الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
اختلفَ أهلُ
الحقِّ في اسمِ تارح أهو اسمٌ ثانٍ لآزرَ أبي إبراهيم أم وصفٌ له، ولٰكنهم اتّفَقوا
أنّ الاسمَينِ لشَخصٍ واحدٍ، وخالَفَ في ذلك بعضُهُم فقالَ إنّ آزرَ عمُّ إبراهيمَ
أو جدُّهُ لِأُمِّه، وتارَحُ هو والدُه، واحتَجّوا أنّ العَمَّ قد يُطلَقُ عليهِ
اسمُ الأبِ، مُستَدِلّينَ بقولِه تعالى ﴿ أَمۡ
كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا
تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ
إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ
مُسۡلِمُونَ ١٣٣ ﴾ [سورة البقرة] ومعلومٌ أنّ إسماعِيلَ كان
عَمًّا لِيَعقوبَ وقد أُطلِقَ عَلَيهِ لَفظُ الأَبِ، وكَذا
آزرُ عَمُّه! -بحسَبِ رَأيِهِم-.
ردَّ الفخرُ
الرازيُّ(1) زَعمَهُم هذا بقولِه رحمه الله »وَاعلَمْ
أَنَّ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ إِنَّمَا يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيهَا لَو دَلَّ
دَلِيلٌ بَاهِرٌ عَلَى أَنَّ وَالِدَ إِبرَاهِيمَ مَا
كَانَ اسمُهُ آزَرَ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لَم يُوجَدِ البَتَّةَ،
فَأَيُّ حَاجَةٍ تَحمِلُنَا عَلَى هَذِهِ التَّأوِيلَاتِ، وَالدَّلِيلُ القَوِيُّ
عَلَى صِحَّةِ أَنَّ الأَمرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ،
أَنَّ اليَهُودَ
وَالنَّصَارَى وَالمُشرِكِينَ
كَانُوا فِي غَايَةِ الحِرصِ عَلَى تَكذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وَإِظهَارِ
بُغضِهِ، فَلَو كَانَ هَذَا النَّسَبُ كَذِبًا لَامتَنَعَ فِي العَادَةِ
سُكُوتُهُم عَن تَكذِيبِهِ وَحَيثُ لَم يُكَذِّبُوهُ عَلِمنَا أَنَّ هَذَا
النَّسَبَ صَحِيحٌ وَاللهُ أَعلَمُ « اﻫ.
واستَدَلّوا كذٰلِكَ
بقَولِ إبراهيمَ u بعدَ
أن فَرَغَ مِن بناءِ الكعبةِ ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ
لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
٣٩ رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ
دُعَآءِ ٤٠ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ
يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١ ﴾ [سورة إبراهيم] قالوا استِغفارُه
هنا لوالِدَيهِ كان لأجلِ مَوتِهما على الإسلام، بخِلَافِ آزرَ فَقَد كَانَ
تَبَيَّنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ عَدَاوَتُهُ لِلهِ تَعَالَى!
نقول وباللهِ
التوفيق إنّ معنى استغفارِ إبراهيمَ لوالِدَيه لأنَّ أُمَّهُ عَلَى مَا رُوِيَ
عَنِ الْحَسَنِ
البَصريِّ
كانت مُؤْمِنَةً، فَلَا إِشكَالَ فِي الِاستِغفَارِ لَهَا وَأَمَّا استِغفَارُهُ
لِأَبِيهِ فَقَد قِيلَ إِنَّهُ كَانَ قَبلَ أَن يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ
لِلهِ سُبحَانَهُ وَاللهُ تَعَالَى قَد حَكَى مَا قَالَهُ u فِي أَحَايِينَ
مُختَلِفَةٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ u نَوَى شَرطِيَّةَ
الإِسلَامِ وَالتَّوبَةَ وَإِلَيهِ ذَهَبَ
ابنُ
الخَازِنِ، وَقِيلَ أَرَادَ بِوَالِدِهِ نُوحًا عَلَيْهِ
السَّلَامُ وَقِيلَ أَرَادَ بِوَالِدِهِ آدَمَ وَبِوَالِدَتِهِ حَوَّاءَ عَلَيْهِمَا
السَّلَامُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِكُفْرِ أُمِّهِ(2).
قال القرطبي في تفسيره سورة الأنعام قوله تعالى
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَال مُّبِين} (74)
قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين.
قوله تعالى وإذ قال إبراهيم تكلم العلماء في هذا ; فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجويني الشافعي الأشعري في النكت من التفسير له : وليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارح . والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر .
وقيل : آزر عندهم ذم في لغتهم ; كأنه قال : وإذ قال لأبيه يا مخطئ أتتخذ أصناما آلهة وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع .
وقيل : آزر اسم صنم . وإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل ; كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها ، أتتخذ أصناما آلهة .
قلت : ما ادعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق ; فقد قال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك : إن آزر أبو إبراهيم عليه السلام وهو تارح ، مثل إسرائيل ويعقوب ; قلت فيكون له اسمان كما تقدم .
وقال مقاتل : آزر لقب ، وتارح اسم ، وحكاه الثعلبي عن ابن إسحاق القشيري . ويجوز أن يكون على العكس . قال الحسن : كان اسم أبيه آزر .
وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب ، ومعناه في كلامهم : المعوج . وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : بلغني أنها أعوج ، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه .
وقال الضحاك : معنى آزر الشيخ الهرم بالفارسية . وقال الفراء : هي صفة ذم بلغتهم ; كأنه قال يا مخطئ ; فيمن رفعه . أو كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ ; فيمن خفض .
ولا ينصرف لأنه على أفعل ; قاله النحاس . وقال الجوهري : آزر اسم أعجمي ، وهو مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه ; فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام وقيل : هو مشتق من القوة ، والأزر : القوة ; عن ابن فارس .
وقال مجاهد ويمان : آزر اسم صنم . وهو في هذا التأويل في موضع نصب ، التقدير : أتتخذ آزر إلها ، أتتخذ أصناما .
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، التقدير : أتتخذ آزر أصناما . قلت : فعلى هذا آزر اسم جنس . والله أعلم .
وقال الثعلبي في كتاب العرائس : إن اسم أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارح ، فلما صار مع النمروذ قيما على خزانة آلهته سماه آزر .
وقال مجاهد : إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم .
وهو إبراهيم بن تارح بن ناخور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام .
و آزر فيه قراءات : " أإزرا " بهمزتين ، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ; عن ابن عباس . وعنه " أأزرا " بهمزتين مفتوحتين . وقرئ بالرفع ، وروي ذلك عن ابن عباس . وعلى القراءتين الأوليين عنه تتخذ بغير همزة . قال المهدوي : أإزرا ؟ فقيل : إنه اسم صنم ; فهو منصوب على تقدير أتتخذ إزرا ، وكذلك أأزرا . ويجوز أن يجعل أإزرا على أنه مشتق من الأزر وهو الظهر فيكون مفعولا من أجله ; كأنه قال : أللقوة تتخذ أصناما .
ويجوز أن يكون إزر بمعنى وزر ، أبدلت الواو همزة . قال القشيري : ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم ورده على أبيه في عبادة الأصنام . وأولى الناس باتباع إبراهيم العرب ; فإنهم ذريته . أي واذكر إذ قال إبراهيم . أو وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت وذكر إذ قال إبراهيم .
وقرئ " آزر " أي يا آزر ، على النداء المفرد ، وهي قراءة أبي ويعقوب وغيرهما . وهو يقوي قول من يقول : إن آزر اسم أبي إبراهيم .
أتتخذ أصناما آلهة مفعولان لتتخذ وهو استفهام فيه معنى الإنكار .
مسألة: قول بعضهم إن آزر عم إبراهيم
قال فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير (مفاتيح الغيب) ج13 ص32
المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر ، ومنهم من قال : اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح ، ومن الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن . وقال : هذا النسب خطأ وليس بصواب ، وللعلماء ههنا مقامان :
المقام الأول : أن اسم والد إبراهيم - عليه السلام - هو آزر ، وأما قولهم : أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح ؛ فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما ، وربما تعلّقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن .
المقام الثاني : سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه :
الوجه الأول : لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين ، فيحتمل أن يقال : إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقبا له ، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم . فالله تعالى ذكره بالاسم ، ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسما أصليا ، وآزر كان لقبا غالبا . فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب .
الوجه الثاني : أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم ، فقيل : إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطئ كأنه قيل ، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ ؛ كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق ، وقيل : آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ، وهو أيضا فارسية أصلية .
واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب .
والوجه الثالث : أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين :
أحدهما : أنه جعل نفسه مختصا بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب . قال الله تعالى : ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) [ الإسراء : 71 ] .
وثانيها : أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
الوجه الرابع : أن والد إبراهيم - عليه السلام - كان تارح ، وآزر كان عمًّا له ، والعم قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا : ( نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) [ البقرة : 133 ] ومعلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب . وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا .
واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر ، وهذا الدليل لم يوجد البتة ، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات ، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم .
وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) ج7 ص194
وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ آزر لَمْ يَكُنْ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَيْسَ فِي آبَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ [ ص: 195 ] أَصْلًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " لَمْ أَزَلْ أُنْقَلُ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إِلَى أَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ وَالْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ". وَتَخْصِيصُ الطَّهَارَةِ بِالطَّهَارَةِ مِنَ السِّفَاحِ لَا دَلِيلَ لَهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ
وَقَدْ أَلَّفُوا فِي هَذَا الْمَطْلَبِ الرَّسَائِلَ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِمَا اسْتَدَلُّوا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الشِّيعَةِ كَمَا ادَّعَاهُ الْإِمَامُ الرَّازِّيُّ نِاشِئٌ مِنْ قِلَّةِ التَّتَبُّعِ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ آزر اسْمٌ لِعَمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَجَاءَ إِطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى الْعَمِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ أَيْضًا
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْخَالُ وَالِدٌ وَالْعَمُّ وَالِدٌ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، وَفِي الْخَبَرِ " رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي الْعَبَّاسِ " وَأَيَّدَ بَعْضُهُمْ دَعْوَى أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْحَقِيقِيَّ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا وَإِنَّمَا الْكَافِرُ عَمُّهُ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ : لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّارِ جَعَلُوا يَجْمَعُونَ الْحَطَبَ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْعَجُوزُ لَتَجْمَعُ الْحَطَبَ فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قَالَ : حَسْبِيَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَعِمَ الْوَكِيلُ، فَلَمَّا أَلْقَوْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَكَانَتْ، فَقَالَ عَمُّهُ: مِنْ أَجْلِي دُفِعَ عَنْهُ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ شَرَارَةً مِنَ النَّارِ فَوَقَعَتْ عَلَى قَدَمِهِ فَأَحْرَقَتْهُ
وَبِمَا أُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ فَلَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَوَاقِعَةِ النَّارِ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ وَاتَّفَقَ لَهُ مَعَ الْجَبَّارِ مَا اتُّفِقَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ هَاجَرُ ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْقُلَهَا وَوَلَدَهَا إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ فَنَقَلَهَا، وَدَعَا هُنَاكَ فَقَالَ : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إِلَى قَوْلِهِ: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ، فَإِنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْءَانِ بِالْكُفْرِ هُوَ عَمُّهُ، حَيْثُ صُرِّحَ فِي الْأَثَرِ الْأَوَّلِ أَنَّ الَّذِي هَلَكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ هُوَ عَمُّهُ، وَدَلَّ الْأَثَرُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِوَالِدَيْهِ كَانَ بَعْدَ هَلَاكِ أَبِيهِ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ فَلَوْ كَانَ الْهَالِكُ هُوَ أَبُوهُ الْحَقِيقِيُّ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ أَصْلًا، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْهَالِكَ هُوَ الْعَمُّ الْكَافِرُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْأَبِ مَجَازًا وَذَلِكَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنَّ الْمُسْتَغْفَرَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ الْأَبُ الْحَقِيقِيُّ وَلَيْسَ بِآزَرَ، وَكَانَ فِي التَّعْبِيرِ بِالْوَالِدِ فِي آيَةِ الِاسْتِغْفَارِ وَبِالْأَبِ فِي غَيْرِهَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمُغَايَرَةِ
وَمِنَ النَّاسِ مَنِ احْتَجَّ أَنَّ آزَرَ مَا كَانَ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ هَذِهِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَافَهَهُ بِالْغِلْظَةِ وَالْجَفَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَكَ فِي عِبَادَاتِهَا فِي ضَلالٍ عَظِيمٍ عَنِ الْحَقِّ مُبِينٍ أَيْ ظَاهِرٍ لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ أَصْلًا، وَمُشَافَهَةُ الْأَبِ بِالْجَفَاءِ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيذَاءِ، وَآيَةُ التَّأْفِيفِ بِفَحْوَاهَا تَعُمُّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءَاتِ كَعُمُومِهَا لِلْأَبِ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَأَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى فِرْعَوْنَ أَمَرَهُ بِالرِّفْقِ مَعَهُ وَالْقَوْلِ اللَّيِّنِ لَهُ رِعَايَةً لِحَقِّ التَّرْبِيَةِ وَهِيَ فِي الْوَالِدِ أَتَمُّ، وَأَيْضًا الدَّعْوَةُ بِالرِّفْقِ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فَإِنَّ الْخُشُونَةَ تُوجِبُ النُّفْرَةَ فَلَا تَلِيقُ مِنْ غَيْرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ الْأَجَانِبِ فَكَيْفَ تَلِيقُ مِنْهُ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ الْأَوَّاهُ الْحَلِيمُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْإِيذَاءِ الْمُحَرَّمِ فِي شَيْءٍ وَلَيْسَ مُقْتَضَى الْمَقَامِ إِلَّا ذَاكَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّاعِيَ لِأَمْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاللِّينِ مَعَ فِرْعَوْنَ مُجَرَّدُ رِعَايَةِ حَقِّ التَّرْبِيَةِ، وَقَدْ يَقْسُو [ ص: 196 ] الْإِنْسَانُ أَحْيَانًا عَلَى شَخْصٍ لِمَنْفَعَتِهِ كَمَا قَالَ أَبُو تَمَّامٍ : فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ الْمُعَرِّي :
اضْرِبْ وَلِيَدَكَ وَادْلُـلْهُ عَلَى رُشْدٍ وَلَا تَقُلْ هُوَ طِفْلٌ غَيْرُ مُحْتَلِمِ فَرُبَّ شِقٍّ بِرَأْسٍ جَرَّ مَنْفَعَةً
وَقِسْ عَلَى شِقِّ رَأْسِ السَّهْمِ وَالْقَلَمِ
وَقَالَ أَبُو خَفَاجَةَ الْأَنْدَلُسِيُّ :
نَبِّهْ وَلِيَدَكَ مِنْ صِبَاهُ بِزَجْرِهِ فَلَرُبَّمَا أَغْفَى هُنَاكَ ذَكَاؤُهُ
وَانْهَرْهُ حَتَّى تَسْتَهِلَّ دُمُوعُهُ فِي وَجْنَتَيْهِ وَتَلْتَظِي أَحْشَاؤُهُ
فَالسَّيْفُ لَا يَذْكُو بِكَفِّكَ نَارُهُ حَتَّى يَسِيلَ بِصَفْحَتَيْهِ مَاؤُهُ
وَكَوْنُ الرِّفْقِ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى الِإِطْلَاقِ فَإِنَّ الْمَقَامَاتِ مُتَفَاوِتَةٌ كَمَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَارَةً : وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَأُخْرَى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ نَعَمْ لَوِ ادُّعِيَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مُؤَيِّدٌ لَكَوْنِ آزَرَ لَيْسَ أَبًا حَقِيقِيًّا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَرُبَّمَا قُبِلَ، وَحَيْثُ ادُّعِيَ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ فَتَدَبَّرْ، وَالرُّؤْيَةُ إِمَّا عِلْمِيَّةٌ وَالظَّرْفُ مَفْعُولُهَا الثَّانِي، وَإِمَّا بَصَرِيَّةٌ فَهُوَ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَالْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، وَمَنْشَأُ ضَلَالِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي مَعْشَرٍ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُنَجِّمِ الْبَلْخِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جِسْمٌ اهـ.
قلت -بشار- والظاهر أن الشيخ الألوسي تراجع عن القول بأن آزر عم إبراهيم، لقوله في تفسير سورة إبراهيم قوله تعالى {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} الآية 41، ج13 ص244 قال
وَلِوَالِدَيَّ أَيْ لِأُمِّي وَأَبِي وَكَانَتْ أُمُّهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مُؤْمِنَةً فَلَا إِشْكَالَ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا وَأَمَّا اسْتِغْفَارُهُ لِأَبِيهِ فَقَدْ قِيلَ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ سُبْحَانَهُ وَاللهُ تَعَالَى قَدْ حَكَى مَا قَالَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَحَايِينَ مُخْتَلِفَةٍ وَقِيلَ : إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَوَى شَرْطِيَّةَ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْخَازِنِ وَقِيلَ : أَرَادَ بِوَالِدِهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقِيلَ : أَرَادَ بِوَالِدِهِ آدَمَ وَبِوَالِدَتِهِ حَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِكُفْرِ أُمِّهِ وَالْوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ .
وَقَالَتِ الشِّيعَةُ : إِنَّ وَالِدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِذَا دَعَا لَهُمَا وَأَمَّا الْكَافِرُ فَأَبُوهُ وَالْمُرَادُ بِهِ عَمُّهُ أَوْ جَدُّهُ لِأُمِّهِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى إِيمَانِ أَبَوَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَمْ يَرْضَوْا مَا قِيلَ فِيهَا حَتَّى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِمْ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ كَانَ بَعْدَ الْكِبَرِ وَهْبَةِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَهُ وَقَدْ كَانَ تَبَيَّنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَدَاوَةُ أَبِيهِ الْكَافِرِ لِلهِ تَعَالَى .
وَقَرَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ وَزَيْدٌ ابْنَا عَلِيٍّ وَابْنُ يَعْمُرَ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ( وَلِوَلَدَيَّ ) بِغَيْرِ أَلِفٍ وَبِفَتْحِ اللَّامِ تَثْنِيَةَ وَلَدٍ يَعْنِي بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَأَنْكَرَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ وَنَقَلَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وَلِأَبَوَيَّ ) وَفِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ ( وَلِذُرِّيَّتِي ) وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ( وَلِوُلْدِي ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ وَلَدٍ كَأَسَدٍ فِي أُسْدٍ وَيَكُونُ قَدْ دَعَا عَلَيْهِ السَّلَامُ لِذُرِّيَّتِهِ وَأَنْ [ ص: 244 ] يَكُونَ لُغَةً فِي الْوَلَدِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ :
فَلَيْتَ زِيَادًا كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَلَيْتَ زِيَادًا كَانَ وُلْدَ حِمَارِ
وَمِثْلُ ذَلِكَ الْعَدَمُ وَالْعُدْمُ وَقَرَأَ ابْنُ جُبَيْرٍ ( وَلِوَالِدِي ) بِإِسْكَانِ الْيَاءِ عَلَى الْإِفْرَادِ كَقَوْلِهِ : وَاغْفِرْ لِأَبِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَغَيْرِهِمْ وَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّعْبِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : مَا يَسُرُّنِي بِنَصِيبِي مِنْ دَعْوَةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ حُمْرُ النِّعَمِ وَلِلْإِيذَانِ بِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ جِيءَ بِضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ . (41) أَيْ يَثْبُتُ وَيَتَحَقَّقُ وَاسْتِعْمَالُ الْقِيَامِ فِيمَا ذُكِرَ إِمَّا مَجَازٌ مُرْسَلٌ أَوِ اسْتِعَارَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَامَتِ الْحَرْبُ وَالسُّوقُ وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ الْحِسَابَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ وَأَثْبَتَ لَهُ الْقِيَامَ عَلَى التَّخْيِيلِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَقُومُ أَهْلُ الْحِسَابِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ أَوْ أُسْنِدَ إِلَى الْحِسَابِ مَا لِأَهْلِهِ مَجَازًا وَجَعَلَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ مِثْلَ ضَرْبِهِ التَّأْدِيبَ مِمَّا فِيهِ الْإِسْنَادُ إِلَى السَّبَبِ الْغَائِيِّ أَيْ يَقُومُ أَهْلُهُ لِأَجْلِهِ وَذَكَرَ السَّالَكُوتِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ مِثْلَهُ لِأَنَّ الْحِسَابَ لَيْسَ مَا لِأَجْلِهِ الْقِيَامُ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِهِ تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ وَفِيهِ بَحْثٌ اهـ.
وقال الرازي في تفسيره الكبير ج19 ص111
الْمَطْلُوبُ السَّابِعُ : قَوْلُهُ : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ :
المسألة الْأُولَى : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ سَابِقَةِ الذَّنْبِ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ قَاطِعًا بِأَنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ مَا كَانَ قَاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟
وَالْجَوَابُ : الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَقَطْعُ الطَّمَعِ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ .
المسألة الثَّانِيَةُ : إِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ جَازَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ وَكَانَا كَافِرَيْنِ ؟
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ مَنْعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جَائِزًا .
الثَّانِي : أَرَادَ بِوَالِدَيْهِ آدَمَ وَحَوَّاءَ .
الثَّالِثُ : كَانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ بَاطِلًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) [ الْمُمْتَحَنَةِ : 4 ] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً ، وَلِهَذَا السَّبَبِ خَصَّ أَبَاهُ [ ص: 111 ] بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) [ التَّوْبَةِ : 114 ] . وَاللهُ أَعْلَمُ . وَفِي قَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) قَوْلَانِ :
الْأَوَّلُ : يَقُومُ أَيْ يَثْبُتُ وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ قِيَامِ الْقَائِمِ عَلَى الرِّجْلِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ : قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقِهَا ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ ، أَيْ أَشْرَقَتْ وَثَبَتَ ضَوْؤُهَا كَأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى رِجْلٍ .
الثَّانِي : أَنْ يُسْنَدَ إِلَى الْحِسَابِ قِيَامُ أَهْلِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ مِثْلَ قَوْلِهِ : ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) [ يُوسُفَ : 82 ] أَيْ أَهْلَهَا . وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم