الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
قول الصحابي عند أهل العلم - إذا صحّ السند إليه - له عدة حالات– على وجه الاجمال - :
* القسم الأول :
قول الصحابي الذي لا يقال مثله بالاجتهاد والرأي وإنما سبيله الرواية فقط، كأن يكون عن أمر غيبي مثلًا.
فهذا القول يعتمد عليه ويكون له حكم الرفع، فهنا احتمال قوي أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة أحيانًا يروون السنة بلفظها ومسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانًا بمعناها وغير مسندة خاصة إذا خرجت على سبيل الفتوى أو الجواب على سؤال.
مثال ذلك:
قال الله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) البقرة ( 197 ) .
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَا يُحرِمُ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشهُرِ الحَجِّ ؛ فَإِنَّ مِن سُنَّةِ الحَجِّ أَن تُحرِمَ بِالحَجِّ فِي أَشهُرِ الحَجِّ " رواه ابن خزيمة في صحيحه ( 4 / 162 ) .
فنسبة شيء إلى السنة عمدته الرواية لا الرأي والاجتهاد .
قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: " من السنة كذا " في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن، وهو ترجمانه ". انتهى من" تفسير ابن كثير " ( 1 / 541 ).
لكن يستثنى من هذا إذا كان هناك احتمال قوي أنه من الروايات الاسرائيلية المنقولة عن أهل الكتاب.
قال محمد الأمين الشنقيطي: "فإن كان مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، كما تقرّر في علم الحديث، فيقدَّمُ على القياس، ويُخَصُّ به النص، إن لم يُعْرَف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات ". انتهى من " مذكرة أصول الفقه " ( ص 256 ) .
فإذا كان الاحتمال القوي أنه من الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب؛ ففي هذه الحالة يكون له حكم الأخبار الإسرائيلية؛ وحكمها كما بينه الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي: "من المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات: في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضًا على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا كذبه". انتهى من " أضواء البيان " ( 4 / 238 ) .
ومثال ذلك:
" حديث الفتون " الذي رواه النسائي في " السنن الكبرى " ( 10 / 172 – 183 ) عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى : ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) طه / 40 ، وهو حديث طويل جدًا.
قال ابن كثير بعد أن ذكره:" هكذا رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا " انتهى من " تفسير ابن كثير " ( 5 / 293 ) .
* القسم الثاني :
قول الصحابي الذي يقال مثله بالاجتهاد والرأي .
وهذا له عدة حالات:
الحالة الأولى:
إذا خالف نصًا شرعيًا: فيُقدّم النص ولا يعمل بقول الصحابي.
مثال ذلك:
قال الله تعالى ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) النساء ( 11 ) .
فاللّهُ نصّ على نصيب ميراث البنات مع الأولاد، ونصيب البنات لوحدهن إذا كنّ فوق اثنتين وعلى نصيب البنت وحدها، ولم ينصّ على نصيب البنتين.
فابن عباس رضي الله عنهما أفتى بأن للبنتين نصف التركة.
وقد أجمع أهل العلم بعده على خلاف قوله وقالوا بأن لهما الثلثين.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى:" وفرض الله تعالى للبنت الواحدة النصف، وفرض لما فوق الثنتين من البنات الثلثين، ولم يفرض للبنتين فرضًا منصوصًا في كتابه.
وأجمع أهل العلم على أن للثنتين من البنات الثلثين، فثبت ذلك بإجماعهم وتوارث في كل زمان على ذلك إلى هذا الوقت ..." انتهى من " الإشراف " ( 4 / 316 ) .
ومما استدل به أهل العلم
حديث جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، قَالَ: يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: آيَةُ المِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَمِّهِمَا، فَقَالَ: أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ ) رواه الترمذي ( 2092 ) وقال: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ "، وصححه الحاكم والذهبي " المستدرك " ( 4 / 334 ).
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: " وقد انفرد ابن عباس بأن حكمهما حكم الواحدة وأبى ذلك الجمهور، واختلف في مأخذهم فقيل حكمهما حكم الثلاث فما زاد، ودليله بيان السنة فإن الآية لما كانت محتملة بينت السنة أن حكمهما حكم ما زاد عليهما، وذلك واضح في سبب النزول فإن العم لمّا منع البنتين من الإرث وشكت ذلك أمهما قال صلى الله عليه وسلم لها ( يقضي الله في ذلك ) فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى العم فقال: ( اعطِ بنتي سعد الثلثين ) ... ويُعتذر عن ابن عباس بأنه لم يبلغه فوقف مع ظاهر الآية " انتهى من " فتح الباري " ( 12 / 15 – 16 ) .
الحالة الثانية :
قول الصحابي إذا خالفه غيره من الصحابة.
ففي هذه الحالة لا يكون قول أحدهم حجة دون الآخر، بل يرجّح بين أقوالهم ولا يخرج عنها.
ومثال لذلك :
الحاج إذا جامع زوجته بعد التحلّل الأول وقبل طواف الإفاضة، فأفتى ابن عباس رضي الله عنه؛ بأنه يكفيه أن يخرج إلى التنعيم فيعتمر وعليه فدية.
وأفتى ابن عمر رضي الله عنه؛ بأن حجه قد فسد، وعليه الحج مرة أخرى.
ففي هذه الحالة يرجّح بين أقوالهم.
" روى قتادة عن علي بن عبد الله البارقي: ( أن رجلًا وامرأة أتيا ابن عمر قَضَيَا المناسك كلَّها ما خلا الطواف فغشيَها – أي جامعها -، فقال ابن عمر: عليهما الحج عامًا قابلًا، فقال: أنا إنسان من أهل عمان، وإن دارنا نائية، فقال: وإن كنتما من أهل عمان، وكانت داركما نائية، حُجّا عامًا قابلًا، فأتيا ابن عباس، فأمرهما أن يأتيا التنعيم، فيُهِلّا منه بعمرة، فيكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وإحرام مكان إحرام، وطواف مكان طواف ) رواه سعيد بن أبي عروبة في المناسك عنه، وروى مالك عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة – قال: لا أظنه إلا عن ابن عباس - قال: " الذي يصيب أهله قبل أن يفيض: يتعمر ويهدي"... فإذا اختلف الصحابة على قولين:
أحدهما: إيجاب حج كامل، والثاني: إيجاب عمرة.
الحالة الثالثة :
قول الصحابي إذا اشتهر ولم نعلم أحدًا من الصحابة أنكره.
فمثل هذا القول جعله جمهور أهل العلم حُجّة.
قال محمد الأمين الشنقيطي: " وإن كان – أي قول الصحابي – مِمّا للرأي فيه مجال، فإن انتشر في الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر " . انتهى من " مذكرة أصول الفقه " ( ص 256 ) .
ومثال ذلك :
قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ) ؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لاَ نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلاَ تَحْقِرْ نَفْسَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ " رواه البخاري ( 4538 ) .
وهذا تفسير من ابن عباس، أقرّه عليه عمر رضي الله عنه، ولم ينكر عليهما أحد ممن حضر، فيكون قولًا معتمدًا في تفسير هذه الآية .
ولهذا قال ابن كثير بعد أن أورده : " وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية " انتهى من " تفسير ابن كثير " ( 1 / 696 ) .
الحالة الرابعة :
قول الصحابي إذا لم نعلم باشتهاره، ولا نعلم أن أحدًا من الصحابة أنكره.
فجمهور أهل العلم على قبول قوله والاعتماد عليه.
إن قال بعض الصحابة قولًا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر؛ فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجّون به؛ كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع ... " .
ويدخل في هذه الحالة ما استنبطه ابن عباس رضي الله عنه من التفسير، ولم يعرف له مخالف ولا موافق من الصحابة.
والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم