَقَعُ إِنْ لَمْ يَنْوِهِ.

     (وَالنِّسَاءُ فِيهِ) أَىِ الطَّلاقِ (ضَرْبَانِ ضَرْبٌ فِى طَلاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ وَهُنَّ ذَوَاتُ الْحَيْضِ) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالطَّلاقِ السُّنِّىِّ أَنَّ فِيهِ ثَوَابًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَمَّا الطَّلاقُ الْبِدْعِىُّ فَهُوَ الطَّلاقُ الْمُحَرَّمُ (فَالسُّنَّةُ أَنْ يُوقِعَ) الزَّوْجُ (الطَّلاقَ فِى طُهْرٍ غَيْرِ مُجَامِعٍ فِيهِ وَالْبِدْعَةُ أَنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ فِى) حَالِ (الْحَيْضِ) أَوِ النِّفَاسِ (أَوْ فِى طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ). وَالطَّلاقُ فِى حَالِ الْحَيْضِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ يُطِيلُ الْعِدَّةَ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا فِى طُهْرٍ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِدُخُولِهَا فِى الْحَيْضِ الثَّالِثِ أَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا فِى الْحَيْضِ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِدُخُولِهَا فِى الْحَيْضِ الرَّابِعِ. وَأَمَّا الطَّلاقُ فِى طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ يُورِثُ النَّدَمَ فَالشَّخْصُ قَدْ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهَا حَامِلٌ فَيَنْدَمُ.

     (وَضَرْبٌ لَيْسَ فِى طَلاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلا بِدْعَةٌ) أَىْ لا يَنْقَسِمُ إِلَى جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ بَلْ هُوَ طَلاقٌ جَائِزٌ (وَهُنَّ أَرْبَعٌ الصَّغِيرَةُ) الَّتِى لَمْ تَحِضْ (وَالآيِسَةُ) وَهِىَ الَّتِى بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ وَهُوَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً قَمَرِيَّةً وَانْقَطَعَ حَيْضُهَا (وَالْحَامِلُ) الَّتِى ظَهَرَ حَمْلُهَا فَطَلاقُهَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ لا نَدَمَ فِيهِ وَلا إِطَالَةَ لِمُدَّةِ الْعِدَّةِ (وَالْمُخْتَلِعَةُ) وَهِىَ الَّتِى دَفَعَتْ لِزَوْجِهَا مَالًا لِيُطَلِّقَهَا فَطَلاقُهَا جَائِزٌ وَلَوْ كَانَتْ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوْ فِى طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ (الَّتِى لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) زَوْجُهَا فَلا يُوصَفُ طَلاقُهَا بِسُنَّةٍ وَلا بِدْعَةٍ إِذْ لا عِدَّةَ عَلَيْهَا.

     وَالطَّلاقُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ كَطَلاقِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لا يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِذَا طَالَبَهُ الْقَاضِى بِذَلِكَ فَإِنَّ الْقَاضِىَ يَأْمُرُهُ بِطَلاقِهَا بَعْدَ مُرُورِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى حَلِفِهِ وَامْتِنَاعِهِ عَنْ جِمَاعِهَا وَمَنْدُوبٍ كَطَلاقِ امْرَأَةٍ تَارِكَةٍ لِلصَّلاةِ وَغَيْرِ الْعَفِيفَةِ وَسَيِّئَةِ الْخُلُقِ وَمَكْرُوهٍ كَطَلاقِ امْرَأَةٍ تَقِيَّةٍ وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِى دَاوُدَ أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاقُ وَحَرَامٍ كَالَّذِى يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ أَوْ فِى طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَمُبَاحٍ كَطَلاقِ مَنْ لا يَهْوَى زَوْجَتَهُ أَىْ لا يَمِيلُ قَلْبُهُ إِلَيْهَا وَنَفْسُهُ تَسْتَثْقِلُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا بِلا اسْتِمْتَاعٍ بِهَا.

     (فَصْلٌ) فِى طَلاقِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ.

     (وَيَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ) وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً (وَ)يَمْلِكُ (الْعَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ) حُرَّةً كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً.

     (وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِى الطَّلاقِ) وَهُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ الزَّوْجُ فِى كَلامِهِ كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا إِلَّا وَاحِدَةً فَتُعَدُّ اثْنَتَيْنِ أَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ فَتُعَدُّ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ (إِذَا وَصَلَهُ بِهِ) أَىْ وَصَلَ الْمُسْتَثْنَى بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَيْثُ يُعَدُّ فِى الْعُرْفِ كَلامًا وَاحِدًا فَلا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةِ التَّنَفُسِ وَثِقَلِ اللِّسَانِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لا يَسْتَغْرِقَ الْمُسْتَثْنَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الثَّلاثُ فَإِنِ اسْتَغْرَقَهُ كَأَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا إِلَّا ثَلاثًا وَقَعَ ثَلاثًا وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِىَ الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا وَيَصِحُّ بِأَىِّ جُزْءٍ مِنْهُ.

     (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَىِ الطَّلاقِ (بِالصِّفَةِ) أَىْ بِحُصُولِ الصِّفَةِ كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِى شَهْرِ شَوَّالٍ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِدُخُولِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ (وَالشَّرْطِ) أَىْ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَطْلُقُ إِذَا دَخَلَتْ أَمَّا إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فَلا تَطْلُقُ وَيَبْقَى مُعَلَّقًا. أَمَّا إِذَا عَلَّقَ الطَّلاقَ بِفِعْلِهِ شَيْئًا فِى الْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ فَعَلَهُ نَاسِيًا لِلتَّعْلِيقِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهِ أَوْ جَاهِلًا أَنَّهُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَأَنْ عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى تَكْلِيمِهِ زَيْدًا ثُمَّ كَلَّمَهُ فِى ظُلْمَةٍ جَاهِلًا أَنَّهُ زَيْدٌ لَمْ تَطْلُقْ.

     أَمَّا لَوْ عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ بِقَصْدِ مَنْعِهِ مِنْ فِعْلِ شَىْءٍ أَوْ حَثِّهِ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ وَعَلِمَ الْغَيْرُ بِتَعْلِيقِهِ وَكَانَ مِمَّنْ يُبَالِى بِتَعْلِيقِهِ فَلا يُخَالِفُهُ كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إِنْ دَخَلْتِ دَارَ أَخِيكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِصَدِيقِهِ إِنْ لَمْ تَأْكُلْ عِنْدَنَا فَزَوْجَتِى طَالِقٌ فَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهِ لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ. أَمَّا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَنْعَهُ أَوْ حَثَّهُ أَوْ كَانَ الْغَيْرُ مِمَّنْ لا يُبَالِى بِتَعْلِيقِهِ كَالْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ تَعْلِيقُهُ فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا طَلَقَتْ. 

     (وَلا يَقَعُ الطَّلاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ) أَىْ إِذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ طَلَّقْتُكِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ.

     (وَأَرْبَعٌ لا يَقَعُ طَلاقُهُمْ الصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّائِمُ وَالْمُكْرَهُ) عَلَى الطَّلاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَشَرْطُ الإِكْرَاهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ تَهْدِيدِهِ وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَنَحْوِهِ وَظَنُّهُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ مَا خَوَّفَهُ بِهِ وَكَوْنُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ عَاجِلًا أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ طَلِّقْ زَوْجَتَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ غَدًا فَلا يُعَدُّ مُكْرَهًا عَلَى الطَّلاقِ. وَيَحْصُلُ الإِكْرَاهُ هُنَا بِالتَّخْوِيفِ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلافِ مَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيُشْتَرَطُ لِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ بِالإِكْرَاهِ أَنْ لا يَنْوِىَ الطَّلاقَ.

     (فَصْلٌ) فِى أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ.

     وَالرَّجْعَةُ شَرْعًا رَدُّ الْمَرْأَةِ إِلَى النِّكَاحِ فِى عِدَّةِ طَلاقٍ غَيْرِ بَائِنٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ أَىْ بِلَفْظٍ خَاصٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أَىِ الطَّلاقُ الَّذِى بَعْدَهُ رَجْعَةٌ مَرَّتَانِ فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهَا وَإِمَّا أَنْ يُفَارِقَهَا بِإِحْسَانٍ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِى طُهْرِ جَامَعَهَا فِيهِ. وَيُسَنُّ الإِشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلا يَجِبُ. أَمَّا عِدَّةُ الْفَسْخِ فَلا رَجْعَةَ فِيهَا كَفُرْقَةِ إِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَوْلِ أَرْجَعْتُكِ إِلَى نِكَاحِى إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. وَأَرْكَانُ الرَّجْعَةِ ثَلاثَةٌ زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ وَصِيغَةٌ. وَالصِّيغَةُ الَّتِى تَصِحُّ بِهَا الرَّجْعَةُ إِمَّا صَرِيحَةٌ كَقَوْلِهِ رَاجَعْتُكِ أَوْ رَجَعْتُكِ وَالأَحْسَنُ أَنْ يَزِيدَ إِلَى نِكَاحِى أَوْ رَدَدْتُكِ إِلَىَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِى أَوْ كِنَايَةٌ كَقَوْلِهِ تَزَوَّجْتُكِ أَوْ نَكَحْتُكِ. أَمَّا الزَّوْجُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلنِّكَاحِ بِنَفْسِهِ فَلا تَصِحُّ رَجْعَةُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلنِّكَاحِ بِوَلِيِّهِمَا لا بِأَنْفُسِهِمَا.

     (وَإِذَا طَلَّقَ) الرَّجُلُ (امْرَأَتَهُ) بِغَيْرِ عِوَضٍ طَلْقَةً (وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ) بَعْدَ وَطْئِهَا (فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا) بِغَيْرِ إِذْنِهَا (مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا) أَمَّا إِذَا طَلَّقَهَا بِعِوَضٍ أَىْ مُقَابِلَ مَالٍ تَدْفَعُهُ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ خُلْعًا وَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِرِضَاهَا (فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) أَىِ الرَّجْعِيَّةِ (كَانَ لَهُ نِكَاحُهَا) أَىْ حَلَّ لَهُ نِكَاحُهَا (بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَتَكُونُ مَعَهُ عَلَى مَا بَقِىَ مِنَ الطَّلاقِ) أَىْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِمَا بَقِىَ لَهُ مِنَ الطَّلاقِ.

     (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَىْ إِنْ طَلَّقَ الْحُرُّ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ (ثَلاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ) حُصُولِ (خَمْسَةِ أَشْيَاءَ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا مِنْهُ) إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا (وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِهِ) تَزْوِيجًا صَحِيحًا (وَدُخُولُهُ) أَىِ الثَّانِى (بِهَا وَإِصَابَتُهَا) بِإِدْخَالِ رَأْسِ ذَكَرِهِ فِى قُبُلِهَا (وَبَيْنُونَتُهَا مِنْهُ) أَىْ أَنْ تَبِينَ مِنَ الثَّانِى بِطَلاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتٍ (وَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا مِنْهُ) لِاسْتِبْرَاءِ رَحِمِهَا.

     أَمَّا وُقُوعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا فَهُوَ إِجْمَاعٌ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ وَالشَّافِعِىُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِىُّ فَقَالَ بِعَدَمٍ وُقُوعِ الثَّلاثِ وَأَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ وَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ خَرْقٌ لِلإِجْمَاعِ.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ الإِيلاءِ وَهُوَ شَرْعًا أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ أَنْ لا يَطَأَ زَوْجَتَهُ فِى قُبُلِهَا مُطْلَقًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَكَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ وَيَتَأَتَّى وَطْؤُهُ. وَهُوَ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ لِلزَّوْجَةِ أَمَّا إِذَا تَرَكَ جِمَاعَهَا بِلا حَلِفٍ أَوْ حَلَفَ أَنْ لا يَطَأَهَا مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ فَلا يَكُونُ مُولِيًا.

     وَأَرْكَانُ الإِيلاءِ سِتَّةٌ حَالِفٌ وَمَحْلُوفٌ بِهِ وَمَحْلُوفٌ عَلَيْهِ وَزَوْجَةٌ وَصِيغَةٌ وَمُدَّةٌ بَيَّنَهَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا حَلَفَ) الزَّوْجُ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ (أَنْ لا يَطَأَ زَوْجَتَهُ مُطْلَقًا) أَىْ بِلا تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ كَقَوْلِهِ وَاللَّهِ أَوْ وَحَيَاةِ اللَّهِ لا أَطَؤُكِ أَبَدًا أَىْ لا أُجَامِعُكِ (أَوْ) حَلَفَ أَنْ لا يَطَأَهَا (مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) كَقَوْلِهِ وَاللَّهِ لا أَطَؤُكِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ (فَهُوَ مُولٍ).

     أَمَّا الصِّيغَةُ الَّتِى يَحْصُلُ بِهَا الإِيلاءُ فَهِىَ صَرِيحَةٌ وَكِنَايَةٌ أَمَّا الصَّرِيحَةُ فَهِىَ كَقَوْلِهِ وَاللَّهِ لا أُجَامِعُكِ وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِىَ كَقَوْلِهِ وَاللَّهِ لا أُلامِسُكِ أَوْ لا أُبَاشِرُكِ فَتَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةِ الْوَطْءِ.

     (وَيُؤَجَّلُ لَهُ) أَىْ يُمْهَلُ الْمُولِى (إِنْ سَأَلَتِ) الزَّوْجَةُ (ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) مِنْ يَوْمِ حَلِفِهِ وَظَاهِرُ كَلامِ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِضَرْبِ الْمُدَّةِ أَنْ تَطْلُبَ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا بِشَرْطٍ بَلْ يُمْهَلُ الْمُولِى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِى الْقُرْءَانِ. فَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَطَأْهَا رَفَعَتْهُ إِلَى الْقَاضِى إِنْ شَاءَتْ (ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْئَةِ) أَىِ الرُّجُوعِ بِأَنْ يَطَأَهَا (وَالتَّكْفِيرِ) لِلْيَمِينِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ جِمَاعِهَا (أَوِ الطَّلاقِ فَإِنِ امْتَنَعَ) الزَّوْجُ مِنَ الْجِمَاعِ وَالطَّلاقِ (طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ) طَلْقَةً وَاحِدَةً فَيَقُولُ أَوْقَعْتُ عَنْ فُلانٍ عَلَى فُلانَةَ طَلْقَةً فَإِنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنَ الْجِمَاعِ فَقَطْ دُونَ الطَّلاقِ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِالطَّلاقِ.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ الظِّهَارِ وَهُوَ شَرْعًا تَشْبِيهُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ غَيْرَ الْبَائِنِ بِأُنْثَى مِنْ مَحَارِمِهِ فِى التَّحْرِيمِ. وَالظِّهَارُ كَانَ يُعَدُّ طَلاقًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

     وَأَرْكَانُهُ مُظَاهِرٌ أَىِ الَّذِى يُوقِعُ الظِّهَارَ وَهُوَ الزَّوْجُ وَمُظَاهَرٌ مِنْهَا أَىْ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الظِّهَارُ وَهِىَ الزَّوْجَةُ وَمُشَبَّهٌ بِهِ وَهُوَ مَحْرَمُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْ مَحْرَمِهِ وَصِيغَةٌ وَهِىَ لَفْظٌ يُعْطِى مَعْنَى الظِّهَارِ صَرِيحًا كَانَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى أَوْ كِنَايَةً يَحْتَمِلُ الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ فَيُنْظَرُ إِلَى نِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ كَأُمِّى.

     (وَالظِّهَارُ) حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الإِيذَاءِ لِلزَّوْجَةِ وَهُوَ (أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى) أَىْ لا أُجَامِعُكِ كَمَا لا أُجَامِعُ أُمِّى أَىْ أَمْنَعُ نَفْسِىَ مِنْ جِمَاعِكِ (فَإِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ) أَىْ إِذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى أَوْ أَنْتِ عِنْدِى كَظَهْرِ أُمِّى أَوْ أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّى (وَلَمْ يُتْبِعْهُ بِالطَّلاقِ) أَىْ لَمْ يُطَلِّقْ بَعْدَهُ فَوْرًا (صَارَ عَائِدًا) فِى ظِهَارِهِ لِأَنَّهُ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِأُمِّهِ فِى التَّحْرِيمِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لا يُمْسِكَهَا زَوْجَةً فَإِنْ أَمْسَكَهَا زَوْجَةً عِنْدَهُ صَارَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ فِيهَا (وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ) قَبْلَ الْجِمَاعِ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

     (وَ)الْكَفَّارَةُ (هِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ) إِضْرَارًا بَيِّنًا كَالْعَمَى وَالْفَالِجِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رَقَبَةً (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) وُجُوبًا (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَوْ فَقِيرًا (كُلُّ مِسْكِينٍ مُدٌّ) أَىْ تَمْلِيكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدًّا أَىْ حَفْنَةً مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَالْقُوتُ هُوَ مَا يَعِيشُ عَلَيْهِ الْبَدَنُ كَالْقَمْحِ. (وَلا يَحِلُّ وَطْؤُهَا) أَىِ الزَّوْجَةِ (حَتَّى يُكَفِّرَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّـا﴾.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ.

     وَالْقَذْفُ شَرْعًا هُوَ أَنْ يَرْمِىَ إِنْسَانًا بِالزِّنَا تَعْيِيرًا لَهُ وَلَيْسَ شَهَادَةً عَلَى زِنَاهُ أَمَّا إِذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَ الْقَاضِى أَنَّ فُلانًا زَنَى أَوْ أَنَّ فُلانَةَ زَنَتْ لا يُقَالُ لَهُ قَذْفٌ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لا يَقُولُهُ بِقَصْدِ أَنْ يَنْسُبَ عَارًا لِلَّذِى يَشْهَدُ عَلَيْهِ إِنَّمَا يَقُولُهُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ. وَالْقَذْفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا كَقَوْلِ فُلانٌ زَانٍ أَوْ كِنَايَةً يَحْتَمِلُ الْقَذْفَ وَغَيْرَهُ وَإِنَّمَا يُعَدُّ قَذْفًا إِذَا كَانَ بِنِيَّةٍ كَقَوْلِ يَا فَاسِقُ أَوْ يَا فَاجِرُ بِنِيَّةِ الْقَذْفِ. وَأَمَّا اللِّعَانُ فَهُوَ كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ يَقُولُهَا الزَّوْجُ لِتَكُونَ مَخْلَصًا لَهُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ أَىْ رَمَاهَا بِالزِّنَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شُهُودٌ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ هِلالَ بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِى ظَهْرِكَ مَعْنَاهُ إِمَّا أَنْ تَأْتِىَ بِالشُّهُودِ أَوْ يُقَامَ عَلَيْكَ الْحَدُّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أَىْ بِالزِّنَا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ﴾ أَىْ أَرْبَعُ شُهُودٍ عُدُولٍ ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أَىْ يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ أَنِّى صَادِقٌ فِى مَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِى هَذِهِ مِنَ الزِّنَى وَيَقُولُ فِى الْخَامِسَةِ وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَىَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ.

     (وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ) الْمُكَلَّفُ الْمُخْتَارُ (زَوْجَتَهُ بِالزِّنَى فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ) وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لِلْحُرِّ (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ) أَىْ إِلَّا أَنْ يَأْتِىَ بِالْبَيِّنَةِ وَهِىَ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا عَيْنَ الْفِعْلِ (أَوْ يُلاعِنَ) الزَّوْجَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَىِ الْقَاضِى فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَاللِّعَانِ (فَيَقُولُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِى الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِى جَمَاعَةٍ مِنَ) صُلَحَاءِ (النَّاسِ) أَرْبَعَةٍ فَأَكْثَرَ (أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّنِى لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِى فُلانَةَ) بِنْتَ فُلانٍ إِنْ كَانَتْ غَائِبَةً أَوْ زَوْجَتِى هَذِهِ إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً (مِنَ الزِّنَى وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ) أَوِ الْحَمْلَ (مِنَ الزِّنَى وَلَيْسَ مِنِّى) وَلا يَكْفِى أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنِّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ مِنَ الزِّنَى وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) مُتَتَالِيَةٍ لِتَكُونَ كُلُّ مَرَّةٍ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ (وَيَقُولُ فِى) الْمَرَّةِ (الْخَامِسَةِ بَعْدَ أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ) نَدْبًا بِأَنْ يُخَوِّفَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الأَلِيمِ فِى الآخِرَةِ فَإِنْ أَصَرَّ أَعَادَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مَرَّةً خَامِسَةً أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّنِى لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِى هَذِهِ مِنَ الزِّنَى وَزَادَ فِيهَا (وَعَلَىَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتِ مِنَ الْكَاذِبِينَ). وَكَوْنُ اللِّعَانِ (فِى الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِى جَمَاعَةٍ) لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ يُسَنُّ لِلتَّغْلِيظِ لِتَخْوِيفِ الزَّوْجِ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ وَتَخْوِيفِ الزَّوْجَةِ مِنْ أَنْ تَكْذِبَ.

     (وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ) أَىِ الزَّوْجِ (خَمْسَةُ أَحْكَامٍ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ) أَىْ حَدِّ قَذْفِ زَوْجَتِهِ الْمُحْصَنَةِ وَهِىَ الْمُسْلِمَةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْحُرَّةُ الْعَفِيفَةُ وَإِنَّمَا يُحَدُّ إِذَا كَانَتْ مُحْصَنَةً (وَوُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا) أَىْ حَدِّ زِنَاهَا (وَزَوَالُ الْفِرَاشِ) أَىِ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا (وَنَفْىُ الْوَلَدِ) إِنْ نَفَاهُ فِى لِعَانِهِ فَلا يُعَدُّ وَلَدَهُ (وَالتَّحْرِيمُ عَلَى الأَبَدِ) فَلا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ أَنْ لاعَنَهَا بَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.

     (وَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهَا) أَىْ حَدُّ الزِّنَا الَّذِى ثَبَتَ عَلَيْهَا بِلِعَانِهِ (بِأَنْ تَلْتَعِنَ) أَىْ تُلاعِنَ الزَّوْجَ بَعْدَ أَنْ لاعَنَهَا (فَتَقُولَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّ فُلانًا هَذَا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِى بِهِ مِنَ الزِّنَى) وَتُكَرِّرُ ذَلِكَ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَتَقُولَ فِى الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ بَعْدَ أَنْ يَعِظَهَا الْحَاكِمُ) بِتَخْوِيفِهِ لَهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الأَلِيمِ فِى الآخِرَةِ (وَعَلَىَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فِيمَا رَمَانِى بِهِ مِنَ الزِّنَى.

     (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ.

     وَالْعِدَّةُ شَرْعًا مُدَّةٌ تَتَرَبَّصُ فِيهَا الْمَرْأَةُ وَتَمْتَنِعُ فِيهَا عَنِ النِّكَاحِ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا أَوْ لِلتَّعَبُّدِ أَوْ لِلتَّفَجُّعِ عَلَى الزَّوْجِ.

     (وَالْمُعْتَدَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُتَوَفًّى عَنْهَا) زَوْجُهَا (وَغَيْرُ مُتَوَفًّى عَنْهَا فَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ) حُرَّةً وَ(حَامِلًا فَعِدَّتُهَا) عَنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا (بِوَضْعِ الْحَمْلِ) وَلَوْ سِقْطًا (وَ)أَمَّا (إِنْ كَانَتْ حَائِلًا) أَىْ غَيْرَ حَامِلٍ (فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وَتُعْتَبَرُ الأَشْهُرُ بِالأَهِلَّةِ وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الْمُنْكَسِرُ ثَلاثِينَ يَوْمًا.

     (وَ)أَمَّا (غَيْرُ الْمُتَوَّفَى عَنْهَا) زَوْجُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ طَلاقٍ أَوْ فَسْخٍ (إِنْ كَانَتْ حَامِلًا) مِنْ زَوْجِهَا (فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَ)أَمَّا (إِنْ كَانَتْ) حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ (حَائِلًا) أَىْ غَيْرَ حَامِلٍ (وَهِىَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ) أَىْ تَحِيضُ (فَعِدَّتُهَا ثَلاثَةُ قُرُوءٍ وَهِىَ الأَطْهَارُ) وَتَنْقَضِى عِدَّتُهَا بِدُخُولِهَا فِى الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِى طُهْرٍ أَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ فَعِدَّتُهَا تَنْقَضِى بِدُخُولِهَا فِى الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ. (وَ)أَمَّا (إِنْ كَانَتِ) الْمُعْتَدَّةُ صَغِيرَةً غَيْرَ بَالِغَةٍ أَوْ كَبِيرَةً لَمْ تَحِضْ أَصْلًا (أَوْ ءَايِسَةً فَعِدَّتُهَا ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) قَمَرِيَّةٍ فَإِنْ طَلَّقَهَا أَثْنَاءَ شَهْرٍ لا فِى أَوَّلِهِ فَبَعْدَهُ شَهْرَانِ وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الْمُنْكَسِرُ ثَلاثِينَ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ.

     (وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لا عِدَّةَ عَلَيْهَا) وَلَوْ بَاشَرَهَا الزَّوْجُ مِنْ دُونِ جِمَاعٍ.

     (وَعِدَّةُ الأَمَةِ بِالْحَمْلِ) إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلاقًا رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَكَانَتْ حَامِلًا (كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ) أَىْ تَنْقَضِى عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ (وَ)أَمَّا إِنْ كَانَتْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا (بِالأَقْرَاءِ) أَىِ الأَطْهَارِ وَالْوَاجِبُ (أَنْ تَعْتَدَّ بِقُرْءَيْنِ) أَىْ بِطُهْرَيْنِ إِذْ يَتَعَذَّرُ تَبْعِيضُ الْقُرْءِ (وَ)أَمَّا إِنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا (بِالشُّهُورِ عَنِ الْوَفَاةِ) وَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَالْوَاجِبُ (أَنْ تَعْتَدَّ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ وَعَنِ الطَّلاقِ أَنْ تَعْتَدَّ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ فَإِنِ اعْتَدَّتْ بِشَهْرَيْنِ كَانَ أَوْلَى) لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلافِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِشَهْرَيْنِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عِدَّتُهَا ثَلاثةُ أَشْهُرٍ وَهُوَ الأَحْوَطِ. 



ق 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم