الثلاثاء، 13 يناير 2026

رسالة العقيدة المرشدة لابن تومرت

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله

قال ابن تومرت رحمه الله

 اعلم أرشدَنا الله وإيــّــــــاكَ أنه يجبُ على كــــــــلّ مكلَّف أن يعلمَ أن الله عزَّ وجــــــلَّ واحـــدٌ فـي مُلكِـــه، خلقَ العـــــالمَ بــأسرِهِ العلـويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسَّمواتِ والأرضَ وما فيهما وما بينهمـا، جميــــــعُ الخلائـقِ مقهورونَ بقدرَتِــــــهِ، لا تتحركُ ذرةٌ إلا بـإذنِـــــهِ، ليسَ معهُ مُدبّـــــرٌ فـي الخَلقِ ولا شريـــــــكٌ فـي المُلكِ، حيٌّ قيومٌ لا تــــــــــأخذُهُ سِنةٌ ولا نـــومٌ، عـالـمُ الغيب والشهادةِ، لا يَــخفى عليـهِ شيءٌ فـي الأرضِ ولا فـي السماءِ، يــــعلــمُ مـــــا فـي البـرّ، والبحرِ وما تسقطُ من ورقــــــــةٍ إلا يعلمُهَــا، ولا حبـــــةٍ فـي ظلمـاتِ الأرضِ ولا رَطبٍ ولا يـــابسٍ إلا فـي كتـــــابٍ مبين. أحــــــــــــاط بكــــلّ شىءٍ علمًا وأحصى كـــــــــــلَّ شىءٍ عددًا، فعـالٌ لما يريدُ، قادرٌ على ما يشاءُ، لـه الملكُ ولــــــه الغِنَى، ولــــــه العزُّ والبقاءُ، ولـــهُ الحكمُ والقضاءُ، ولـهُ الأسماءُ الحسنى، لا دافعَ لمـا قضى، ولا مـــــــانعَ لمــا أعطى، يفعلُ فـي مِلكِهِ مـا يريدُ ، ويحكمُ فـي خلقِـــــه بما يشاءُ. لا يـرجو ثوابًـا ولا يـخـــــافُ عقابــًــا، ليس علــيــــه حقٌّ (يلزمُهُ) ولا عليـه حكمٌ، وكلُّ نِعمةٍ منـهُ فضلٌ وكـلُّ نِقمةٍ منه عدلٌ، لا يُسئلُ عـما يفعلُ وهم يُسألــونَ. موجـــودٌ قبـــل الخلقِ، ليس له قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فــــــــوقٌ ولا تحــتٌ، ولا يَمينٌ  ولا شمـالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كـلٌّ، ولا بعضٌ، ولا يقالُ متى كـانَ ولا أينَ كـانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان، كوَّنَ الأكـــــوانَ ودبَّـرالزمـــــانَ، لا يتقيَّدُ بالزمــــــانِ ولا يتخصَّصُ بالمكــــان، ولا يشغلُهُ شـــــأنٌ عن شــــــأن، ولا يــلحقُهُ وهمٌ، ولا يكتَنِفُهُ عقلٌ، ولا يتخصَّصُ بـــــالذهنِ، ولا يــتمثلُ فـي النفسِ، ولا يتصورُ فـي الوهمِ، ولا يتكيَّـــفُ فـي العقلِ ، لا تـــَلحقُهُ الأوهـــامُ والأفكـــــــــــارُ، ” لَيْسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ”اهـ

قال سليم علوان 

فإن صاحب العقيدة المرشدة هو ابْنُ تُوْمَرتَ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَسَنِي ، مَاتَ فِيءاخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

نسب العقيدةَ المرشدة إلى ابن تومرت:  الذهبيُّ في سير أعلام النبلاءج 19/540-541، وعمر كحالة في معجم المؤلفين ج 10 /206، وابن كثير في تاريخه ج12/231 ، والبرزلي في نوازله  ج 6/366 ، وغيرهم .

أكثر من أربعة قرون والعقيدة المرشدة يرددها المؤذنون في وقت التسبيح

–     في طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي ج5 / ص 69-70:

أن الشيخ فخر الدين  ابن عساكر رحمه الله{ المتوفى سنة 620 هـ}  كان يقرىء بالقدس العقيدة المرشدة .

–     قال المؤرخ تقي الدين المقريزي ( توفي سنة 845 هـ ) فـي كـتـابـه ( المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ) ما نصه : “لما ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيـوب.. تقدم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح على الـمــآذن بالليل ، بذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة ، فواظب المؤذنون على ذكرها في كل ليلة بسائر جوامع مصر إلى وقتنا هذا “ .

–     قال الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي (توفي سنة 911 هـ ) في كتابه (الوسائل إلى معرفة الأوائل) ما نصه : ” فلما ولي السلطـــــــان صلاح الدين بن أيوب أمر المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية، فواظب المؤذنون على ذكرها كل ليلة إلى وقتنا هذا “ .

–     قال العلامة محمد بن علان الصديقي الشافعي ( توفي سنة 1057 هـ ) في كتابه (الفتوحات الربانيـــة على الأذكار النواوية) ما نصه : ” لـما ولي صلاح الدين بن أيوب وحمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري، أمر المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية التي تعرف بالمرشدة فواظبوا على ذكرها كل ليلة “ .

–     قال الحافظ صلاح الدين العلائي (توفي سنة 761 هـ) كما نقل عنه السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) ما نصه : ” وهذه العقيدة المرشدة جرى قائلها على المنهاج القويم، والعقد المستقيم وأصاب فيما نزّه به العليَ العظيم”.

–     قال الإمام تاج الدين السبكي (توفي سنة 771 هـ ) في كتابه (معيد النعم ومبيد النقم) ما نصه: ” عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحـــــــاوي وعقيدة أبي القاسم القشيري والعقيدة المسمــــاة بالمرشدة، مشتركــات في أصول أهل السنة والجماعة “ .

–     قال الإمام محمد بن يوسف السنوسي ( توفي سنة 895 هـ ) في شرحه على العقيدة المرشدة المسمى (الأنوار المبينة لمعاني عقد عقيدة المرشــدة ) ما نصه : ” اجتمعت الأئمة على صحة هذه العقيدة وأنها مرشدة رشيدة “ .

–     قال الإمام تاج الدين السبكي ( توفي عام 771 هـ ) في كتابــه ( طبقات الشافعية الكبرى ) في ءاخر العقيدة المرشدة بعد أن ساقها بكاملها ما نصه : ” هذا ءاخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سني”.

قال العلامة الشيخ عبد الله الهرري رحمات الله عليه المتوفى سنة 1429 هـ:  الحمد لله، جــمــهـــور الأمــــــة المحمديـــــة مئــــــــــاتُ الملايين، عـلمـــــــــاؤهــــــــم فـي الشــــرق والـغرب يعـتقدون ويـُـــدرّسون أن الله تبارك وتعالى موجودٌ مُنَزَّهٌ عن الحـــــــدّ والـمـكـــــان.

فائدة عظيمة : السُلطان صلاحُ الدينِ الأيوبي (ت589 هـ) كانَ تقياً عادلاً صالحاً، وهو الذي أخرجَ الكُفارَ من بيتِ المقدس بعدَ أن احتلوهُ تسعينَ سنة، وهذا لهُ شرفٌ عظيم رضي اللهُ عنهُ وجزاهُ عن الإسلامِ خيراً، وكانَ تحت الخليفةِ العباسي، كانَ ولي برَ الشام كُلَهُ، واليمنَ كُلَهُ بما فيهِ من الإمارات وقطر والبحرين وعُمان، والحِجازَ كُلَه، ونجداً كُلَهُ وهي البِلادُ التي يُسمى بَعضُها الرياض وبعضُها الدرعية وبعضُها بريدة، وولي مِصرَ، وكانَ صلاحُ الدين أشعري العقيدة شافعي المذهب، والأشعريةُ أتباعُ الإمام أبي الحسنِ الأشعري، كانَ السُلطانُ صلاحُ الدين حافظاً القُرءان وكتاب التنبيه في الفقه الشافعي وهو كِتابٌ كبيرٌ اليوم العُلماء لا يحفظونهُ إلا النادر، وكان حافظاً لِكِتابِ الحماسة، كانَ أمر المؤذنين بقراءة العقيدةَ الأشعرية على المآذنِ قبلَ الفجرِ من شدةِ اهتمامهِ بهذهِ العقيدة، وكانَ أمرَ بتعليمِ كتاب ألفهُ عالم من عُلماء ذلِك العصر فقدمهُ للسُلطان صلاح الدين، فأعجب بهِ السُلطان فقرر تدريسهُ للصِغارِ والكِبار، وهو هذا الكِتاب المُسمى العقيدة الصلاحية شُهِرَ بينَ عُلماء أهل السنة بهذا اللفظ لأنهُ قررَ تدريسَ هذهِ العقيدة في المدارِس للصِغار والكِبار قالَ محمد بنُ هبة البرمكي (ت 599 هـ) في هذا الكِتاب :

  وصانعُ العــالمِ لا يحويهِ                         قطرٌ تعالى اللهُ عـن تشبيهِ

      قد كانَ موجوداً ولا مكانَا                     وحكمهُ الآن على ماكـانَ

       سُبحانهُ جلّ عن المكـانِ                              وعـزّ عن تغيُرِ الزمانِ

        فقد غَـلا وزادَ في الغُـلوِ                    مــن خصهُ بجهةِ العـلو

   معنى ذلِك أن خالقَ العالم لا تحويهِ جهة لأنهُ مُنزهٌ عن التشبيه، اللهُ تعالى كانَ موجوداً قبلَ المَكان ولم يكُن في الأزلِ فراغٌ ولا سماءٌ ولانورٌ ولا ظلام، اللهُ لا يتغير، فكما كانَ موجوداً قبلَ المكانِ بلا مكان لا يزالُ بعدَ خلقِ المكان موجوداً بلا مكانٍ ولا جهة. ويقول إن الله تعالى مُنـزهٌ عن أن يكونَ في مكان ومنـزهٌ من أن يجري عليهِ الزمان ويقول إن من الغلو أي مُجاوزة الحد أن يصف المرء اللهَ بأنهُ في جهة العلو لأن الجِهات بالنسبةِ إلى ذات الله كلٌ على حدٍ سواء، اللهُ غني عنها وعن سائر المخلوقات، فالسماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، هذهِ هي عقيدةُ كل المسلمين وهي عقيدةُ الرسول والصحابة ومن خالفها فهو من الضالين.

    نسألُ اللهَ السلامة ونسأل الله تعالى أن يلهمنا السهر على حفظ عقيدة أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية. ءامين .

قال سمير القاضي في مرشد الحائر بشرح العقيدة المرشدة

مُرْشِدُ الْحَائِرِ

فِى حَلِّ أَلْفَاظِ رِسَالَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

 

   قَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ بنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ

   اعْلَمْ أَرْشَدَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَاحِدٌ فِى مُلْكِهِ خَلَقَ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ الْعُلْوِىَّ وَالسُّفْلِىَّ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِىَّ وَالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا. جَمِيعُ الْخَلائِقِ مَقْهُورُونَ بِقُدْرَتِهِ لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مُدَبِّرٌ فِى الْخَلْقِ وَلا شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ حَىٌّ قَيُّومٌ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلا فِى السَّمَاءِ يَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ. أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْغِنَى وَلَهُ الْعِزُّ وَالْبَقَاءُ وَلَهُ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ وَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى لا دَافِعَ لِمَا قَضَى وَلا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى يَفْعَلُ فِى مُلْكِهِ مَا يُرِيدُ وَيَحْكُمُ فِى خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ لا يَرْجُو ثَوَابًا وَلا يَخَافُ عِقَابًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ [يَلْزَمُهُ] وَلا عَلَيْهِ حُكْمٌ وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. مَوْجُودٌ قَبْلَ الْخَلْقِ لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ وَلا بَعْدٌ وَلا فَوْقٌ وَلا تَحْتٌ وَلا يَمِينٌ وَلا شِمَالٌ وَلا أَمَامٌ وَلا خَلْفٌ وَلا كُلٌّ وَلا بَعْضٌ وَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ وَلا أَيْنَ كَانَ وَلا كَيْفَ كَانَ وَلا مَكَانَ كَوَّنَ الأَكْوَانَ وَدَبَّرَ الزَّمَانَ لا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ وَلا يَتَخَصَّصُ بِالْمَكَانِ وَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ وَلا يَلْحَقُهُ وَهْمٌ وَلا يَكْتَنِفُهُ عَقْلٌ وَلا يَتَخَصَّصُ بِالذِّهْنِ وَلا يَتَمَثَّلُ فِى النَّفْسِ وَلا يُتَصَوَّرُ فِى الْوَهْمِ وَلا يَتَكَيَّفُ فِى الْعَقْلِ لا تَلْحَقُهُ الأَوْهَامُ وَالأَفْكَارُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ اهـ.

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

 

   الشَّرْحُ الْمَعْنَى أَبْتَدِئُ بِاسْمِ اللَّهِ أَوِ ابْتِدَائِى بِاسْمِ اللَّهِ، وَ»الرَّحْمٰنِ« أَىِ الْكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى الدُّنْيَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فِى الآخِرَةِ، وَ»الرَّحِيمِ« أَىِ الْكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

   قَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ بنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

   الشَّرْحُ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ هُوَ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ بنِ هِبَةِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الْحُسَيْنِ الدِّمَشْقِىُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عَسَاكِرَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِىُّ الْمَشْهُورُ. قَالَ أَبُو شَامَةَ لَيْسَ فِى أَجْدَادِهِ مَنِ اسْمُهُ عَسَاكِر وَإِنَّمَا هِىَ تَسْمِيَةٌ اشْتُهِرَتْ عَلَيْهِمْ فِى بَيْتِهِمْ وَلَعَلَّهُ مِنْ قِبَلِ أُمَّهَاتِ بَعْضِهِمْ. وَهُوَ ابْنُ أَخِى أَبِى الْقَاسِمِ عَلِىِّ بنِ الْحَسَنِ ابْنِ هِبَةِ اللَّهِ بنِ عَسَاكِرَ مُحَدِّثِ الشَّامِ وَحَافِظِهَا. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ كَمَا كَتَبَ بِخَطِّهِ فِى بَيْتٍ جَلِيلٍ كَبِيرٍ وَاهْتَمَّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ مِنْ صِغَرِهِ وَتَفَقَّهَ عَلَى قُطْبِ الدِّينِ مَسْعُودٍ النَّيْسَابُورِىِّ وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ. وَتَلَقَّى الْعِلْمَ أَيْضًا مِنْ عَمِّهِ الْحَافِظِ أَبِى الْقَاسِمِ وَشَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِى عَصْرُونَ وَأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ ابْنِ طَاهِرٍ وَأُخْتِهَا ءَامِنَةَ أُمِّ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ وَدَرَّسَ وَحَدَّثَ فِى مَكَّةَ وَدِمَشْقَ وَالْقُدْسِ وَغَيْرِهَا وَمَدَحَهُ عَدَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ كَمَا نَقَلَ الذَّهَبِىُّ فِى السِّيَرِ وَغَيْرُهُ بَلْ قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِىُّ فِى طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ »هُوَ ءَاخِرُ مَنْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِهِ عَلَى تَعْظِيمِهِ فِى الْعَقْلِ وَالدِّينِ«. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ فِى ذَيْلِ الرَّوْضَتَيْنِ »بَعَثَ إِلَيْهِ الْمُعَظَّمُ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ وَطَلَبَهُ لَيْلًا فَجَاءَهُ فَتَلَقَّاهُ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ فَأَحْضَرَ الطَّعَامَ فَامْتَنَعَ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِى الْقَضَاءِ فَقَالَ اسْتَخِيرُ اللَّهَ، فَأَخْبَرَنِى مَنْ كَانَ مَعَهُ قَالَ وَرَجَعَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ الصَّغِيرَ الَّذِى عِنْدَ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ - أَىْ فِى الْجَامِعِ الأُمَوِىِّ - فَقَامَ لَيْلَتَهُ فِى الْجَامِعِ يَتَوَرَّعُ وَيَبْكِى إِلَى الْفَجْرِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَوْهُ فَأَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَأَشَارَ بِابْنِ الْحَرَسْتَانِىِّ فَوُلِّىَ وَكَانَ قَدْ خَافَ أَنْ يُكْرَهَ فَجَهَّزَ أَهْلَهُ لِلسَّفَرِ وَخَرَجَتِ الْمَحَابِرُ إِلَى نَاحِيَةِ حَلَب فَرَدَّهَا الْعَادِلُ وَعَزَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى وَرَقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ عَيِّنْ غَيْرَكَ فَعَيَّنَ لَهُ ابْنَ الْحَرَسْتَانِىِّ« وَمِنْ شِعْرِهِ

خَفْ إِذَا مَا بِتَّ تَرْجُو          وَارْجُ إِنْ أَصْبَحْتَ خَائِف

كَمْ أَتَى الدَّهْرُ بِعُسْرٍ          فِيهِ لِلَّهِ لَطَائِف

   وَصَنَّفَ فِى الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عِدَّةَ مُصَنَّفَاتٍ. وَتُوُفِّىَ فِى عَاشِرِ رَجَبٍ سَنَةَ 620 هـ وَقَلَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جِنَازَتِهِ وَدُفِنَ فِى مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ فِى دِمَشْقَ. قَالَ أَبُو شَامَةَ »أَخْبَرَنِى مَنْ حَضَرَهُ قَالَ صَلَّى الظُّهْرَ وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنِ الْعَصْرِ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ تَشَهَّدَ وَهُوَ جَالِسٌ وَقَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا لَقَّنَنِى اللَّهُ حُجَّتِى وَأَقَالَنِى عَثْرَتِى وَرَحِمَ غُرْبَتِى ثُمَّ قَالَ وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ ثُمَّ انْقَلَبَ مَيِّتًا« اهـ. وَكَانَ مَرَضُهُ بِالإِسْهَالِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اعْلَمْ أَرْشَدَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَاحِدٌ فِى مُلْكِهِ.

   الشَّرْحُ أَنَّ الْمُلْكَ هُوَ السُّلْطَانُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَ جَزْمًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا شَرِيكَ لَهُ فِى سُلْطَانِهِ أَىْ لَيْسَ لِهَذَا الْعَالَمِ مَالِكٌ غَيْرُهُ وَلا مُدَبِّرٌ غَيْرُهُ وَلا إِلَهَ غَيْرُهُ. وَالْوَاحِدُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ مَعْنَاهُ الَّذِى لا شَرِيكَ لَهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ وَلا مَثِيلَ لَهُ. وَالْمُكَلَّفُ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِى بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلامِ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: خَلَقَ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ الْعُلْوِىَّ وَالسُّفْلِىَّ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِىَّ وَالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا.

   الشَّرْحُ أَنَّ الْعَالَمَ الْعُلْوِىَّ هُوَ السَّمَوَاتُ وَمَا فَوْقَهَا وَالسُّفْلِىَّ الأَرَضُونَ وَمَا تَحْتَهَا وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ فِى هَذَا الْعَالَمِ إِنْ كَانَ فِى السَّمَوَاتِ أَوْ فِى الأَرْضِ أَوْ فَوْقَ السَّمَوَاتِ أَوْ بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَوْ تَحْتَ الأَرْضِ كُلَّ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِى أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَيَدْخُلُ فِى ذَلِكَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ وَنَوَايَاهُمْ إِذْ هِىَ جُزْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الْفُرْقَان/2]. وَالْمَقْصُودُ بِمَا فِى السَّمَوَاتِ كَالْمَلائِكَةِ وَبِمَا فَوْقَهَا كَالْجَنَّةِ وَبِمَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَالنُّجُومِ وَبِمَا فِي الأَرْضِ كَالْبَشَرِ وَبِمَا تَحْتَ الأَرْضِ كَجَهَنَّمَ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ [قَالَ الْحَاكِمُ إِنَّ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: جَمِيعُ الْخَلائِقِ مَقْهُورُونَ بِقُدْرَتِهِ لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مُدَبِّرٌ فِى الْخَلْقِ وَلا شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ.

   الشَّرْحُ أَنَّ الْعَرْشَ الَّذِى هُوَ أَعْظَمُ الأَجْرَامِ حَجْمًا مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ هُوَ الَّذِى خَلَقَهُ وَجَعَلَهُ فِى هَذَا الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا وَهُوَ الَّذِى يُبْقِيهِ فِى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلا يَخُرُّ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَيُدَمِّرُهَا تَدْمِيرًا فَمَا سِوَى الْعَرْشِ مَقْهُورٌ لِلَّهِ مِنْ بَابِ الأَوْلَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/129] وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ شَىْءٍ أَىِ الَّذِى يُصَرِّفُ الأَشْيَاءَ عَلَى مُقْتَضَى مَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِيَّيْنِ فَلا يَحْصُلُ فِى كُلِّ الْعَالَمِ حَرَكَةٌ وَلا سُكُونٌ إِلَّا بِتَدْبِيرِهِ عَزَّ وَجَلَّ. هُوَ تَعَالَى مُصَرِّفُ الأَشْيَاءِ وَمُصَرِّفُ الْقُلُوبِ كَيْفَ يَشَاءُ إِنْ شَاءَ أَزَاغَ قَلْبَ الْعَبْدِ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/110] وَكَمَا قَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِىُّ. فَلا مُدَبِّرَ تَدْبِيرًا شَامِلًا لِجَمِيعِ الْخَلائِقِ إِلَّا اللَّهُ وَأَمَّا التَّدْبِيرُ الْجُزْئِىُّ كَتَدْبِيرِ الْمَلائِكَةِ لِأَمْرِ الْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَالنَّبَاتِ عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَشَاءَ فِى الأَزَلِ فَيَجُوزُ إِضَافَةُ مِثْلِ هَذَا إِلَى الْمَخْلُوقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِى الْمَلائِكَةِ ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [سُورَةَ النَّازِعَات/5] وَإِذَا كَانَ تَصْرِيفُ الْقُلُوبِ بِيَدِ اللَّهِ فَالأَعْمَالُ الْخَارِجِيَّةُ هِىَ بِالأَوْلَى خَلْقُ اللَّهِ وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ إِنَّ الْعَبْدَ هُوَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ وَلَيْسَ اللَّهُ خَالِقَ كُلِّ شَىْءٍ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الزُّمَر/62] وَالشَّىْءُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الأَجْسَامُ وَالأَفْعَالُ فَالْعَبْدُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَكْتَسِبَ الْعَمَلَ وَاللَّهُ يَخْلُقُهُ وَمَعْنَى يَكْتِسَبُهُ يُعَلِّقُ إِرَادَتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَهُمَا مَخْلُوقَتَانِ وَاللَّهُ يَخْلُقُ هَذَا الْفِعْلَ خَلْقًا أَىْ يُحْدِثُهُ مِنَ الْعَدَمِ فَيَجْعَلُهُ مَوْجُودًا فَلا يَحْصُلُ إِلَّا بِإِيجَادِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، وَالْعَبْدُ الْمُوَفَّقُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِىِّ لِهَذِهِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ فَأَنَا إِنْ حَرَّكْتُ يَدَىَّ أَشْعُرُ بِهَذِهِ الْحَرَكَةِ وَبِأَنَّنِى وَجَّهْتُ قَصْدِى لِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ يَحْكُمَانِ أَنَّنِى لَسْتُ خَالِقَهَا بَلْ هَذِهِ الْحَرَكَةُ الَّتِى قَامَتْ بِىَ هِىَ خَلْقُ اللَّهِ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَىٌّ قَيُّومٌ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ الْحَىَّ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ مَعْنَاهُ مَنْ لَهُ الْحَيَاةُ الأَزَلِيَّةُ الَّتِى لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ وَأَمَّا الْقَيُّومُ فَمَعْنَاهُ مُدَبِّرُ الْخَلائِقِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَائِمٌ فِى عِبَادِهِ يَحُلُّ فِيهِمْ وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْقَيُّومَ بِالدَّائِمِ الَّذِى لا يَزُولُ. وَالسِّنَةُ مَعْنَاهَا النُّعَاسُ، وَالنَّوْمُ يَكُونُ بِحَيْثُ يَغِيبُ عَقْلُ الشَّخْصِ وَلا يَسْمَعُ كَلامَ مَنْ عِنْدَهُ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِى ءَايَةِ الْكُرْسِىِّ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ[سُورَةَ الْبَقَرَة/255].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلا فِى السَّمَاءِ يَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ يَعْلَمُ مَا كَانَ أَىْ مَا وُجِدَ وَيَعْلَمُ مَا يَكُونُ أَىْ مَا سَيُوجَدُ حَتَّى نَعِيمَ الْجِنَانِ الَّذِى يَتَوَالَى وَلا يَنْقَطِعُ يَعْلَمُ الْوَاجِبَ وَاجِبًا وَالْجَائِزَ جَائِزًا وَالْمُسْتَحِيلَ مُسْتَحِيلًا وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَبِصِفَاتِهِ وَبِمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا يَتَغَيَّرُ. وَبَعْضُ غُلاةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَمِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبِصْرِىُّ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ مَا سَيَفْعَلُ الْعَبْدُ إِلَّا بَعْدَ خَلْقِهِ وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَاللَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْءَانَ ذَا وُجُوهٍ لِيَبْتَلِىَ الْعِبَادَ فَانْقَسَمَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ تُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَاتِ فَتَضَعُهَا فِى مَوَاضِعِهَا فَتَفُوزُ وَفِرْقَةٌ تُفَسِّرُهَا فَتَضَعُهَا فِى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فَتَهْلِكُ مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/66] فَمَنْ جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ ﴿الآنَ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا. وَمَنْ فَهِمَ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ لِلآيَةِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْكُمْ مِنْ مُقَاتَلَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِعَشَرَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَابِ مُقَاتَلَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَاهْتَدَى لِسَوَاءِ السَّبِيلِ. ثُمَّ إِنَّ كُلَّ شَىْءٍ يَحْدُثُ فِى هَذَا الْعَالَمِ فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَفِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى مَكْتُوبٌ فِى الْكِتَابِ الْمُبِينِ أَىْ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْقَلَمَ الأَعْلَى فَقَالَ »اكْتُبْ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ«. ومَعْنَى »أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا« أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا وُجِدَ وَمَا سَيُوجَدُ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ. وَمَعْنَى »وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا« أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ أَعْدَادَ كُلِّ شَىْءٍ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَىُّ مَخْلُوقٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [سُورَةَ الْجِنّ/28].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.

   الشَّرْحُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مَا شَاءَ حُصُولَهُ بِمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ فَعَلَهُ بِفِعْلِهِ الأَزَلِىِّ، وَمَشِيئَتُهُ أَىْ إِرَادَتُهُ أَزَلِيَّةٌ وَالْمُرَادَاتُ حَادِثَةٌ وَفِعْلُهُ أَزَلِىٌّ وَالْمَفْعُولُ حَادِثٌ.

   وَلا تَتَغَيَّرُ مَشِيئَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ يَحْصُلُ فِى الْمَخْلُوقِينَ وَهُوَ أَكْبَرُ عَلامَاتِ الْحُدُوثِ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سُورَةَ ق/29] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى »يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ أَمْرًا فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنَّمَا يُغَيِّرُ اللَّهُ الْمَخْلُوقِينَ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ الَّتِى لا تَتَغَيَّرُ فَمَا شَاءَ حُصُولَهُ وُجِدَ فِى الْوَقْتِ الَّذِى شَاءَ وُجُودَهُ فِيهِ وَمَا لَمْ يَشَأْ وُجُودَهُ لا يُوجَدُ أَبَدًا كَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ »مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَوَاءٌ فِى ذَلِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ وَالْكُفْرُ وَالإِيـمَانُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ لَكِنَّ الْخَيْرَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَبِرِضَاهُ وَبِأَمْرِهِ وَالشَّرَّ لَيْسَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَلا بِرِضَاهُ وَلا بِأَمْرِهِ.

   فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُ وَمَنْ فَسَقَ وَعَصَى فَبِخِذْلانِ اللَّهِ لَهُ وَهُوَ مَعْنَى لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَىْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ. وَلَيْسَ الْعَبْدُ فِى ذَلِكَ مُجَرَّدًا عَنِ الْمَشِيئَةِ وَلَكِنَّهُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا قَالَ فِى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ التَّكْوِير/29].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ.

   الشَّرْحُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ قُدْرَةٌ شَامِلَةٌ يُحْدِثُ بِهَا الأَشْيَاءَ فَلا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ فِى مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/120] وَلا يَلْحَقُ قُدْرَتَهُ نَقْصٌ أَوْ ضَعْفٌ أَوْ عَجْزٌ بَلْ قُدْرَتُهُ تَامَّةٌ كَمَا قَالَ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سُورَةَ الذَّارِيَات/58].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَهُ الْمُلْكُ.

   الشَّرْحُ أَىْ لَهُ السُّلْطَانُ التَّامُّ الَّذِى لا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ وَمُلْكُهُ تَعَالَى غَيْرُ الْمُلْكِ الْمَخْلُوقِ الَّذِى يُعْطِيهِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِأَنَّ هَذَا يَزُولُ.

    قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَهُ الْغِنَى.

   الشَّرْحُ أَىِ الْقِيَامُ بِنَفْسِهِ أَىْ لا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْغَنِىُّ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ فِى الْقُرْءَانِ وَوَرَدَ ذِكْرُ الْغَنِىِّ فِى حَدِيثِ ذِكْرِ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَعَلَّ مَا فِى بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ذِكْرِ الْغَنَاءِ مِنْ تَحْرِيفِ بَعْضِ النُّسَّاخِ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَهُ الْعِزُّ.

   الشَّرْحُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَزِيزٌ كَمَا قَالَ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/4] قَالَ الْحَلِيمِىُّ مَعْنَاهُ الَّذِى لا يُوصَلُ إِلَيْهِ وَلا يُمْكِنُ إِدْخَالُ مَكْرُوهٍ عَلَيْهِ وَقَالَ الْخَطَّابِىُّ الْعَزِيزُ هُوَ الَّذِى لا يُغْلَبُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ.

    قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْبَقَاءُ.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْبَقَاءِ وَهُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ بِلا طُرُوءِ فَنَاءٍ وَبَقَاؤُهُ تَعَالَى وَاجِبٌ عَقْلًا لا يَجُوزُ فِى الْعَقْلِ خِلافُهُ فَلا بَاقِىَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا هُوَ. وَأَمَّا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَمِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا الْفَنَاءُ عَقْلًا لَكِنَّهُمَا بَاقِيَتَانِ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا أَمَّا بَقَاءُ اللَّهِ فَذَاتِىٌّ. وَيَلْزَمُ مِنْ بَقَائِهِ بَقَاءُ صِفَاتِهِ مِنْ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَمَشِيئَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَهُ الْحُكْمُ.

   الشَّرْحُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقَضَاءُ.

   الشَّرْحُ الْقَضَاءُ هُوَ الْخَلْقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [سُورَةَ فُصِّلَتْ/11] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ فَيُبْرِزُهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. وَيَأْتِى الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الأَمْرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/23] أَىْ أَمَرَ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَعَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سُورَةَ الذَّارِيَات/56] أَيْ إِلَّا لِآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِى وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ شَاءَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَعْبُدَهُ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَعْبُدَهُ كُلُّهُمْ وَلا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ لَمَا وُجِدَ كَافِرٌ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةَ يُونُس/99] مَعْنَاهُ الْقُلُوبُ لَيْسَتْ بِيَدِكَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا هِىَ بِيَدِ اللَّهِ فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ الِاهْتِدَاءَ لِكُلِّ النَّاسِ لَكَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ أُمَّةِ الإِيـمَانِ وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَصَارَ بَعْضٌ مُؤْمِنِينَ وَصَارَ بَعْضٌ كَافِرِينَ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى أَىِ الدَّالَّةُ عَلَى الْكَمَالِ فَكُلُّ أَسْمَاءِ اللَّهِ حُسْنَى لَيْسَ شَىْءٌ مِنْهَا إِلَّا دَالًّا عَلَى الْحُسْنِ أَىْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصٍ فِى حَقِّهِ تَعَالَى فَالْقَادِرُ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالْعَلَّامُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ وَالرَّحْمٰنُ وَالرَّحِيمُ يَدُلَّانِ عَلَى إِثْبَاتِ الرَّحْمَةِ لَهُ تَعَالَى وَالْعَزِيزُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْعِزِّ لَهُ وَالسَّمِيعُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ السَّمْعِ لَهُ وَالْوَاحِدُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ وَالْخَالِقُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْخَلْقِ لَهُ وَالْبَصِيرُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَصَرِ لَهُ وَهَكَذَا كُلُّ أَسْمَائِهِ تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ. فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الِاسْمُ الَّذِى يَدُلُّ عَلَى النَّقْصِ فَلا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى بِآه كَمَا يَتَصَوَّرُ بَعْضُ النَّاسِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الشَّاذِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ بَلْ يَذْكُرُونَ فِى كُتُبِهِمْ أَنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ءَاه مَعَ أَنَّ ءَاه لَفْظٌ وُضِعَ لِلشِّكَايَةِ وَالتَّوَجُّعِ بِإِتِّفَاقِ اللُّغُوَيِّينَ وَنَصَّ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ الأَنِينَ يُبْطِلُ الصَّلاةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ فَلَوْ كَانَ ءَاه مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَمَا أَبْطَلَ الصَّلاةَ وَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ »إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَإِذَا قَالَ ءَاه ءَاه فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْ جَوْفِهِ« أَىْ يَدْخُلُ إِلَى فَمِهِ وَيَسْخَرُ مِنْهُ، وَءَاه مِنْ أَلْفَاظِ الأَنِينِ بَلْ هُوَ أَشْهَرُهَا وَيَبْلُغُ عَدَدُهَا عِشْرِينَ كَمَا ذَكَرَهَا عُلَمَاءُ اللُّغَةِ وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَالُوا ءَاه اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ وَلَفْظُهُ دَعُوهُ يَئِنُّ فَإِنَّ الأَنِينَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَلَمْ يَرِدْ فِى حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلا مَوْضُوعٍ أَنَّ ءَاه اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَالْعَجَبُ لِهَؤُلاءِ كَيْفَ اخْتَارُوا لَفْظَ ءَاه مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الأَلْفَاظِ الْعِشْرِينَ وَتَرَكُوا مَا سِوَاهُ وَمِنْهَا ءَاوُوهُ وَأَوَّتَاهُ. فَمُقْتَضَى احْتِجَاجِهِمْ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ الأَنِينِ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِالْمُقِيمِ كَمَا يَلْهَجُ بِذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُونَ سُبْحَانَ الْمُقِيم. كَمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ رُوحًا وَلا عَقْلًا كَمَا سَمَّى سَيِّدُ قُطُب اللَّهَ تَعَالَى الْعَقْلَ الْمُدَبِّرَ لِأَنَّ الرُّوحَ وَالْعَقْلَ مَخْلُوقَانِ فَكَيْفَ يَتْرُكُ هَذَا الرَّجُلُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى وَيُسَمِّى اللَّهَ بِأَسْمَاءٍ مِنْ عِنْدِهِ فَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ الأَشْعَرِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالرُّوحِ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ »إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ« وَفِى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ »مَنْ حَفِظَهَا« وَهِىَ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ. وَقَدْ وَرَدَ فِى تَعْدَادِهَا عِدَّةُ رِوَايَاتٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ »هُوَ اللَّهُ الَّذِى لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْخَافِضُ الرَّافِعُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ الْمَجِيدُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِىُّ الْمَتِينُ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ الْمُحْصِى الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْمُحْيِى الْمُمِيتُ الْحَىُّ الْقيُّومُ الْوَاجِدُ الْمَاجِدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ الأَوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِى الْمُتَعَالِ الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّؤُوفُ مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ الْغَنِىُّ الْمُغْنِى الْمَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الْهَادِى الْبَدِيعُ الْبَاقِى الْوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ«.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا دَافِعَ لِمَا قَضَى.

   الشَّرْحُ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الْقُدْسِىُّ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لا أَحَدَ يَمْنَعُ نَفَاذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ فَسَادُ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ فُلانًا ذَكَرًا فَخَلَقَهُ أُنْثَى.

   وَاعْتِقَادُ الْبَعْضِ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ مَشِيئَتَهُ إِذَا دَعَا الإِنْسَانُ أَوْ تَصَدَّقَ مِنْ حَلالٍ فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَلا يَلِيقُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى.

   الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا جَاءَ مَعْنَاهُ فِى حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى دُبُرِ صَلاتِهِ »لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ« فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدٍ أَنْ تُصِيبَهُ نِعْمَةٌ مِنَ النِّعَمِ فَهُوَ يُمَكِّنُهُ مِنْهَا وَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْهُ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِىُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ »وَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ«.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَفْعَلُ فِى مُلْكِهِ مَا يُرِيدُ.

   الشَّرْحُ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى فِى الأَزَلِ وَشَاءَ حُصُولَهُ بِمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَيَخْلُقُهُ بِتَخْلِيقِهِ الأَزَلِىِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَزَّ وَجَلَّ مَجْبُورًا عَلَى شَىْءٍ بَلِ الأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [سُورَةَ الْقَصَص/68].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَحْكُمُ فِى خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ.

   الشَّرْحُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ وَيَفْرِضُ مَا يَشَاءُ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَرْجُو ثَوَابًا وَلا يَخَافُ عِقَابًا.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يَرْجُو مِنْ عِبَادِهِ ثَوَابًا أَوْ مَنْفَعَةً قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [سُورَةَ الذَّارِيَات/57] فَاللَّهُ مَا كَلَّفَهُمْ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ نَفْعٌ مِنْ ذَلِكَ وَلا نَهَاهُمْ عَنْ شَىْءٍ لِأَنَّهُ يَخَافُ ضَرَرًا أَوْ عِقَابًا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَكَيْفَ يَرْجُو ثَوَابًا مِنْ عِبَادِهِ أَوْ يَخَافُ عِقَابًا وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ أَعْمَالِهِمْ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ يَلْزَمُهُ وَلا عَلَيْهِ حُكْمٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ وَلا حُكْمٌ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ إِذْ لا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ مِنْ شَىْءٍ وَلا يَأْمُرُهُ بِشَىْءٍ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ النِّعْمَةَ هِىَ الْمِنَّةُ أَىْ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْطِىَ عِبَادَهُ النِّعَمَ بَلْ هُوَ مُتَفَضِّلٌ مُتَكَرِّمٌ بِذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يُعْطِهِمْ هَذِهِ النِّعَمَ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُمْ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [سُورَةَ النُّور/21].

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ النِّقْمَةَ هِىَ الْعُقُوبَةُ فَمَنْ أَثَابَهُ اللَّهُ فَبِفَضْلِهِ وَمَنْ عَاقَبَهُ فَبِعَدْلِهِ وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا وَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلا يُقَالُ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ لِمَ يُؤْلِمُ الأَطْفَالَ وَالْبَهَائِمَ وَيُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ الأَوْجَاعَ وَالأَمْرَاضَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ ذَنْبٌ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا إِنْ أَرَادَ اسْتِكْشَافَ الْحِكْمَةِ فِى إِيلامِ الأَطْفَالِ وَالْبَهَائِمِ فَقَالَ لِمَ يُؤْلِمُ فَلا يَكْفُرُ وَالأَمْرُ كَمَا اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/23].

   الشَّرْحُ أَنَّهُ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِى فِعْلِهِ وَلا يُسْأَلُ وَأَمَّا الْعِبَادُ فَيُسْأَلُونَ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِىُّ لِكُلِّ شَىْءٍ وَلا يُشَارِكُهُ فِى مُلْكِهِ أَحَدٌ يَمْلِكُ الْعِبَادَ وَمَا مَلَّكَهُمْ وَهُوَ يَفْعَلُ فِى مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ وَلِذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الظُّلْمُ لِأَنَّهُ حَكِيمٌ لا يَضَعُ الأُمُورَ فِى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَلِأَنَّ الظُّلْمَ يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَهُ ءَامِرٌ وَنَاهٍ كَالْعِبَادِ إِذِ الظُّلْمُ هُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَلِذَلِكَ يُسْأَلُ الْعَبْدُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَلِمَ فَعَلْتَ كَذَا كَمَا جَاءَ فِى حَدِيثِ التِّرْمِذِىِّ »لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ« وَأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلا ءَامِرَ لَهُ وَلا نَاهٍ لِذَلِكَ لا يُسْأَلُ وَلا يُنْسَبُ إِلَيْهِ ظُلْمٌ أَوْ تَفْرِيطٌ كَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَوْجُودٌ قَبْلَ الْخَلْقِ.

   الشَّرْحُ أَنَّ وُجُودَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَزَلِىٌّ فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْخَلْقِ وَحْدَهُ فِى الأَزَلِ كَمَا جَاءَ فِى حَدِيثِ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ »كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمَا وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/2] فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْبَيَانِ قَالُوا مِمَّا يُفِيدُ الْحَصْرَ كَوْنُ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ مَعْرِفَةً وَفِى هَذِهِ الآيَةِ الْمُبْتَدَأُ مُضْمَرٌ أَىْ »هُوَ« وَالْخَبَرُ »الأَوَّلُ« وَكِلاهُمَا مَعْرِفَةٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لا أَوَّلَ بِمَعْنَى لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلا.

   وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْعَالَمِ بِنَوْعِهِ أَوْ بِأَفْرَادِهِ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ فَقَدْ كَذَّبَ هَذِهِ الآيَةَ وَفَارَقَ الإِسْلامَ وَلَحِقَ بِالْفَلاسِفَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ جَاءَ فِى أَكْثَرِ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ كُتُبِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَةَ أَنَّ نَوْعَ الْعَالَمِ قَدِيمٌ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ وَهَذَ كُفْرٌ صَرِيحٌ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ وَلا بَعْدٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا نَفْىٌ لِسَبْقِ الْعَدَمِ عَنِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ نَفْىٌ لِلِحُوقِ الْفَنَاءِ بِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَنَّ كُلَّ مَا يُنَافِى ثُبُوتَ الأَزَلِيَّةِ أَوِ الْبَقَاءِ لَهُ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا تَصِحُّ لِمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِمَا فَالإِلَهُ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَقْلًا أَنْ يَسْبِقَهُ أَوْ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا فَوْقٌ وَلا تَحْتٌ وَلا يَمِينٌ وَلا شِمَالٌ وَلا أَمَامٌ وَلا خَلْفٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِى أَيَّةِ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ أَوْ فِى جَمِيعِهَا. لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَعْتَقِدُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فِى جِهَةِ فَوْقٍ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ فِى جِهَةِ أَمَامٍ مُنْحَصِرٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَالْهَوَاءِ حَالٌّ وَمُنْبَثٌّ فِى كُلِّ مَكَانٍ وَبَعْضُهُمْ كَالْمَدْعُو نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِىُّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ كَمَا تُحِيطُ الْيَدُ بِمَا تُمْسِكُهُ هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ يُنَافِى التَّوْحِيدَ الصَّحِيحَ. قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى فِى عَقِيدَتِهِ الَّتِى سَمَّاهَا عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ »تَعَالَى أَىِ اللَّه عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ أَىِ النِّهَايَاتِ وَالأَرْكَانِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَدَوَاتِ وَلا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ« اهـ. وَكَلامُهُ هَذَا مِنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ وَجَوَاهِرِ الْعَقِيدَةِ لِأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِشَىْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ كَانَ فِى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ يَكُونُ لَهُ حَدٌّ وَمِقْدَارٌ وَصُورَةٌ وَهَذِهِ صِفَاتُ الأَجْسَامِ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] وَلَيْسَ اخْتِصَاصُ اللَّهِ بِجِهَةِ فَوْقٍ كَمَالًا فِى حَقِّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ إِذْ أَنَّ الشَّأْنَ فِى عُلُوِّ الْمَكَانَةِ وَلَيْسَ فِى عُلُوِّ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ فَهَؤُلاءِ الْمَلائِكَةُ الْحَافُّونَ بِالْعَرْشِ مَكَانُهُمْ أَعْلَى بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ الأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ وَأَرْفَعُ عِنْدَ خَالِقِهِمْ عَزَّ وَجَلَّ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا كُلٌّ وَلا بَعْضٌ.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ وَلِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلا بِالْبَعْضِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ. قَالَ الْحَلِيمِىُّ فِى تَفْسِيرِ اسْمِ اللَّهِ الْمُتَعَالِ مَعْنَاهُ الْمُرْتَفِعُ عَنْ أَنْ يَجُوزَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثِينَ مِنَ الأَزْوَاجِ وَالأَوْلادِ وَالْجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ وَاتِّخَاذِ السَّرِيرِ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَالِاحْتِجَابِ بِالسُّتُورِ عَنْ أَنْ تَنْفُذَ الأَبْصَارُ إِلَيْهِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ إِثْبَاتَ بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يُوجِبُ النِّهَايَةَ وَبَعْضُهَا يُوجِبُ الْحَاجَةَ وَبَعْضُهَا يُوجِبُ التَّغْيِيرَ وَالِاسْتِحَالَةَ وَشَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِالْقَدِيمِ وَلا جَائِزٍ عَلَيْهِ اهـ. نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ وَلا أَيْنَ كَانَ وَلا كَيْفَ.

   الشَّرْحُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَتَى كَانَ اللَّهُ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ نِسْبَةُ الْبِدَايَةِ وَالْوُجُودِ بَعْدَ سَبْقِ الْعَدَمِ إِلَيْهِ وَجَرَيَانِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ وَلا يَجُوزُ كَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ أَيْنَ كَانَ اللَّهُ عَلَى مَعْنَى السُّؤَالِ عَنْ مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ وَلا أَنْ يُقَالَ كَيْفَ كَانَ لِأَنَّ فِيهِ نِسْبَةُ الْكَيْفِيَّةِ أَىْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَيْهِ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّهْىَ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَرَّرَ الِاعْتِقَادَ الصَّحِيحَ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ وَلا مَكَانَ كَوَّنَ الأَكْوَانَ وَدَبَّرَ الزَّمَانَ لا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ وَلا يَتَخَصَّصُ بِالْمَكَانِ.

   الشَّرْحُ لَيْسَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ »وَلا يَتَخَصَّصُ« أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ بِالْجِهَاتِ كُلِّهَا لِأَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْجِهَاتُ غَيْرُهُ تَعَالَى وَقَدْ كَانَ وَلا شَىْءَ غَيْرُهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ وَهِىَ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ بَلْ وَالْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا سَلَفًا وَخَلَفًا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ وَابْنُ الْجَارُودِ، أَىْ كَانَ فِى الأَزَلِ وَلَمْ يَكُنْ مَكَانٌ وَلا شَىْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ الْمَكَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا كَانَ فَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ مِنَ النُّصُوصِ أَخَذَ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَهُمْ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ.

   وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »أَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ« ثُمَّ قَالَ »اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَفْىِ الْمَكَانِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ شَىْءٌ وَلا دُونَهُ شَىْءٌ لَمْ يَكُنْ فِى مَكَانٍ« اهـ.

   وَرَوَى الرَّمْلِىُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَ عَلِىٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ »كَانَ اللَّهُ وَلا مَكَان وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَان« اهـ.

   وَرَوَى الْحَافِظُ اللُّغَوِىُّ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ الإِحْيَاءِ بِالإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ أَنَّ الإِمَامَ عَلِيًّا زَيْنَ الْعَابِدِينَ كَانَ يَقُولُ »سُبْحَانَكَ لا يَحْوِيكَ مَكَانٌ« اهـ وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ كَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ الْبَيْتِ فِى زَمَانِهِ.

   وَقَدْ قَرَّرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَنْ لا يُحْصَى مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلامِ كَأَبِى حَنِيفَةَ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِىِّ وَالْمَاتُرِيدِىِّ وَالأَشْعَرِىِّ وَغَيْرِهِمْ بَلْ نَقَلَ التَّمِيمِىُّ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ ذَكَرَهُ فِى كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ فَلا عِبْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُشَبِّهٍ يَعْتَرِضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ فَطَاحِلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى إِيرَادِهِمْ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْقَيِّمَةِ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَأَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى الْمَكَانَ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَجَعَلَهُ عَدِيلًا لَهَا وَخَالَفَ صَرِيحَ الْقُرْءَانِ وَصَحِيحَ الْحَدِيثِ وَالْعَقْلَ.

   فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْمَكَانِ وَمُدَبِّرُ الزَّمَانِ وَمُجْرِيهِ وَمُكَوِّنُ الأَكْوَانِ أَىْ خَالِقُ الْمَخْلُوقَاتِ وَمُبْرِزُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَلا يُوصَفُ بِصِفَاتِهَا كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ »أَنَّى يُشْبِهُ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ« فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ بِمَكَانٍ أَوْ بِكُلِّ الأَمَاكِنِ وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُتَقَيِّدٌ بِزَمَانٍ أَوْ بِكُلِّ الأَزْمِنَةِ تَعَالَى عَنْ مَعَانِى الْمُحْدَثِينَ وَسِمَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.

   الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْرِزُ الأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّتَيْنِ وَبِتَخْلِيقِهِ الأَزَلِىِّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى جَارِحَةٍ أَوْ إِلَى اسْتِعْمَالِ ءَالَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِالْمَقْدُورَاتِ تُوجَدُ فِى الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ الَّذِى شَاءَ وُجُودَهَا فِيهِ وَلا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ وَلا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سُورَةَ يس/82] وَالْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ وَلا أَمْرٌ عَنْ إِنْفَاذِ أَمْرٍ ءَاخَرَ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالْجَوَارِحِ وَيَسْتَعِينُ بِالآلاتِ فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَغْرَقَ شَغْلَهَا بِأَمْرٍ عَسُرَ عَلَيْهِ الِاسْتِعَانَةُ بِهَا فِى أَمْرٍ ثَانٍ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.

   قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يَلْحَقُهُ وَهْمٌ وَلا يَكْتَنِفُهُ عَقْلٌ وَلا يَتَخَصَّصُ بِالذِّهْنِ وَلا يَتَمَثَّلُ فِى النَّفْسِ وَلا يُتَصَوَّرُ فِى الْوَهْمِ وَلا يَتَكَيَّفُ فِى الْعَقْلِ لا تَلْحَقُهُ الأَوْهَامُ وَالأَفْكَارُ.

   الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا يَخْتَصِرُهُ قَوْلُ الإِمَامِ ذِى النُّونِ الْمِصْرِىِّ ثَوْبَانَ بنِ إِبْرَاهِيمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ »مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ« اهـ رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِى تَارِيخِ بَغْدَادَ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَتَصَوَّرُهُ بِبَالِكَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالْخَالِقُ لا يُشْبِهُ مَخْلُوقَهُ كَمَا قَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ »مَنِ انْتَهَضَ لِمَعْرِفَةِ مُدَبِّرِهِ فَاطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ يَنْتَهِى إِلَيْهِ فِكْرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ وَإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى الْعَدَمِ الصِّرْفِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ وَإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ وَاعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ« اهـ لِذَلِكَ نَهَى السَّلَفُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْوُصُولِ إِلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ اللَّهَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ إِنَّمَا مَعْرِفَتُنَا بِاللَّهِ هِىَ بِمَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ فِى حَقِّهِ وَمَا يَجُوزُ فِى حَقِّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا »تَفَكَّرُوا فِى خَلْقِ اللَّهِ وَلا تَفَكَّرُوا فِى ذَاتِ اللَّهِ« رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ اهـ.

   وَكُلُّ مَنْ يَتَفَكَّرُ فِى ذَاتِهِ تَعَالَى فَيَتَخَيَّلُ بِخَيَالِهِ صُورَةً أَوْ يَتَوَهَّمُهَا بِوَهْمِهِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ مَا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ هُوَ اللَّهُ فَهُوَ لَيْسَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا إِذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَابِدِ الصَّنَمِ فَعَابِدُ الصَّنَمِ عَبَدَ صُورَةً نَحَتَهَا وَهَذَا عَبَدَ صُورَةً تَخَيَّلَهَا وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُصَدِّقُ فَيَعْبُدُ مَنْ لا شَبِيهَ لَهُ وَلا مَثِيلَ كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ الرِّفَاعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ »غَايَةُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ« وَهَذَا كُلُّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِى الآيَةِ الْمُحْكَمَةِ الْجَامِعَةِ مِنْ سُورَةِ الشُّورَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَلِذَلِكَ خَتَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَقِيدَتَهُ النَّافِعَةَ هَذِهِ بِإِيرَادِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

   الشَّرْحُ قَدَّمَ تَعَالَى التَّنْزِيهَ فِى هَذِهِ الآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لِيُعْلَمَ أَنَّ سَمْعَهُ لَيْسَ كَسَمْعِ غَيْرِهِ أَىْ لَيْسَ بِأُذُنٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ وَأَنَّ بَصَرَهُ لَيْسَ كَبَصَرِ غَيْرِهِ أَىْ لَيْسَ بِحَدَقَةٍ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ.

   وَيُنَاسِبُ هُنَا أَنْ نَخْتِمَ هَذَا الْحَلَّ الْمُوجَزَ لِعِبَارَاتِ هَذَا الْمَتْنِ بِإِيرَادِ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى حِلْيَتِهِ فِى تَرْجَمَةِ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ قَالَ »حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الْحَارِثِ ثَنَا الْفَضْلُ بنُ الْحَبَّابِ الْجَمْحِىُّ ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ قَالَ كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فِى دَارِ الإِمَارَةِ دَارِ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا نَوْفُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَابِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ عَلِىٌّ »عَلَىَّ بِهِمْ« فَلَمَّا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالُوا لَهُ يَا عَلِىُّ صِفْ لَنَا رَبَّكَ هَذَا الَّذِى فِى السَّمَاءِ كَيْفَ هُوَ وَكَيْفَ كَانَ وَمَتَى كَانَ وَعَلَى أَىِّ شَىْءٍ هُوَ، وَالْيَهُودُ مُشَبِّهَةٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فِى السَّمَاءِ وَيَقْعُدُ عَلَى الْعَرْشِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُونَ، فَاسْتَوَى عَلِىٌّ جَالِسًا وَقَالَ »مَعْشَرَ الْيَهُودِ اسْمَعُوا مِنِّى وَلا تُبَالُوا أَنْ لا تَسْأَلُوا أَحَدًا غَيْرِى إِنَّ رَبِّىَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الأَوَّلُ لَمْ يَبْدُ مِمَّا وَلا مُمَازِجٌ مَعْمَا وَلا حَالٌّ وَهْمًا وَلا شَبَحٌ يُتَقَصَّى وَلا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى وَلا كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ« وَقَالَ »مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُود فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُود« اهـ.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم